أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سعيد العليمى - المنظور اللينينى للقانون - ى . ب باشوكانيس















المزيد.....



المنظور اللينينى للقانون - ى . ب باشوكانيس


سعيد العليمى
الحوار المتمدن-العدد: 5632 - 2017 / 9 / 6 - 18:22
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


المترجم سعيد العليمى
لينين وقضايا القانون*

يفجينى ب. باشوكانيس

رغم أن لينين كان محامياً بحكم تعليمه، إلا أنه لم يكرس أبداً عناية خاصة لمشاكل القانون. وقد يستخلص المرء من هذا استنتاجاً متعجلاً بالأحرى بأن مثل هذه المقولة لا ينبغى أن تلقى اهتماماً على الإطلاق عند القيام بدراسة منهجية لتراثه الأيديولوجى الضخم. وبطبيعة الحال، سيكون هذا أمراً غير صائب. حيث يمكن لنا القول بادئ ذى بدء، بأن هناك سلسلة من الملاحظات والأفكار المنعزلة التى تتعلق بالقانون تتناثر عبر مؤلفاته. وهى تحتاج إلى أن تستخرج وتصنف وتنظم. إن إسهام لينين فى هذا الموضوع لم يطور بشكل كاف على يد الماركسيين، ويمكن تقويمه بعد إنجاز هذه المهمة فقط. أضف إلى ذلك، أنه ليس كل ما كتبه فلاديمير إيليتش فى الفترة السوفييتية، ولم يقصد به النشر مباشرة، قد نشر بالفعل، أى، كتاباته التى تتعلق بالمشاكل العملية لإنشاء الدولة السوفيتيية التى حفظت فى شكل ملاحظات توجيهية عديدة ومراسلات إلى رفاق بعينهم، وكذلك كل أشكال الأوامر، والتعليمات الممكنة.. إلخ. فقط حينما تنظم وتنشر كل هذه المادة سوف نكون قادرين على تصور فكرة شاملة حقاً عن ماذا تعنى اللينينية بالنسبة لقضايا القانون.
من الطبيعى، ألا نتوقع أن نحقق، فى المقال الراهن، نتائج استثنائية بصدد عمل يتطلب جهوداً ضخمة أساسية، وربما جماعية. ولكن ينبغى فى هذه المرحلة أن نذكر شيئاً. يمكن لنا أن نحقق مقاربة ماركسية وجدلية أكثر صواباً لقضايا القانون من خلال لينين، الذى لم يكتب عن القانون بصفه خاصة ، أكثر مما يمكن أن نحققه من خلال الماركسيين الآخرين الذين كرسوا أنفسهم لهذه القضايا. وحتى أبرهن على هذه المسألة سوف أقدم مثلاً واحداً. المسألة تتعلق بواحدة من المؤسسات القانونية الأساسية: مؤسسة الملكية الخاصة. يقدم بعض الماركسيين الذين يتبعون مثال رينر Renner جدل هذه المؤسسة بطريقة غاية فى البساطة تماماً.
فى عصر الاقتصاد الطبيعى المغلق والمعزول، نظر إلى حق ملكية الأشياء بوصفه العنصر المميز بالفعل لمختلف مجموعات البشر بعضها عن البعض الآخر. ولم يكن للغرباء علاقة بهؤلاء الملاك.
إن علاقات التبادل بين الجماعات أو ممثليهم، وتبادل فائض الاقتصاد الطبيعى، والعلاقات التعاقدية التى ترتبط بهذا التبادل، هذه العناصر فقط هى، فى الواقع، التى يمكن أن تربط الأفراد واحدهم بالآخر(1).
قد يبدو أنه ليس هناك ما هو أبسط: كلما قل التبادل وكلما قل دور السوق، كلما ذررت/ فتتت الملكية الخاصة الناس أكثر، وكلما غلبت العلاقة بين الإنسان والشىء، وكلما ساد قانون الأشياء. يستنتج نفس المؤلف من ناحية أخرى أن الملكية الخاصة الرأسمالية... لا تذرر الناس وإنما توحدهم بقوة، وتكبل العمال إن لم يكن برأسمالى فرد، فعلى الأقل بالرأسماليين كمجموعة. وهو يستنتج من هذا أن الاختلاف بين قانون الأشياء وقانون الالتزامات، بصفة خاصة فى الشكل الذى يعطيه إياه الفقه البورجوازى، يتوافق ليس مع النظام الرأسمالى، وإنما مع هيكل الاقتصاد الطبيعى البسيط. هذا مثل عن تحليل غاية فى التبسيط ـ يُظن نسبته إلى ماركس، لكن صاغه رينر Renner فى الواقع.
يخفق جويخبارج Goikhbarg تماماً فى إدراك الإمكانية الجدلية بأنه فى تذرر/ تفتت الناس، يقابله أتخاذ الملكية الخاصة مظهرها بتوحيدهم من خلال التبادل، من خلال السوق، بقدر ما يضمحل الاقتصاد الطبيعى ويحل محله اقتصاد سلعى نقدى. على أية حال، فى واحد من مؤلفات لينين الباكرة، لا نجد فقط فهماً واضحاً لجدل الملكية الخاصة، وإنما صياغة دقيقة متوافقة معها. إذ يعترض على ميخايلوفسكى Mikhailovsky حول مسألة طبيعة حق الميراث، يكتب لينين:
فى الواقع، تفترض مؤسسة الميراث مسبقاً بالفعل الملكية الخاصة وتظهر الأخيرة مع ظهور التبادل فقط (التشديد لنا، ى. ب. أ) وقد كان مصدر هذا الطبيعة النوعية للعمل الاجتماعى والتصرف فى السلع فى السوق الذى ظهر بالفعل. مادام كل أعضاء القبيلة الهندية الأمريكية، على أية حال، قد أنتجوا معاً كل منتجاتهم الضرورية، كانت الملكية الخاصة مستحيلة. وحينما اخترق تقسيم العمل القبيلة، وبدأ أعضاء القبيلة فى الانخراط بشكل فردى فى إنتاج منتج ما وبيعه فى السوق، ظهرت عندئذ مؤسسة الملكية الخاصة بوصفها تعبيراً عن هذا التفريد المادى لمنتجى السلع (التشديد لنا، ى. ب.)(2)
ليس الأمر من ثم، غاية فى البساطة بأية حال. إن الطبيعة المادية للملكية الخاصة التى ’تعزل الناس‘ تظهر على المسرح فقط عندما يظهر بدلاً من العلاقات البسيطة بين الإنسان والشىء (الاقتصاد الطبيعي)، علاقة تعاقدية بين الناس، علاقة تبادل (اقتصاد سلعى نقدي). تبين أن التناقض بين قانون الأشياء وقانون الالتزامات، وفقاً للدياليكتيك، متضمن فى نفس الغلاف الذى تطورا فيه معاً، والذى يبدو إلى حد معين كشىء ليس سوى التناقض بين الطبيعة الاجتماعية لوسائل الإنتاج والطبيعة الخاصة للامتلاك مترجمة إلى لغة قانونية.
إذا كان الطابع المادى للملكية تحديداً الذى ’يعزل‘ الناس كان خاصة للاقتصاد الطبيعى المغلق، فسوف يترتب على ذلك على سبيل المثال، أنه كان على الملكية الإقطاعية للأرض أن تكون أكثر حصرية (مستبعدة الاخرين، الغرباء) أكثر من الملكية البورجوازية. ولكن، ويا للأسف، هذا يتناقض بصراحة مع الوقائع التاريخية. انصتوا لما يقوله واحد من المؤرخين البارزين للتشريع المدنى للثورة الفرنسية فى هذا الصدد. هذه هى الكيفية التى يصف بها سانياك Sagnac العلاقات العقارية فى فرنسا ما قبل الثورية:
إن حق الملكية لا يخص شخصاً واحداً فحسب، كما هو الحال فى الإمبراطورية الرومانية، فبدلاً من أن تجمع الحقوق المختلفة التى يحتوى عليها، فى حزمة واحدة، تكون منفصلة. من ناحية، يبقى حق الحيازة المباشرة فى يد المانح/ الواهب، من ناحية أخرى، بعد ان انتقل حق الاستعمال إلى الشخص الذى منحت له هذه الأرض، فقد اعتبر عندئذ حق استعمال ، لا حق ملكية . بسبب قرون من التطور (3)
وهكذا، تتوافق العلاقات التى كانت شبه طبيعية، إن جاز القول، مع غياب حق متميز بوضوح على شىء ’جمع فى حزمة واحدة‘. ولكن هذا ليس كل شىء بعد. وعند سانياك نفسه نقرأ المزيد.
إذا اختص بالأرض كل من المؤجر والمستأجر، فى الواقع أو فى النظرية، فهذا يعنى إذن أن كل الناس قد اختصوا بها أيضاً بالمعنى العام... بمجرد أن يجمع المحصول تصبح الأرض مشاعة للجميع. يمكن للفقراء أن يذهبوا هناك، ويجمعوا القش الساقط الذى يستخدمونه مهاداً للبقر، أو لتسقيف البيوت أو لإيقاد التنور ... يمكن لأى كان فيمابعد أن يرعى بقره وغنمه على الأرض غير المسيجة، كان هذا مرعى حراً. تبيح بعض العادات للملاك أن يسيجوا جزءاً متغيراً من أرضهم حتى يعطوا الفقراء الفرصة لرعى أبقارهم وماعزهم(4).
لم يكن سانياك أول من اكتشف هذه الوقائع بالطبع. لقد عرفت من قبل ذلك بوقت طويل، ووصفت، من ضمن أشياء أخرى، حتى من قبل الماركسيين، بوصفها بقايا الملكية القبلية التى حفظت فى الواقع بواسطة الشكل الطبيعى للاقتصاد. على النقيض، التسييج ـ رمز الحق المادى الحصرى ـ قد تجسد بواسطة تطور الاقتصاد السلعى النقدى وبالانتقال من الاستغلال الاقطاعى إلى الرأسمالى. انظر وقدر فقط الفصل الوارد فى رأس المال Das Kapital حول التراكم البدائى. أصدرت الثورة الفرنسية مرسوماً يعاقب على مجرد اقتراح قانون (إصلاح) زراعى (أى تقسيم الأرض) بالموت. وفى نفس الوقت صدرت مراسيم صارمة لحماية حدود الأرض. وهكذا، فإن تطور السوق ـ تطور العلاقات الرأسمالية السلعية يقود تحديداً إلى الوضع الذى تعكس فيه الملكية الخاصة بوضوح أكثر فأكثر طبيعتها الحصرية كعلاقة بين الإنسان والشىء. وهذا بالرغم، وحتى نكون أكثر دقة، هذا بسبب، حقيقة أن التنوع الطبيعى للأشياء يهيئ لتعبيرها غير الشخصى فى شكل معادل نقدى عام. تحظى الملكية بطابع مادى أكثر كمالاً لاقترانها مع حرية الامتلاك والتصرف. وتحظى الملكية العقارية بطابع مادى تام حينما تصبح الأرض منقولة أى، موضوعاً للتبادل يتميز عن الموضوعات الأخرى ـ موضوعاً فقط بحقيقة أنها لا يمكن أن تنتقل من مكان إلى آخر. بمعنى آخر، فإن الطابع المادى للملكية لا يتوافق مع العلاقات الاقتصادية الطبيعية وإنما فى الواقع مع علاقات المجتمع الرأسمالى السلعى. ووفقاً لذلك، فإن معارضة قانون الأشياء بقانون الالتزامات، لا تفقد بأى حال معناها عند الانتقال من الاقتصاد الطبيعى إلى الاقتصاد النقدى السلعى، ولكنها، على النقيض، فهى وللمرة الأولى تحقق معناها الكامل.
وينبغى أن يقال نفس الشىء أيضاً حول العلاقة بين المستغلين والمستغلين. هنا أيضاً، ليست عملية التطور بسيطة وأحادية الجانب بالشكل الذى يتصورها به جويخبارج. وتحديداً بسبب أن الاقتصاد الإقطاعى كان بصفة أساسية اقتصاداً طبيعياً، لم تتمكن الملكية الإقطاعية من أن تتخذ الشكل المكتمل لحق حصرى على شىء. إن وجود الحصص الفلاحية ـ التى دمرت هذه الحصرية ـ كانت فى الواقع أيضاً أداة للاستغلال:
لكى يتم الحصول على دخل (أى فائض المنتج) فيتعين أن يكون على أرض الإقطاعى مالك القن فلاحاً يملك حصة، وأدوات، وماشية. ففلاح بغير أرض، ولا أحصنة، وغير مزارع يكون بغير فائدة كموضوع للاستغلال الإقطاعى.(5)
ولكن قد كان أن ظهرت من ذلك بالفعل قنانة العبيد:
لابد وأن يعتمد الفلاح الذى منح حصة من الأرض شخصياً على الإقطاعى، ولأن لديه الأرض، فلن يقوم بعمل لسيده إلا بالإكراه. لذا يولد النظام الاقتصادى هنا إكراهاً غير اقتصادى، القنانة، التبعية القانونية، الافتقار للحقوق الكاملة.. إلخ(6)
وهكذا، نرى أن الملكية فى اقتصاد شبه طبيعى ’لا تعزل‘ فقط، كما يظن جويخبارج، وإنما تربط بقوة جداً ـ تصل ـ الناس، فلاحو الحالة المعنية، ليس فقط بطبقة الملاك العقاريين، وإنما أيضاً بكل مالك عقارى بمفرده. على النقيض، فالرأسمالية المثالية هى الحرية الكاملة للتعاقد فى السوق الحر للمالك والبروليتاري(7). تظهر قوة النقود بشكل أشد وضوحاً فى التناقض بين الحرية القانونية للأطراف فى السوق والقوة الفعلية لرأس المال، وهذا يشكل هيكل الدولة البورجوازية على الضد من الدولة الإقطاعية.
بالطبع، قد يعترض المرء بالقول بأنه ليس هناك شىء جديد فى هذا، إنها ألفباء الماركسية فقط. فالاختلاف بين شكلى الاستغلال الإقطاعى والرأسمالى، والاختلاف بين الأشكال الاشتقاقية للدولة بصفة خاصة، قد أوضحت بما فيه الكفاية من قبل ماركس نفسه فى القسم الثانى من المجلد الثالث من رأس المال. وصياغة لينين حول هذه المسألة بصفة خاصة تكرر ماركس فحسب. ولكن مما لا يمكن الصفح عنه ألا نقدر هذه الحقائق لأنها أولية وعرفت لمدة طويلة. والأمر خاصة كذلك، إذ تنبثق فى ضوء هذه الحقائق، صورة لتطور القانون أكثر تعقيداً من تلك التى عرضت علينا بوصفها الاستنتاجات الأخيرة للماركسية.
يمكن أن نرى من هذا المثل البسيط فى الحقيقة أنه من الأسهل لنا أن ننتقد هذه الميثولوجيا (القانونية، ى. ب. إ) من أن نفسرها من العلاقات الاقتصادية التى تولدها(8)

ـ 2 ـ
ربما لا يظهر جدل لينين الذى لا يضاهى فى أى مكان بمثل هذه القوة، مثلما يظهر فى مسائل/ قضايا القانون. إنه مدهش بصفة خاصة، مادمنا مضطرين إلى أن نقارنه مع النزعة الشكلية البائسة والنزعة المدرسية العقيمة التى تزدهر عادة هنا. ويخطر فى ذهننا ليس فقط التحليل النظرى للبنية الفوقية القانونية، حيث يظهر لينين بوصفه المتابع الحقيقى لماركس، وإنما أيضاً الموقع العملى لفلاديمير إيليتش فى هذا المجال. وهنا نواجه أيضاً مثلاً صارخاً للجدل اللينينى المحض. فمن الكافى أن نلاحظ الدور الذى عزاه لينين للشكل القانونى فى حالات نوعية مختلفة. لقد فعل ذلك دائماً من خلال تقديره الكلى للوضع التاريخى العينى، وللعلاقة بين قوى الطبقات المتصارعة، إلخ. وإدراك أن صنمية الشكل القانونى ونقيضها التام الإخفاق فى التقاط المغزى الواقعى الذى يمكن أن يتخذه شكل قانونى أو آخر فى مرحلة بعينها كان أمراً غريباً بنفس القدر على فلاديمير إيليتش.
إن النضال من أجل الإطاحة بالصنم القانونى للنظام، الذى يُشن الصراع الثورى ضده ونزع قناعه، هو خاصة كل ثورى. هذا واضح. بدون هذه الخاصية، ليس الثورى ثورياً. ولكن بالنسبة للثورى البورجوازى الصغير فإن إنكار الشرعية بذاتها يتحول إلى صنم، انصياعاً لما يحل محل كل من الحساب الواقعى لقوى وشروط النضال والقدرة على استخدام وتقوية حتى الانتصارات غير المترابطة للتحضير للهجوم التالى. إن الطبيعة الثورية للتاكتيكات اللينينية لم تنحل أبداً إلى الإنكار الصنمى للشرعية، لم تكن هذه أبداً جملة ثورية. على النقيض، ففى مراحل تاريخية معينة، دعا بحزم إلى استخدام تلك الفرص القانونية، التى كان العدو، مجبراً أن يقدمها، حين كان مكسوراً فحسب ولم يهزم بعد. عرف لينين ليس فقط كيف يعرّض بلا رحمة بالشرعية القيصرية البورجوازية، وإنما كيف يستخدمها، حيثما كان ذلك ضروريا، ووقتما كان ذلك ضرورياً. لقد علم كيفية الإعداد للإطاحة بالأوتوقراطية باستخدام نفس قانون الانتخاب الذى أصدرته الأوتوقراطية نفسها. وكيفية الدفاع عن المواقع الأولى التى كسبتها الثورة العالمية للبروليتاريا، أى انتصارنا فى أكتوبر 1917، بعقد معاهدة مع واحدة من الدول الإمبريالية (صلح برست). غريزته السياسية التى لا تضاهى قادته بسداد لفهم الحدود التى كان يمكن تماماً فى إطارها استخدام الشكل القانونى الذى فرضه مجرى الصراع. لقد أخذ لينين فى اعتباره بكل ذكاء حقيقة أن الشرعية التى يفرضها عدونا علينا يعاد فرضها عليه وفق منطق الأحداث. إن حكم ستوليبين Stolypin، بغض النظر عن كم كان راغباً، لم يستطع أن يقصر الصراع الطبقى فى روسيا داخل هذه الحدود التى كان يجرى فيها قبل ثورة 1905.، وأياً ما كانت كراهية الإمبرياليين الألمان للثورة السوفييتية، فقد كانوا مضطرين بقوة الوضع الدولى العام إلى عقد معاهدة مع الحكومة السوفييتية.
لقد وصف لينين مراراً هذا الاستخدام للشرعية بوصفه عملاً قذراً، عمل لا يمدح (مقارنته للدوما القيصرية بالخبز العفن مشهورة)، ولكن كان من الضرورى معرفة كيفية القيام بهذا العمل فى وضع ما معين، وأن ينحى جانباً هذا النوع من الحساسية الثورية التى تعترف فقط بالطرق الدرامية.
قام البلاشفة خلال سنوات الرجعية (1907-1910)، مقارنة بالأحزاب الثورية والمعارضة المهزومة الأخرى، قاموا بأكثر التراجعات تنظيماً بأقل خسارة لجيشهم وقد حفظت نواة حزبهم بأفضل شكل وبأدنى وأقل الانقسامات ضرراً، وبأقل ضررللمعنويات.. إلخ.
أوضح لينين هذا بشكل أولى بحقيقة أن البلاشفة فضحوا وطردوا بغير رحمة تجار الجملة الثورية الذين رفضوا أن يفهموا أنه كان من الضرورى التراجع، وكان من الضرورى تعلم كيفية العمل بشكل شرعى فى أشد البرلمانات رجعية وفى أشد المنظمات المهنية والتعاونية رجعية وما يشابهها.(9)
مثل هذه النماذج الكبرى للاستراتيجية اللينينية كاستخدام "الفرص القانونية" أو صلح برست ليتوفسك معروفة بما فيه الكفاية وقد درست بهذا القدر أو ذاك من منظور الدروس السياسية التى تحتويها. ولكن أولى اهتمام قليل حتى الآن لحقيقة أن كلتا الحالتين تظهران إدراكاً للمغزى الحقيقى لنمط من الشكل القانونى الذى استخدم فى وضع معين وكطريقة معروفة وشديدة الضرورة للنضال.
وقد هاجم لينين هؤلاء الثوريين الذين يعزون أنفسهم بالجملة الثورية، وأظهروا افتقاراً للإرادة أو افتقاراً للقدرة على تعلم كيف يطبقون هذه الطريقة فى النضال فى الممارسة.
من الملفت للنظر أن هذا الاتجاه قد لوحظ عند لينين، ليس فقط فى الأطر الكبرى وفى الصراعات السياسية الضخمة التى خاضها، وإنما أيضاً فى الصراعات الصغيرة ذات الطابع اليومى التى تصادف أن انخرط فيها. إذ ظل مرتبطاً دائماً بعمق بالمبدأ، فإن لينين لم يرفض مع ذلك أن يطبق طرائق النضال العينية تلك التى تصادف أنها كانت فى لحظة معينة هى الطرائق الوحيدة الممكنة لتحقيق نتيجة مرغوب فيها ـ حتى وإن كانت تلك الطريقة هى، على سبيل المثال، اللجوء إلى محكمة قيصرية.
هنا ينبغى أن نذكر حكاية من حياة لينين حكاها إليزاروف Elizarov عقب وفاة فلاديمير إيليتش مباشرة. تمثل الوضع فى أن فلاديمير إيليتش، الذى كان لا يزال يحيا فى هذا الوقت فى سمارا Samara، قد أراد أن يلقن مستغلاً مستبداً، متعهد نقل درساً لأنه احتجز بشكل تعسفى ركاباً استخدموا خدمات (مراكبية) لعبور النهر ولم يستخدموا عبارته . فقدم شكوى، ورغم كل جهود رئيس مجلس المقاطعة الأسبق (فى صالح المستغل بالطبع) ليرهق الشاكى الذى لا يعرف التعب بإبطاء سماع القضية، تم أخيراً، الحصول على حكم بالإدانة.
ليس من المهم فقط فى هذه الحكاية بالنسبة لنا أن لينين قد أبدى فى أمر صغير نفس العناد، والإرادة الحديدية والحزم الذى كان معروفاً به فى الأمور الكبرى. لقد كان الهام أنه عرف، عندما أراد وعندما وجد ذلك ضرورياً، كيف يوظف حتى هذه الطريقة للنضال ـ حيث لجأ إلى المحاكم القيصرية ليعلم الطاغية الصغير درساً فى هذا الأمر الخاص وأن يحمى مصالح (المراكبية) الفقراء. لم يكن هناك ما يدهش لو أن لينين قد انتمى لهذا النمط من "النشطاء الاجتماعيين" الذى كان ممثلهم البارز ، ف. ج. كورولنكو على سبيل المثال ، حيث عدوا مثل هذا الصراع مع التعسف الاسيوى شبه القنى لمالك ـ دولة عقارى estate-owner state ’باسم الشرعية‘ وتحديداً بواسطة وسائل قانونية ـ نوعاً من الراية/ الشعار. لم يسخر أحد من هؤلاء الناس بلوذعية أكثر من لينين. ولكن هذا يبرهن بالفعل أن لينين كان متمكناً من هذا النوع من الصراع إذا لم يحقق النتيجة التى سعى إليها بواسطته، إن جاز القول، فهو متخذ موقفاً حزبياً على رأس النضال الذى كان يشنه ضد التعسف القيصرى والاستغلال الرأسمالى. لماذا، من المحتمل أن 99% من ثوريينا الطيبين كانوا سيلوون أيديهم ببساطة فى هذه الحالة الخصوصية ولقالوا، "إنها لا تستأهل التورط". وبالطبع، بعمل ذلك لم يكن هذا ليعكس ارتباطهم بالمبدأ كثوريين، وإنما ببساطة الافتقار إلى معرفة ما كان ينبغى عمله، وأنه كان من الضرورى التصرف كمحام، وأيضا الافتقار للرغبة لأنهم كانوا صعبى الإرضاء. ماذا يمكن أن يكون أكثر ملائمة بالنسبة لثورى من أن يذهب إلى المحكمة، أضف إلى ذلك، أن يمثل أمام رئيس الحكومة المحلية. ولكن لينين لم يكن حالماً كسولاً، لقد عرف كيف يقوم بعمل مقرف حينما كان ذلك ضرورياً. من الحقيقى فى هذه الحالة أنه كان من الممكن أيضاً إقامة الحجة المضاده على مدى ملائمة الطريق الذى اختاره فلاديمير إيليتش. هل كان ذو قيمة، فى الواقع، إنفاق الوقت والطاقة للذهاب إلى المحكمة ضد أحد المستغلين الأفراد؟ ولكن هذا مثل آخر حيث ما هو موضع جدال ليس مسألة الملائمة، وإنما مسألة المبدأ: هل ينبغى لثورى أن يبحث عن دعم من محكمة التاج؟ ارتكب فرد معين أدار دار المعرفة للنشر مخالفة، وكان، من ثم، مهددا بإقامة الدعوى عليه. فى مراسلات لينين مع جوركى نظر فى هذه المسألة، وأى الخطوات العملية كان ينبغى أن تتخذ؟ هل ينبغى اللجوء إلى المحكمة القيصرية؛ هل كان ذلك مسموحاً به؟ من الواضح أن ـ النظرة الثقافية الأرثوذكسية، والخوف من توسيخ الملابس النظيفة للثورى بالتوجه نحو المحكمة القيصرية، والعلاقة الفوضوية الحساسة بالمحاكم بشكل عام، والأكثر من ذلك، العجز القانونى المعتاد، الافتقار إلى معرفة كيف يتم ذلك؟ ـ كل هذه قد نهضت ضد وسائل العمل هذه. انتقد لينين بحيوية هذا المركب من الدوافع الخفية والمرئية: ’بالنسبة إلى ب، أنا مع خيارالمحكمة. ليس هناك من سبب للإصرار على الشكليات. النزعة العاطفية ستكون أمراً لا يمكن الصفح عنه. ليس الاشتراكيون فى كل حال ضد محاكم التاج. نحن مع استخدام الشرعية. توجه ماركس وبيبل Bebel لمحاكم التاج حتى ضد خصومهم الاشتراكيين. إنه لمن الضرورى معرفة كيفية عمل هذا وأن من الضرورى عمله‘.
وحيث انه لم يكن راضياً عن هذا المانع. ظل فلاديمير إيليتش يضغط بحمية يجب أن يقاضى ب. إذا ما انتقدت لهذا ـ ابصق فى وجه نقادك. لأن الانتقاد هنا سيكون نفاقاً(10).
ليس من المعروف ماذا حدث لـ ب هذا، ويبدو أن هذه القضية لم تحال إلى المحكمة. لكن يبدو أنه إذا كان الأمر بيد فلاديمير إيليتش فقد كانت ستجرى مقاضاة ب بدون تحفظ.
بالفعل إنه هذا الجانب فى فلاديمير إيليتش الذى ينبغى أن يقارن بهذا النداء الحازم ـ وهو أمر آخر، فى وضع الدولة السوفييتية ـ للنضال ضد خرق النظام، الإهمال، الفساد والانتهاكات، النضال بحزم، وإبلاغه حتماً حتى نهايته، إلى المحكمة، للعقوبة. كيف عوقب الموظفين الرسميين الذى حابوا الأوضاع المحلية على حساب ضرر المركز وبانتهاك الأوامر الصادرة من المركز؟ ما هى أسماء هؤلاء الذين عوقبوا؟ هل يتناقص تكرار هذه الانتهاكات؟ هل زيدت العقوبات، فإذا كان الأمر كذلك فإلى ماذا؟(11) زيادة على ذلك يجب أن نعيد تنظيم تفتيش العمال والفلاحين بدعوة الأعضاء غير الحزبيين للإحصاء من خلال كل هذا التفتيش وأيضاً من خارجه من خلال الادعاء القضائى من خلال كل هذا (التشديد لنا ى. ب)(12) وأيضاً من نفس النظام حول معايير الصراع مع اللصوص: هل يعدوا مسئولين جنائياً؟ الإدارة، لجان المصنع والمنشأة (لعدم كفاية الصراع ضد السرقة)؟(13)
فى نفس الوقت يعلم لينين من يشير إلى نواقص الالية السوفييتية، أن يسهم بالضرورة فى الصراع بكل الطرائق التى تقدمها الشرعية السوفيتيية. إذا ما جرى البدء بقضية، فلابد وأن تنتهى، باستخدام كل القنوات الحزبية والسوفييتية. لا يفت فى عضدك أنك قد عانيت الإخفاق فى البداية، لا تثنيك حقيقة أنك لا تعرف إلى أين تتوجه. كل واحد ملزم أن يعرف أين وكيف يشتكى بشأن قرار غير صائب، وكل واحد ملزم بأن يصبح مواطناً سوفييتياً عارفاً بالقانون. معرفة كيف يشن النضال على "أرض قانونية"، الذى لم يكن له ولم يكن من شأنه أن يكون له فى وضع ما قبل ثورى مغزى عريضاً، له من ناحية المبدأ معنى مختلف تماماً بعد فترة أكتوبر. فى ظل الأوتوقراطية وفى ظل الرأسمالية كان من الصعب النضال مع العجز القانونى والأمية القضائية للجماهير، بدون شن نضال ثورى ضد الأوتوقراطية وضد الرأسمال: هذا العجز ليس سوى ظاهرة جزئية من الخضوع العام الذى وجدت الشرعية القيصرية والبورجوازية للحفاظ عليه. ولكن بعد الاستيلاء على السلطة من قبل البروليتاريا، أصبح لهذا الصراع الأولوية المطلقة كواحد من مهام إعادة التربية الثقافية، بوصفه شرطاً مسبقاً لبناء الاشتراكية. ومن ثم فإن أعمال لينين من الفترة السوفييتية هى فى آن معاً ’دعاية مضادة للشرعية‘ أى حملة ضد الأيديولوجية القانونية البورجوازية، ودعوة للنضال وللقضاء على الأمية القانونية والعجز:
إلى المدى الذى تغدو فيه مهمة السلطة ليست إخضاعاً عسكرياً وإنما حكماً سوف يكون الملمح النموذجى للإخضاع والإكراه ليس الإعدام الفورى، وإنما المحاكمة. وفى هذا الصدد، بعد 25 أكتوبر 1917، انطلقت الجماهير الثورية فى المسار الصحيح، وقد أظهرت قابلية الثورة للنمو ببدء إقامة محاكم العمال والفلاحين حتى قبل أن يصدر أى مرسوم بحل الجهاز القضائى البورجوازى الديمقراطى. ولكن محاكمنا الشعبية والثورية ضعيفة بشكل استنثائى لا يصدق ـ الإحساس بالشعور الشعبى إزاء هذه المحاكم بأنها حكومية وغريبة ـ هو موقف موروث من نير الملاك الإقطاعيين والبورجوازيين ولم يقض عليه تماماً بعد. ليس هناك اهتمام كاف بحقيقة أن المحكمة هى وكالة عن سلطة البروليتاريا والفلاح الأشد فقراً، وأن المحكمة هى سلاح تربوى للانضباط(14).

ـ3ـ
إن الثورى البورجوازى الصغير، إذ يرفض استخدام الطرق القانونية فى النضال قد يعتبر ثورياً نموذجياً، مثلما اعتبر اليسار المتطرف من الاشتراكيين الثوريين أنفسهم حينما لم يقدروا مثال البلاشفة ودعوا لمقاطعة دوما الدولة الثالثة. فى الواقع لقد كانوا يقدمون احترامهم ببساطة للجملة الثورية. ولكن هؤلاء السادة لم يرفضوا ببساطة الشرعية العتيقة للنظام القديم: لقد تبنوا النضال الثورى حصراً كنضال من أجل شرعية جديدة. وهكذا لا تزال الشرعية الشكلية صنماً بالنسبة لهم. إنهم لا ينطلقون من مصالح الطبقة المنتصرة وإنما من المبادئ المجردة؛ فهم لا يستطيعون أن يتصوروا أن سياسة البروليتاريا (التى استولت على السلطة واحتفظت بها من خلال حرب أهلية قاسية) هى فقط شكل تأسيس نمط جديد من الشرعية يقوم بالتوافق مع تشريع مقنن. ومن المعروف جيداً أن الفقهاء الاشتراكيين الثوريين اليساريين فى اليوم الذى أعقب دخولهم هيكل السلطة السوفييتية، كانوا مشغولين بتدبيج "تقنين جنائى للثورة".
لم يعرف أحد كيف ينتقد بقسوة التناول القانونى الشكلى الرجعى العتيق لمسألة الصراع الطبقى الثورى مثلما فعل ذلك لينين. لم تضِع كلمات بيبل Bebel سدى: "رجال القانون هم أشد الناس رجعية على وجه الأرض". وقد كان هذا هو التعبير المفضل لدى فلاديمير إيليتش. يكفى أن نتذكر كيف أنه هاجم كاوتسكى حينما طرح الأخير (فيما يتعلق بالدستور السوفييتى الذى حرم المستغلين من الحق فى التصويت) السؤال العميق "من هو الرأسمالى بالمعنى القانوني؟" يكفى أن نتذكر تعنيفه لكاوتسكى بشأن مسألة الطرد "غير القانونى "للاشتراكيين الثوريين والمناشفة من اللجنة التنفيذية المركزية لعموم الاتحاد، تعنيف يكشف حماقة النزعة الشكلية القانونية فى وجه الحقائق الفظة للصراع الطبقى.
كان علينا أولاً، نحن البلاشفة الروس، أن نعد بحرمة أتباع سافينكوف وشركاه وأتباع ليبردان وأتباع بوتريسوف ("النشطاء") ثم نسن تقنيناً جنائياً معلنين أى اشتراك فى الحرب التشيكية المضادة للثورة ، أو أى تحالف مع الإمبرياليين الألمان ضد عمال وطن المرء فى أوكرانيا أو جورجيا، معاقباً عليه وعندئذ فقط، على أساس التقنين الجنائى كان سيكون لنا الحق استناداً إلى "الديمقراطية المحضة" أن نستبعد "أشخاصاً معينين" من السوفييتات(15)
ما هى بعد كل شىء، فى التحليل الأخير، النظرية اللينينية، عن الديكتاتورية إن لم تكن مذهب السلطة الثورية التى ترفض الشرعية الشكلية؟لا يعنى المفهوم العلمى للديكتاتورية شيئاً أقل من سلطة لا يحدها شىء. ولا أى قانون، لا تقيدها قواعد مطلقة، وتعتمد على العنف مباشرة .(16) وفى موضع آخر الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا هى سلطة أحرزناها وأبقيناها بإكراه البورجوازية من جانب البروليتاريا(17) ولكن أليست هذه السلطة، التى لا يحدها قواعد ولا قوانين تدل على غياب كل سلطة تنظيمية؟ بالنسبة للقانون البورجوازى الراسخ ليس هناك شك فى أن هذا هو الحال، لأنه لا يرى، ولا يريد أن يرى، أن الشرعية البورجوازية هى الممارسة المتسقة للسيادة الطبقية التى تشكلت عبر عقود وقرون.ويمكن لهذا الشكل القانونى النموذجى للسيادة أن يدمر أو يزعزع بواسطة أحداث استثنائية، ولكن هذا لا يدل بأى حال على القضاء الضرورى على السيادة الطبقية للبورجوازية نفسها. بالارتباط مع وضع استثنائى قد تتبنى شكل ديكتاتورية استثنائية أو ما فوق قانونية. وإذ، تطورت الشرعية البورجوازية، تدريجياً ـ كما عرفنا ـ بسبب عمل فيلق من البرلمانيين، والأكاديميين، والفقهاء، والقضاة، والموظفين ـ فسوف يكون من العبث أن نطلب ذات الكمال القانونى والشرعية من السلطة البروليتارية التى ولدت أمس وعليها أن تدافع عن وجودها نفسه بالسلاح. ليست الشرعية حقيبة فارغة يمكن أن تملأ بمحتوى طبقى جديد. ولكن يتخيل كاوتسكى الأمر بهذه الطريقة بالفعل. يسمح هذا ’الباحث الجاد‘ للبورجوازية الإنجليزية بقرون من إنشاء وتطوير دستور بورجوازى جديد (بالنسبة للقرون الوسطي) ولكن ممثل العلم التابع هذا لا يعطينا، نحن عمال "وفلاحى روسيا، وقتاً كافياً. يطلب منا دستورا يعمل حرفياً بنجاح فى بضعة شهور"".(18) يتطلب التناول "الثورى الماركسى لمسائل القانون، فوق كل شىء، تقويماً للميول الطبقية الأساسية للثوران الجارى. ولكن كاوتسكى ليس مهتماً بهذا مطلقاً. إنه منزعج من حقيقة أنه بحرمان الرأسماليين من الحق فى التصويت، فإن دستورنا يبيح من ثم " التعسف". ها هى إجابة لينين الماحقة بصدق على لآلئ الحماقة "القانونية الشكلية".
حينما طور كل وأغلبية الفقهاء الرجعيين للدولة الرأسمالية فى مجرى القرون أو العقود قواعد مفصلة ـ كتبوا دزينات ومئات من مجلدات القوانين وتفسيرات القوانين، اضطهدوا العمال، وكبلوا الفقير، ووضعوا آلاف الاعتراضات التافهة والعقبات فى طريق أى عامل بسيط ـ عندئذ لا يعاين السيد كاوتسكى والليبراليون البورجوازيون التعسف هنا! هنا، يوجد نظام وشرعية... ولكن عندما أنشأت الطبقات المستغلة والعاملة مجالسها الخاصة لأول مرة فى التاريخ ، ودعت تلك الطبقات التى أخضعتها البورجوازية لمهمة البناء السياسى، وضربتها وأخمدتها، وبدأت هى نفسها فى بناء دولة بروليتارية جديدة، واقفة وسط تراب المعركة الشرسة وفى نيران الحرب الأهلية، لترسم المبادئ الأساسية لدولة بغير مستغلين ـ عندئذ بدأ كل أوغاد البورجوازية، وكل عصابة مصاصى الدماء، وصداهم، كاوتسكى، بدأوا يصرخون حول التعسف.(19)
عند فتح الطريق للرأسمالية عرف البورجوازيون الثوريون ـ اليعاقبة ـ أيضاً كيف يستخدمون سلاح الديكتاتورية بلا رحمة، ولكنهم تمكنوا من تفسير أفعالهم التاريخية، فقط فى شكل أيديولوجى زائف أى كنضال من أجل الأسس الأبدية للحرية والمساواة. لقد تصرفوا كسياسيين ثوريين مقدامين، ولكنهم كانوا يفكرون كفقهاء وأخلاقيين. لقد قرروا، من أجل إنقاذ الديمقراطية البورجوازية أن يدوسوا على الشرعية الشكلية، ولكنهم فعلوا ذلك باسم الحرية، باسم الحقوق المطلقة للإنسان والمواطن.
بالنسبة إلى لينين، وباعتباره تلميذاً لماركس، لا توجد مُثل اجتماعية لا يمكن أن تفسر بلغة الشروط المادية للوجود، وليس لها فى المجتمع الطبقى طابع طبقى. إن فكرة الحرية والمساواة، فكرة حقوق الإنسان الأبدية وغير القابلة للتصرف فيها هى مثال للقانون الطبيعى. هذا هو مصدر الدعم الوحيد بالنسبة للفقيه البورجوازى المضطر، فى فترة ثورية وباسم مصلحته الطبقية، أن يهجر أرضية الشرعية القانونية. يظهر هذا المثال مرتبطاً بمضمون اجتماعى مادى معين متجذر فى شروط الإنتاج.
فى واحد من أعماله الأولى، يُذكّر لينين شعبيينا بهذا إذ يكتب "يشير ماركس مراراً إلى أنه كيف تكمن هناك فى أساس المساواة المدنية، وحرية التعاقد والمبادئ المشابهة لدولة الحق/ القانون Rechtsstaat، العلاقة بين منتجى السلع.(20) إن لينين يبدأ أطروحته حول المسألة القومية والاستعمارية بنفس النقد المادى لأيديولوجية المساواة.
تتسم الديمقراطية البورجوازية بحكم طبيعتها بالذات بالإعلان الشكلى المجرد لمسألة المساواة بشكل عام، بما فى ذلك المساواة القومية. تعلن الديمقراطية البورجوازية تحت مظهر المساواة الشاملة للشخصية الإنسانية، المساواة القانونية أو الشكلية بين المالك والبروليتارى، المستغِل والمستغَل، ومن ثم تقود الطبقات المسودة إلى أعظم خداع. تتحول فكرة المساواة نفسها لكونها انعكاس لعلاقات الإنتاج السلعى (التشديد لنا ى. ب. ا) بواسطة البورجوازية إلى سلاح للنضال لمعارضة تصفية الطبقات، تحت مظهر المساواة المطلقة المفترضة للشخصيات الإنسانية. إن المعنى الحقيقى لمطلب المساواة يكمن فقط فى مطلب القضاء على الطبقات(21).
ما من ضرر هنا فى أن نتذكر أن هذه المقترحات الأولية للنقد الماركسى ليست بأى حال مقبولة على وجه العموم بين الأفراد الذين اعتقدوا أنهم خلفاء ماركس، كما قد يتراءى للوهلة الأولى. لم تكن القيمة المطلقة للمبادئ القانونية/ الشرعية للديمقراطية بالنسبة لبعض ممثلى المعسكر المنشفى خاضعة لأى شك حتى فى الوقت الذى اعتبروا أنفسهم بجدية ممثلى الماركسية الثورية. لماذا، حتى فى المؤتمر الثانى فإن المندوب ايجوروف “استهجن” بليخانوف، حينما أكد الأخير أنه يمكن أن نفترض تخيل وضع نقف فيه نحن الاشتراكيين الديمقراطيين ضد حق التصويت الشامل. وأنه لمن المثير للاهتمام أن مارتوف رغم أنه غير منحاز لأبطال المبادئ المطلقة رغم ذلك اعتبر (فى مؤتمر اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين بالخارج) من الضرورى أن يتحفظ حول هذه المسألة بالذات، بالقول بأن بليخانوف "كان بمقدوره أن يتجنب سخط بعض المندوبين، إذ كان عليه أن يضيف بالطبع لا يتعين على المرء أن يتخيل مثل هذه الحالة الدرامية للأمور أى تلك الحالة التى تكون فيها البروليتاريا مضطرة، حتى تؤمن انتصارها، لأن تدوس هذه الحقوق السياسية مثل حرية الصحافة". إن كل جوهر المنشفية يكمن فى هذا التحفظ. من ناحية لكون (المرء) ماركسياً، فليس من الملاءم أن يبرز كبطل لمبادئ الديمقراطية الشكلية الطبقية والأبدية؛ من ناحية أخرى، فإن الطبيعة البورجوازية للمنشفية تتحرك فى الواقع على مدى هذه الخطوط “اللاطبقية”: النتيجة هى خلاف تراجيدى حقاً حيث يحاولون أن ينقذوا أنفسهم من هذا التناقض بالأمل العميق بأن “بالطبع، لا يمكن لأحد أن يتخيل حالة الأمور التراجيدية هذه” ولكن ماذا يمكن أن نفعل إذا غدت حالة الأمور التراجيدية مع ذلك واقعاً تاريخياً رغم آمال المناشفة؟ لدينا بالفعل الإجابة عن هذا السؤال، وهو ما تقدمه الممارسة السياسية المتسقة للمنشفية، التى لم تكن شيئاً سوى تبعية لصنم الديمقراطية البورجوازية وصراعا مكثفا ضد ديكتاتورية البروليتاريا.

ـ4ـ
تحيل النظرية الماركسية الأشكال القانونية إلى المرتبة الثانية وحتى الثالثة فى التطور الاجتماعى. تتطور العلاقات الاقتصادية على أساس وضع معين لقوى الإنتاج الاجتماعية وهى حاسمة فى التحليل الأخير، الرافعة المباشرة التى تدفع مسيرة التاريخ إلى الأمام هى الصراع الطبقى أى السياسى، وهو نفسه ليس شيئاً سوى “التعبير المكثف عن الاقتصاد”، فيما يتعلق بالصياغة القانونية للعلاقات الاقتصادية والوقائع السياسية، فإنها تلعب دوراً ثانوياً وتابعاً. لقد أولت النظرية الماركسية بصفة عامة، بالأحرى، عناية قليلة نسبياً لقضايا القانون. على النقيض من ذلك، فإن الأبحاث البورجوازية قد طورت هذا الجانب الشكلى الخارجى للعلاقات الاجتماعية بشغف خاص، لأنه، بالإضافة لأسباب خاصة، فإن هذا يعطى نظريتها إمكانية التجاهل التام لاعتبارات مشاكل اللامساواة الاقتصادية (وهى مزعجة بسبب “ماديتها”). والفقه من ثم ملاذ آمن. أشار لهذا الجانب فى المسألة عرضاً، فلاديمير إيليتش فى مقاله فيما يتعلق بالمؤلفات الأكاديمية الأخيرة (ما قبل الحرب) لبيتر ستروفه. وقد كتب: "البورجوازية الحديثة فى غاية الرعب بسبب هذه الخطوة (التى قام بها الاقتصاد السياسى فى شخص ماركس ـ ى. ب) ومضطربة للغاية بسبب ’قوانين‘ التطور الاقتصادى المعاصرة، وهو الأمر الذى يتسم بوضوح شديد ويفرض نفسه بحدة، حتى أنها وأيديولوجييها مستعدين لنبذ كل الكلاسيكيات وكل أنواع القانون إذا كانت ستضعها فقط... كلها... فى أرشيف الفقه... مع.... اللامساواة الاجتماعية”(22). إذ يصف، فى موضع آخر، هذا الميل للبحث البورجوازى يصوغ فلاديمير إيليتش الرغبات السرية للنظريين البورجوازيين: “دعوا الاقتصاد السياسى يهتم بالحقائق البدهية، بالنزعة المدرسية وبالصراع الذى لا معنى له من أجل الوقائع، ودعوا مسألة “عدم المساواة الاجتماعية” تتراجع إلى منطقة أكثر أمناً من المناقشات الاجتماعية القانونية، حيث من السهل “التهرب من هذه الأسئلة المتعبة”(23)
على أية حال، فإن التحليل الماركسى الصحيح للشكل القانونى بوصفه بنية فوقية تقوم على قاعدة، يتحول، فى ظروف معينة، إلى كاريكاتير للماركسية، إلى وجهة نظر حتمية ولا حياة فيها. هنا، تنبثق البنية الفوقية “بذاتها” على قاعدة معينة، ويظهر الشكل “بذاته” عند مستوى معين من تطور المضمون المادى المعين. تتحول تدريجياً زيادة التأكيد على انتظام التطور الاجتماعى إلى تأكيد آلية اجتماعية معينة، أو كما جرى التعبير عن ذلك فى شعارنا السياسى النضالى إلى “ذيلية”. لم يخفق لينين، بالطبع، بحكم كونه خصماً عنيداً لكل أنواع الذيلية، فى أن يكافح تلك النماذج من وجهات النظر والنظريات، وأن يعرضها بوصفها انحرافات عن الماركسية. النمط الأول من التشويه القدرى للماركسية. قام به كما هو معروف جيداً، “الاقتصاديون”. لقد أكدوا، أن كل صراع طبقى، هو صراع سياسى، وهكذا فقد استنتجوا أن الطاقة السياسية الكامنة فى الطبقة العاملة هى عملية آلية تحول المذهب الماركسى القائل بأن الأشكال السياسية، وحتى أشكال النضال السياسى تتولد بشكل حتمى من خلال مضمونها الاقتصادى، تحول بواسطة “ الاقتصاديين” إلى تبرير وتمجيد كل أنواع التخلف فى حركة العمال. لقد كرر المناشفة شكلياً نفس الخطأ، بدءاً بنشر النزعة الذيلية أو المشاكل التنظيمية. لقد أعلنوا أن “المضمون” (أى، مضمون النشاط السياسي) أكثر أهمية من الشكل، والبرنامج والتاكتيكات أهم من التنظيم”. هنا تحول الجدال، إذا جاز القول، إلى مستوى يعنينا. الشكل الذى يتحدثون عنه هو الصياغة القانونية أو اللائحية للحزب، التى يظهر الأخير فيها ليس ككلية من المفكرين السياسيين المتشابهين عقلياً فحسب، وإنما ككل موحد شكلياً أيضاً، أى جملة من المنظمات. والتعبيرالخارجى عن الوحدة يتجلى فيه مراتبية المؤسسات الحزبية والطابع الحزبى. والصراع الذى قاده لينين فى المؤتمر الثانى، الذى خصص له كتابه (خطوتان)، كان أيضاً نضالاً من أجل ضرورة تنظيم حزبى مصاغ قانونياً.
من الملائم أن نشير هنا إلى أنه توفرت لدى لينين كل المادة الضرورية، ليس فقط للتنظير عن القانون، وإنما بأن يشعر باطمئنان تام حيث يظهر القانون فى وظيفته العملية كوسيط شكلى لنوع معين من العلاقات الاجتماعية.(24). فسرت هذه المادة فى المحل الأول، بواسطة المنطق الحديدى للفكر الذى يميز لينين بوصفه جدلياً لا يقارن متفهماً للمركز الثانوى للمنطق الشكلى، فقد أولاه فلاديمير إيليتش مكانه الذى يستحقه. لم يتحول الجدل Dialictic أبداً إلى ضبابية وتشوش من جانبه. على النقيض من ذلك، فهو لم يقترح أى شىء مفكك، غير محدد أو مشوش. كل صياغة من صياغاته جرى التفكير فيها حتى النهاية، وليس هناك شىء زائد فيها، أو شىء يكشف عن الافتقار للوضوح النظرى الذى يسعى فى مثل هذه المواقف إلى أن يحتمى خلف الإطناب. إن عقلاً متطوراً كعقله هو شرط كاف وضرورى لأن يكون فقيهاً غير عادى. وإننا لنوصى من يشك فى ذلك أن يقرأ بعناية، على سبيل المثال، نقد لينين لمسودة مارتوف للائحة الحزب فى (خطوتان)(25). إن التمكن الذى يعرض به لينين الإهمال الفكرى النموذجى، فيما يتعلق بالتعريفات “القانونية” الدقيقة، المقترنة بالافتقار إلى المضمون، والإطناب، والشكلية التى لا معنى لها، والتكرارات التى لا نهاية لها، تتحدث بما يكفى عن نفسها. وبصفة خاصة، فهذا مثل واضح عن حقيقة أن نقد لينين موجه ضد الشكل، لأنه من خلال طبع مسودة مارتوف بالذات، كان غرضه أن يظهر أن فارقاً طفيفاً فى الجوهر (بمعنى العلاقة السلبية بالمركز) ـ على الضد من تأكيدات مارتوف ـ لم تتكشف فى مسودته للائحة التى كتبت قبل المؤتمر.
الصراع فى المؤتمر الثانى وبعده، الجدالات حول الفقرة الأولى من اللائحة حول المركزية إلخ... كل هذا كان له بالطبع مغزى سياسياً معيناً ومعنى سياسياً، وذلك مما لا ريب فيه، وقد تكشف تماماً فيما بعد فقط. ولكن من وجهة النظر المنطقية نبع الدليل على مستوى تناول مختلف لطبيعة اللائحة أو، بمعنى أوسع، الصياغة القانونية لحزبنا. أنكر خصوم لينين ببساطة إمكانية صياغة يمكن للحزب فى ظلها أن يقدم نفسه بوصفه شيئاً أفضل تعريفاً من أنه جملة الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم فى لحظة معينة أعضاء فى الحزب. قال أكسلرود Axelrod، على سبيل المثال، أنه ما من قواعد يمكن أن تمنع حلقات من الشباب الثورى وأشخاص منفردين من أن يسموا أنفسهم اشتراكيين ديمقراطيين وحتى من اعتبار أنفسهم قسماً من الحزب. وقد كشف لينين ببساطة تفاهة هذه الحجة:
لا يمكن لنا أن نمنع أحداً من أى يسمى نفسه اشتراكياً ديمقراطياً فهذا أمر مستحيل ولا معنى له، لأن هذه الكلمة تعبر مباشرة فقط عن نظام من الأفكار وليس عن علاقة تنظيمية محددة. أن نمنع حلقات معينة وأشخاص “من أن يعتبروا أنفسهم قسماً من الحزب” هو أمرممكن حينما تكون تلك الحلقات والأشخاص خطرة على شئون الحزب، تفسده وتثير فيه عدم التنظيم. سوف يكون من الهزلى أن نتحدث عن الحزب ككل بوصفه كماً سياسياً، إذا لم يكن ممكناً أن نمنع "بواسطة مرسوم" حلقة من أن "تعتبر نفسها قسما" من الكل! ولم إذن تحديد الإجراءات وشروط الفصل من الحزب؟(26)
بالنسبة إلى لينين نفسه فقد تبين باكراً جداً ـ وقد أكد ذلك فى مواضع كثيرة من كتابه (خطوتان) ـ أن الانتهازية التنظيمية عند أكسلرود، ومارتوف وآخرين هى فقط ميراث العهد السابق (الذى لم يتم تجاوزه بعد) المتخلف عن الحلقية، عن العهد الذى نمى الحزب فيه من “الحلقة العائلية”، دون طابع رسمى، دون خضوع الأقلية، للأغلبية، دون خضوع الجزء للكل، لقد فهم لينين، أكثر من أى أحد آخر، المغزى المروع للحلقية الثورية، أى، التحام الثوريين الرفاقى والأيديولوجى المؤسس على الإيمان غير المشروط كل منهم بالآخر. كثير من أفضل الصفحات فى كتابه ما العمل مكرسة لإيضاح هذا المغزى. ولكن لينين فهم أيضاً أنه حينما يتحرك الحزب إلى مجال الصراع السياسى الواسع، فلابد أن يكمل الوحدة الأيديولوجية بمظهر الوحدة الخارجية، ولابد أن يضع المؤسسات الحزبية محل الحلقة. لقد فهم لينين أن حزباً مقيداً فى تطوره بمرحلة الحلقة لابد وأن يعجز عن إنجاز تلك المهام المذكورة فى برنامجه. بينما للرابطة الحلقية، غير الرسمية، التى لا تمتلك لائحة، مميزات كبرى، فإن لها أيضاً نواقصها التى سوف تغدو فى المستقبل غير محتملة. أصبحت العادات التى نشأت فى هذه المرحلة عائقاً أمام النمو اللاحق، كتب لينين:
لهؤلاء الذين اعتادوا على جلابيب وأخفاف حلقة أوبلوموف المنزلية، تبدو القواعد الرسمية/ الشكلية ضيقة، مقيدة، مضجرة، تافهة وبيروقراطية، رابطة قنانة وقيد على السيرورة الحرة للنضال الأيديولوجى. لا يمكن للفوضوية الأرستقراطية أن تفهم أن القواعد الشكلية ضرورية تحديداً لكى نستبدل الروابط الحلقية الضيقة برابطة الحزب العريضة. لم يكن ضرورياً بل ومستحيلاً صياغة الرابطة الداخلية للحلقة أو الرابطة الداخلية بين الحلقات، لأن هذه الرابطة قامت على الصداقة أو على الثقة التى لا تتطلب إبداء دافع أو سبب. لا يمكن للرابطة الحزبية، ولا ينبغى أن تتأسس على أى منها، وإنما ينبغى أن تتأسس على قواعد مكتوبة، “شكلية” بيروقراطية (بيروقراطية من وجهة نظر المثقف غير المنضبط)، الالتزام الصارم الذى يمكن له وحده أن يحمينا من العناد والنزوات وهى السمة المميزة للحلقات، ومن طرائق الحلقة فى الصراع الداخلى التى تجرى تحت اسم “السيرورة الحرة للصراع الأيديولوجي”(27).
هجمات لينين الحادة، كالعادة، فسرتها حقيقة أنه رأى بوضوح الخطوة التالية والأشد ضرورية التى ينبغى أن يقوم بها الحزب فى لحظة معينة، وهاجم بعنف هؤلاء الذين دفعوا الحزب للخلف.
إجابة على إعلان هيئة التحرير الإيسكرا Iskra بأن "الثقة هى أمر دقيق لا يمكن أن يُدق فى القلب والرأس"، أشار لينين:
حينما كنت عضواً فى حلقة فقط... كان لى الحق فى أن أركن فقط إلى إيمان غير محدد... وحينما أصبحت عضواً فى حزب لم يكن لى الحق فى أن أركن فقط إلى افتقار للإيمان غير محدد... لقد كنت ملزماً أن أمحض “ثقتى أو عدم ثقتي” باستنتاج رسمي/ شكلى أى بالإحالة إلى إحدى إجراءتنا المقررة رسمياً فى برنامجنا، تاكتيكنا أو قواعدنا اللائحية، لقد كنت ملزماً أن أتبع طريقاً موصوفاً رسمياً للتعبير عن عدم الثقة، ولمعالجة هذه النظرات أو هذه الرغبات التى نبعت من عدم الثقة هذه(28).
خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الخلف، هو كتاب، إضافة إلى كل الأشياء الأخرى التى يتميز بها، له مغزى تربوى عميق. إنه يعلم ضرورة العلاقة المسئولة الجادة نحو شئون الحزب ونحو المنظمات الحزبية، وهو يعلم عدم الخلط بين المناقشة السياسية التى تسبق تبنى أى قرار معين والمناقشات الثقافية العقيمة التى لا نهاية لها، وبين اعتبار المرشحين عند انتخاب المناصب الحزبية مع الاعتبارات العائلية العادية، حول تفادى مضايقة أحد، أو خلط الحزب مع مجموعة من الأصدقاء. يؤكد هذا الكتاب الجانب الخارجى الشكلى الدقيق للمسألة التى تناولها كثير من ثورييى هذا الزمان بغير اهتمام. ولكن عرف فلاديمير إيليتش أن لا سلاح للبروليتاريا فى صراعها من أجل السلطة سوى التنظيم... “إن البروليتاريا يمكن أن تغدو وحتماً ستغدو قوة لا تقهر، حينما تتعزز وحدتها الأيديولوجية، بمبادئ الماركسية، بواسطة الوحدة المادية لتنظيم سوف يصهر ملايين من الكادحين فى جيش واحد للطبقة العاملة”(29). إن القدرة الموضوعية القصوى للبروليتاريا فى أن تتحد فى إرادة طبقية سوف تتحقق بواسطة البشر الأحياء، لن تتحقق بطرق أخرى غير فى أشكال تنظيم محددة”(30)، وفقاً لهذا، فإن التأسيس والتشكيل (بما فيه الطابع الخارجى المميز لهذا التنظيم) يعد خطوة هامة للأمام فى تاريخ الحركة العمالية.
حينما خاض خصوم لينين بعد المؤتمر الثانى صراعاً ضد “النزعة الشكلية البيروقراطية” فقد بنوا حجتهم، كما بدا، على فهم أعمق أكثر ماركسية لمجرى التطور التاريخى. لم يفكر لينين بالطبع فى إخفاء حقيقة أن خطته التنظيمية لها أكثر الدلالات السياسية تحددا: حماية الحزب من الانتهازية. ضد هذا، طرح خصومه من معسكر المناشفة هذا الاعتراض، قالوا: “تنشأ الانتهازية وتحددها أسباب أعمق وأشد تعقيداً من فقرة ما فى لائحة”. (تروتسكي)
أجاب لينين، “ليست القضية فى أن فقرات/ مواد اللائحة قد تخلق الانتهازية، وإنما القضية هى فى أن نصنع بمعونتها سلاحا لهذا الدرجة أو تلك ضد الانتهازية”. مضى تروتسكى فى التأكيد بأن صيغة لينين يجب أن ترفض، لأن التعريفات التاريخية يجب أن تتوافق مع العلاقات الفعلية. أجاب لينين، “يتحدث تروتسكى مرة أخرى كانتهازي”. “العلاقات الفعلية ليست ميتة وإنما حية وتتطور. وقد تتوافق التعريفات مع التطور المتلاحق لهذه العلاقات ولكن يمكن أيضاً (إن كانت التعريفات رديئة) أن تتوافق مع الارتكاس والركود. وأضاف فلاديمير إيليتش “والأخير هو واقع الحال مع مارتوف”(31).
لقد جرى التعبير منطقياً عن الانتهازية فى قضايا التنظيم من خلال الدفاع عن أولوية “المضمون” على الشكل وفى وضع البرنامج والتاكتيكات قبل تبنى اللائحة وللتطور الفعلي” على “التعريفات القانونية”. يكشف لينين الطبيعة الميتافيزيقية الكاملة لهذا التضاد الذى يخفق فى تفسير الشروط التاريخية العينية. إن ما هو ملائم وصائب فى مرحلة من التطور يغدو خطأ فظاً فى مرحلة أخرى. حين يتحدث مارتوف دفاعاً عن التناول الحلقى القديم، حاول أن يعتمد على اقتباسات من الأعمال الأبكر التى كتبها لينين، حيث ناقش فيها “النفوذ الأيديولوجي” و”الصراع من أجل النفوذ” وعارضها بـ”الطريقة البيروقراطية للتأثير بمساعدة القواعد”، والميل إلى الاعتماد على السلطة، التى يزعم، أن لينين قد طورها عقب المؤتمر الثانى. يتعجب لينين قائلاً فى هذا الصدد “أشخاص ساذجون” “لقد نسوا أن حزبنا سابقاً لم يكن كلاً منظماً شكلياً، وإنما فقط جملة مجموعات منفصلة، ومن ثم، مامن علاقات أخرى كانت ممكنة بين هذه الجماعات ما عدا تلك التى تتعلق بالتأثير الأيديولوجى. الآن بعد أن أصبحنا حزباً منظماً يتضمن هذا إقامة سلطة، وتحويل سلطة الأفكار إلى قوة السلطة (و) خضوع المستويات الحزبية الأدنى للمستويات الحزبية الأعلى. لم، يجعلنا هذا غير مستريحين”، يستنتج لينين “أن نضطر إلى أن نلوك مثل هذه الأفكار البدائية لصالح رفاق المرء القدامي.”(32) فى هذا التأكيد على “الآن” تتركز كل حكمة الجدل اللينينى. فهو، إن جاز القول، يقول لخصومه: قد تؤكدون أيها السادة الطيبون، بقدر ما ترغبون، أن المضمون يحدد الشكل، وأن الصواب التاكتيكى شرط ضرورى للتضامن التنظيمى، وأن الانضباط فى الحزب يعتمد فى التحليل الأخير على سلطة الأفكار.. إلخ، ولكن حان الوقت الآن لأن نقوم بالضرورة بخطوة أبعد إلى الأمام، حين يكون ضرورياً التصرف استناداً إلى مقدمات ضرورية تأسست من أجل الصراع الأيديولوجى، حين يكون ضرورياً أن نفهم أن مضمون الصراع السياسى فى المرحلة المقبلة يتجه نحو الشكل المتحقق قانونياً للتنظيم الحزبى.
كتب فلاديمير إيليتش “عمل الإيسكرا وكل مسألة النتظيم الحزبى، كل مسألة إعادة البناء الفعلى للحزب، لايمكن أن تعتبر منتهية بدون اعتراف من كل الحزب وأيضاً الإقرار الشكلى بأفكار تنظيمية. كان على الطابع التنظيمى للحزب أن ينجز أيضاً هذه المهمة”(33).
فيما يتعلق بملاحظات الإيسكرا المنشفية، يعلق لينين بغضب شديد فى موضع آخر:
المضمون أكثر أهمية من الشكل، والبرنامج والتاكتيك أكثر أهمية من التنظيم. حقائق عميقة ومفيدة. إن البرنامج بالفعل أهم من التاكتيك، والتاكتيك أهم من التنظيم. الألفباء أكثر أهمية من بناء الجملة، وبناء الجملة أكثر أهمية من الإعراب ـ ولكن ماذا يمكن أن يقال عن الناس، الذين أخفقوا فى امتحان الإعراب، الآن يصطنعون ويفتخرون بأنهم قد اُستبقوا فى صف دراسى أدنى لعام آخر؟(34).
يفهم لينين التنظيم الشكلى الممركز كشىء حقيقى، وهو ليس على استعداد لأن يختزله فى نوع من الرمزية التى ترضى “الوحدة الروحية”. صرحت الإيسكرا المنشفية “تبنى برنامج يسهم فى مركزة العمل أكثر مما تفعل القواعداللائحية”. رد لينين “كيف أن هذه التفاهة ـ فرضت نفسها كفلسفة ـ تصفع روح الانتلجنيسا الراديكالية، وذلك أدنى قرباً للإنحلال البورجوازى منه إلى الاشتراكية الديمقراطية. بالفعل فى هذه الجملة الشهيرة فإن كلمة “مركزية” تفهم بمعنى غاية فى الرمزية”(35). من المميز أن العلاقة الصنمية بأسس الديمقراطية الشكلية، التى كانت فى هذا الوقت متأصلة فى المنشفية، لم تمنع مارتوف وأتباعه فى الحزب من أن يضعوا رأيهم (وإرادة حلقتهم) فوق القرار الشكلى لأغلبية المؤتمر. أثار مارتوف الشك حتى حول إجراءات الانتخابات كتعابير عن إرادة الحزب. “فقط بإحلال مسألة الوعى الاجتماعى لأعضاء الحزب والمضمون الاشتراكى لعملهم بمسألة “إمكان الاعتماد على المراكز التى خولت سلطة قوية، ربما قد نصل إلى نقطة أن نرى فى فعل الانتخاب تعبيراً نوعياً عن إرادة الحزب”(36) لينين فى رأى محررى الإيسكرا القديمة الأربعة “يولى أهمية، ليس للاتحاد الداخلى، وإنما للوحدة الشكلية الخارجية التى تمارس وتحمى بطرائق الية محضة بواسطة الإخضاع المنهجى لحافز الفرد والعمل الاجتماعى المستقل، ساخراً من قيمة هذه الوثيقة ـ التى تذكر أكثر بحديث مستشار مقاطعة ما قبل ثورى حول الإصلاحات "العمل الاجتماعى المستقل" منها بقرار حول مسائل الحزب الداخلية ـ يواصل لينين "أى وحده شكلية داخلية يتحدثون عنها هنا، أعضاء حزبنا الذين عادوا لتوهم من مؤتمر الحزب، الذين أعلنوا برزانة صلاحية قرارته؟ هل صادف أن عرفوا أية طريقة أخرى لتحقيق الوحدة فى حزب منظم على أساس دائم، عدا بواسطة مؤتمر الحزب؟”(37) ويكشف لينين بلا رحمة الاتهامات بالشكلية البيروقراطية ويبين أن وراءها يختفى فقط “جملة فوضوية وعدم استقرار فكري”. يصرح فلاديمير إيليتش بسخرية “أنت بيروقراطى لأنه تم تعيينك بواسطة المؤتمر ضد رغبتى، أنت شكلى لأنك تعتمد على القرارات الشكلية للمؤتمر، وليس على موافقتى، أنت تتصرف بطريقة غاية فى الآلية لأنك ترجع للأغلبية الميكانيكية فى مؤتمر الحزب وتهمل رغبتى فى أن يتم اختيارى، أنت أوتوقراطى، لأنك ترفض أن تسلم السلطة للعصابة الصغيرة القديمة الصالحة التى تصر على “استمراريتها” كحلقة ـ والأكثر لأنهم لا يحبون عدم الموافقة الصريحة على هذه الحلقة من قبل المؤتمر”(38).
قاد لينين بحزم الحزب لمرحلة جديدة، لـ”الأداتية” التنظيمية لحياته السياسية مناضلاً بتحرير طريقه من هؤلاء الذين دفعوه للخلف إلى مرحلة مضت من صراعه الأيديولوجى وتمايزه. “إن الوحدة حول قضايا البرنامج والتاكتيك مسألة جوهرية، ولكن لا تزال شرطاً غير كاف لوحدة الحزب ولمركزة عمل الحزب” هكذا فسر فلاديمير إيليتش المسألة لخصومه فى الإيسكرا الجديدة، على الفور، يتعجب بضجر، ما بين الأقواس “بحق السماء، أية أوليات علينا أن نكررها اليوم، حيث تشوشت كل المفاهيم”. ويواصل “يتطلب هذا الأخير، إضافة إلى ذلك، وحدة التنظيم التى لا يمكن تصورها فى حزب نما ليصبح أى شىء أكثر من مجرد حلقة عائلية، بدون قواعد شكلية، بدون خضوع الأقلية للأغلبية، والجزء للكل. ما دامت لم تكن هناك وحدة حول القضايا الجوهرية للبرنامج والتاكتيك، اعترفنا بصراحة بأننا كنا نعيش فى فترة فُرقة وبروح الحلقة، وقد أعلنا بصراحة عن ضرورة رسم خطوط التمايز قبل أن نتحد، إننا لم نتحدث حتى عن أشكال من التنظيم المشترك، وإنما ناقشنا حصراً المسائل الجديدة (كانت فى هذا الوقت جديدة بالفعل) عن كيفية الكفاح ضد الانتهازية حول البرنامج والتاكتيك. حينما أمّن هذا الكفاح بالفعل، كما اتفقنا جميعاً، درجة كافية من الوحدة ـ كما صيغت فى قرار الحزب حول التاكتيك ـ كان علينا أن نتخذ الخطوة التالية، وقد اتخذناها بالفعل، بعد الموافقة العامة، صانعين أشكال التنظيم المتحد الذى سوف يدمج كل الحلقات معاً. ولكن الآن دمرت هذه الأشكال جزئياً وقد ارتددنا إلى السلوك الفوضوى، إلى التجارة بالجملة الفوضوية وإلى إحياء الحلقة بدلاً من هيئة تحرير حزبية. وهذا الارتداد مبرر على أساس أن الألفباء أكثر أهمية للحديث الأدبى من معرفة الجملة”(39).
ولكن بالنسبة لخصوم من الإيسكرا الجديدة لم تكن “الجملة” اللينينية قابلة للتحقيق، وقد ظلوا يرتدون نحو “الألفباء”. كتب تروتسكى “الانضباط معقول فقط حتى النقطة التى يؤمن فيها إمكانية النضال من أجل ما تعتقد أنه صواب، وباسم ذلك الذى تفرض على نفسك الانضباط من أجله. ولكن حين يلفت الانتباه بطريقة معينة لمنظور “إنكار حق”، أى إنكار حق النضال من أجل النفوذ الأيديولوجى، عندئذ فإن مسألة وجوده، بالنسبة له، تحولت من Rechtsfrage (مسألة حق) إلى مسألة Mactfrage (مسألة قوة)”. كيف يمكن لنا أن نخفق فى أن نقارن آراء تروتسكى المجردة بعد المؤتمر الثانىـ حول فكرة عدم إمكان تفادى الانشقاق ـ مع تصريحاته الملموسة فى 1908-1914 من أجل الوحدة مع هؤلاء التصفويين الذين وضعوا أنفسهم أيديولوجياً وتنظيمياً خارج الحزب؟ من أجل إضفاء شعبية على عدم ضرر الوحدة الشكلية، وبعد أن وضعت الإيسكرا الأساس لنضال تواصل لمدة ثلاث سنوات لإرساء الوحدة البرنامجية والتاكتيكية، وأن تصرخ ضد الانشقاق والمنشقين حين انفتح صدع سياسى كامل بين الأحزاب والمصفين ـ هذا مثال نادر، ويمكن لنا القول بأنه مثال كلاسيكى عن الغياب الكامل للتناول الجدلى للمسألة.

ـ5ـ
كان خطأ “ الاقتصاديين” والمناشفة، كما رأينا، هو نفس الشىء. لقد تمثل فى الإخفاق فى فهم الأشكال الملموسة لتطبيق الصراع الطبقى البروليتارى. أضف إلى ذلك، تمثل تشويههم للماركسية، فى كلاالموقفين، فى تعميق مزعوم للتحليل الماركسى، بوصفه تحويلاً للانتباه من “الخارجي” (من “الشكل”) إلى لب “الجوهر”. كان على لينين فى وقت متأخر جداً أن يناضل ضد نفس النوع من الخطأ وقت نقاش خصومه حول “الحق فى تقرير المصير”، بمن فيهم الرفاق البولنديون، فبعد أن أثاروا الشك حول هذه المسألة فى البرنامج، حاولوا بالمثل أن يتجاهلوا المتطلب النوعى ذو الطبيعة السياسية والقانونية، المتطلب الذى طرحه ذات مجرى النضال التحررى للبروليتاريا، تحت إدعاء أنه “فى الجوهر” لا يمكن أن يوجد حق “تقرير ذاتي” فى ظل الرأسمالية وأنه لم يكن ضرورياً فى ظل الاشتراكية. لاحظ لينين نفسه التماثل بين هذا التوجه فى الجدال وجدالات الاقتصاديين. فى رده على الحجة بأن “الاشتراكية تقضى على القهر القومى مثلما تقضى على المصلحة الطبقية التى أنتجته”، يلاحظ لينين: “لماذا توجد تلك المناقشة للمقدمات الاقتصادية للقضاء على القمع؟ لقد عرفت لوقت طويل ولا جدال فيها. يتعلق الخلاف بأحد أشكال القمع السياسى، أى، السيطرة العنيفة من أمة بواسطة الدولة على أمة أخرى. هذه ببساطة محاولة لتجنب المسائل السياسية(40). وكذلك: “لقد حاول خصومنا بالفعل حتى أن يتجنبوا أى شىء قابل للجدال... وهم لا يرغبون فى أن يفكروا فى الحدود، ولا فى الدولة بصفة عامة. هذا نوع من النزعة الاقتصادية “الإمبريالية” مماثلة للنزعة الاقتصادية لأعوام 1894-1902 التى جادلت بأن الرأسمالية منتصرة، ومن ثم ليس هناك معنى للمسائل السياسية”(41). إن نظرية سياسية كهذه معادية بشكل جوهرى للماركسية.
بالعودة مرة أخرى إلى هذا القياس/ التناظر يكتب لينين أن “الاقتصاديين القدامي” قد حولوا الماركسية إلى كاريكاتير وقد علموا العمال أن “الاقتصاد” وحده هو المهم بالنسبة للماركسيين. يظن “الاقتصاديون” الجدد، فيما يبدو، إما أن الدولة الديمقراطية للاشتراكية المنتصرة سوف توجد بغير حدود (مثل مركب الإحساسات بغير مادة) أو أن الحدود سوف تحدد فقط باحتياجات الإنتاج. وفى الواقع سوف تعين هذه الحدود ديمقراطياً أى وفقاً لإرادة و”ميول السكان”(42). من ناحية أخرى، الجدالات بأن حق الأمم فى تقرير المصير غير قابل للتحقيق فى ظل الرأسمالية وأنه، من ثم لابد أن نتخلى عنه، هو، كما يبين لينين، تنازل للنزعة الإصلاحية. “من الناحية الموضوعية فإن جهلهم (الرفاق البولنديين) حول عدم الإمكانية انتهازية، لأنهم يفترضون بصمت (أن تقرير المصير) مستحيل بدون سلسلة من الثورات وغير قابل للتحقيق فى ظل الإمبريالية، كما هو الحال فى ظل الديمقراطية”.(43)
كثيراً ما شُرح وعُلق على فطنة لينين السياسية فى هذاالجدال فى الأدب الماركسى اللاحق. ولكن ما من أحد، فى حدود علمنا، قد لاحظ حقيقة أن موقع روزا لوكسمبورج وهؤلاء الذين يتبنون نظرات مماثلة لما تتبناه من الناحية المنطقية (الذين تحدث من بينهم حتى انتهازيون صرحاء مثل سمكوفسكى Semkovsky والبوندى ليبمان Liebman) ـ قد يوصف عرضاً بأنه رفض كامل للشكل القانونى والافتقار الكامل لفهم ملامحه النوعية. بدءاً بحقيقة أنه كان على الرفيق لينين أن يشرح دوماً وبحزم لخصومه الاختلاف بين “الحق فى الانفصال” والانفصال ذاته، لإن روزا لوكسمبورج، وآخرون بالفعل، يفترضون أن الاعتراف بـ”حق تقرير المصير” يستلزم دعماً إلزامياً لكل مطلب ملموس بالانفصال وهو يشمل فى باطنه “تشجيع النزعة الانفصالية”. وقد كان على لينين أن يشرح الافتقار للفهم بضرب مثل أولى عن “حق الطلاق”. “لوم أبطال تقرير المصير (أى بحرية الانفصال، وبتشجيع النزعة الانفصالية)، هو أمر غبى ومنافق مثله فى ذلك مثل لوم أبطال حرية الطلاق على تشجيع تدمير الروابط العائلية(44).
لقد كان أمراً مبهماً بشكل مطلق بالنسبة لخصوم لينين أن النضال ضد القهر القومى كان عليه أن يجد تعبيره الملائم والأكثر مباشرة فى مصلحة البروليتاريا فى مطلب حرية الانفصال القانونى أى بلغة فنية، فى النضال من أجل الاعتراف بـ”الحق الذاتي” المطابق فى تشكيل دولة مستقلة. يفسر لينين هذا بمقارنته مع الشعار الذى يطالب بهيكل دولة مستقلة ذاتياً أو فدرالية.
ليس من الصعب أن نرى أنه فى ظل الحق القومى لتقرير المصير فإنه من المستحيل للاشتراكيين الديمقراطيين أن يفهموا إما الاتحاد Federation أو الاستقلال الذاتى. إذا ما تحدثنا بشكل تجريدى فكليهما يدخل تحت مفهوم تقرير المصير. إن الحق فى الاتحاد لا معنى له بشكل مطلق، لأن الاتحاد هو عقد ثنائى. غنى عن القول إنه لا يمكن للماركسيين أن يدافعوا عن النزعة الاتحادية بشكل عام فى برنامجهم. يدافع الماركسيون، فيما يتعلق بالاستقلال ليس عن الحق فى الاستقلال الذاتي” وإنما عن الاستقلال ذاته كمبدأ عام للدول الديمقراطية بما تتميز به من تركيب قومى مختلط واختلافات حادة فى العوامل الجغرافية وغيرها من عوامل. من ثم، فإن الاعتراف بـ “الحق فى الاستقلال الذاتى القومي” سوف يكون بلا معنى مثل الاعتراف بـ”حق الأمم فى الاتحاد”(45).
مثل هذا التصريح بالمسألة (الاعتراف بحق تقرير المصير بدون دعم إلزامى لكل مطلب ملموس بالانفصال) لم يستوعبه تحديداً خصوم لينين. لقد بدا ميتافيزيقياً بالنسبة لهم، خال من أى مضمون سياسى عينى، وبدون مؤشرات عملية للسياسة اليومية. لقد أعلن البوندى ليبمان ببساطة أن الحق فى تقرير المصير هو “تعبير عصري” لف معناه الغموض.
فكرة أن هذا جوهرياً شعار ديمقراطى بورجوازى (ومن ثم من الحتمى أن يكون شكلياً ومجرداً) يمكن أن يكون صيحة حرب من البروليتاريا ضد الرجعية المادية شبه الإقطاعية والبورجوازية، ويمكن له أيضاً أن يعلب دوراً حتى بعد انتصار الاشتراكية، أخفقت تماماً فى أن تجد مكاناً فى وعى الناس الذين يقدمون أنفسهم بإخلاص بوصفهم ماركسيين متسقين. لقد بدا لهم أن التجريد القانونى الفارغ عن المساواة فى الحق تحديداً لابد وأن يستبدل بشىء واقعى وعملى. بَيَّن لينين خطأهم باقتدار:
ان تطلب إجابة “نعم أو لا” على سؤال الانفصال فى حالة كل أمة قد يبدو متطلباً غاية فى “العملية”. ولكن فى الواقع فإنه عبثى، ميتافيزيقى من الناحية النظرية، وفى الممارسة يدع البروليتاريا خاضعة لسياسة البورجوازية...
من الناحية النظرية فإنه من المستحيل أن تضمن مقدماً ما إذا كان انفصال أمة بعينها، أو مركزها القانونى المتساوى مع أمة أخرى، سوف يبلغ حد ثورة بورجوازية ديمقراطية. من المهم فى كلتا الحالتين أن تؤمن تطور البروليتاريا، حيث تعوق البورجوازية هذا التطور وتعطى الأولوية للتطور “القومي”. وعلى ذلك، فإن البروليتاريا محدودة بالمطلب “السلبي” للاعتراف بحق تقرير المصير، الذى ليس مضموناً لأية أمة بعينها. إن كامل مهمة البروليتاريا حول المسألة القومية ليست مسألة عملية لكل بورجوازية قومية فى كل أمة، لأن البروليتاريا تطالب بحق متساو “مجرد” وغياب مبدئى حتى لأقل امتياز، لأنه معارض لكل نزعة قومية”(46).
لقد فهم لينين ما أخفق خصومه فى أن يفهموه: إن مطلب المساواة الشكلى فى الحقوق “المجرد” و”السلبي” كان فى حالة تاريخية معينة فى آن معاً شعارا ثوريا ومثورا، وكذلك كان أيضاً أفضل طريقة لتقوية التضامن الطبقى للبروليتاريا ولحمايتها من عدوى أنانية البورجوازية القومية. فى الواقع، فى الحالة الملموسة التى جرى فيها الجدال (أى عشية الحرب الإمبريالية، وفى ذروتها ومن ثم فى عشية الثورة الروسية) فإن إنكار حق تقرير المصير بالإنطلاق من حقيقة أن هذا كان شعاراً للديمقراطية الشكلية وأن الماركسيين ملزمون بفضح هذه الديمقراطية الشكلية بكل طريقة ـ كان معناه “اللعب بين أيدى ليس فقط البورجوازية وإنما القهر القومى الإقطاعى والمطلق”. لقد فهم لينين أنه فى أى مرحلة للتطور فإن مطلب المساواة فى الحق الشكلى المجرد هو مطلب ثورى. الذى يدمر الحكم الملكى شبه الإقطاعى وفى المحل الأول الملكية المطلقة الروسية. ولكن أتى حينئذ عام 1920. فى روسيا كانت الثورة الروسية قد حدثت بالفعل، وتعززت السلطة السوفييتية، وكانت المهمة الناشئة هى النضال من أجل دكتاتورية البروليتاريا على نطاق عالمى. حاولت البورجوازية الإمبريالية وأتباعها بحزم أن يقنعوا سياسة القمع والسرقة للبلدان المغزوة والمستعمرة بجمل ويلسونية [نسبة للرئيس الأمريكى ويلسون، المترجم] فارغة حول المساواة بين الشعوب. وحول الحقوق المتساوية للشعوب، إلخ. كان التكرار البسيط للشعارات القديمة فى ظل هذه الظروف سوف يصبح لا معنى له). أصبحت المهمة الأساسية نضالاً ضد الديمقراطية البورجوازية، وفضح أكاذيبها وزيفها. كتب لينين هذه الأطروحات الشهيرة حول المسألة القومية للمؤتمر الثانى للكومنترن، وهى تبدأ بالفضح المقتبس عاليه للفكرة الديمقراطية البورجوازية عن المساواة القانونية الشكلية. أكدت الأطروحات على أن الحزب الشيوعى بوصفه التعبير الواعى لنضال البروليتاريا للإطاحة بنير البورجوازية، لا ينبغى أن يضع مبادئ مجردة وشكلية على رأس المسألة القومية: مقارنة مع الإعلان المطبوع أعلاه بأن البروليتاريا تطلب حقوقاً مجردة متساوية” (التشديد لى، ى. ب) أولاً، ينبغى مراعاة الوضع التاريخى العينى (وقبل كل شىء) الاقتصادى، ثانياً، التمييز الواضح بين مصالح المضطهدين، والطبقات العاملة المستغلة وبين المفهوم العام للمصلحة القومية، التى تشير لمصلحة الطبقة الحاكمة، ثالثاً التمييز الواضح بين الأمم المضطهدة، التابعة والتى تفتقر للحقوق المتساوية، والأمم المضطهدة والمستغلة. هذه التمييزات لابد أن تقابل الكذبة الديمقراطية البورجوازية التى تُقنع استعباد الكتلة العظمى من سكان الأرض من قبل أقلية ضئيلة من البلدان الغنية المتقدمة، استعباد يميز فترة رأس المال المالى والإمبريالية.(47)
لقد فقدت الشعارات الديمقراطية البورجوازية حول المسألة القومية خاصيتها الثورية. كان الدفاع عن الخاصية “المجردة”. موقفاً وسطاً.
لا يمكن للسياسة القومية للكومنترن أن تقتصر فى نطاق علاقات الدولة الداخلية على الاعتراف الإعلامى المحض والشكلى لحق الأمم المتساوى الذى يقصر الديمقراطيون البورجوازيون أنفسهم عليه ـ ما من فارق إذا مااعترفوا بأنفسهم بوصفهم كذلك، أو تقنعوا فى رداء الاشتراكية(48)
بالمقابل أنشئت مهمة أخري:
مهمة تحويل دكتاتورية البروليتاريا من دكتاتورية قومية (أى توجد فى بلد واحد وغير قادرة على تحديد السياسة العالمية) إلى دكتاتورية عالمية (أى دكتاتورية البروليتاريا لعدة بلدان متقدمة على الأقل قادرة على ممارسة نفوذ واضح على السياسة العالمية). تعلن قومية البورجوازية الصغيرة بأن الأممية هى الاعتراف بحق الأمم المتساوى وهى تستبقى فقط (لن نتحدث عن الطابع الشكلى المحض لهذا الاعتراف) أنانية قومية لا تنتهك. على أية حال، تتطلب القومية البروليتارية، أولاً إخضاع مصالح النضال البروليتارى فى أى بلد بمفرده لمصلحة النضال على نطاق العالم بمجمله، ثانياً، تتطلب القدرة والاستعداد فى جانب تلك الأمم التى حققت انتصاراً على البورجوازية، لأن تقوم بتضحيات قومية كبرى لتدمير رأس المال المالى.(49)

كانت هذه مرحلة جديدة، وضعاً جديداً، مستوى جديداً وأعلى من النضال. وأولويات جديدة تتوافق معها. لقد مضت المرحلة البورجوازية الديمقراطية، ومعها المطلب القانونى الشكلى للحق القومى فى تقرير المصير ـ المميز لهذه المرحلة ـ الذى فقد مغزاه الأول. إن شعار “أطيحوا بحكم البورجوازية على نطاق عالمى وأقيموا الدكتاتورية الأممية للبروليتاريا” بات الشعار العملى المباشر.
هل يعنى هذا أن تقرير المصير القومى قد فقد كل مغزى، وأنه يمكن أن يستبدل بـ”تقرير المصير البروليتاري؟ بالطبع لا. إن معنى هذا تجاهل وجود البلدان المتخلفة التى لم تمر بمرحلة الثورات القومية البورجوازية الديمقراطية. إن على البروليتاريا الشيوعية فى الأقطار المتقدمة أن تدعم هذه الحركات، بكل ما لديها من قوة للنضال حتى يمكن أن نتجاوز بأسرع ما يمكن تراكم قرون من سوء النية وعدم الثقة من قبل الشعوب المتخلفة نحو الأمم المسيطرة ـ وكذلك بروليتاريا هذه الأمم. لقد كان من المستحيل تحقيق هذا الهدف دون الإعلان والتطبيق الفعلى للحق القومى فى تقرير المصير. أضف إلى ذلك، حتى بالنسبة لمجتمع اشتراكى يتجه نحو القضاء على الطبقات لا تزال تبقى مسألة تقرير المصير القومى مسألة حقيقية، ورغم أنها مؤسسة على الاقتصاد، فلا تتألف الاشتراكية من الاقتصاد وحده:
من أجل القضاء على الخضوع القومى، فإن الإنتاج الاشتراكى لهو أساس ضرورى، ولكن من الضرورى أيضاً أن يكون هناك تنظيم ديمقراطى للدولة، جيش ديمقراطى إلخ قائم على هذه القاعدة. بواسطة تحويل الرأسمالية إلى اشتراكية تخلق البروليتاريا إمكانية القضاء على الخضوع القومى. تتحول هذه الإمكانية إلى واقع ـ فقط ـ فقط عند إقامة الديمقراطية كاملة فى كل المجالات، تعيين الحدود وفقاً لما تمليه “ميول السكان” والحرية الكاملة فى الانفصال. على هذه القاعدة، بدورها يتطور فى الممارسة، القضاء الكامل على أدنى الاختلافات القومية وعدم الثقة. وسوف تكتمل الحركة المتسارعة نحو تكامل الأمم حين تضمحل الدولة.(50).

نأمل أن نكون قد أظهرنا بهذه الأمثلة القليلة أية مادة غنية لدراسة التناول الجدلى الثورى لمسألة القانون “تتضمنه” مؤلفات لينين النظرية والسياسية. وسوف نعتبر أننا أنجزنا مهمتنا إذا كنا قد وفقنا فى جذب انتباه الرفاق لهذا المجال الذى قلما دُرس.

* “Lenin i voprosy prava”, Revoliutsiia prava: Sbornik 1 (1925), Kommunisticheskaia akedemiia Moscow.
*هذه الدراسة مترجمة عن : باشوكانيس, كتابات مختارة حول الماركسية والقانون , إعداد بيرن بيرس، شارلت روبرت المطبعة الأكاديمية ، لندن ، 1980 .
هوامش:
(1) أ. ج. جويخبارج، أساسيات قانون الملكية الخاصة (1924)، موسكو، ص68.
(2) ف. أ. لينين من هم “أصدقاء الشعب” وكيف يحاربون الاشتراكيين الديمقراطيين (1894)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 1، ص153.
(3) ب. سانياك، التشريع المدنى للثورة الفرنسية 1789-1804 (1898)، مكتبة هاشيت، باريس، المجلد 1، ص2.
(4) راجع ف. أ. لينين “المسألة الزراعية فى روسيا فى نهاية القرن التاسع عشر” (1918)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 15، ص84.
(5) المصدر نفسه.
(6) راجع ص ص 84-85.
(7) راجع ص 85.
(8) 1ـ أ. ج. جويخبارج، (1924)، المصدر نفسه، ص23.
(9) ف. أ. لينين “الشيوعية اليسارية: مرض طفولي” (1920)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 31، ص ص35-36.
(10) ف. أ. لينين، سوشينينى Sochenenii، المجلد 1، ص 135.
(11) ف. أ. لينين “تعليمات مجلس العمل والدفاع للهيئات السوفييتية المحلية” (1921)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 32، ص387.
(12) راجع، ص 389.
(13) راجع، ص 394.
(14) ف. أ. لينين، سوشينينى، المجلد 25، ص ص 215-216.
(15) ف. أ. لينين “الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي” (1918)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 28، ص ص276-277.
(16) ف. أ. لينين “إسهام فى تاريخ مسألة الديكتاتورية” (1920)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 31، ص ص353.
(17) ف. أ. لينين “الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي” (1918)، المصدر نفسه، ص 236.
(18) راجع ص 274.
(19) راجع ص ص 174-275.
(20) ف. أ. لينين من هم “أصدقاء الشعب” وكيف يحاربون الاشتراكيين الديمقراطيين (1894)، المصدر نفسه، ص ص 149-150.
(21) ف. أ. لينين “مسودة أولية بأطروحات حول المسألة القومية والاستعمارية” (1920)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 31، ص145.
(22) ف. أ. لينين، سوشينينى، المجلد 12، القسم الثانى، ص 388.
(23) راجع ؟
(24) علينا أن نبدى تحفظاً هنا، وهو أن المسائل التنظيمية لبناء الحزب قد تصنف كمسائل قانونية بمعنى نسبى ومشروط فقط. أولاً، على أية حال، تعمل اللائحة تماماً من الناحية الشكلية كوسيط للمضمون السياسى لنشاط الحزب، مثل القانون بالمعنى الضيق والدقيق للكلمة الذى يشتغل كوسيط من أجل علاقات الإنتاج. إن لائحة حزبنا ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا ـ هى الآن واحدة من العناصر فى هيكل دولة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية. من المنظور الإضافى لأهميتها الوظيفية، هى من ثم جديرة بالتصنيف بوصفها إحدى الموضوعات التى عالجها الفقه.
(25) ف. أ. لينين “خطوة للأمام، خطوتان إلى الخلف” (1904)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 7، ص ص 241-249.
(26) راجع، ص 272.
(27) راجع ص ص 392-393.
(28) راجع ص ص 393-394.
(29) راجع ص 415.
(30) ف. أ. لينين، سوشينينى، المجلد 8، ص 479.
(31) ف. أ. لينين “خطوة للأمام، خطوتان إلى الخلف” (1904)، المصدر نفسه، ص 275.
(32) راجع، ص 367.
(33) راجع، ص 336.
(34) راجع، ص 386.
(35) راجع، ص 387.
(36) ل. مارتوف، “حالة حصار” (1903) انظر أعمال لينين الكاملة، المجلد 7، ص 362.
(37) ف. أ. لينين “خطوة للأمام، خطوتان إلى الخلف” (1904)، المصدر نفسه، ص 362.
(38) راجع، ص 363.
(39) راجع، ص ص 387 ـ 388.
(40) ف. أ. لينين “ملخص المناقشة حول تقرير المصير” (1916)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 22، ص 321.
(41) راجع ص 322.
(42) راجع ص 324.
(43) راجع ص 327.
(44) ف. أ. لينين “حق الأمم فى تقرير المصير” (1904)، أعمال لينين الكاملة، المجلد 20، ص 422.
(45) راجع ص 441.
(46) راجع ص 410.
(47) ف. أ. لينين “مسودة أولية بأطروحات حول المسألة القومية والاستعمارية” (1920)، المصدر نفسه ص 145.
(48) راجع ص 147.
(49) ص 149.
(50) ف. أ. لينين “ملخص المناقشة حول تقرير المصير” (1916)، المصدر نفسه، ص 325.









رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الحراك الشعبى والمزاج الجماهيرى - حزب العمال الشيوعى المصرى
- فى ذكرى حرب العاشر من رمضان ( ملاحظات حول حرب أكتوبر 1973)
- عن بعض وثائق حزب العمال الشيوعى المصرى فى المكتبات العالمية
- كارل كاوتسكى ونظريته عن العرق اليهودى
- آليات خطاب السلطة الحقوقى - سامى ادلمان ، كين فوستر
- علم النفس السياسي البورجوازى - نقد العقل القمعى وميتافيزيقا ...
- المقولات القانونية ونشأة الراسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس
- حول مفهوم تأويل النص القانونى - بول ريكور
- بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - ...
- القانون واستبطان العنف - جاك دريدا
- حدود مفهوم استقلال القضاء فى المجتمع الرأسمالى - بيير بورديو
- فى ضرورة تهيئة الشعب للثورة - تشرنيشفسكى - ترجمة فيتولد ليبو
- الممارسة وحل التوترات فى فكر ماركس - جورج لارين - مقتطف
- فى معنى المقاطعة الايجابية للانتخابات
- العجز والتشوش ف . ا . لينين ( ملاحظات )
- المفاهيم النظرية والسياسية وانعكاس امزجة الثورة المضادة فى ص ...
- التفسخ الايديولوجى والانقسام فى صفوف الاشتراكيين الديموقراطي ...
- من ارشيف حزب العمال الشيوعى المصرى - الكارثة الوطنية فى لحظت ...
- من ارشيف حزب العمال الشيوعى المصرى - ليس كل مايلمع ذهبا ! - ...
- الاخوان المسلمون ومسألة التصنيف الطبقى ( من ارشيف اعوام الثو ...


المزيد.....




- كارلس بوجديمون: عُدنا لزمن السجناء السياسيين في إسبانيا
- الأمم المتحدة ترحب باجتماع رئيس جمهورية أرمينيا ونظيره الأذر ...
- انتخاب قطر لولاية ثانية بمجلس حقوق الإنسان
- تحديد الدول التي ستدخل مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 2 ...
- عون بخصوص النازحين السوريين: لبنان غير قادر على تحمل المزيد ...
- الإعدام لرئيس تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا...والجزائر تنتظر ...
- المنظمة المصرية تعقد حلقة نقاشية بعنوان ” لماذا نحن في حاجة ...
- محكمة جزائرية تنطق بالإعدام للمرة الثالثة على مختار بلمختار ...
- عون يدعو إلى عودة آمنة للاجئين السوريين من لبنان إلى المناطق ...
- السعودية تفتح النار على الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غ ...


المزيد.....

- المنظور اللينينى للقانون - ى . ب باشوكانيس / سعيد العليمى
- الترهيب الرباعي وإشكالية احترام الشرعية الدولية / عبد العزيز فجال
- آليات خطاب السلطة الحقوقى - سامى ادلمان ، كين فوستر / سعيد العليمى
- المقولات القانونية ونشأة الراسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى
- حول مفهوم تأويل النص القانونى - بول ريكور / سعيد العليمى
- الجزاءات القانونية لتلوث البيئة / ليلى الجنابي
- حدود مفهوم استقلال القضاء فى المجتمع الرأسمالى - بيير بورديو / سعيد العليمى
- مصطلحات ومفاهيم في القانون الدولي الخاص / ليلى الجنابي
- حماية البيئة البحرية من التلوث قراءة في اتفاقية الأمم المتحد ... / أنس المرزوقي
- دراسة واقع الاحزاب العراقية وبنيتها التنظيمية قبل وبعد اقرار ... / انعام السلطاني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سعيد العليمى - المنظور اللينينى للقانون - ى . ب باشوكانيس