أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم نافل والي - قصة قصيرة بعنوان/ واقعة














المزيد.....

قصة قصيرة بعنوان/ واقعة


هيثم نافل والي
الحوار المتمدن-العدد: 5638 - 2017 / 9 / 13 - 20:36
المحور: الادب والفن
    


هناك من لا يعرف الحق كما يعرف الباطل. علي ابن ابي طالب.
كنت جالساً في بيتي تحت قبة السماء تحرسني رعاية الله والجو لطيفاً كفيء الظل عندما اتصل بي أحدهم يكركر جاهلاً سبب تزلفه العجيب منوهاً بجدية لا تتناسب وسنه الضاحك وكركراته اللعينة:
- لماذا تنساني دائماً؟
الحقيقة، باغتني سؤاله، قلت وأنا أشك في نواياه:
- وما الداعي من هذا السؤال؟
كالطلقة:
- لأنك لم تطلب مني يوماً أن أكتب مقدمة لإحدى كتبك كما فعلت مع الآخرين؟ تابع منغصاً الأجواء التي أصبحت ملغمة فجأة: لي رغبة لا تقاوم لفعل ذلك!!
خجلي سبق لساني، كدت أرفض لولا آفتي المنخورة هذه التي لا أعرف كيف أبرأ منها، أجبته دون تفكير طويل:
- تدلل، لك ما تريد، سأجعلك تحقق رغبتك، سأبعث ملف كتابي الجديد الجاهز للطبع الآن بشرط!
صاح بخبل:
- موافق على كل شروطك دون حاجتي لمعرفتها!
- اتق الله يا رجل، اسمع أولاً ثم أعط رأيك، أضفت موجزاً: الوقت مهم بالنسبة لي، الكتاب يعتبر جاهزاً للطبع، لا تتأخر عليّ..
قهقهة من جديد كما يفعل جنرال منتصر، قال:
- سأعتني بمقدمة كتابك كما أعتني ببؤبؤ عيني! لا تقلق، خلال أيام معدودة ستكون عندك. أعدك بشرفي، قال الكلمة الأخيرة وانقطع الخط وأنا ألوب لجهلي المطبق بإمكانيات صاحبنا الهازل الساخر الذي يبدو لا يعرف حتى أن يقسم الشعير بين حمارين!
بعثت له ملف كتابي بعد أن استغفرت ربي وقبلت بقدري ونصيبي..
قلقي بدأ يتورم في داخلي كجنين في رحم أمه، انتظر المقدمة الموعودة الملعونة التي وعدني بها ولم يرسلها، فات أسبوع على حديثنا، شهر، ومرت أيام فوقه ولم يستجد شيئاً؛ المطبعة تنتظر، وبنود العقد كانت واضحة وصريحة، المفروض تسليم الملف قبل أن يتصل الضاحك، مر أكثر من أربعين يوماً ولم يحصل ما تم الاتفاق عليه، فاضطررت متنازلاً للاتصال به..
رفع سماعة الهاتف متبختراً كالطاووس في صياحه:
- أهلاً يا صاحبي! أخيراً تكرمت وتتصل بنا! يجب أن يسجلها التاريخ، هذه اللحظة عليها أن تتوقف كي نأخذ منها صورة تبقى تذكار.. ثم أطلق لنفسه العنان في الضحك الذي لم أجد له سبباً أو منطقا..
قلت أداريه في مأساته العقلية:
- وعدتني بالمقدمة، وبناءً على طلبك أرسلت ملف كتابي بوقتها واشترطت عليك أن تتعامل مع الزمن بحذر، لكنك خلفت وعدك، وحنثت عهدك.. قاطعني كتاجر أعراض، بلا خجل:
- وماذا يعني؟ لم يفت على عهدي غير بضعة أيام! تابع كمن حلّت الخمر عقدة لسانه: صجيتنا! انتظر دقائق وسأرسلها لك، ما هذا؟ ثم أغلق الخط..
استغربت تصرفه غير اللائق، تحجرت الكلمات في حلقي أبت أن تخرج، ولمن تخرج، لقد أغلق اللاهي الخط دون أي اعتبار، تصفحت بريدي الخاص كما وعدني ففوجئت برسالة منه، استبشرت خيراً، حدثت نفسي ألومها على تعجلها، وسوء خاطرها، قلت:
- يعلم الله ما في الصدور، لقد أخذت من الرجل مأخذاً، لم أصدقه ولم أعذره، ربما كانت له ظروفه، وها هي رسالته تصلني كالبرق، لأفتحها وأرى ما في داخلها، وكانت المفاجأة الحقة التي تذيب الحديد بسهولة وتجعله يغلي كالماء..
كانت نصاً رائعاً، اللغة مرنه، شفافة، جزلة، صقلتها بلاغة لا يمكن وصفها بالكلمات التي أعرفها، محكمة، تدق لها فترقص كما يقال، لكنها لا تتعلق بفحوى ومحتوى مجموعتي القصصية التي أرسلتها له! ليس هناك أي ذكر أو إشارة تنوه كقراءة نقدية منها يستهل ويبدأ كتابي لتقديمه للجمهور، ببساطة كانت المقدمة رائعة جداً لكتاب آخر، ليس لها أي علاقة بأفكار كتابي، وعليه شعرت بالريبة أولاً ثم الحزن وأخيراً قررت الاتصال به مجدداً بعد أن فوضت أمري لله:
رفع سماعة الهاتف مختالاً كأمير متنكر كعادته المنحوسة التي أمقتها:
- نعم يا صاحبي، توقعت أن تعاود الاتصال لتشكرني!!
بلهجة مقتضبة خشنة لا تخرج من فتحات غربال:
- عندي سؤال محدد؟
- سل..
- اسمع، كتابي سيخرج إلى المكتبات، ستكتب عنه الصحافة، سيكون عرضة لكل شخص، المسؤولية كبيرة قد لا تتوقعها، وعليه أسألك:
- هل قرأت ملف كتابي وفهمت أفكار قصصي؟!
هي.. هي.. هي.. ومن بين أسنانه الضاحكة، ناح:
- أنا لا أحتاج لأقرأ قصصك، أعرفك جيداً، فلا داعٍ لتضييع وقتي في شيء أعرفه مسبقاً!!
- كيف كتبت المقدمة إذن؟ تابعت منقبض الصدر كشخص يحتضر:
- هل ما كتبته من إبداعك؟ أقصد، كم نسبة ما كتبته وما لطشته من غيرك؟ بمعنى أدق: هل هي لك؟
الملعون كركر من جديد فدمر ما تبقى من أعصاب كانت غير معطوبة في جثتي، ثم غمغم كمارق في الدين:
- وهل أنا نبي أو رسول كي ينزل عليّ وحي يمليني ما سأقول وأكتب؟!
وهنا لم أطق الصبر، انفجرت في وجهه صارخاً بعد أن نسيت نفسي:
- إذا لم تكن نبي أو رسول كتابة لماذا تزج نفسك وتحشرها في شغلة الكتابة؟!
دمدم متأثراً من ردي الصاعق الساحق، نبر:
- هذه عادة تعودت عليها منذ زمن بعيد حتى وقبل أن تولد أنت، آخذ من هنا جملة، ومن هناك فقرة، ألصق هذا بذاك فأستخرج نصاً بديعاً متكاملاً وكما رأيت بنفسك، أضاف بلا إنصاف: بالله عليك، ألم تعجبك المقدمة التي أرسلتها؟ استمر بلا ضمير كأنه يستجوبني في تهمة:
- قل، لا تنكر، أعجبتك أم لا؟ ثم واصل متذمراً قاطعاً للأمل: انظر، لا تنشر لي شيئاً في كتابك، أهمل ما بعثته لك وأعتبر الموضوع في حكم المنتهي، ليس عندي مقدمات أكتبها لك، هل سمعت؟ ارمها ولا تسألني بعد اليوم عن شيء أكتبه لك، وانقطع الخط كما في كل مرة!!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كيف برهنت روايتنا- أنهر بنت الرافدين- عن رؤية المستقبل؟
- قصة قصيرة جداً بعنوان/ الطبع الأزلي
- قصة قصيرة بعنوان/ الصعود إلى الهاوية
- قصة قصيرة جداً بعنوان/ من داخل الزنزانة
- قصة قصيرة بعنوان/ الإنسان الفنان
- قصة قصيرة بعنوان/ حظ السعد
- قصة قصيرة جداً بعنوان/ سلطة الأب الشرقي
- قصة قصيرة بعنوان/ أنا الصابئية
- قال بعنوان/ الإرادة الواعية
- اللغة من منظار آخر
- قصة قصيرة بعوان/ صحوة الضمير
- قصة قصيرة جداً بعنون/ رجل الصيانة
- قصة قصيرة بعنوان/ أنا آسف
- مقال بعنوان/ كيف سيطر الغرب على الشرق؟
- قصة قصيرة بعنوان/ بيت الأحلام
- قصة قصيرة بعنوان/ الملعون
- قصة قصيرة بعنوان/ الجوهرة المفقودة
- قصة قصيرة بعنوان/ ساحل البحر
- قصة قصيرة بعنوان/ ملح العيون
- قصة قصيرة بعنوان/ لغز غازية العرافة


المزيد.....




- فلم القاتلة المسيرة: تكنولوجيا الالم في رثاء القارات
- عمرو دياب ومحمد رمضان يعزيان الشعب المصري
- هند صبري: السينما التونسية أجرأ من المصرية
- تذكارات لمشاهير بينهم ديلان في مزاد بنيويورك
- فيزيائيون روس يستخدمون المحاكاة الكمومية لفك وتشفير رموز آلي ...
- عائلة  خفوروستوفسكي تدعو محبيه للتبرع بالمال بدل الزهور
- مهرجان يجمع موسيقيين من 85 دولة بالرباط
- فنانون احترفوا -السرقة-.. فهل تجاوزوا حدودهم؟
- خفوروستوفسكي.. الحب من القبلة الأولى
- بريكست ينزع -عاصمة الثقافة الأوروبية- من بريطانيا


المزيد.....

- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم نافل والي - قصة قصيرة بعنوان/ واقعة