أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - سائل الأمكنة...















المزيد.....

سائل الأمكنة...


يعقوب زامل الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 5617 - 2017 / 8 / 22 - 22:16
المحور: الادب والفن
    


سائل الأمكنة..
قصة قصيرة
........
منذ مطلع الفجر، والشوارع تمتلئ تباعاً بالناس. كل لحظة والطرق تزدحم بالمناكب والاقدام. الكل أما، كان، يحمل متاعاً زوادة للمسير أو طفلا ليس بمقدوره شق زحمة الناس، وقد يضطر البعض لحمل شيخاً أو عليلاً من أهله، لا يقوى على السير، أو وزراً يريد التخلص عنه عندما سيتبرك بحضرة " الكليّ ". موقنون أنه يراهم ويراقب كل نامة في صدورهم. الخائنون يستشفعون بصوت خافت. والجياع يلهجون بالدعاء لملء بطونهم بشيء من الزاد والعافية. الجميع موقن بأنه متوجه على درجة من الجدية، لطلب المغفرة بلا يأس من أن ينالها حتما حين يبلغ درجة من الإيمان الكلي الذي سيذيب عنه جبل جليد العقوق، وأنه أمام هذا الامتحان الصادم سوف يصل بالفرد، لدغل معاشه وإلى ما سيؤول إليه مصيره من نعيم في أواخر حياته. سلوك البرد القارص أو القيظ اللافح على أقدام حافية وعلى ما يصعده من نداء واستغاثة بنيّة صادقة وتوسل بعلانية وعقل مبطن، سيغنيه عن الكدح ليل نهار استرزاقاً لحياته ولعائلته، طالما النعيم وموائد اللذات تكمن في إيمانه وقوة تمسكه بالذات الضرورية.
ألا يا أيها " الكليّ " .. الغور المرتبط بخيط الفطرة والأحجبة، أما آن أن تكشف لهذه الرؤوس المهطعة تذللا، والقلوب المثقلة بالهموم، عما يرتبط في طرفك الآخر؟.
أي الوفير الذي تريده من هؤلاء المجرجرين نفوسهم على أقدام واهنة، لارتخاء هازل يقدمون له كل اشكال أذى النفس والبكاء المرّ مشفوعا برائحة القبور والبخور ونذور التكايا؟.
في هذا الحداد الوفير، وداخل منطقة هواء الأجساد والتأوهات، جاء "سائل الأمكنة "، قاطعاً ثلثي المسافة بأخوية شجاعة، أحس بأحشائه تتلف بهذا الجمر المختبئ. نادى بصوت متضائل: " لو أن "الكليّ" اعطاني ألف فم، لما استطعت أن أخرج هذا العويل المشؤوم من صدري". وحين لامست امرأة، يعرفها بالملمس، أطراف أصابعه، انهمرت في عينيه وجوه عديدة، أخوة وأخوات، وزوجة خلفها في البيت تنتظر، ووجه أبيه حزينا، ودم مراق.
الجميع الذين كانوا شباناً وشيوخاً، أخذوا يتجاوزونه بشجاعة إلى موت لا شجاعة فيه. وفيما كان رماد أبيض يخرج مع اللهاث، تخيل قسماتها المتوعدة تفصح عن رأفة وعن بريق أحمر. شعر أن هاتين القوتين المتناقضتين بين أصابعه لا تلبث أن تثور وأنها ستؤتي بما لا يخشى : "أيتها الثمرة الجهنمية التي تشبه أحشائي، دحرجيني على حجر ذي مسام وأعيري جسدي أذرعاً من ريش ".
قررَ، لو قدر له أن يخرج من هذا الشق الدفين بينه وبينها، وأنه لو واتته الفرصة أن ينام على سريره البالغ القسوة ثانية، سيعطي جسده لأعمق حدٍ يصل إليه، وأن يستسلم لخيوط خرساء كي يغيّر مجرى الحدث في الرواية التي يكتبها منذ أعوام ولما تكتمل لحد الآن.
المجد الحي، والاجتماع المُعسكر المحكم بالمنافسة والذي يكفي لإشعال حربٍ أكبر سناً وأشد ضراوةً من الجحيم نفسها. هذا العبء الثقيل المقرون بموكبه المقدس، كان يفور بلا أسلحة تستطيع منافسته.
قال: " ما قيمة لحلم كهذا، إن لم يقدر على طرد التقاليد والتوسلات، ليأتي بدل الاسوار المحكمة وبدل الهذيانات الغيبية، بالقياس الحقيقي الفاصل بين السماء والأرض؟. أن يصنع من طيران السنونوات سهولاً من حماسة خضراء تمنح العمر حياة جديدة، بديلا عن خلاف الضوضاء وثقل سنوات الهروب بخطٍ مستقيم، وعبء الشيخوخة" ؟.
رأى الناس وسمعهم يتسارعون تحت كلمات أحد العرافين. وكان البرونز يرتطم بالبرونز. يرتج الصراخ بما يخرج من الفتحات المقوّسة والطبول الجوفاء. كما سمعا أحداهن تقول لرفيقتها:
ــ " حان موعد الصلاة، ها هو القريب من نسل النبوءة، يؤذن فينا ".
مرّة أو مرتين، وقف في حضرة الملك (الكليّ ) الذي يجرجر سفينة الكون وحده. طلب على صوت المجاذيف من جناب الملك أن يتمثل، ولو لحظة، لتشكيلاته الأخرى. شعر بعروقه تنبض لنوع من المغامرة الجسيمة. زوجته العاشقة لذهوله، كانت تدرك بأنه اللحظة في أفانين الهواء. وأن عليها التقرب أكثر من صومعته، أخذت تهيأ له مائدة العشب. خجولة تحت ضوء قمر تسميه النسوة المجربات: كرات الزنابق المصبوغة بالأرجوان واللمسات الخفية.
زوجته وحدها، كانت تطل عليه من ذروتها العنقية، وعلى امتدادها تصعد إليه، طالبة المزيد، كأن ما أعطاها ليس بكافٍ، لأن تلمس عظامه.
في أقل من لحظة، تحول الجميع لمأثرة كبرى. يرصون مسام فراغ المكان بلحوم وعظام أجسادهم. وكان الإله " الكليّ " يقف فوق الحشد المنحني، كجبل من جليد، يراقب الاتجاهات والقلوب من علوٍ شاهق. عندها طمرت الأرض كتلة من الاعناق المقرّنة بالزرد والتوسلات، تعانق الدهشة السرمدية بما تمتلك من تعازيم وتوطئة، ليهبها هذا المالك لصولجان أعنتها، تعابير وجهه.
لم تنس أن تضيف جملة من حوض فمها بما يديم فيض الدم في عروقه:
ــ " أحب شكلك الحيواني الشره. أنت الذي نصفك نهر ونصفك حصان ".
فجأة، ولأن لجلدة يدها زبد يفيض بفعل النار، هطل بين اصابعها طبعه الشهواني. حينها تأكد لها سبب مجيئها لهذا اللهب المقدس خلفه. لذا كان عليها أن ترخي له جسدها وان تغدق عليه بسرور كبير. فهي مذ أصبحت صالحة للزواج حتى لحظة حوّلها لحمامة مسالمة بين أصابعه، أن عليها أن تعطي جسمها لسماء فجر من السلام، ولطائر لا يغرد للملوك.
اتجه الإله " الكليّ " بنصفه المغلوب لقلب الذي له ميزة النهر والحصان، ولقلبه قال متسائلاً:
ــ " إيها الكائن المزدوج، لماذا لا تؤمن بي؟. لقد أوكلت بقلب أبيك وأمك بعض انبجاس دمي، ومع هذا كنت تعتمد على مزايا الحصان والنهر فيك.
ألا تخاف سطوتي؟ ".
شيء ما شعر به ينساب داخل عظامه. وأنه لا يلتمس الصفح عادة، أجاب:
ــ " النظر بعيداً في قلبي، هو ما يثقف حواسي. هل تعرف ما عليك فعله حين تلقي اسئلة غامضة، ويستشكل عليك الإجابة عنها " ؟.
تأمل " الكلي " من أعاليه، عندما طرح خوذته البرونزية كاشفاً عن رأسه، واستعدل في جلسته. لأول مرة حاول أن يستخدم عقله:
ــ " أنتم العشاق تخافون من كل شيء يقتل فيكم الوفير. إلا من الغيب. لديكم اسلحتكم المعتادة التي تسمونها : سويداء القلب. هي ضمانتكم الوحيدة لرؤية ما وراء الحجب ".
الذي يقال له الكائن المزدوج، وفي مرات يسمونه " النوم القلق " أو كرات الزنابق المصبوغة بالأرجوان واللمسات الخفية. على أنه يفضل تسميته بـ " سائل الأمكنة " كان عليه أن يضيف شيئاً على مسامع "الكلي" موضحاً:
ــ " عندما أخذوني للحرب عنوةً، كانت لي رغبة أشد من رغباتي الأخرى، معرفة من أنت. هناك سألت نفسي عنك. كنت أذرف الدموع لأعرف ماهيتك. شريطة أن تنزع عني حطبة اليباس التي تديم النار. أن تنزع عن عواطفي مالا استطيع تحمله، وأنا أمارس خطيئة قتل الآخر. شيء ما كان يشلُ يدي وهي تمارس اثم الجريمة. في تلك الملحمة الدموية لم أركَ أبدا. الشيء الوحيد الذي رافقني من الخلف والجوانب، هو : الخفقان ذي المسام. هل تعرف ما هو؟.. أنه محاولة تلمس الخصوبة. ما ينتجه البر والبحر من شهوة للحياة. من هنا، شعرت بالحاجة إليه وفقدت الإحساس بك ".
ضاقت ببعض الساجدين أنفاسهم، كانوا يعولون أن يلتفت الإله لبكائهم ويضغط بحنو أصابعه على جباههم التي تلامس أطراف قدميه ليزيح عن كاهلهم جبل النوء.
" .. مع أني لم أقدر بشكل كامل أن أقطع ما يختبئ فيّ من رؤوس هذا الجبار المتعنت الذي خلقناه بأيدينا. كان في كل لحظة يستطيع أن يلد رأسا أخرى. وأن يغتنم لنفسه غاراً في روحي".
قالت تخاطب تقاطيع وجهه الساخنة:
ــ " أنظر لبحرك المجاور وقل لي: لماذا تذهب بعيداً وتعيش في الضيق؟"
كانت تعيسة، وكأنها تختلس النظر لحب ممنوع. مفصحة عن ألمها بالدموع. لكنها بمزيد من الأمل التصقت بصدره حتى كادت حرارة صدرها أن تمزق قميصه. شعرت بأن كل غذاء اعضائها يتحول إلى دم يتكور في صدرها. وفي اللحظة أطلقت صرخة:
" ها أنت، وهذا الشكٌ فيك، يجعلك ضحية رُقْية مؤذية. إياك أن تجعلني أسقط معك في عالم الأضاحي العديمة الفائدة. أمضي بيّ إلى نهاية صراطك. أغلق كل ميراث الماضي عني. نصفي الجميل تعوَّد على عشبتك النادرة. أنت الذي أودعني نفسه خارج شراهة القطيع. دع يداك تحيطان جسدي. أنا مؤمنة بك".
لم أكد أطرد شراهة بقية أبوة القطيع عن رأسي، عندما شنت السماء حروباً راعدة، تعجز حتى الصلوات عن درئها. قرعت الأمواج بعضها ببعض. جوانبها كانت ترّن بصوت يشبه ارتطام الصفيح. أسْرَعَ حتى ممن لم يتم صلاته لمكان يلجأ إليه. العاصفة تزداد عنفا. تَصعدُ الأمواج وطوراً تهبط. الجميع يمدون اياديهم تضرعاً لمشيئة السماء. حتى الذين كانوا يحملون اسفارهم أو أطفالهم ومرضاهم على الاعناق والظهور، تركوا أمور تلك الأحمال لمشيئة القدر. الكل اصبحوا كما شواهد القبور ألواحاً محطمةً لا تضم حتى رفات موتهم. من استطاع أن ينهض واقفا، أخذ يركض هاربا.
صرخ من كان أطول الناس عمرا:
ــ " أنه الجنس الصرصر، بأجنحة شعواء، يجري كما البحر الهائج، يحيل العلو إلى منخفض. والخوف إلى قرف. أنه التوبيخ يضطرب خوفا. لنستمر كما فعلنا من قبل".
قالَ " الكلي " مؤكداً لـ " سائل الأمكنة " :
ــ " هل سمعتَ ما قاله هذا المُعمّر الخرف؟. هذه هي البداية أيها الشكاك. في تلك الساعة ومن داخل ما يزلزل الغابة والنفوس، كانت بداية وجودي. ما كان يخرج مع النواح الكئيب، هو من ملكني الجرأة أن أتكوّن بالتعاقب داخل الأفئدة على صورة ما يتمنى أن يراني الانسان، ويريده مني".
عندها على " سائل الأمكنة " أن يضيف لرفيقته:
ــ " لنتلمس لأقدامنا طريقاً راسخة. ولنطلق لأنفسنا طبعنا المؤتمن. علينا أن لا نفسد أنفسنا والمكان بتلألأ الوهم. دون خوف حليلتي دعينا نلتمس الأمكنة ونزرع بقلبينا زهرة الحب ".
وحدهما، تحت قبة من طبيعة الأرض، انجذبا معا. أصابعهما العشرون شكلت رسوهما لعمق الرمل الأصهب. يتحول نشيدهما إلى نباتات زهرية وطيوراً بيض. هكذا أفلتا أجنحتهما من جميع المطاردات. قال لها
ـ " لتكوني زوجة هذا المزدوج من نهر وحصان، ولتحملي من صلبه، لتكوني لبضعته أماً ".
حدقت بوجهه بمهارة الوعد الصادق، ثم نطقت بهدوء:
ـ " تصدّر امتيازي الأنثوي. وكن توأمي. ما ينقصني، فقط، خبزُ السرير المحمص، وماءٌ نقي".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,276,257
- للتفسيرِ صوت السرد !..
- أسفلٌ عائم، وأعلى مبعثر.. امرأة !...
- فعلاً، كان هناك!..
- تفقد الصوت أيضاً !...
- لنكون أكثر قرباً..
- ما يُرهق الأشد !...
- تحت سطوة الحلم!..
- قشة من مطر !..
- لفراشٍ من العشبِ المتدفق..
- جسدٌ كلهُ خيول !...
- ما يؤكد نفسه...
- لحظة يسقط القلق!..
- الوحشة، وما يمنح الغامض!
- كلمات لصديقي بابلو نيرودا...
- هناك الملامح!..
- ولادة أشياء أخرى...
- كن جاداً بالمحاولة..
- لوحدهما، كانا...
- لدفء ظهرك ما يُراق...
- رائحة اللوّن..


المزيد.....




- فنانة لبنانية -ترتدي- الليرة اللبنانية وتواجه الدولار
- تويزي يستعرض ببلغراد جهود المغرب لإيجاد تسوية دائمة لقضية ال ...
- الرميد بعد العفو الملكي على هاجر : -التفاتة إنسانية متميزة ق ...
- باستضافتها الفائزين القدامى.. كتارا ترعى جيلا من الأدباء عبر ...
- عمر هلال: الحكم الذاتي هو الحل الوحيد والأوحد لقضية الصحراء ...
- العفو على هاجر ومن معها : أسباب إنسانية وقطع طريق على تدخل أ ...
- بملابس شخصيات فيلم -موانا-.. محمد صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنت ...
- صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنته مكة على طريقة الفيلم الكرتوني -م ...
- وزارتان بلا ثقافة.. كاتب يمني ينتقد صمت اتحاد الأدباء والكتا ...
- روبوت فنانة على شكل إنسان: هل يمكن أن نصنع فناً من دون مشاعر ...


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - سائل الأمكنة...