أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - ريمون نجيب شكوري - كسوف 2017 الشمسي















المزيد.....


كسوف 2017 الشمسي


ريمون نجيب شكوري
الحوار المتمدن-العدد: 5619 - 2017 / 8 / 24 - 18:04
المحور: الطب , والعلوم
    


كـسـوف 2017 الـشمـسـي

ريمون شكوري

إستيقظتُ يوم أمس المصادف الحادي والعشرين من شهر آب سنة 2017، كعادتي مع طلوع الفجر عند الساعة الخامسة صباحاً, وظلال الليل لم تزلْ تتباطؤ عن الإنقشاع.
قبل مباشرتي بأيِّ عمل، فتحتُ ــ على غير عادتي ــ نوافذ الغرفة وتطلعتُ الى القبة السماوية بكاملها وتفحصتُها من الجهات الأربع. لم أجد شيئاً سوى نجمة يتيمة تُومِض وحدها في السماء.
سماء مدينة ناشڤيل الأمريكية ستكون في هذا اليوم زرقاء صافية تماماً على غير عادتها . أخفقتُ في العثور على أيَّة سحابةٍ في سمائها. إنفتحتْ أساريري منشرحة بشعوري أني سأتمتع اليوم بمشهدٍ كبير وغير إعتيادي

***
مند أن أعلنتْ مؤسسة ناسا قبل عامين بأنه سيحدث كسوفٌ كليٌ للشمس يُشاهد في ناشڤيل في الحادي والعشرين من شهر آب سنة 2017 وأنا أتشوَْق متطلعاً بلهفة قدوم هذا اليوم.
وصرتُ أترقب ”دقيقة الصفر“ بشوق لم يدع لأفكاري وأحاديثي طوال ساعات الصباح إلا أن تقتصر على ظاهرة الكسوف وحركة الكواكب.

***
صحيح أن ظاهرة الكسوف مفهومة علمياً فهماً جيداً بحيث يمكن التنبوء بحدوثها بدقة، إلا أن المشاهدة الفعلية للشمس مبرقعة خجلى وراء القمر لا يمكن إلا أن تُلهب النفوس بأحاسيس عميقة الأثر.
لا أستطيع أن أتوقع ما سيعتريني من مشاعر، ولا بما سيلمع بذهني من أفكار، حين أقف عند الساعة المحددة على ضفاف البحيرة القريبة من المدينة وأرى بأُم عينيَّ قرص الشمس وقد غدا داكناً أسود اللون مستتراً خلف القمر.

***
يبدو أن الطبيعة قد وهبتْ سكان المدينة وزوَّارَها سماءً صافيةً كي يتمتعوا بمشاهدة أروعَ عرضٍ مجانيٍ مدة ثلاث ساعات، بَدْءً من الساعة الحادية عشر وثماني عشر دقيقة قبل الظهر.
ناشڤيل ليست المدينة الوحيدة التي ستحظى بالعرض المجاني إنما هنالك غيرها من المدن التي ستشاركها في مشاهدته، إلا أن ناشڤيل أكبرها جميعاً.
تقع جميع المدن التي سيُتاح لها مشاهدة العرض ضمن شريطٍ يبلغ عرضه حوالي مئة وخمسين كيلومتر ممتددٍ من أقصى الشمال الغربي للولايات المتحدة عند ولاية أُوريگن على المحيط الهادي الى أقصى جنوبها الغربي عند ولاية كارولينا الجنوبية على سواحل المحيط الأطلسي،
كما في الشكل الأتي.

/Users/RaymondShekoury/Desktop/مـلـف الـكـسـوف/globe_inset_v3.png

***
من المعروف لدى جميع الناس حتى لدى طلبة المرحلة الإبتدائية أن كوكبنا الأرضي والقمر يدور كل منهما بفلكٍ خاصٍ به. الأرض تدور حول الشمس وحول نفسها، والقمر يدور حول الأرض.
بين حينٍ وآخر ”تجد“ الأرضُ أن موقع القمر قد أضحى بينها وبين الشمس على إستقامة واحدة لفترة قصيرة لا يتجاوز أمدُها ثلاث دقائق.
تُحتِّم هذه التشكيلة السماوية الخطيِّة لثالوث الأرض والقمر والشمس أن يُحجب ضوء الشمس تماماً عن بقعةٍ على الأرض دائريةِ الشكلِ تقريباً ذي قطرٍ يبلغ حوالى مئة كيلومتر. ليست هذه البقعة سوى ظل القمر على الأرض. ومن ناحيةٍ أخرى دورانُ الأرض حول نفسها يُـلْزم موقعَ البقعة أن ينزاح مع دورانها من مكان الى آخر فتمسح البقعة على سطح الأرض منطقةً شريطية، تُسمى شريط الكسوف.
والآن أرجو أن تتركَ العنان لخيالك لتتصور أنك على كوكب المريخ، تراقب الأرض أثناء أحد كسوفاتها الشمسية مستعيناً بأقوى تلسكوب متوافر. فسوف تشاهد نقطةً صغيرةً (ربما ستبدو لك من ذلك البعد، بِصِغَر النقطة عند نهاية هذه الجملة)، وستراها تتحرك على سطح الأرض بسرعة ألف وأربعمئة كيلومتر بالساعة.
لا أعتقد أنك ستتخيلُها عفريتاً يَدُبُّ على الأرض ما دمتَ قادراً على الإستعانة بما درستَ من مبادئ علوم الرياضيات والفيزياء والفلك، بل سوف تستنتج أنها ليست سوى ظل القمر على الأرض الدوَّارة.
حدوث كسوف كلي للشمس أثار في القرون الماضية مشاعر الفزع عند الإنسان ونذير شؤم وفي جميع الحضارات. وربما لا زال في القرن الحالي.

الشكل الآتي يوضح ظاهرة الكسوف الكلي للشمس

/Users/RaymondShekoury/Desktop/مـلـف الـكـسـوف/GAE_ECLIPSE_GRAPHIC.jpg

***
بحثتُ في الإنترنيت عن قصائد باللغة العربية تتناول ظاهرة الكسوف الكلي للشمس. لكني أخفقتُ في العثور على أيِّ قصيدة. ربما يدل هذا على ندرة حدوث كسوفاتٍ كليةٍ في المنطقة العربية خلال الألف أو الألفين سنةالأخيرة.
لكن الألواح الطينية المكتشفة في العراق تدل على حدوث كسوفات شمسية زمن السومريين والبابليين. أذ يسجِّل اللوحُ الطينيُ المبينةُ صورته أدناه حدوثَ كسوفٍ كلِّيٍّ للشمس في أوغاريت سنة 1375 قبل الميلاد.
/Users/RaymondShekoury/Desktop/مـلـف الـكـسـوف/Unknown.jpeg
إحتفظ الفلكيون البابليون بسجلات الأحداث السماوية لحركات الشمس والقمر وكوكبَي المشتري وزهرة من سنة 1700 الى 1681 قبل الميلاد على ألواح طينية. وسجلوا في إحدى لوحاتهم حدوثَ كسوفٍ كليٍ للشمس في نينوى سنة 1063 قبل الميلاد الذي وصفته اللوحة ”أنه حوَّل النهار ليلاً“. وكان الفلكيون البابليون قادرين على التنبؤ بالكسوفات القمرية والشمسية بدقة معقولة.

***
تعجُّ هذه الأيام جميع المدن الواقعة على شريط الكسوف الكلِّى بنشاطٍ محمومٍ إستعداداً للعرض السماوي المهيب.
أما في ناشڤيل فقد بيعتْ ملايين من نظارات واقية لمشاهدة الكسوف دون أن تُصاب العين بأذى، عُطِّلتْ فيها المدارسُ، إرتفعتْ أسعار السفر منها واليها، حُجِزَتْ جميعُ فنادقِها. إذ أن من المتوقع أن يؤمَّ المدينةَ قرابةُ مليون شخص من كل الولايات الأمريكية ومن خارجها. وأُرجح أن كلاً منهم يخاطب نفسه مفكراً كيف من الممكن أن يُفوِّت شخصٌ فرصة العمر من مشاهدة ظاهرة فذة لن يتكرر ظهورها في هذا المكان الذي يُسمى الآن ”ناشڤيل“ إلا بعد خمسمئة عام.
***

الكسوفات الشمسية ليست فقط مشاهد جليلة ومهيبة للتمتع بها، إنما هي أيضاً نافذةٌ مفتوحة يلمح الباحثون العلميون من خلالها بعض أسرار الكون. وقد سجَّل التاريخُ فتوحاتٍ علمية تَمَتْ بفضل البيئات المناسبة التي تتيحها الكسوفات شمسية.
من غرائب الأُمور التي أُرجِّح أن بعض المثقفين لا يعلمون عنها، أن غاز الهيليوم He لم يُكْتشفْ على الأرض. نعم ليس على الأرض، إنما على الشمس أثناء كسوفها سنة 1868 الذي حدث في الهند. إكتشفه الفلكي الفرنسى پيير جانسن. وبعدئذٍ تمَّ إكتشافه على الأرض.
ومن الجدير بالتنويه أن تسمية الغاز المكتشف ”هيليوم“ تشير الى إرتباطه بالشمس ”هيليوس“ باللغة اليونانية.
ولعل أكثر الكسوفات للشمس شهرةً في الأوساط الإعلامية للعلم هو ذلك الذي حدثَ في أفريقيا الجنوبية سنة 1919. إذ أن الرصد لمواقع النجوم أثناء حدوثه دعم نظرية النسبية العامة لآينشتاين. بتعزيز النتيجة المترتبة من نظرية النسبية التي تنص على أن مسار شعاع الضوء ينكسر عند إقترابه من جسم ذي كتلة كبيرة.
وتشير الأنباء الواردة من مختلف المدن الواقعة على شريط الكسوف عن إستعدادات مئات من الباحثين العلميين لإجراء بحوث متنوعة يتطلب إجراؤها عتمةً في أجزاء من السماء لا تتوافر عادةً إلا في ظروف الكسوفات الشمسية. و تتمحور أغلبُ البحوث المخطط إجرائها خلال هذا الكسوف، حول موضوع الهالة التي تحيط بقرص الشمس.
ومن المتوقع أن يرفد كسوفُ 2017 العلمَ بنتائجَ مثمرة. لأن شريطَ مسارِه يُشكِّل منطقةً مأهولةً سكانياً ومتقدمةً تكنولوجياً وشاسعةً مساحةً.

***
حرص المسؤولون في مدينة ناشڤيل على توفير جميع المتطلبات الضرورية في المنتزهات العامة والحدائق والأماكن الأُخرى لآلاف المئات من مشاهدي الكسوف. وإنتهزتْ غرفُ التجارة في المدينة فرصةَ حدوثِ الكسوف أن تجعل المناسبةَ ليس متعةً فقط بل أيضاً تسليةً وتثقيفاً، لتكون فترة الكسوف التي أمدها ثلاث ساعات حفلةً تُعزفُ فيها الموسيقى وتُلقى المحاضرات العلمية.

كان الطريق الى البحيرة مزدحماً بآلآف السيارات بحيث إستغرق الوصول اليها زهاء ساعة ونصف. بينما يستغرق الوصول اليها حوالى عشرين دقيقة.
لاحظتُ ونحن (نورية ووسيم مع عائلتة وأنا) في طريقي الى البحيرة أن معظم الناس في حالة ترقب وإستنفار وأن أغلب أحاديثهم، التي إلتقطتُها بصورةٍ عابرة، تدل على إهتمامات إنفعالية ولاحظتُ أنهم يجربون نظاراتهم الواقية بإستمرار.
عند وصولنا البحيرة وجدنا ضفافها قد أصبحَ مخيماً كبيراً. وإستطعنا أخيراً أن نجد بقعةً مناسبة نصبنا فوقها الكراسي.

__________ الساعة 11:59 قبل الظهر _________

صرخ أحد المشاهدين على ضفاف البحيرة أنه يشاهد بوضوح خطاً رفيعاً أسود على حاشية قرص الشمس. إرتفعتْ رؤوس الجميع فوراً الى الأعلى، وإنفجرتْ عفوياً صرخات إنتصار صدرتْ من كثيرٍ من المشاهدين.
إستطعتُ، من خلال النظارة الواقيه، رؤية الخطِ الرفيع بوضوح وطيفِ جسمِ داكنٍ متلصصٍ على الشمس ليسرق ضوءها.
ولم يمضِ سوى وقت قصير، حين بانَ الشكلُ الكروي للقمر على خلفية فيض من نور ذهبي. وأخذتْ الكرة المعتمة الغامضة تتغلب على النور بالتدريج.
وأطبق على الجميع سكونٌ يقظٌ يقارب سكون الإحترام والتبجيل عند قدوم شخص مهيب.
لم يحدثْ الى حد الآن تغييرٌ محسوس على ضوء الشمس الساقط على البحيرة، فقد لازم المنظر المألوف هيأتها المعتادة، مشرقاً متوهجاً كحالها في الأيام الأُخرى في شهر آب.
تجمَّع الناس في الشوارع ورؤوسهم جميعاً مرفوعةٌ الى الأعلى وممسكين بالنظارات الخاصةعلى عيونهم.

كل شيء في طريقه الى التغيير:
الشمس أضحتْ هلالية الشكل
درجةُ حرارة المنطقة آخذة بالإنخفاض وبرودة الصباح الباكر بدأت تعود.
المنطقةُ سادها تَجَهُمٌ وغدا يُغطيها لونٌ داكنٌ صفراويٌ غيرُ طبيعي.
الأشجارُ البعيدة فقدتْ نَضْرَاتِها وطابعها البهيج وصار منظرُها يبدو من بعيد كخلفية صورٍ مظلمةٍ حُفِرَتْ على سماءٍ غير مألوفة.
البحيرةُ إرتدتْ مظهراً صارخاً غريباً جداً.
جميعُ المخلوقات الحية بدتْ وقد أُغديَ بها الى حالة من التوتر.
الطيورُ متهيجةُ ترفرف جيئة وذهابا كأنها ترتاب أن ما يحدث ليس هو إقتراب المساء المعروف. فلم تعدْ تعرف كيفية التحكم بتحركاتها.
الإهتمامُ وحب الإستطلاع الذي بدى على ملامح معظم الناس عند صباح اليوم الباكر، قد تبدل الآن الى دهشةٍ أو قلقٍ أو تفكّر.
الأطفالُ يتجمعون حول إمهاتهم بخوف مع تضاؤل الضوء بإطَّرَادٍ تدريجي في كل ثانية.
معظمّ الرجال والنساء صامتون بِوِقار.

***
حين نراقب السموات في هذه الحالة الواضحة تماماً ، يصبح الخبُوُ المطرد للضوء والإقتراب التدريجي للظلام أكثر مهابةً. الطيورُ التي كانت قبل ريع ساعة تخفق أجنحتَها بإضطربٍ شديد، تبدو الآن أنها مقتنعةً أن الليل قد حلَّ.
ضَعٌفَ الآن الفيض الإعتيادي لضوء الشمس الي درجة بدى قرصها كأنه بدرٌ مشرقٌ لكنه أكبرُ مساحةً وأكثر لمعاناً.
فجأة سمعتُ صرخةً ”القمر“.
إلتفتُ شرقاً وإذا بي أُفاجأ بمشاهدة قرصٍ دائريٍ فخمٍ داكن اللون يبحر فوق بحر السماء بجلال مهيب، لم أعهد له مثيلاً من قبل.
كيف لا يكون القمر مُرَوِّعاً وهو في طريقه ليثبت لنا، نحن البشر، سطوتَه وقدرتَه على أن يحظر عنا أشعة الشمس بل ويسلبنا منها تماماً.
أسدل ظلامٌ كظلام الليل سدوله على المنطقة. مدينة ناشڤيل إبتلعها الظلام.
الندى يتساقط بغزارة ملموسة،
الحرارةُ إنخفضتْ عدة درجات وغدا الجو بارداً.
الضوءُ الإعتيادي المُغَيَّبُ عن المنازل جعل الغموض أكثر وقعاً على النفس
السكونُ مطبقٌ.… والكلامُ همساتٌ مكبوتةٌ لا يكسرها إلا أصواتٌ متكـتمة.
النجومُ في السماء ساطعة،
قرص الشمس أخذ ــ ونحن نراقبه من وراء نظاراتنا الواقية ــ يتضاءل ويتضاءل بإتساق الى أن غدا خيطاً رفيعاً والذي بدوره بدأ بالإنكماش تدريجياً ال أن إنحل الى نقطة.

__________الإختفاءالكامل للشمس__________

الــنــقــطــة إختفتْ تماماً
إنها ساعة الصفر
بـــل دقـــيـــقـــة الـــصـــفـــر.
الساعة الواحدة وسبع وعشرون دقيقة بعد الظهر.
إرتفع الصياح والتصفيق والهلاهل من كلِّ جانب.
بان القمر بأعظم وضوح وجلاء، جسمٌ سماويٌ ضخمٌ أسودُ اللون يحجب الشمس بحيث أن وجه ذلك الكوكب الدُرِي إظلَّم ظلاماً كاملاً ما عدا ظهور هالة من أشعة ضوئية تحيط به.
عندما حانتْ مني إلتفانة لمع أمام عينيَّ بريقٌ ظننتُه للوهلة الأُولى طائرةً بعيدة، لكني أدركتُ بوضوح بعد ثانية أنه ليس سوى نجمة.
بدأتْ النجوم تظهر الواحدة تلو الأُخرى في حزامٍ عريضٍ معتمِ وبسرعةٍ أعلى من ظهورها المعتاد أوقات شفق المساء، الى أن قارب عددها ربما الخمسين.
إن رؤية هذه النجوم خلال ساعات الظهر لا يمكن إلا أن تشحن النفس بإحساس فذٍ غريب.
ظلامٌ على الأرض. وفي السماء قرصٌ أسود تحيط به هالة من الأشعة.
نزلتْ علينا جميعاً كآبة الليل. شَعَرَ الجميع بإنفعالات إنبهارية شديدة.
يرتبط مع الظواهر الكونية السماوية الكبرى شعورٌ غريزي بتوقعات تُثيرُ القلق وتُوقِعَ الرعب في النفوس. حين يحدِّق الإنسان على إحدى ظواهر الكون ــ سواءً كانت الظاهرةُ قوسَ وقزح مُطَمْئِن، أو بريقَ سحابٌ خاطف، أو إعصاراً مفزع، أو نيزكاً ساقط مخيف، أو ضوء شفق قطبي خلاب ــ لا يمكن إلا أن تتملكه مشاعر غريزية.
تجذب هذه الظواهرُ الكونية السماوية وأمثالُها إهتمامَ الإنسان اليها وتبعثُ فيه أحاسيس غريبة تختلف بطابعها عن المشاعر الناتجة من معاينةِ أيِّ مشهدِ أرضي.
وقف بالقرب مني عدد من الأشخاص صامتين، يتحكَّم بهم جميعاً إنفعالٌ واحد.

أما فيما يخصني فلم أعد أُشاهد شمساً ولا قمراً إنما رأيتُ ثقباً أسود في الفضاء متوجاً بهالةٍ من نور.
وشعرتُ أن دماغي قد أُوعز اليه بــِ ”delete" لكل ما أعرف من منطق ورياضيات وعلوم، وفقدتُ الإحساس بالزمن والمكان. فأخذتْ تتلاطم بذهني عشوائياً أفكارٌ متناقضة مع تمنيات متضاربة تتقفز من الحاضر الى المستقبل ومن المستقبل الى الماضي، لا يتحكم بقفزاتها قانونٌ ولا منطقٌ عقلاني.
تجرأتْ مخيلتي بتصوراتٍ لا يجرؤ أحدٌ أن يتصورها حتى في أحلامه.
تخيلتُ بأن ”شيكسپيراً“ واقفٌ على يميني و”موزارتاً“ على يساري، ألتمس من الأول أن يسعفني بقصيدة يوثق بها مشاعر الروعة والخشوع في نفوس المشاهدين، ومن الثاني أن يرفدني بسيمفونية يُخَلِّد بها السيناريو الرائع للكسوف.
فجأةً إنتقلتْ تصوراتي الى المستقبل البعيد جداً. الى الكسوف الكلِّي القادم الذي سيحدث بعد حوالي خمسمئة عام في هذا المكان بالذات المسمى حالياً ”ناشڤيل“. وفُجِئتُ بقصيدةٍ شيكسپرية تُتلى على المحتشدين مع عزف للسيمفونية الموزارتية الجنائزية والشمس مخفية وراء ستار القمر. وحين رفع القمر ستاره قليلا رأيتُ المشاهدين وهم يمسحون دموعهم.
قفز ذهني قفزة زمنية من ذلك المستقبل البعيد الى الماضي النائى.……
تخيلتُ أنني أُشارك في مراقبة الكسوف الكلي السابق الذي حدث في هذا الموقع المُسمى الآن ”ناشڤيل“ وفي تاريخ الرابع عشر من يوليو سنة 1478(أي قبل إكتشاف القارة الأمريكية) مع مجموعة من أفراد سكنة المنطقة الذين صاروا ينعتون بعدئذ بقبائل الهنود الحمر. وجلسنا جميعاً في نفس المكان الذي أجلس عليه حالياً نراقب الشمس بذعرٍ وهي تأخذ بالإختفاء تدريجياً أمام أعيننا.
ليـس مـن بُـدٍ أن الهنودَ الحمر وجَّهوا أسئلةً وجيهةً الى أنفسهم.
كيف ولماذا تحدثُ هذه الـظاهرة؟
السناجيب تعيث فساداً في المنطقة فهي تقرض الحبوب والفواكه.
إذن تُحمَّـل السناجيب مسؤولية
لا توجد نظرية أكثر ”عقلانية“ في تفسير الظاهرة الغريبة سوى أن سنجاباً جشعاً أسود اللون بدأ يقضم الشمس.
يتوجب إبعاد هذا السنجاب الوقح عن الشمس خشية من أن يلتهمها بكاملها وينطفئ نورها.
كيف ؟
بوسيلتهم المعتادة، تخويفه بإحداثِ ضجيج عالٍ.
إنهزم السنجاب مرعوباً وولَّى هارباٍ.
نجحتْ ”التجربة“ فإرتفعتْ آصوات الهلاهل بالإنتصار العظيم.

ينبغي أن لا نستخف من سذاجة هؤلاء القوم. إذ يجب الإدراك أن الإنسان (القديم والحديث) لا يستطيع تفسير ما هو مجهول عنده إلا بما يتوافر لديه من معلومات وتكنولوجيا.

هكذامرَّتْ دقيقتان وأربع وعشرون ثانية ونحن بظلام مطبق. بدى أمدُ الفترة أطولَ ممَّا هو وفي الوقت نفسه أقصرَ مما هو بسبب شدة الأحاسيس وطوفان لا يُقاوم من أفكار ملأت العقل.

__________ إنتهتْ مرحلة الإختفاءالكامل للشمس ________

لم يمضِ عن إبتعاد القمر عن الرؤية سوى لحظة حتى وقع نظري على المنظر المحيط بي. فرأيتُ منظراً پنارامي. منظر الغروب لكنه بشكلٍ لم أعهدْ من مثله قبل. منظر غروب يحيط المنطقة من جميع جوانبها من الضفة المقابلة للبحيرة وعلى يميني ويساري وعلى ورائي فوق الأشجار البعيدة. منظرٌ ساحرٌ ”أسمعُه“ ينادي على رسامٍ لـِيُـِثَـبِتَـه بألوانٍ زاهية على لوحة خالدة.
سرعان ما أعاد عودةُ النور الإبتهاجَ الى جميع الكائنات بعد اللحظات المرعبة لِليلٍ في ظهيرة النهار.
عند عودة النور شعرتُ أنه قد أُوعز الى دماغي بــِ ”undo delete" فعاد اليَّ ما أعرف من منطق ورياضيات وعلوم دون أيِّ نقصان.
رأيتُ الواقفين بقربي وقد أطرقوا رؤوسهم متأملين بصمت. التأملُ ــ بعد ما خَبِروا ــ لا يمكن أن يكون إلا بالصمت إذ أن الوقعَ العميقَ لتلك المشاهد على النفس يُعطِّل القدرة على الكلام لبضعة دقائق.

بقدر ما كان تقهقر الضوء مرعباً، كانت عودةُ ظهورِه مبهجةً وبهية:
أصبحتْ هالة الضوء فوق القمر فجأةً أكثرَ لمعاناً،
وصارتْ الأشعة تتدفق خلال الظلام بتيار جارف
وأضحتْ السماء الأبعد أكثر مُنارةً،
وأختفتْ النجوم ”متقاعدة“.
وباتتْ أعالي الأشجار مضاءةً.
وأُنيرتْ المنطقةُ جميعها بِلمسةٍ عفريتيةٍ متوهجة. طفحتْ بفيض من نور بهيجٍ أضفى عليها عذوبة تمس النفس مباشرةً بِلمسةٍ كريمة لا يتخيلها عقل إلا إذا شاهدتْها عينٌ ناظرة.
هذه الظاهرة أبعد من أن تُشَبَهَ بالبزوغ التدريجي لفجر النهار. إذ لم يحدث أيُّ تدرجٍ في التحوُّل، بل كان مفاجئاً مذهلاً.
يستحيل أن أجد تشبيهاً للعودة المفاجئة والـمُبْهجة للنور مع أيِّ ظاهرة مألوفة. ولعل أقرب ما يمكن أن أُقَدِّم ما يماثلها هو التحوُّل اللحظوي الذي يطرأ بمرورٍ سريعٍ لظلِ سحابةٍ داكنة السواد. لكن التأثير النفسي لهذا التحوُّل لا يضاهي أبداً ما يقابله حتى ولو ضُرِبَ بألف مرة.
وهناك منظر رائع آخر في كبد السماء. …بُعَيْدَ أن ولَّى القمرُ مُبحراً بدربه في الفضاء، وتَبين لأول مرة الظهور الثاني للشكل الهلالي لقرص الشمس، شاهدتُ منظراً خلاباً لكوكبِ الزهرة وهو لا زال يلمع مشرقاً في وضح النهار.

***
وأخيراً أودُّ أن أسجل أني لم أرَ طوال سني حياتي مشهداً كمشهد الكسوف الكامل للشمس يبرز بجلاءٍ واضح عظمة الكون. إنه حقاً أحد المشاهد المثيرة للخشوع في العالم الطبيعي.
ليس بالضرورة أن مجرد فهم للطبيعةِ العلميةِ لظاهرةٍ فلكيةٍ نادرةِ الحدوث أن يؤدي الى تفهُمِ أو إستيعابِ الجوانبَ العاطفية الناتجة من حدوث أو وقوع تلك الظاهرة.
ليس الكسوف الكامل للشمس مجردَ مشهدٍ جميلٍ يُشاهَد للتمتع به فقط، إنما هو ظاهرةٌ مذهلةٌ يُحْدِثُ وقوعُها تغييراتٍ في النفس وفي البيئة.
النهار يُغدى ليلاً، والنجوم تُشاهد خلال ساعات النهار، وهالة الشمـس تُرى بالعين المجردة.

إن الكسوف الكلي للشمس:
يبرز حقيقةَ أن المصادفاتِ تتحكم في الكون. إذ أن النسبَ الراهنة لقطر القمر الى قطر الشمس، ولبُعد القمر عن الأرض ولبُعد الأرض عن الشمس تصادفُ أنها نسبٌ تجعلُ الكسوفَ ممكناً.
يدعو المشاهدَ الى التأملِ حول حياته، والى الإدراك أنه جزءٌ ضئيلٌ جداً من الكون الضخم. إن هذا الإدراك يُقَّوي حِسَّ الإرتباط بالإنسانية عند كثيرٍ من الناس.
يُـلَـقِّـن الإنسان درساً بضرورة تحلِّيه بالتواضع وتخلِّيه عن النرجسية لأن الكون ليس موجوداً من أجله ولن تتغيير قوانينه لأجله.

22/8/2017





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647


المزيد.....




- خبراء يدرسون تأجيل إطلاق مختبر روسي إلى المحطة الفضائية الدو ...
- المدير العام يلغي تعيين سفير النوايا الحسنة
- فيديو... هنا تُدفن الأقمار الصناعية بعد تحطمها
- شبح سوء التغذية في سوريا يهدّد الأطفال
- شبح سوء التغذية في سوريا يهدّد الأطفال
- -سحر- رضيعة سورية صدمت العالم على تويتر
- شركة بيزوس الفضائية تنجح باختبار محرك صاروخها الأول
- نيويورك توظف "متنبئاً بالمستقبل"
- سامسونغ تعيد آبل إلى المحاكم من جديد
- 11 سبب لـ قلة دم الدورة الشهريّة


المزيد.....

- معلومات اولية عن المنطق الرياضي 1 & 2 / علي عبد الواحد محمد
- الوجود المادي ومعضلة الزمن في الكون المرئي / جواد بشارة
- المادة إذا انهارت على نفسها.. / جواد البشيتي
- الكون المرئي من كافة جوانبه / جواد بشارة
- تفكيك الجينوم وبنية الإنسان التحتيّة / بهجت عباس
- كتاب ” المخ والكمبيوتر وبرامج التفكير” / نبيل حاجي نائف
- العلم الطبيعي بين الاختزالية و العمومية / جمال الدين أحمد عزام
- آلية انتاج الفكر في دماغ الانسان / رائف أمير اسماعيل
- بأيِّ معنى يتوقَّف الزمن؟ / جواد البشيتي
- الرياضيات المسلية، متعة. فن. ذكاء / مهندس عاطف احمد منصور


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - ريمون نجيب شكوري - كسوف 2017 الشمسي