أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهدي شاكر العبيدي - عمر فروخ الباحث التراثي ورأيه في الشعر العربي الحديث















المزيد.....

عمر فروخ الباحث التراثي ورأيه في الشعر العربي الحديث


مهدي شاكر العبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 5619 - 2017 / 8 / 24 - 14:42
المحور: الادب والفن
    


عمر فروخ الباحث التراثي
ورأيه في الشعر العربي الحديث

مهدي شاكر العبيدي
اوستن-تكساس

وعمر فروخ قد يكون آخر الكـُتـَّاب العرب الموسوعيينَ ممَّن كتبوا البحوث والدِّراسات في موضوعات وحقول شتى غير ما تخصَّصوا فيه من العلوم وحصلوا على الشَّهادات وفقه في المعاهد والكليات الجامعية في وطنهم وخارجه ، فيستوي عنده أنْ يكتب ويخوض في الشُّؤون التاريخية والقضايا الفلسفية ومكونات الأعمال الشِّعرية والقصصية من سماتٍ وخصائص ذات مساس وصلة بالإبداع والفنِّ والإلهام والشُّعور والعاطفة ، موفيا ً بذلك على غاية ما هو متأمَّل من الدِّقة والإحاطة والشُّمول وامتلاك المقدرة التامة من إقناع القارئ بصحَّة آرائه وسلامة توجهاته ، وإنـَّه يصدر عن قناعة ويقين راسخ بمبعدةٍ عن الادعاء والتطفل على ما لا يمُتُّ له بسبب من اهتمامات ونوازع ، ذلك أنـَّه من أولئك الباحثينَ القلة الذين يستهوون قرَّاءهم برصانة تعبيرهم وقوَّة منطقهم ووضوح بيانهم في غير تقعير ونبو يحكيان سماجة في الطبع وغلظة في الإحساس وجفاء في السَّريرة والطوية ، وكذا لا يدع قارئ ما كتاباتهم وانجازاتهم الفكرية دون أنْ يمضي معها مجتليا ً وممحِّصا ً حتى آخر مفردة منها تنبي أنـَّه دلَّ بجماع ما عنده من رأي وموقف ، إنـَّها القدرة على الجذب في تسمية يحيى حقي لهذه الخصلة حتى وإنْ اختلفنا مع مساجلينا ومناظرينا في مسلماتهم ومدَّعياتهم معا ً ، لا بُدَّ من أنْ تحملنا الثقة بإنسانيتهم وإخلاصهم واحترامهم لموروث أمَّتهم وسعيهم لإنهاضها وترقيتها على الإنصات الكلي لصوت ضميرهم وتمييزه بين الأصوات التي تتجاوب بها ميادين الفكر ، وكلـُّها تلهج بنيَّات التدليل على أصالة الأمة وعراقتها ، وتتحسُّس بما تعاني منه من مشكلات ومساوئ تسبَّبَتْ عن الخيبات المريرة في مدافعة الغِيَر والكوارث والمحن في طور أو مرحلة في تاريخها .
أنْ نلتمس شبيها ً للدَّارس العلامة في رصده للجهود المضنية المستمرَّة ودفعه ثمن ذلك من راحته وحاجته إلى الجمام والصَّفو للتعريف بدالة العرب على الإنسانيات الحديثة ، وانطلاقها في اعتماد العقل دليلا ً في شؤون حياتها ، بعد استيعاب آثارهم المتميزة وسوغها في الطب والفلسفة والتاريخ والجغرافية والفلك والخطط والكيمياء ، نقول شبيهه في هذه الوجهة الباحث المصري المعروف الدكتور عبد الرَّحمن بدوي ، لكن بدون مجاراة بعض مثقفي الغرب في الدَّعوة للوجودية بوصفها منهجا ً وموقفا ً يتخذه الفرد لإثبات جدارته وأهليته للحياة وظفره بحريته ، فما كان لمضيه سنوات في جامعات ألمانيا وفرنسا ثمَّة أثر على مسار حياته بوصفه مربيا ً وأستاذا ً جامعيا ً ومؤلفا ً نشيطا ً في التاريخ والأدب ، وما استوحى في معطياته غير الكنوز الثقافية التي أبقاها عمالقة العرب المسلمينَ من الكندي ، وجابر بن حيَّان ، إلى ابن رشد ، وابن خلدون ، وما ارتأى من حلول لمجاوزة الصِّعاب والأزمات في حياتهم الحاضرة غير التي تسترفد من أقوال حكمائهم وشروحاتهم في فحاوى الخير والحقِّ والعدل دونما تورطٍ وانجرار لمسخ جوهرهم وتضييع تراثهم في ركام الثقافات المختلفة باسم التواصل الحضاري شأن آخرين قفلوا من أوربا ، وكلهم إعجاب بالعادات والطبائع السَّائدة هناك ، وكانوا قبل انخراطهم في جامعاتها أشدَّ إخلاصا ً نحو جماعتهم ، وأوفى اعتزازا ً بلغتهم ، وأذكى غيرة وحمية لو استهدفتْ أوطانهم من قبل المغيرينَ والطامعينَ .
وتقول أنـَّك بإزاء سلفي محافظ ، شديد المقت والعداء لما تنهجه الجماعات الأخرى من أسباب في تدبير عيشها وصنع حياتها ، وأنـَّه كافر مهوِّن من شأن الإنجازات الحضارية التي أوفى عليها الغرب ، كأنْ لمْ نفدْ من صناعاتهم وننقل عنهم ما نستمتع به ونستثمره في حياتنا اليومية من كهرباء ودواء ووسائط نقل وغيرها ، لكن ما خطر من هذا التصور لذهنه في آن ، إنـَّما الذي أوقف مجهوده لإقناع قومه بصحته وصوابه إنَّ البشر متباينون في الشُّعور والعاطفة وطريقة التعبير عنهما تبعا ً للاختلاف الواضح في الخصائص النفسية بين الناس هنا والناس هناك ، وكذا فالشِّعر العربي غير الأوربي ، وذا لا ينفي أنْ نجتلي مضمونا ً شعريا ً أطلع به شاعر فرنسي أو ألماني سبق لشاعر عربي في حقبة ماضية أنْ استوفاه في نسجه خاصة إذا كان متصلا ً بالمسائل الكونية وقضايا الوجود والعدم والحياة والموت ، وتنتفي بموجب هذا النظر ما اصطلحنا عليه في دراساتنا الأدبية بعالمية الأدب وما استتبعه في وجدان مثقفينا من مثل الشُّعور بالنقص إزاء نكوص شعرائنا عن مجاراة الشُّعراء الأوربيينَ المحدثينَ في لقياتهم الذي يخال الدكتور عمر فروخ أنَّ معظمها نتاج الاضطراب والفوضى والغلو في إقحام التراكيب من آثار أدبية أخرى وسكبها في أدبيَّاتهم ، وما يتولد عن هذا الصَّنيع غير مزيد من التعمية والغموض ، فكان آخر ما فرغ منه في حقل التأليف كتابه ( هذا الشِّعر الحديث ) ، ونواته مقالة ضافية نشرها في مجلة ( العلوم ) البيروتية المحتجبة قبل أكثر من اربعة عقود ، أزرى عبرها بطغيان مسحة الإغراب وغياب ما أسماه تسلسل المعاني والإشراق اللغوي المبين والأداء الموحي الممتلئ بالاستعارات والمجازات والكنايات التي برع الشُّعراء العرب في العصور الماضية سواء أكان معولهم فيها على الصَّنعة أو صدروا بها عن عفوية خالصة جرَّاء انفعالهم واستيلاء الصِّدق الشُّعوري عليهم حتى ما يطيقون كبح رغبتهم في التعبير بعائق وآخر ، ذلك أنـَّه يشترط للعمل الأدبي الجيد أنْ يقوم أصلا ً على قواعد ومواضعات يترتب على مجافاتها أنْ يعدم العمل ذاك الرَّواء والجمال والخلابة الفنية .
وبالوسع تلخيص إضافاته إلى محتوى مقالته تلك وتفصيلاته التي ضمنها كتابه في كون ما تسرَّب إلى أدبنا الحديث من المذاهب الغربية من رمزية ورومانسية وبرناسية سبق أنْ جرى عليه شعراؤنا القدامى من حميد بن ثور الهلالي إلى أبي تمَّام ، والبحتري ، وابن الرُّومي ، إذ لا يعدمون في لقياتهم وبناياتهم هياما ً بالعنصر الوجداني ونسبة الفعل إلى غير فاعله والإتيان بلفظ دال على حالة مادية بينما المقصود منه حالة معنوية على منوال ما يرومه الرَّمزيون ، ثمَّ إنَّ مذهب التحكيك المعني بتخير المفردة وتكريس مطلب الفن للفن ليس هو في شرعه غير الصَّنعة التي ترسَّمها أوس بن حجر وراويته زهير بن أبي سلمى وورثها عنهم أعلام الشَّعر في العصور العباسية ، ويتطرف الباحث أكثر فيسوق شواهد من خطب العرب ورسائلهم ومقاماتهم ، ويوصي بطبعها في صفحات كتابه موزعة في أسطار تحكي الطراز الذي يجري عليه دعاة الشِّعر الحر من رواد موهوبينَ ومقلدينَ ضعاف المواهب في ترتيب تعبيراتهم ، سوى أنـَّه يلفي في سياق القدامى توفقا ً في إبلاغ مقاصدهم وتوضيحها ، ولا يرى في صنيع المحدثينَ غير التشويه ومجانفة القواعد والأصول ، والاجتراء على الذوق والمنطق ، وكذب الإدعاء بالتجديد .
لكن في الكتاب رغم هذا الإيغال في الزِّراية والتسفيه والاستلال من أعلام الشِّعر الغربي ، أمثال :ـ إيليوت ، عزرا باوند ، وكونهم لا يستحقون أنْ يأبه أحد لخصائصهم ومزاياهم الشَّخصية وطرائقهم التعبيرية المسرفة في النقل عن لغات أخرى غير الإنكليزية وكذلك تضمين شعرهم إشارات تاريخية متنوعة وثنية في الأكثر ، دون شفعها بالتفسيرات والتوضيحات ممَّا أوقع القراء العرب بعد اطلاعهم عليها مترجمة في دوامة من الغموض توهَّموا معها أنـَّها تمتُّ إلى الفلسفة لأنَّ عوام الناس عندنا يخالون الجملة الغامضة أعمق في الفلسفة ، ممَّا أضرَّ بقدرتهم على الفهم الصَّحيح وشان بملكة الذوق الفني لديهم ، مباينا ً في نظرته هذه أولاء الذين دللوا على حضورهم في الوسط الثقافي بمباحثهم ودراساتهم المحتفية بهذه الأنماط التعبيرية على شاكلة الدُّعاة الموقنين بسدادها ونضجها وجدارتها بالخلود والبقاء ، وليس على ديدن المحذرينَ المحترسينَ ، وزادوا في البلاء أكثر حين خالوا الأدب العربي القديم حتى في أرقى شواهده ونماذجه ورصيدها الثر من التوجه الفلسفي والإشراق الصُّوفي والاستنتاج التاريخي ، في حالة التوسع في مفهوم الأدب ومداره ، مبعث ما يشكون منه من تخلف وتوان في اللحاق بركب الحضارة .
نقول في الكتاب ذاك من المعارف الأدبية والتاريخية التي يستند إليها من آن ٍ لآن في توضيح مراميه وأغراضه ، والمدافعة عن مسلماته وذرائعه ، ما يستدل منه على سعة إطلاعه في الآداب العربية والأوربية ، وما ينبي كذلك عن تمسكه بقناعاته لا يبغي بها غير رياضة السَّلائق والملكات على السَّواء والقصد وتجنيبها انتحال ما لاصلة له بواقعنا من أزمات حضارية فلا يملك مخالفوه في نياته إلا احترامه والتسليم بحقه المشروع في إعلانها والذياد عنها .
وفي مسار حياة عمر فروخ وكفاحه في الدَّرس والتحصيل أكثر من عبرة ، فقبل أنْ يرجع من رحلته العلمية قال له أستاذه الألماني يوسف هل :ـ " سترجع غدا ً إلى بيروت وسيعرض لك أشخاص على صفحات الجرائد بما يرجون أنْ يسيئوا إليك ، فلا تقرأ شيئا ً ممَّا سيكتبه هؤلاء " ، فردَّ عليه :ـ " لا أعلم لي في بيروت خصوما ً يسوؤهم أنـِّي تعلمْتُ ، ولن أبدأ خصام أحدٍ أبدا ً " ، فعقبَ عليه :ـ " سترى " .
وما كاد يشغل منصبه العلمي حتى بدأ نفر يكتبون أشياء ممَّا كان أستاذه رحمه الله قد أشار إليه ، ويستطرد :ـ " تذكرت النصيحة فكنتُ أعمد إلى ما يكتب عني من ذلك ، ثمَّ أقصُّ رقعته من الجريدة وأضع ما أقصه في مكانه من مكتبتي ، ثمَّ اتفق بعد خمسة وعشرين عاما ً أنْ كنتُ أعيد ترتيب مجموعتي من قصاصات الصُّحف فمررْتُ بتلك القصاصات الشَّاذة ، كنتُ قد أصبحْتُ في الخامسة والخمسين من عمري ، قرأتُ تلك القصاصات ،وكان فيها كلام لنفر هم من الأصدقاء قديما ً وحديثا ً ومن أولئك اللذين يكثر اجتماعي بهم أحيانا ً وكان فيها هجمات منكرة ، غير أنـِّي كنت أقرأ وأبتسم ثمَّ أحمَدُ لأستاذي نصيحته الخالصة ، لو أنـِّي قرأتُ تلك القصاصات يوم صدورها في صحفها وأنا في الثلاثين من العمر ، لرددْتُ عليها بأشدَّ منها ولضاع في تلك الحماقات والأضاليل والأباطيل جانب كبير من وقتي الذي خصصته للتعليم والتأليف " .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,934,912,396
- التراث الثقافي العربي و فؤاد معصوم
- لماذا نسي المثقفون او كادوا ينسون مئات الادباء الرواد وبقوا ...
- خطرات وشذور
- ما يلزم تصويبه في تواريخ الأدب العربي
- وقائع من تعاون الأدباء مع المستعمر
- ملامح من المشهد الفلسفي العراقي
- مرثية في مقبرة ريفية
- ملاحظات
- سوانح
- أزمة المطبوع الورقي
- بعد عام على رحيله كلمة هادئة وحيادية قدر الامكان وجهد الطاقة ...


المزيد.....




- صدر حديثا رواية بعنوان -حب افتراضى- للكاتب الجزائرى حبيب درو ...
- كتاب «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة» للكاتب الصحفي محم ...
- كيف تحول بيل كوسبي من -الأب الأمريكي- إلى -وحش جنسي-؟
- -الجونة السينمائي- يناقش دور المهرجانات في صناعة السينما
- -عبد الحميد سليمان طاحون- ينتظر -النوة- في معرض الكتاب
- رحيل المفكر المصري البارز جلال أمين
- سجن الممثل الأمريكي بيل كوسبي بتهمة الاعتداء الجنسي
- رئيس الحكومة يجري مباحثات مع رئيس جزر القمر
- مدراء جدد بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياس ...
- رحيل الكاتب والمفكر المصري جلال أمين


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهدي شاكر العبيدي - عمر فروخ الباحث التراثي ورأيه في الشعر العربي الحديث