أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاروق عطية - سراييفو وذاكرة التاريخ















المزيد.....

سراييفو وذاكرة التاريخ


فاروق عطية
الحوار المتمدن-العدد: 5630 - 2017 / 9 / 4 - 21:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


وعندما أقتربنا من يوم العودة إلي كندا، كان لا بد من التوجه إلي سراييفو العاصمة لنجوب فيها ونستطلع معالمها وأهم منشأتها، ونقضي بها أيامنا الباقية. وكما ذكرت في المقال الأول من هذه السلسلة، المسافة بين لوكافاس وسراييفو حوالي 120 كم تقطعها السيارة في حوالي ساعتين عامرتين بالمشاهد الرائعة في طريق مليئ بالتعرجات والمنحنيات، أحيانا نمرق بجوار جبل وأحيانا بين جبلين وتارة في وادي وتارة في نفق، ويخترق العابر في طريقه خمس أنفاق، بعضها قصير لا يتعدي كيلومترات وبعضها طويل يتعدي عشرات الكيلومترات. وبعد ساعتين من متعة مشاهدة الجبال والوديان الخضراء وما يعتليها من مساكن في غاية الروعة والجمال وصلنا إلي سراييفو. وقبل السياحة والتجوال، لابد من إسقاط بقعة من الضوء تنير لنا طبيعة جغرافية وتاريخ سراييفو.
سراييفو هي العاصمة وأكبر مدن البوسنة والهرسك. ويقدر عدد سكانها بـ 399,000 مواطن، وإذا أضيف لها البلديات والمناطق المحيطة بها يكون تعدادها (كسراييفو الكبرى) 688,000 مواطن. تقع المدينة في وسط البوسنة والهرسك في وادي سراييفو علي طول نهر ميليسكا في قلب جنوب شرق أوروبا والبلقان، تحيطها سلسلة جبال الألب الدينارية. شكلت هذه المنطقة مساحة شاسعة من الخضرة، لكنها أفسحت المجال أمام التوسع العمراني والتنمية فيما بعد الحرب العالمية الثانية. وهي محاطة بجبال وغابات كثيفة، وتعتبر قمة تريسكافيكا (2,066م) أعلي القمم المحيطة بهذه المدينة. ويبلغ متوسط علو المدينة 500 متر فوق مستوى سطح البحر، كما يعد نهر الميليسكا واحد من المواقع الجغرافية الرئيسية للمدينة، يسير عبر المدينة من الشرق مرورا بالوسط إلي الجزء الغربي من المدينة حيث يلتقي في النهاية مع نهر البوسنة. كما تمر العديد من الجداول و الأنهار الصغيرة عبر المدينة.
وتحمل سراييفو بصمة مزدوجة واضحة للإمبراطوريتين اللتين تعاقبتا على حكمها وهما الامبراطورية العثمانية التركية وإمبراطورية النمسا-هنجاريا . منطقة سراييفو مأهولة بالسكان منذ ما قيل التاريخ، لكن نشأت المدينة الحديثة باعتبارها معقلا للعثمانية في القرن الخامس عشر، أسسها الغازي خسرو بك وشغل منصب والي منطقة البوسنة من 1922 حتي 1541م. بعد الحرب العالمية الأولي أصبحت سراييفو جزءا من مملكة يوغسلافيا. أثناء الحرب العالمية الثانية وفي أعقاب حملات قصف ألمانية، سقطت سراييفو في 15 أبريل 1941 تحت يد القوات العسكرية الألمانية النازية، وفي عام 1943م صار يوزيب بروز تيتو زعيما للمقاومة اليوجوسلافية، تمكنت قواته مع القوات السوفياتية من تحرير البلاد عام 1945م. بعد التحرير أصبحت سراييفو عاصمة جمهورية البوسنة والهرسك ضمن جمهورية يوجوسلافيا الاشتراكية الاتحادية.
وتعتبر سراييفو المركز الرائد السياسي والاجتماعي والثقافي للبوسنة والهرسك، وتعد مركزا بارزا للثقافة في البلقان، وذات تأثير واضح على مستوى المنطقة في الترفيه، ووسائل الإعلام، والأزياء، والفنون. تشتهر بتنوعها الثقافي والديني التقليدي وتعايش الدين الإسلامي، مع "المسيحية الأرثوذكسية والكاثوليكية"، واليهودية حيث تعايش الجميع منذ قرون، ونظرا لتاريخها الطويل والغني من التنوع الديني والثقافي فقد أُطلق عليها قُدس أوروبا أو قُدس البلقان حيث أنها المدينة الأوروبية الوحيدة التي تضم المسجد، والكنيسة الكاثوليكية، والكنيسة الأرثوذكسية والسيناجوجو اليهودي داخل الحي نفسه، والمدينة هي أيضا موطن لمؤسسة البلقان الأولى للتعليم العالي في العلوم التطبيقية الإسلاميية العثمانية التي كانت تلقب بالمدارس والآن أصبحت جزءا من جامعة سراييفو.
اجتذبت سراييفو اهتمام العالم عدة مرات طوال تاريخها. في عام 1885 كانت سراييفو أول مدينة في أوروبا وثاني أكبر مدينة في العالم لديها شبكة الترام الكهربائي بدوام كامل يمر عبر المدينة بعد سان فرانسيسكو. في عام 1914م كانت موقع اغتيال الأرشيددق النمساوي، ذلك الحدث الذي أشعل فتيل الحرب العالمية الأولي، وبعدها بسبعين عاما استضافت سراييفو دورة الألعاب الأوليبية الشتوية 1984. وفي الحرب البوسنية عانت المدينة الحصار لمدة أربع سنوات (من عام 1992-1996) وهي أطول مدة حصارفرض علي مدينة.
وأصل تسمية سراييفو يرجع لكلمتين تركيتين"سراي أوفاسي" تعني لغويا حول القصر، أسسها الغازي خسرو بك الذي شغل منصب والي منطقة البوسنة من 1521م حتى 1541م. ويدل انشغال الغازي ببناء وتعمير سراييفو علي تعلقه بها، وعندما واتته المنية أوصى بدفنه داخل ساحة المسجد الذي يحمل اسمه. ويعتبر مسجد الغازي خسرو بك المُنشأ عام 1931م من أكبر وأجمل مساجد البوسنة وإلى جانبه بنيت مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم و(خانقاه) أي مدرسة لدراسة التصوف. وقد بلغت حجة وقف المدرسة الدينية سنة 1537 م سبعمائة ألف درهم.
انطلقنا من لوكافاس بالحافلة الساعة الثامنة صباحا ووصلنا إلي الموقف العام لحافلات سراييفو في الساعة العاشرة، ومنه ارتقينا سيارة أجرة "تاكسي" إلي دوبرينيا القريبة من مدرج مطار سراييفو، حيث يقيم صد يقنا مُحرّم الخازندار الذي استضافنا في شقته السكنية الجميلة. قضينا يومنا في راحة من وعثاء السفر.
كانت فرصة للحديث مع الصديق محرم حول أحداث الحرب البوسنية، سألته سؤال مباشر، هل كان الجيش الصربي الذي كان يحمل اسم جيش يوجوسلافيا الذي شن الحرب علي البوسنة مكون من كل عناصر الاتحاد اليوجوسلافي ؟ أجابني: كان قبل وفاة يوزيب بروز تيتو مكونا من كل أبناء جمهوريات الاتحاد، وأنا شخصيا خدمت في الجيش اليوجوسلافي، ولكن بعد وفاة تيتو وانفصال بعض الجمهوريات مثل سلوفينيا وكرواتيا، وظهور نية صربيا علي الهيمنة والتوسع قامت بطرد الكاثوليك(الكروات) والمسلمين (البوشناق) من الجيش وأصبح الجيش صربي 100%. وكان سؤالي التالي: ولماذا لم يقاوم البوشناق الهجوم الصربي والاستسلام للمذابح دون مقاومة؟ أجاب بابتسامة صفراء وصوت يعلوه المرارة: في بداية الحصار هجموا علي منازل البوشناق في منتصف الليل واستولوا علي ما لديهم من أسلحة بسيطة حتي ما كان يستخدم في الصيد، بعدها بأيام قليلة بدأوا في طرد سكان المدن المتاخمة لحدودهم من منازلهم وترحيلهم لمدن أخري وجلب السكان الصرب ليحلوا محلهم، ومن رفض أو حاول المقاومة قتلوه أمام أطفاله وزوجته. وبعد فترة صمت قصيرة أردف قائلا: الحقيقة نحن لسنا ملائكة فقد انتقمنا وقتلنا منهم أعدادا كثيرة، ولكن للحقيقة لم تتلوث أيدي أي بوشناقي بدم أي من أخوتنا الصرب، ومن قام بالقتل هم المجاهدين الذين تدفقوا من البلاد الإسلامية للدفاع عن البوسنة وهم من قام باستدراج الصربيين وذبحهم.
وفي صباح اليوم التالي كانت وجهتنا إلي أجمل معالم سراييفو باشتشرشيا التي تحمل عبق التاريخ بكل تفاصيله. نصحنا مُحرّم باستخدام المواصلات العامة وشراء التذاكر من الكشك المخصص، قيمة التذكرة المخصصة لليوم الكامل باستخدام جميع المواصلات 3 ك. إم "مارك بوسني"
باشتشارشيا هي البزار القديم والمركز الثقافي والتاريخي لمدينة سراييفو. بنيت في القرن الخامس عشر عندما أسس عيسي بك عيساكوفتش المدينة. وترجع كلمة باشتشارشيا إلي اللغة التركية مكونة من مقطعين "باش: رأس أو رئيسي أو عاصمة" و"تشيرشيا : بزار أو سوق " أي أن باشتشارشيا تعني البزار الرئيسي للمدينة. بسبب الحريق الذي شب بها في القرم التاسع عشر هي الآن نصف الحجم التي كانت عليه. وتقع باشتشارشيا علي الضفة الشمالية لنهر ميليسكا، وتتبع بلدية ستاري جراند.
غادرنا الحافلة العامة عند الكوبري فوق نهر ميليسكا. عند عبور هذا الكوبري تواجه بشارع ممتد مواز للنهر يحمل الكثير من المعالم الهامة، أولها مبني وهو مبنيّ علي الطراز العربي يشبه مبني دار الحكمة بالقاهرة ولكنه أضخم كثيرا. قال مرافقي: هذا المبني الذي يحتوي علي كل الخرائط والمستندات والوثائق التاريخية كان أول هدف تم تدميره إبان الحصار والحرب البوسنية، وقد تم إعادة بناؤه علي نفس المساحة والطراز المعماري. أيضا في مواجهة الكوبري يرتفع نصب تذكاري ومتحف يحمل إسم "جافزيلو برانسيب" الطالب الصربي الذي اغتال ولي العهد النمساوي الأرشيدوق فرانز فرديناند في 28 يونيو 1914م. وتوجد بواجهة المتحف صور تفصيلية للفندق الذي كان يقيم به الأرشيدوق والعربة التي كان يتنقّل بها وتفاصيل عملية الاغتيال وطبعة أسمنتية لقدمي القاتل، وكان يقف بجوار المتحف مرشد يشرح للزائرين تفاصيل الحادث معتبرا بما يثير الدهشة أن هذا القاتل بطل قومي رغم أن هذا الاغتيال كان الشرارة التي أدت لاشتعال الحرب العالمية الأولي.
وعلي الضفة الأخرى للنهر وفي وسط المنطقة المسجد الكبير لخسرو بك والساحة المحيطة به ويجاورها مدرسة إسلامية، والكنيسة الأرثزذكسية القديمة التي شيدت خلال القرن السادس عشر، وسيناجوجو اليهود السيفرديم القديم الذي بني سنة 1565م بعد طرد اليهود من أسبانيا ونزوحهم إلي سراييفو، والكاتدرائية الكاثوليكية (قلب يسوع). أما سيناجوجو اليهود الأشكيناز فهو مواجه لنهر ميليسكا مبني مكون من ثلاث طوالق.
زرنا مسجد خسرو بك والمدرسة الإسلامية وكل من الكنيسة الأرثوذكسية وقلب يسوع الكاثوليكية دون معوقات، وكان سيناجوجو اليهود السفرديم مغلقا فلم نستطع زيارته. توجهنا إلي سيناجوجو اليهود الأشكيناز علي الضفة الجنوبية لنهر ميليسكا. وجدنا جمع من الناس يجلسون في الدور الأرضي ويستخدمونه مطعما يهوديا، وعندما سألت عن المعبد ورغبتي في زيارته، رأيت الوجه الحقيقي لليهود الذي يتميزون به في أي بقعة من بقاع العالم "حب المال". قالت لي المشرفة تبرع بدولارين حتي تشاهد المعبد وتلتقط الصور وترافقك مرشدة للشرح. بعد التبرع صعدت معي سيدة للدور الثاني حيث المعبد، قاعة بيضاوية بها صفين من المقاعد علي الجانبين، والهيكل في المقدمة تجلس النساء في الصف الأيسر والرجال في الصف الأيمن. قالت المشرفة: بني السيناجوجو عام 1902 وهو السيناجوجو الأشكينازي الوحيد بين سبع كانت في سراييفو حتي الحرب العالمية الثانية، صمم بواسطة المعماري الشهير كارل بازلك. كان عدد اليهود قيل الحرب العالمية الثانية يربو علي 5000 يهودي هاجر الكثير منهم عندما غزي النازي سراييفو، كما هاجر آخرون إبان الحرب البوسنية، ولا يزبد عدد الأسر اليهودية الآن عن عشرات الأسر، بعدد أفراد لا يتجاوز 300 يهودي. وأثناء مغادرتي للمعبد وجدت الدرج للدور الثالث، قالت المشرفة أنه مخصص لمدارس الأحد للأطفال.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- علي نوفل مدرس الرياضيات
- توزلا من الأهوال إلي النمو والاستقرار
- حضرة الناظر وميسيوه بوسار
- صعود لقمة تارا وهبوط لهاوية التطهير العرقي
- ملاحظات موجهة للشيخ الطيب
- مدينة دوبوي والمصير المجهول
- ما نعرفه ونقوله وما تعرفونه وتتحاشون قوله
- لوكافاس والحرب اليوجوسلافية
- سن كو حيسي باع بوص كمنت
- جذور الصراع بين طوائف البوسنة
- المزاجنجي رئيس نوايب برطمان مصر
- الخُضرة والجبال العالية في إكس يوجوسلافيا
- عمالة وضلالات محمد بن عبد الوهاب
- الطيب الغير طيب والكذب علي العالم
- الوهابية المغيرة واختنا أميرة
- الوهابية والنكسة الأخلاقية
- فقراير بدم الشهداء زاعق وطاير
- التظاهرات بين الشرق والغرب
- الماسونية العالمية والمليار الذهبي
- نحن وكارثة مفاعلات يوكوشيما


المزيد.....




- تصنيف لأكثر الأقاليم الروسية تطورا وابتكارا
- رئيس مجلس الأمة الكويتي لرئيس الوفد الإسرائيلي: اخرج يا قاتل ...
- -المناطق المتنازع عليها- في العراق تعود للواجهة من جديد
- مدريد تستدعي سفير فنزويلا للاحتجاج على تصريحات مادورو
- قفزة في السياحة المصرية
- واشنطن: لا نستبعد تنامي التهديدات الإرهابية بعد النصر على -د ...
- مقتل 7 بتفجير استهدف شاحنة للشرطة في باكستان
- قيادي في الحشد يدعو العائلات التي خرجت من كركوك للعودة إليها ...
- هل تسببت البراكين في اختفاء مصر القديمة؟
- اختبارات أقوى حاجز مرور في العالم!


المزيد.....

- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- مثلث الخطر اسرائيل - تركيا ايران / جمال ابو لاشين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فاروق عطية - سراييفو وذاكرة التاريخ