أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تمارا برّو - الصين وعمليات حفظ السلام( القوات الصينية في لبنان نموذجاً)















المزيد.....


الصين وعمليات حفظ السلام( القوات الصينية في لبنان نموذجاً)


تمارا برّو
الحوار المتمدن-العدد: 5632 - 2017 / 9 / 6 - 16:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تعتبر قوات حفظ السلام أداة لمساعدة الدول التي مزقتها الحروب والصراعات على ايجاد ظروف لتحقيق السلام الدائم. ومما لا شك فيه؛ أن ازدياد الحروب وتكاثر بؤر التوتر والصراع والنزاع، ساهم في توسع انتشار قوات حفظ السلام في مختلف أنحاء العالم منها الصومال، الكونغو، ليبيريا، سيراليون، كوسوفو، جنوب السودان، وغيرها من المناطق.
وحالياً تساهم 124 دولة في قوات حفظ السلام العالمي، وتُعدّ الصين من الدول الأكثر مساهمة في هذه القوات، على الرغم من أنها في البداية كانت تعارض جميع عمليات حفظ السلام الدولية، من منطلق أن هذه العمليات تشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول. إلا أن التغيرات التي شهدتها الساحة الدولية، دفعت الصين الى التخلي عن عزلتها، والانخراط في الشؤون الدولية، والمساهمة في العمل على إحلال السلام العالمي.
وتشارك الصين في أكثر من عشر بعثات مختلفة للأمم المتحدة، ولبنان من بين البلدان التي تتواجد فيها قوات حفظ السلام الصينية منذ العام 2006، وقد أنيط بهذه القوات القيام بخدمات إنسانية ونزع الألغام والذخائر العنقودية، التي نشرتها إسرائيل في الجنوب اللبناني طوال فترة اعتداءاتها عليه.
أولاً: مشاركة الصين في عمليات حفظ السلام
تثير الصين دهشة العالم، فهذا التنين استطاع أن يحقق انجازات كبيرة على مختلف المستويات والمجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، بفضل اتباعه سياسة الإصلاح والانفتاح على الخارج منذ العام 1978، فبات اقتصاده يشكل ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة الأميركية.
وتنامي الحضور الصيني كقوة اقتصادية، تبعه الحضور سياسياً وعسكرياً على الساحة الدولية. وتنتهج الصين سياسة خارجية تهدف من وراءها إلى دعم السلام العالمي. ووفقاً للأمم المتحدة، تُعدّ عمليات حفظ السلام التي تقودها المنظمة الدولية، من إجراءات حفظ السلام العالمي. والصين باعتبارها من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تشارك في عمليات حفظ السلام بهدف ضمان الأمن في العالم، وتحقيق روح ميثاق الأمم المتحدة.
قبل العام 1971، كانت العلاقة بين جمهورية الصين، التي تتخذ من تايوان مقراً لها، وبين الأمم المتحدة ضعيفة. فالصين كانت ترى في الأمم المتحدة (مفرزة خاصة من الشرطة الدولية للإمبريالية الأميركية). وموقفها هذا يرجع تاريخه إلى زمن الحرب الكورية، عندما ساندت الصين كوريا الشمالية، الأمر الذي وضعها في حالة حرب غير معلنة مع الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من أفراد قوات الأمم المتحدة التي كانت تقاتل إلى جانب كوريا الجنوبية. وكانت الصين ترى أن إرسال قوات الأمم المتحدة إلى مناطق النزاعات والمناطق التي تشهد اضطرابات، يمكن أن يفتح الطريق أمام تدخل القوى الكبرى في الشؤون الداخلية للدول الصغرى. ومن هذا المنطلق، كانت ترفض المشاركة في قوات حفظ السلام، وتمتنع عن التصويت على أي قرار دولي يتعلق بهذه القوات.
إن اعتراضات الصين على التدخلات الدولية متأصلة في سياستها الخارجية وما زالت موجودة إلى اليوم. فعند استلام الحزب الشيوعي مقاليد السلطة في الصين في العام 1949، ركّز في سياسته الخارجية على مسألة التعايش السلمي التي تستند على خمسة مبادئ أساسية هي عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، احترام سيادة الدول، رفض الاعتداء، المساواة والمنفعة المتبادلة، التعايش السلمي. ومازالت سياسة عدم التدخل سمة بارزة في السياسة الصينية الخارجية والثقافية العامة للشعب الصيني.
وعلى الرغم من أن موقف الصين تجاه الأمم المتحدة بدأ يتغير منذ العام 1971( تاريخ استعادة الصين لمقعدها الدائم في مجلس الأمن من تايوان)، إلا أنها بقيت معارضة ومنتقدة لعمليات حفظ السلام. فالصين في تلك الفترة كانت غارقة في ثورتها الثقافية، وكانت تعتقد أن من واجبها رد الدين للبلدان التي ساعدتها على استعادة مقعدها الدائم في مجلس الأمن. كما أن الصين تشعر أنها أقرب إلى دول العالم الثالث وأبعد عن الإمبريالية والاستعمار وهي نصيرة حركات التحرر في آسيا وإفريقيا، لذلك عارضة عمليات حفظ السلام، خاصة في الدول التي استقلت حديثاً مشيرة إلى أن تلك العمليات تشكل تدخلاً في شؤون تلك الدول الداخلية وانتهاكاً لسيادتها واستقلالها. فعلى سبيل المثال قال هوانخ هوا Huang Hua السفير الصيني لدى الأمم المتحدة، وخلال مناقشات مجلس الأمن لمسألة نشر قوات طوارئ في منطقة السويس في 25 تشرين الأول/أكتوبر 1973، إن بلاده كانت دائماً تعارض نشر قوات حفظ السلام الدولية، ومازلنا نعارض نشر هذه القوات في الشرق الأوسط، لأن هذه الخطوة ستمهد الطريق للتدخلات الدولية وسيطرة القوى الكبرى. وعلى الرغم من معارضة الصين لنشر قوات حفظ السلام، إلا أنها لم تستخدم حق النقض الفيتو في مجلس الأمن ضد أي قرار يتعلق بهذه القوات. والسبب في ذلك يعود إلى أنها لا تريد أن تصوّت على القرارات التي قد تخدم مصالح الدول الكبرى، ولا أن تثير غضب واستياء دول العالم الثالث، فاختارت الصين البقاء على الحياد، فكانت تشارك في اجتماعات مجلس الأمن الدولي لكنها تمتنع عن التصويت على القرارات المتعلقة بقوات حفظ السلام. وفي هذا السياق قال هوانخ هوا Huang Hua،على هامش مناقشة مسألة إرسال قوات طوارئ دولية لمنطقة قناة السويس بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، إن الصين على الرغم من معارضتها لعمليات حفظ السلام الدولية، إلا أنها لن تعارض مسودة المشروع رضوخاً لمطالب ضحايا العدوان.
في بداية الثمانينيات شهدت السياسة الصينية الخارجية، ونتيجة للإصلاحات التي قام بها دينج زياو بينج Deng Xiaoping ، تحولاً ملحوظاً، قدّمت الصين خلالها ما يسمى بسياسة السلام الخارجية المستقلة، منهية صراعها الأيديولوجي مع الغرب ومشددة على العلاقات السلمية مع العالم. وفي إطار اتباعها سياسة الانفتاح والإصلاح بدأت الصين إعادة تقييمها إلى الأمم المتحدة وأهميتها في السياسة الخارجية. ووصلت إلى نتيجة مفادها أنها ستستفيد كثيراً من عملها في المنظمات الدولية والإقليمية، لأنها ستوفر للصين بيئة دولية جيدة لتطوير اقتصادها. فانضمت الصين إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وبدأت تساهم بشكل محدود بعمليات حفظ السلام الدولية، من خلال الدعم المالي والسياسي، لكنها لم تشارك بالرجال.
شاركت الصين للمرة الأولى في عمليات حفظ السلام من خلال تأييدها لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 495 والذي سمح بتوسيع قوات حفظ السلام الدولية العاملة في قبرص في عام 1981 . وفي السنة التالية بدأت تدفع حصتها في ميزانية تلك العمليات، وأرسلت لجنة تقصي حقائق إلى الشرق الأوسط للاطلاع على عمل القوات الدولية المتواجدة هناك.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1988، انضمت الصين إلى اللجنة الخاصة لعمليات حفظ السلام الدولية، التي شكلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو العام نفسه التي حصلت فيها قوات حفظ السلام الدولية على جائزة نوبل للسلام. وبعد ذلك بخمسة أشهر طالب السفير الصيني لدى المنظمة الدولية يو مينجيا Yu Mengjia المجتمع الدولي بتقديم دعم أكبر لقوات حفظ السلام الدولية. وفي العام 1989أرسلت الصين فريقها الأول المؤلف من عشرين مراقباً مدنياً للمشاركة في الفريق الأممي لمراقبة الانتخابات في ناميبيا. وفي السنة التالية أرسلت خمس مراقبين عسكريين للمشاركة في لجنة مراقبة الهدنة في الشرق الأوسط. وفي العامين 1992 و1993 أرسلت الصين وحدتي هندسة إلى كمبوديا قوام كل واحدة منها 400 عنصراً . ويبلغ مجموع ما أرسلته الصين بين عامي 1988 و1998 حوالي 437 مراقباً عسكرياً للمساهمة في عمليات حفظ السلام منها: بعثة الأمم المتحدة للمراقبة في العراق والكويت، هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، سلطة الأمم المتحدة الانتقالية في كمبوديا، عملية الأمم المتحدة في موزامبيق، بعثة مراقبي الأمم المتحدة في ليبيريا.
شهد العام 2000 تغيراً جذرياً في الدور الصيني في قوات حفظ السلام الدولية. فقد أدى إرسال الصين لقوة شرطة مدنية إلى تيمور الشرقية في مطلع عام 2000، خروجاً عن ثوابت الصين في احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، لأن الأمم المتحدة شكّلت سلطة انتقالية في تيمور الشرقية لحين إجراء الانتخابات، وخوّلت هذه السلطة قوات الشرطة الصينية حمل السلاح الخفيف في دوريات العمل. وفي إطار دعمها لعمليات حفظ السلام، أنشأت الصين في العام 2001 مكتب شؤون حفظ السلام التابع لوزارة الدفاع الصينية، وأناطت به مسؤولية الإدارة والتنسيق الشاملين لمشاركة جيش التحرير الشعبي الصيني في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وفي العام نفسه أرسلت الصين خمسة من رجال الشرطة للمشاركة في المهمة الدولية في البوسنة والهرسك، وشاركت بعد سنة رسمياً في (آليات الترتيبات البديلة) في المنطقة.
وفي العام 2003 بعثت الصين 218 عنصراً طبياً وهندسياً للمشاركة في القوة الدولية الموجودة في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي السنة التالية أرسلت 558 عنصراً للمشاركة في بعثة الأمم المتحدة في ليبيريا، وفي العام 2004 أرسلت رجل شرطة للمشاركة في بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان .
ومثّل إرسال الصين وحدة من اثني عشر شرطياً إلى كوسوفو في نيسان/ إبريل 2004 خطوة هامة نظراً لمعارضة الصين الشديدة لحرب كوسوفو التي قادتها الولايات المتحدة في العام 1998، وقصف السفارة الصينية في بلغراد في العام 1999 من قبل طائرات حلف الناتو. وفي نهاية عام 2004 أرسلت الصين وحدة من الشرطة قوامها 125 رجلاً إلى هايتي، وهي المرة الاولى التي ترسل الصين قوة لها إلى دولة لا تقيم معها علاقات دبلوماسية.
أما العام 2005 فقد شهد بداية لزيادة مشاركات الصين في مهمات حفظ السلام الدولية. فبعد إرسالها 359 عنصراً عام 2003 ، ارتفع الرقم بشكل كبير إلى 1038 عنصراً في 2005 ، وأصبح يزداد تدريجياً خلال السنوات اللاحقة. وحالياً تحتل الصين المرتبة الحادية عشرة في ترتيب الدول الأكثر مساهمة في قوات حفظ السلام الأممية، حيث تساهم بـ 2,510 من الجنود والشرطة والمراقبين العسكريين في عدة دول مثل السودان، ليبيريا، لبنان، الكونغو، وهي بذلك تعدّ المساهم الأكبر في قوات حفظ السلام من بين أعضاء الأمم المتحدة الدائمين. كما تعتبر الصين ثاني أكبر مموّل لميزانيات حفظ السلام في العالم بـ (10,29 في المائة) بعد الولايات المتحدة الأميركية (28,57 في المائة). وبذلك تحرص الصين كل الحرص على تقديم خدمة للمجتمع الدولي في مجال الأمن العام، وتستمر في توسيع قدرتها على حفظ السلام، وتبرهن على التزامها بذلك من خلال الأفعال وليس الأقوال. فقد أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ Xi Jinpingفي قمة الأمم المتحدة لحفظ السلام عام 2015 أن الصين ستأخذ بزمام المبادرة في تشكيل فرقة دائمة لشرطة حفظ السلام، وستبني قوة احتياطية لحفظ السلام مؤلفة من 8 آلاف جندي. وأشار أيضاً إلى أن الصين ستدرب خلال السنوات الخمس المقبلة ألفي فرد من قوات حفظ السلام من بلدان أخرى، فضلاً غن أنها ستنشر أول كتيبة مروحيات في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام. وبالفعل بدأت الصين عام 2016 تطبق عملياً ما وعد به الرئيس الصيني حيث استضافت للمرة الأولى دورة تدريبية لقوات حفظ السلام في بكين. كما أنها أرسلت أول وحدة هيلوكوبتر لقواتها المشاركة في عمليات حفظ السلام الموجودة في دولة جنوب السودان.
لقد قدّمت الصين، في سبيل تحقيق السلام العالمي، العديد من الضحايا، فمنذ أن بدأت مشاركتها في عمليات حفظ السلام، وحتى العام 2016، لقي 17 جندياً صينياً مصرعهم، وبالرغم من ذلك، فإن عزيمة الصين لم تنكسر، وإصرارها على مواصلة المشاركة في عمليات حفظ السلام ازداد.
قد يتساءل أي منّا عن سبب اهتمام الصين المتزايد بعمليات حفظ السلام في الوقت الحاضر، فهل تسعى من وراء ذلك إلى فرض هيمنتها على العالم؟
لا تهدف الصين من خلال مشاركتها الواسعة في عمليات حفظ السلام إلى منافسة الدول الأخرى، ولا تسعى إلى الهيمنة والسيطرة، بل هي قوة ثابتة تهدف إلى تحقيق الرخاء والتنمية، وهي ترى أن تحقيق ذلك لا يتم إلا عبر تحقيق السلام العالمي، فهي تريد لعب دور فاعل في الساحة الدولية تسعى من خلاله إلى تحقيق الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً. ومن جهة أخرى، تهدف الصين إلى حماية مصالحها في المناطق التي تشهد حروب ونزاعات، فضلاً عن أنها ترغب من خلال مشاركتها في عمليات حفظ السلام، بملء الفراغ الذي تركته الدول الغربية التي لا ترغب في مباشرة مهام حفظ السلام الكبرى سوى في مناطق معينة مثل أفغانستان. وفي هذا السياق يوضح وانغ غوانغيا ،Wang Guangya سفير الصين في الأمم المتحدة، أن بكين تسعى إلى سد الفراغ الذي تركه الغرب قائلاً: إن القوى الكبرى تنسحب تدريجياً من دور حفظ السلام ، مضيفاً ونتيجة لذلك، بدأت الدول الصغيرة تضطلع بهذا الدور. وقد شعرت الصين أن الوقت مناسب من أجل سد هذا الفراغ. ولذلك فنحن نريد أن نلعب دورنا .
ثانياً: مهام قوات حفظ السلام الصينية في لبنان
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في آذار / مارس 1978، قدّمت الحكومة اللبنانية احتجاجاً لمجلس الأمن الدولي على ذلك، فاجتمع المجلس واعتمد القرارين 425 و 426 طلب فيهما إسرائيل بأن توقف عملياتها العسكرية وتسحب قواتها من كل الأراضي اللبنانية فوراً. وقرر أيضاً أن ينشئ قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في لبنان ( Unifil) والتي وصل أول أفرادها إلى المنطقة في 23 آذار/ مارس 1978. وأنيط بهذه القوات الدولية التحقق من الانسحاب الإسرائيلي من لبنان واستعادة الاستقرار والأمن الدوليين، وتمكين الحكومة اللبنانية من إعادة بسط سيطرتها على المنطقة التي تخليها القوات الإسرائيلية المنسحبة. وبعد عدوان تموز 2006، قرر مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 1701 ، أنه بالإضافة إلى هذه المهام، تتولى قوات اليونيفيل مراقبة وقف الأعمال العدائية، ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، والإشراف على العودة الآمنة للنازحين إلى ديارهم وغيرها من المهمات .
وحالياً تتألف قوات حفظ السلام في لبنان من ما مجموعه 10769 فرداً قادمين من 40 بلداً منها ماليزيا، إندونيسيا، الهند، ألمانيا. والصين من بين الدول التي تشارك بقوة وفاعلية في قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في لبنان.
عرف الصينيون لبنان عن طريق الطبيب الأميركي اللبناني الأصل جورج حاتم الملقب باسم " ماهايدي"، الذي رافق مسيرة الزعيم الصيني ماوتسي تونغ كطبيب له، وكرّس حياته للثورة الصينية والبناء الاجتماعي.
أما العلاقات الدبلوماسية بين البلدين فتعود إلى 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1971. وقد حققت العلاقات الصينية اللبنانية تطوراً مستمراً على مدى السنين الماضية، وخاصة في السنوات الأخيرة، حيث تنامت الثقة السياسية المتبادلة، وتكثف التعاون الاقتصادي والتجاري، والتواصل الشعبي والثقافي، والتعاون في الشؤون الدولية والإقليمية. ولعبت الصين، لاسيما بعد عدوان تموز 2006، دوراً هاماً في إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة والذخائر العنقودية التي خلفها الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، وذلك عبر قوات حفظ السلام الصينية المتواجدة في الجنوب اللبناني.
في البداية كانت الصين ترفض الانضمام إلى قوات حفظ السلام الدولية، أو التصويت على أي قرار دولي يتعلق بهذه القوات، لأنها كانت ترى في المشاركة تدخلاً في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهذا ما يفسر امتناعها عن التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 لعام 1978، الذي أنشأ قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في لبنان، وتلا ذلك امتناعها عن التصويت على أي قرار دولي يتعلق بزيادة عدد أفراد هذه القوات أو تمديد عملها. إلا أن التغيرات التي شهدتها الصين داخلياً، والتطورات التي حصلت على الساحة الدولية، خاصة بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي، دفعت الصين إلى الانفتاح على العالم والخروج من سياسة العزلة، فباتت تلعب دوراً كبيراً في الساحة الدولية، وأصبحت قوة هامة في حفظ السلام العالمي، وركيزة أساسية في عمليات حفظ السلام للأمم المتحدة، وبدأت تصوت على القرارات الدولية الخاصة بقوات الأمم المتحدة ومنها القرارات التي تتعلق بقوات اليونيفيل، فقد صوتت للمرة الأولى لصالح القرار 498(1981) الذي مدد عمل قوات حفظ السلام، وتوالت بعدها القرارات الخاصة باليونيفيل، والتي حظيت جميعها بموافقة الصين.
وفي العام 2006، أرسلت الصين أول كتيبة لها للمشاركة في قوات حفظ السلام في لبنان بناء على طلب الأمم المتحدة، وأوكل إلى هذه القوات القيام بمهمتين أساسيتين وهما تقديم المساعدات الإنسانية، ونزع الألغام التي خلفها الكيان الإسرائيلي في جنوب لبنان. وخلال حرب تموز 2006، أسند إلى هذه القوات مهام إضافية كفتح الطرقات أمام المدنيين، وانتشال جثث الشهداء، وإمداد المدنيين بالمواد الغذائية. وحالياً يبلغ عدد أفراد الكتيبة الصينية 417 فرداً، ومنذ العام 2006 حتى الآن، يبلغ مجموع ما أرسلته الصين من قوات حفظ السلام الى لبنان حوالي 4000 شخصاً.
تقسّم الكتيبة الصينية إلى وحدة هندسية متعددة الوظائف، وحدة هندسة بناء، وفريق طبي. يقوم فريق نزع الألغام التابع للوحدة الهندسية في الكتيبة الصينية بنزع الألغام والذخائر العنقودية غير المنفجرة على طول الخط الأزرق، وتمشيط المناطق التي تتولى مسؤوليتها الكتيبة الصينية في منطقتي الحنينة وزبقين وسواهما. وبعد تنظيف الأرض من الألغام، يقوم فريق هندسي آخر تابع للكتيبة الصينية برسم الحدود. وتشمل مهمة فريق نزع الألغام أيضاً التوعية من مخاطر الألغام ومساعدة الضحايا. وفي غضون 10 سنوات تمكّن هذا الفريق من إزالة أكثر من 2000 لغم بدون وقوع أي خسائر في صفوفه، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدّل على الكفاءة العالية التي يتمتع بها أفراد الفريق في مجال إزالة الألغام والذخائر العنقودية. وفي إطار التعاون بين الجيش اللبناني والكتيبة الصينية، تُقدّم هذه الأخيرة للجيش اللبناني العتاد والمعدات المخصصة لنزع الألغام، بهدف دعم الفرق الهندسية التابعة له، كما تُنظم محاضرات بين ضباط من الكتيبة الصينية وضباط من الجيش اللبناني تتناول عمليات إزالة الألغام.
أما المستشفى الميداني الصيني فيقدم العلاج لأفراد اليونيفيل كما السكان المدنيين القاطنين في جنوب لبنان. فكلّ يوم يستقبل عشرات الحالات المرضية للمدنيين، الذين وجودوا فيه الكثير من الاهتمام والعناية الطبية في مختلف المجالات.
ونظراً للصعوبات التي يواجهها لبنان في مسألة اللاجئين السوريين على أرضه، وايماناً منها بدورها الإنساني، قدّمت قوات حفظ السلام الصينية المساعدات اللازمة للاجئين السوريين في لبنان من أجل مساعدتهم على حل المشكلات الحياتية الظرفية.
يتميز أفراد الكتيبة الصينية بتحمل أي نوع من المهام الشاقة، وتنفيذ المهام الموكلة إليهم بإخلاص واحترافية، وتخطي المصاعب والمخاطر التي يتعرضون لها، لاسيما فريق نزع الألغام، الذي تكون حياته محفوفة بالمخاطر أثناء قيامه بواجباته. ونظراً لكفاءتهم العالية، وإخلاصهم في عملهم، ودورهم الكبير في عملية السلام في الجنوب اللبناني، منحت الأمم المتحدة أفراد الكتيبة الصينية وسام الشرف للسلام في العام 2017. وفي العام 2015 منحت الحكومة اللبنانية جائزة "لبنان للسيدات المتميزات" لقائدة الكتيبة الطبية التابعة للفرقة الـ13 لقوات حفظ السلام الصينية في لبنان، تقديراً لمساهماتها المتميزة في مهام حفظ السلام في لبنان.
ويتمسك أفراد حفظ السلام الصينية بمفاهيم المساواة والانفتاح والتسامح، واحترام التقاليد الثقافية والدينية لقوات حفظ السلام الأخرى. فمثلاً عام 2006، أرسلت الصين فريقاً هندسياً إلى لبنان، عندما قام أعضاء الفريق بتبديل مخيمي البعثة الأوكرانية والبعثة النيبالية، حافظوا على الرسوم الدينية الأوكرانية والأنصاب التذكارية النيبالية.
ونتيجة للمساعدات التي قدمتها الكتيبة الصينية في المجالات الطبية والصحية والاجتماعية، بالإضافة إلى تمتع أفرادها بصفات الطيبة والتسامح وعدم التدخل في الأمور الشخصية للسكان المدنيين واحترام شعائرهم الدينية والثقافية، نشأت بينهم وبين المواطنين اللبنانيين علاقة وطيدة قوامها الثقة والمحبة والاحترام.
وفي إطار سعيها للقيام بواجباتها على أكمل وجه لتأمين عملية السلام، لم تسلم الصين من الاعتداءات الإسرائيلية، فقد قصفت إسرائيل موقع للقوة الدولية في جنوب لبنان عام 2006، أدى إلى مصرع 4 مراقبين دوليين، من بينهم مراقب صيني، الأمر الذي أثار حفيظة الصين، فتقدمت بمسودة بيان إلى مجلس الأمن لإدانة هذا الهجوم ، إلا ان المجلس فشل في تبني بيان يدين ذلك، واكتفى فقط ببيان هزيل أعرب فيه عن صدمته إزاء مقتل جنود من القوة الدولية، ذلك لأن الولايات المتحدة الأميركية رفضت الموافقة على أي بيان يدين الكيان الصهيوني. ولم يؤثر هذا الحادث على رغبة الصين الاستمرار بالمشاركة في عمليات حفظ السلام في لبنان، بل على العكس أعلن رئيس الوزراء الصيني السابق ون جيا باو Wen Jiabao أن الصين سترفع من عدد قواتها لحفظ السلام في لبنان إلى 1000جندي.
ختاماً من حق الصين التي تشارك بنسبة قوات تفوق الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن وتنفق أموالاً ضخمة في عمليات حفظ السلام، أن تتولى منصب الأمين العام لعمليات حفظ السلام الذي تحتكره فرنسا منذ 20 عاماً. إن سعي الصين لتولي قيادة عمليات حفظ السلام يهدف إلى إصلاح نظام الأمم المتحدة في وقت تُثار فيه الاتهامات لقوات حفظ السلام الدولية بارتكاب جرائم اعتداءات جنسية في جمهورية إفريقيا الوسطى، والفشل في حماية المدنيين في جنوب السودان، فضلاً عن تأثر عمل القوات بالجوانب المالية والخضوع للابتزاز بالتهديد بإيقاف التمويل وتأثر عملها أيضاً بالاعتبارات السياسية. فهل ستنجح الصين بحنكتها الدبلوماسية من تولي هذا المنصب وقيادة عمليات حفظ السلام إلى برّ الأمان ؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الغبار القاتل...تشوهات خلقية وإبادة جماعية
- دور الصين في الصراع اللبناني - الإسرائيلي


المزيد.....




- الجيش الإسرائيلي يقصف مواقع لحماس في غزة
- العلماء يكشفون علاقة نقص النوم بالإدمان على الكحول
- واشنطن تندد بمنع المعارضة الفنزويلية من المشاركة في الانتخاب ...
- هل خسر مورينيو النزال أمام غوراديولا في الدوري الإنجليزي؟
- بالفيديو...مرض قاتل يتطلب شرب 20 لتر مياه يوميا
- الخارجية الصينية: وانغ يي ولافروف يبحثان مشكلة شبه الجزيرة ا ...
- -سانغ يونغ- تطلق شاحنة مميزة للطرق الوعرة
- بعد سخرية زملائه منه.. طفل أميركي يحظى بتعاطف المشاهير
- أمريكا تدين اعتزام مادورو منع المعارضة من الانتخابات الرئاسي ...
- ترامب يطلب من ناسا استئناف إرسال رواد فضاء إلى القمر


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - تمارا برّو - الصين وعمليات حفظ السلام( القوات الصينية في لبنان نموذجاً)