أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر(1)















المزيد.....

الحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر(1)


ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 5629 - 2017 / 9 / 3 - 14:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


سيد حسين نصر- منهج الرؤية الفلسفية


إن اهتمام المفكرين المسلمين المعاصرين بقضية الحضارة الإسلامية تعكس بقدر واحد اثر ما ادعوه بصيرورة المركزية الإسلامية الحديثة وتأثيرها على وعي الذات (الاسلامي)، وأثر الفكر الغربي في استحواذه على تفسير وتأويل هذه القضية التي لم تعد قضية فكرية أو ثقافية صرف، بل وسياسية واقتصادية وجيوسياسية.
فالمركزية الإسلامية المعاصرة، التي يمتد تاريخها إلى منتصف القرن التاسع عشر، قد أخذت بالبروز بوصفها حالة فكرية وأيديولوجية وسياسية مستقلة لها حدودها الخاصة ووعيها الذاتي مع صعود ما يسمى بالإسلام السياسي. الأمر الذي طبع اجتهادها الحديث بنزوع سياسي تراكم لاحقا بإدراك الأبعاد الثقافية فيها. وتوجت هذه الحالة بمحاولات عديدة ومختلفة من حيث تأسيسها وعمقها لماهية الحضارة الإسلامية وأهميتها بالنسبة للمعاصرة. فالمعاصرة تفترض بالضرورة وجود وفاعلية وعي ذاتي يناسبها.
وسوف أتناول هناك بعض الشخصيات النموذجية الكبرى في الفكر الاسلامي المعاصر تشمل إيران وشرق ووسط وغرب العالم العربي. ويدخل فيها الإيراني سيد حسين نصر وعلي شريعتي، أما العرب فهم كل من محمد باقر الصدر وسيد قطب ومالك بن نبي وأنور الجندي وحسن حنفي.
انطلق سيد حسين نصر بهذا الصدد من أن كل ما جرى في التاريخ الإسلامي من أحداث ثانوية وعابرة لم تغير من الشيء الجوهري فيه ألا وهو فكرة الثبات وفضائله الجوهرية. إن الرمز الأكبر للحضارة الإسلامية، حسب عبارة سيد حسين نصر، ليس النهر الفوار الجاري، بل الكعبة، بوصفها رمز الثبات والديمومة. وذلك لان الشيء الجوهري فيها يتطابق مع حقيقة الحضارة الإسلامية، الذي يقع خارج التغير والتأقلم بما في ذلك تجاه إبداع القدماء أيا كانت عظمته. إن كل ما فيها متأتي من مبادئ لا تقبل التغير والتبدل. وهو الثبات وعدم التغيير الذي عادة ما يفهمه الغربيون بصورة خاطئة، حالما يصوره بكلمات العقم والجمود.
وعندما طبق ذلك على قضايا العلم والفن في الحضارة الإسلامية، فانه انطلق من أن العلم والفن في الإسلام يستند على مبدأ الوحدة، التي تشكل قلب الوحي الإسلامي. وان هذه الوحدة القائمة في التأويل والرؤية تجاه الكون والإنسان متأتية من وحدة المبادئ المقدسة، التي بموجبها يجري تخيل وحدة الطبيعة. وبالتالي لا يمكن معرفة حقيقة العلم في الإسلام دون معرفة مبادئه وخصوصيتها. فالاعتراف بالإسلام يفترض الاعتراف بوحدانية الله، وكون النبي محمد هو أداته في الوحي.
فالإسلام يفهم على ثلاثة مستويات. المستوى الأول وهو أن كل الأشياء في الوجود، من اجل أن تصبح أشياء، هي مسلمة، أي مستسلمة للإرادة الإلهية. إذ لا يمكنك مساعدة الوردة من اجل أن تكون وردة، وان الجوهرة لا يمكنها ألا تلمع! والثاني، إن كل من يقبل بإرادته الخاصة القانون المقدس للوحي هو مسلم، بمعنى خضوع إرادته لإرادة القانون. فعندما وقف عقبة بن نافع (القائد الإسلامي) عند تخوم الأطلسي، بعد ابتعاده عن مركزه الأول في مجرى فتوحاته للشمال الإفريقي، صاح:"والآن يمكنك أن تأخذ روحي يا الهي"، ومن الصعب أن نجد مثيلا لهذا الموقف عند أي شخص آخر، بما في ذلك عند الكسندر المقدوني بعد وصوله إيران.
المستوى الثالث هو مستوى المعرفة والفهم. وهو المستوى الذي كان يعتبر على الدوام في كل تاريخ الثقافة الإسلامية، باعتباره الشيء الأعلى والأسمى. فالعارف هو المسلم الخاضع بكل ما فيه لله. انه ليس كيانا مجزئا أو معزولا عن ذاته. انه يشبه الوردة والطير في خضوعه للخالق، انه يشبه كل عناصر الكون، انه يعكس العقل الإلهي بمستواه الخاص. انه يعكسه بصورة فعالة مهما كان هادئا. إن هذا العلم وهذه المعرفة يختلفان اختلافا كبيرا عن المعرفة التأملية. إن العارف هو في وحدة مع الطبيعة، انه يفهمها من الداخل، انه يبدو قناة لجمال الكون. إن إسلامه وإسلام الطبيعة هما أجزاء متناسبة.
إن روح الإسلام، من خلال إبرازه وحدة الطبيعة، أي الوحدة التي تشكل هدف العلم الكوسمولوجي، الذي يمكن العثور عليه في فن الخط العربي (ارابسك) هو تعبير عن وحدة الجود (الكرم) في عالم النبات الطبيعي وصفاء الهندسة في الآيات القرآنية. مما سبق نستطيع القول، بان فكرة الوحدة هي ليست مجرد فرضية ذهنية للفن الإسلامي والعلوم الإسلامية، بل وإنها تهيمن على إرادته في التعبير. فالقانون الأكبر للفن الإسلامي هو التجريد. فالوحدة مجردة ولا يمكن الإحاطة بها إلا عبر الرمز. ولا يوجد رمز واحد ملموس للتعبير عن هذه الوحدة. وان الصيغة الحقيقة للتعبير عنها هو النفي- ليس هذا وليس ذاك. وبالتالي فهي تبقى مجردة من وجهة نظر كل من لم يعش بمعايير التعدد. وهذا بدوره يفسر سر اهتمام المسلمين بالرياضيات. بوصفها الصيغة التي من خلالها يمكن إيجاد النسبة بين التعدد والوحدة. فهي 3الرموز التي بمساعدتها يمكن فتح كتاب (أو نص) الكون.
إن مواجهة ومعارضة ممثلي النزعة العقلانية، التي بلغت ذروتها عند الغزالي، قد توافقت مع حالة الانتشار السريع والكبير للأرسطية في الغرب، التي أدت إلى نتائج خطيرة من الأفعال وردود الأفعال – النهضة ثم الإصلاح، أي كل ما لم يحدث في عالم الإسلام.ففي عالم الإسلام قد جرى إرساء أسس أخرى لرجل العلم. فإذا كان دور رجال العلم في الغرب قد جرى من خلال تجزئته إلى شخصيات عديدة، دكتور مدرسي، وعالم مدني ولاهوتي وما إلى ذلك، فان الشخصية المركزية في الإسلام ظلت كما هي. أنها شخصية الحكيم الذي يحتوي في ذاته على كل العلوم، انه المعلم والمدرس والطبيب والشيخ الروحي وشاعرا وأديبا. فإذا أراد أن يكون رياضيا غير اعتياديا فانه سيكون مثل عمر الخيام أو ابن سينا.
إن حقيقة الإسلام تقوم في كونه دين الوسط. فقد استمد الإسلام معارفه أيضا من مختلف المصادر (الإغريق، وإيران، والهند، والكلدان وغيرهم) كانت متداخلة مع فكرة الإسلام عن وحدة الطبيعة. فالقرآن ولغته المقدسة (العربية) تمثلا فكرة الوحدة بوصفها نموذجا. وجرى عبرها امتصاص وتمثل كل العناصر الأجنبية عبر دمجها في الروح الإسلامي الكوني. ففي مجال العلم، استطاعت الثقافة الإسلامية في موقفها من الطبيعة أن تتمثل نتاج وحصيلة العلوم الإغريقية.
ومن الممكن أن نتخذ من عمر الخيام (الرياضي والشاعر الكبير)(القرن الخامس الهجري– الحادي عشر الميلادي)الأكثر قبولا للذهنية الأوربية الحديثة، نموذجا لتمثيل الفكرة الإسلامية في تجسيده إياها. إذ عادة ما يجري فهمه على انه نموذجا للشك الأخلاقي (اللذة). أما في الواقع فانه نموذج للحكيم والعارف. وما يبدو في تعبيره شكوكا ما هو في الواقع سوى الصيغة المعبرة عن علاج جذري عادة ما يلجأ إليه العارف في مواجهة الرياء الديني وفي الوقت نفسه إعادة بناء العلاقة بالواقع.
كما يمكن أن نأخذ من الحركة الإسماعيلية نموذجا بهذا الصدد. إن العقيدة الإسماعيلية عقيدة باطنية مبنية على أساس رمزية الأرقام (العدد) وكذلك التأويل الباطني "للنص الكوني" (الوجود). إن التأويل الرمزي للقرآن والذي يستند إلى التقاليد الشيعية والصوفية قد وضع أساس الدراسات والأبحاث الرمزية بما في ذلك تجاه الطبيعة. إذ جرى أيضا دمج علوم الكيمياء والطلاسم في العقيدة كما نراه على سبيل المثال في رسائل (إخوان الصفا) وكذلك في الكتابات الرمزية (وكتاب العدد) عند جابر بن حيان. إن تطور ما يمكن دعوته "بالفيثاغورسية الشرقية المحدثة" يمكن العثور عليه بوضوح في الإسماعيلية. فقد اثأر اهتمامهم علم الطبيعية مع فكرة الدوران (الحلقات) (الأدوار والأطوار) في التاريخ وكذلك تجلياتها في الأنبياء والأئمة. وتحتوي كتاباتهم ضمن سياق الثقافة الإسلامية على تأثير كبير وواضح لعلم الطبيعة في العقائد.
لقد أعارت الثقافة الإسلامية اهتمامها الكبير للطبيعة، لكنها نظرت إليها ضمن معاييرها الخاصة، أي كل ما سيشكل صلب اهتمام الثقافة الغربية منذ بداية القرن السابع عشر. والفرق بينهما هو أن الثقافة الغربية بدأت تتعامل مع الطبيعة بمعايير الدنيوية، بينما كانت هذه القضية بالنسبة للثقافة الإسلامية ثانوية. فقد وجه الغرب اهتمامه صوب الجوانب الكمية في الطبيعة، مما أدى إلى ظهور فكرة السيطرة عليها وعبرها. ووجد ذلك ذروته في التكنولوجيا. بينما سارت الثقافة الإسلامية بمنحى آخر.
ووضع سيد حسين نصر حصيلة أفكاره في استنتاج عام يقول، بأنه إذا كان من الخطأ مطابقة الثقافة الغربية مع النتائج المادية فقط، فان من الخطأ أيضا الحكم على العلم القروسطي حسب معيار "المنفعة" فقط. وبغض النظر عن نتائجه وأهميته الكبيرة في مجال التقويم والزراعة والعمارة إلا أن غايته الكبرى كانت تقوم في إرجاع العالم المادي إلى المبادئ الروحية الجوهرية، من خلال معرفة الرموز التي توحد مختلف أنظمة الوجود. وبالتالي يمكن فهمها على حقيقتها فقط حالما يجري النظر إليها والحكم عليها بمعايير أهدافها وآفاقها الخاصة.
إننا نقف هنا أمام لوحة فلسفية تتمثل التقاليد العقلانية والصوفية في الفكر الاسلامي بالشكل الذي يجعلها معقولة ومقبولة بالنسبة للوعي المعاصر بشكل عام والغربي بشكل خاص. أنها تتمثل تقاليد التأويل المتسامي وليس البحث بمعايير التاريخ الثقافي ومقولاته فيما يتعلق بطور وتطور المفاهيم والنظريات. من هنا فكرته عن الثبات التي وجد رمزها الواقعي في الكعبة وليس تيار الوجود. وهو حكم تأملي صرف لا يتمثل وقائع وحقائق التاريخ الاسلامي وكيفية صيرورة حضارته الخاصة، اي صيرورة ما أطلق عليه عبارة منظومة المرجعيات الكبرى ومنظومات المبادئ الثقافية المتسامية. اذ ينعكس فيها وفِي مجرى تكاملها و"ثباتها" اللاحق خصوصية الحضارة الإسلامية وليس في ثبات بعض المفاهيم والقيم. وعموما يمكننا القول، بان التأويل الفلسفي للحضارة الإسلامية الذي يقدمه سيد حسين نصر اقرب ما يكون إلى الرومانسية الفلسفية منه إلى التفلسف التاريخي الواقعي.
________________________________________
[1] هنا صيغة مكثفه لما وضعه في كتابه (العلم والحضارة في الإسلام) ودراسته (ثلاثة حكماء مسلمين) وكلاهما بالانجليزية.







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الحضارة الإسلامية في مرايا المناهج الغربية(4)
- الحضارة الإسلامية في منهج التعارض الحضاري
- الحضارة الإسلامية في مرايا المناهج الغربية- المنهج التاريخي
- الرؤية الغربية لقضايا وإشكالات -الشرق والغرب-
- الاستشراق-الوجه الآخر للمركزية الأوربية ووعيها الذاتي
- الحضارة الإسلامية في دهاليز الوعي الغربي (الأوربي)
- نهج الحضارة ومنهج البدائل
- فلسفة الحضارة ووعي الذات القومي الثقافي
- إشكاليات الحضارة بين الفلسفة والسياسة
- الحضارة وإشكالية التقديس المزيف
- أبجدية اللغة وأبجدية الروح الثقافي
- تقاليد العقل الثقافي وبدائل الرؤية المستقبلية
- موت الحضارة وبقاء الثقافة
- الصراع الروسي من اجل شرعية الدولة في سوريا
- بوتين – لغز المستقبل الروسي
- الاستعادة الأدبية والثقافية للتراث العربي في مرحلة النهضة
- مرحلة النهضة واشكالية اللغة ووعي الذات العربي
- إرهاصات ما قبل النهضة العربية الحديثة
- قمة واطئة
- الظاهرة الإسلامية السياسية الحديثة (10-10)


المزيد.....




- إسرائيل تستجوب مدونة إيرانية منحتها اللجوء سابقا
- ترامب: نرغب في مساعدة من روسيا في حل قضية كوريا الشمالية
- موسكو: حل أزمة كوريا بالقوة سيؤدي لكارثة
- مقتل فلسطينيين اثنين من حي الشجاعية شرق مدينة غزة
- مقتل 28 حوثيا بغارات للتحالف غربي اليمن
- الحكومة العراقية تبدأ بتطبيق حصر السلاح بيد الدولة
- مصر.. إبطال مفعول قنبلتين في القاهرة
- لحظة نادرة من نوعها.. زوبعة ثلجية!
- كابتن الملكية الأردنية لترامب: هب أراض إضافية لإسرائيل من بل ...
- مصادر: مجلس الأمن قد ينظر في مشروع قرار حول القدس الاثنين


المزيد.....

- ما بعد الحداثة / نايف سلوم
- في ذكرى يومها العالمي: الفلسفة ليست غير الحرية في تعريفها ال ... / حسين الهنداوي
- النموذج النظري للترجمة العربية للنص الفلسفي عند طه عبد الرحم ... / تفروت لحسن
- السوفسطائي سقراط وصغاره / الطيب بوعزة
- في علم اجتماع الفرد / وديع العبيدي
- أرسطو و النظريات ما قبل سقراطية حول المعرفة / الشريف ازكنداوي
- نظرية القيمة / رمضان الصباغ
- نسق اربان القيمى / رمضان الصباغ
- نسق -اربان - القيمى / رمضان الصباغ
- عقل ينتج وعقل ينبهر بإنتاج غيره! / عيسى طاهر اسماعيل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الحضارة الإسلامية في الفكر الاسلامي المعاصر(1)