أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - خلف علي الخلف - الخيار الفيدرالي لسوريا ومنع إنتاج الإستبداد















المزيد.....

الخيار الفيدرالي لسوريا ومنع إنتاج الإستبداد


خلف علي الخلف
الحوار المتمدن-العدد: 5623 - 2017 / 8 / 28 - 21:51
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


هناك تخوف لدى النخب السورية من تقسيم سوريا. وهو قلق حقيقي له ما يبرره بعد أن أصبحت سوريا ساحة لكل اللاعبين الدوليين والإقليمين، وكل لاعب صارت له مناطق نفوذ سائلة غير محددة جغرفياً بشكل دقيق. لذلك تجد الأدبيات السورية بعد الثورة سواءاً الوثائق البينية – أي بين السوريين- أو الدولية تنص على وحدة سوريا بشكل مبالغ فيه بعض الأحيان. كما أن التهمة الإنفصالية أصبحت رائجة بشكل مجاني لكل من يحاول التفكير بإيجاد مخرج للوضع الراهن في سوريا أو حتى ترتيب مستقبل سوريا بموجب إعادة هيكلتها إلى أقاليم هي بالأصل مشكلة جغرافياً وديموغرافياً في غالبها.

منذ نشأة الدولة السورية الحديثة تبنت سوريا دستوريا الدولة المركزية، التي تمركز كل صلاحيات الحكم والإدارة في العاصمة وتعطي صلاحيات هامشية للإدرات المحلية مهما كان تسميتها. وبغض النظر عن النظام الشمولي الذي ساد سوريا منذ حكم البعث الذي تحول لنظام أسدي تحكم بكل تفاصيل سوريا تحت سيطرة القوى الأمنية، فإني أرى أن الدولة المركزية هي قاعدة أساسية لإنتاج الإستبداد.

هيكلية الدول المركزية تعطي السلطة الحاكمة في العاصمة، أيّاً كانت هذه السلطة وأيّاً كانت طبيعتها (من الملائكة أو الشياطين) قدرة على التحكم الكلي بالوحدات الإدارية ويعطيها قدرة فائقة على فرض سيطرتها حتى على تعيين مدير مدرسة إبتدائية في قرية نائية. قدرة التحكم هذه وبمعزل عن التحكم الأمني تعطي سلطة العاصمة قدرة على عزل الناس في الأقاليم عن تقرير مصائرهم واختيار حيواتهم وممثليهم وإنتاج زعاماتهم. وقد يجادل البعض أن الخلل يكمن في النظام الشمولي الذي سحق الناس وحولهم جميعاً إلى مجرد براغي في آلة السلطة الشاملة التي حولت البلاد جميعها لمزرعة شخصية. هذا صحيح في الوقت الراهن؛ لكن مركزية سوريا المنصوص عليها دستوريا مع بعض الصلاحيات للإدارات المحلية التي في الغالب لايعمل بها، يجعل من البلاد رهينة لمشيئة السلطة في دمشق حتى لو كانت سلطة ديموقراطية.

إن التصور العام لسوريا موحدة ومركزية هو تصور إيديولوجي منبته شعارات حزب البعث التي لا تنادي بتوحيد البلد تحت سلطة مركزية قوية فقط، بل تنادي بتوحيد كل الدول العربية تحت هذه السلطة لمواجهة الأعداء الذين ثبت بالنتيجة أنهم الشعب ولاعدو آخر غيره. وهذا منبع الإصرار على سحق وإبادة الهويات الفرعية في الدولة السورية تحت دعاوى الهوية العربية السورية القومية البعثية الموحدة. حتى أنه في السجلات الرسمية ولكل سكان سورية بما فيهم الأكراد والآشوريين والأرمن والسريان والشيشان والشركس.. يجب أن يكتبوا في خانة الجنسية "ع. س" وتعني عربي سوري!. علماً أن سوريا لا تمتلك هويّة مُعطاة موحدة ليس فقط لسكانها من غير العرب بل للعرب أنفسهم وهذه ليست نقيصة بقدر ماهي مصدر تنوع وثراء. كما أن الدولة الحديثة لم تنتج هوية وطنية رئيسية تندرج تحتها الهويات الفرعية، سوى هويّة "سوريا الأسد" وهي هوية فاشية مركبة تحت ظلال السيوف.

إضافة لذلك فإن النخب السورية "بما فيها الكردية" تولي أهمية قصوى لمفهوم الوطن ومفهوم تراب الوطن والحيز الجغرافي للوطن بشكل يتقدم بمئات الآميال عن مفهوم السكان. أي البشر الذين يعيشون على هذا التراب ومصالحهم وحياتهم وآمالهم. وتجعل عقيدة الحفاظ على تراب الوطن؛ ويندرج ضمنها تراب الوطن المأمول لدى النخب الكردية، بمنزلة المقدس حتى لو أبيد جميع سكان هذا التراب! ومن الواضح أن هذه العقيدة لا تتجاهل حقوق الناس فحسب، بل تتجاهل المنجز البشري في التفكير! إنه تفكير زراعي-إقطاعي يتعامل مع الأرض كملكية ومع السكان كعبيد مرتبطين بالإرض لاوجود لهم خارج سياق الملكية أيّا كان المالك.

ليس فقط السلطة السورية منذ الإستقلال حتى الآن هي ما يثبت فشل النظام المركزي لسوريا، بل حتى مسار المعارضة التي تشكلت مركزياً لتمثل عموم الوطن. فالكيانات التمثيلية المنبثقة عنها أنتجت هياكل تمثيلية أسوأ مما لدى النظام وأتاحت لبعض المتنفذين كمعادل للسلطة الشمولية وبأموال إقليمية أن ينتجوا هياكل مركزية تدعي تمثيل عموم الوطن، عبأتها على عجل من كل المحافظات وعبر محاصصات عزل عنها السكان، بأشخاص لايمثلون أحداً لا على الأرض ولا في الفضاء. بل إن شخصاً في قيادات المعارضة في المجلس الوطني السوري إبّان تصديه للحصول على التمثيل الشرعي للسوريين قال لأحد منتقديه "إذا كنت قد انتخبتنا تعال حاسبنا". هذا مثال واضح على الآلية التي يتيحها النظام المركزي لصعود ممثلين لم ينتخبهم أحد ولا يمثلون أحد.

إن سوريا ماقبل الدولة الحديثة مقسمة جغرافيا وديموغرافياً إلى وحدات متجانسة أو شبه متجانسة، والذي دمر هذا التجانس هو السلطة المركزية لإنها احتكرت التفاعل الطبيعي بين الوحدات وجعلته يمر عبرها لتتحكم في طبيعة التفاعل وحجمه ونتائجه. ويمكن للمرء أن يعطي مثالاً واضحاً للتدمير الممنهج الذي مارسته السلطة المركزية في الأقاليم، فقبل تحول سوريا للعقيدة العروبية بدءاً من دولة الوحدة وما تلاه من اشتداد عود السلطة المركزية في دمشق، كانت منطقة الجزيرة السورية وحدة متجانسة بل أكاد أزعم أنها كانت تمتلك هويّة موحدة زراعية إنسانية مسالمة تندرج تحتها الهويات الإثنية التي لم تكن تحتل الصدارة للعرب والكرد والسريان وبقية الإثنيات الصغيرة من أرمن وشركس وشيشان. لم يكن الوعي القومي للهوية هو السائد، بل كانت المنطقة متداخلة في العمل والملكيات والنشاط الإجتماعي، وكان هناك شبه تقسيم للعمل في تلك المنطقة على أساس المهارة، فعلى سبيل المثال اختص الأرمن بالميكانيكا وقطاع الخدمات لجميع السكان وليس لقومهم فقط، واختص العرب بالرعي وتربية المواشي وتشاركوا مع الكرد بالزراعة وكذلك مارس الكرد على نطاق واسع مع بعض العرب الأعمال التي تحتاج جهدا عضليا من بناء وغيره. وكنت تجد عرباً محسوبين على عشائر كردية لأنهم عاشوا بينهم وتجد كرداً في عشائر عربية. أعني هنا أن الإثنية أو القومية أو العرق لم تشكل أي معضلة حتى جاءت الحقبة الناصرية والبعثية والتي حشرت الجميع في الوعي القومي واستخدمت العرب وقوداً لشعاراتها مما خلق وعيّا مكافئاً ومعادلاً لدى الإثنيات الأخرى بقومياتها، وبدأ هذا الإنقسام العريض الذي يحتاج علاجه لزمن طويل و جهود جبارة ليست محكومة بالنجاح سلفا.

إن أول نقطة في إصلاح تركة البعث والنظام الأسدي هو التخلي عن السلطة المركزية وإنشاء كيان فيدرالي لسوريا، يجمع الأقاليم السورية تحت سلطة مركزية منزوعة الصلاحيات في العاصمة، وصلاحيات واسعة في الأقاليم بما فيها القوات المحلية من شرطة وحرس إقليم وليس جيش. وبالرغم من أن هذا المسار قد يبدوا مسارا تقسيمياً إلا أنه مسار واقعي لما آلت إليه الأمور أولاً، وأيضا وهو الأهم مسار يراعي مصالح السكان، وهذه يجب أن يكون لها الأولوية قطعاً عند التفكير بمستقبل سوريا، كما أنه يجعل الكيانات المحلية قادرة على إنتاج ممثليها من أصغر الوحدات الإدارية إلى أعلى هرم في سلطة الإقليم، وكذلك يمكّن الإقليم من أن ينتخب ممثليه لأي سلطات تمثيلية مركزية، ولا سلطة للعاصمة في اختيارهم أو تعيينهم. وثالثاً؛ وذلك أيضا مهم، هذا مسارٌ يمنع عودة الإستبداد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قراءة في الإنتداب التشاركي: هل سيؤدي إتفاق مناطق خفض التصعيد ...
- قراءة في الصلاحيات الدستورية: الرئيس الإيراني يرأس ولا يحكم
- النقد السينمائي واللاجئون الجدد
- عصر التنوير السوري برعاية سيرياتيل
- رسالة من لاجىء إلى رئيس حكومة السويد
- الخلف: الربيع العربي ليس نتاج -ثقافة التنوير- وعلى المثقف أن ...
- التوأمة السياسية بين أبوظبي وتوفيق عكاشة
- الوسط الثقافي السوري.. من حروب الفتات إلى حرب التمويلات الكب ...
- ذبح الرهائن الغربيين دعاية ل-الدولة الإسلامية-
- في إنقاذ المسلمين من الإسلام
- عن صانع الأفلام الذي أعاد حلم الحرية للواجهة
- التفاوض مع بشار الأسد رؤية أمريكية أم سعودية؟
- المغرد الغامض -مجتهد- الذي يشغل وسائل إعلام كبرى
- في أن الإرهاب ابن شرعي للإسلام
- فرانكشتاين في بغداد: العدالة جسداً من أشلاء الضحايا
- التقمص في الديانة الدرزية حامل الحكاية في رواية «سرمدة»
- يوميات الثورة السورية: عن حزب الله وابن خلدون والمسلحين وسلم ...
- يوميات الثورة السورية: في الطريق إلى الرقة في ظل الحرية
- يوميات الثورة السورية: عن الجرذان وجبهة النصرة والكارثة الوط ...
- عن الفبركات وإنتاج الأساطير الكاذبة في الثورة السورية


المزيد.....




- في سابقة تاريخية.. إقامة سوق لأعياد الميلاد وسط الجزائر
- ليبرمان يعين كميل أبو ركن بدلا من مردخاي لشؤون الضفة والقطاع ...
- دول غرب إفريقيا تعرب عن قلقها من انتشار جماعات إرهابية في ال ...
- بالفيديو.. قطر تدشن أكبر معلم لها وتطلق عليه اسم -تاريخ الحص ...
- -الماريغونا- لمعالجة الأمراض النفسية!
- السعودية تعدم مواطنا قتل أطفاله خنقا وطعنا
- إصابات خلال مواجهات بالضفة ضد قرار ترامب
- حراك فلسطيني في مجلس الأمن بشأن القدس
- طاهر المصري : إطلاق سراح عمي صبحي كان قرارا سعوديا
- سكة القطار الأشد انحدار في العالم


المزيد.....

- هـل انتهى حق الشعوب في تقرير مصيرها بمجرد خروج الاستعمار ؟ / محمد الحنفي
- حق تقرير المصير الاطار السياسي و النظري والقانون الدولي / كاوه محمود
- الصهيونية ٬ الاضطهاد القومي والعنصرية / موشه ماحوفر
- مفهوم المركز والهامش : نظرة نقدية.. / تاج السر عثمان
- التعايش في مجتمعات التنوع / شمخي جبر
- كه ركوك نامه / توفيق التونجي
- فرانز فانون-مفاتيح لفهم الإضطهاد العنصري والثقافي عبر التاري ... / رابح لونيسي
- الجذور التاريخية للتوظيف السياسوي لمسائل الهوية في الجزائر / رابح لونيسي
- المندائيون في جمهورية ايران الاسلامية بلا حقوق!! / عضيد جواد الخميسي
- واقع القبيلة والقومية والامة والطبقات في السودان. / تاج السر عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - خلف علي الخلف - الخيار الفيدرالي لسوريا ومنع إنتاج الإستبداد