أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - محمد أوبالاك - الوكالات الدولية المتخصصة والحق في التقاضي (صندوق النقد الدولي - نموذج دراسة -).















المزيد.....


الوكالات الدولية المتخصصة والحق في التقاضي (صندوق النقد الدولي - نموذج دراسة -).


محمد أوبالاك
الحوار المتمدن-العدد: 5613 - 2017 / 8 / 18 - 00:29
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


الوكالات الدولية المتخصصة والحق في التقاضي
(صندوق النقد الدولي - نموذج دراسة -).
محمد أوبالاك، محام و مستشار قانوني وباحث في القانون الدولي الاقتصادي.
مقدمة:
إننا قد لا نجد أي لبس في أن يكون للشخص الطبيعي أو الشخص المعنوي (الخاص والعام)، الحق في التقاضي في إطار الخصومة، سواء كمدع رافع لدعوى دفاعا عن حق مكتسب، أو كمدعى عليه في محاولة التصدي كمدين مفترض للغير، فالقانون يكفل له إتباع مساطر وإجراءات التقاضي، عملا بمقتضيات القانون الوطني أو القانون الدولي الخاص في حالة وجود تنازع قوانين.
غير أن الإشكال الحقيقي سوف يظهر جليا، من خلال ارتباط الحق في التقاضي بهيئة دولية أو وكالة متخصصة دولية، إذ يرتبط حقها في ذلك بتمتعها بشخصية أو أهلية قانونية أو كلاهما معا، كما يرتبط بالمساطر والإجراءات القانونية الواجبة التطبيق، وكذا الجهة المختصة المخول لها البت في الدعوى، فهنا يتم الحديث عن الصفة والمصلحة والأهلية وكذا جهة الاختصاص النوعي والمكاني للبت في المنازعة.
وكمحاولة منا في إبراز أهم السمات التي تتعلق بمسطرة تقاضي هيئة دولية أو وكالة دولية متخصصة معينة، ومن ثم الإجابة عن الإشكاليات التي تطرحها هذه المسألة، ارتأينا أن نتخذ من تقاضي الوكالة الدولية المتخصصة في الشأن النقدي والمالي والاقتصادي الدولي المنبثقة عن مفاوضات مؤتمر بروتون وودز بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1944 " صندوق النقد الدولي" نموذجا للتحليل والمناقشة، وذلك من خلال استنادنا على مقتضيات اتفاقية تأسيسها، ومقارنته بما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة أو ما أقره القانون الدولي العام ومصادر تشريعه المتعددة، وما تفرعت عنه من مؤسسات عدالة دولية، أسندت إليها مهام تنظيم حقل التقاضي، سواء كان الصندوق هو الطرف المدعي (المبحث الأول) أو الطرف المدعى عـليه (المبحث الثاني).
توطئة:
إننا وقبل الخوض في مناقشة (المبحثين) المتعلقين بحق الوكالة الدولية المتخصصة "صندوق النقد الدولي" في التقاضي سواء كطرف مدع أو مدعى عليه، فإنه من الأجدر بسط جوانب من الجدل الفقهي المتعلق بالصفة القانونية لتقاضي أي كيان دولي يؤدي مهاما محددة في ظل المجتمع الدولي المحتكم إلى مقتضيات القانون الدولي، سواء كانت منظمة دولية أو وكالة دولية متخصصة.
ولقد عبر الفقيه "كلسن Kelsen" عن الفكرة، بقوله : "القانون لا يبحث في مصطلحات (الحقوق والالتزامات) حسب، بل أنه يحتاج لأن يكون قادرا على أن يشير بوضوح، إلى من يملك هذه الحقوق وتفرض عليه تلك الالتزامات" .
ومن باب إبراز المواقف والتوجهات المختلفة لمبدأ الإقرار بشخصية المنظمات الدولية أو رفض المبدأ برمته، وذلك من خلال استعراض آراء جانب من فقهاء القانون الدولي، يمثلون مدارس مختلفة.


أولا: الرافضون لمبدأ تمتيع المنظمات الدولية بالشخصية والأهلية القانونية:
يرى جانب من الفقه الدولي الرافض لمبدأ منح المنظمات الدولية والوكالات الدولية المتخصصة الشخصية والأهلية القانونية ، بناء على أن فكرة الشخصية القانونية الدولية التي تنبع منها الأهلية القانونية، لا تعطى إلا للدول كاملة السيادة، كون القانون الدولي يحكم العلاقات بين الدول فقط ولا ينصرف إلى العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية التي ترى النور وتلغى وجودا وعدما للدول المؤسسة لها ، زيادة على أن الشخصية القانونية هي استعارة من القانون الدولي للحيل القانونية التي يستعين بها القانون الداخلي في تطبيق أحكامه .
غير أن ما يرسخ الاتجاه الرافض هذا، هو ما نجده بمقتضيات المادة 34 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، التي تنص علـــــــى أن:" للدول وحدها الحق في أن تكون أطرافا في الدعاوى التي ترفع للمحكمة"، وهو ما يوقع هذه المادة في شرك الخلط بين مفهوم الشخصية الدولية والأهلية القانونية، المسألة التي ترتبت عنها، أخذ ورد قانوني وفقهي موسع، تطرق لسبر أغوار اللبس الذي يكتنف هذه النقطة القانونية والواقعية الدقيقة .
ثانيا: المقرون بمبدأ تمتيع المنظمات الدولية بالشخصية والأهلية القانونية:
إن المؤيدين لفكرة توفر المنظمات الدولية والوكالات المتخصصة المتفرعة عنها على الشخصية القانونية، دافعوا عن المبدأ بقوة واستنادا على مبررات واقعية، وكان من بين هؤلاء، الفقيهين الإيطاليين" بروسبيرو فيدوزي" و "جيدو فيزيناتو" اللذين عبرا أواخر القرن التاسع عشر من القرن الماضي، عن فكرة توفر المنظمات على الشخصية القانونية بحكم الواقع على الرغم من معارضة النصوص القانونية النظرية لذلك ، وهو الطرح الذي بنى عليه مجموعة من الفقهاء اللاحقين عنهما الإقرار بتمتع بعض المنظمات الدولية بالشخصية القانونية، وبالتالي تمتعها بالأهلية القانونية، واتخذوا من بنك التسويات الدولية واللجنة الأوربية للدانوب نموذجين لذلك .
وأنه وعلى الرغم من المنع الصريح المضمن بالمادة 34 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، لأية منظمة أو وكالة دولية متخصصة، في اللجوء إلى التقاضي بصفتها هذه ، فإننا نجد زيادة على توفر مجموعة من الفصول والمواد الواردة في المعاهدات المنشئة للمنظمات الدولية وكذا الوكالات الدولية المتخصصة بناء على ممارستها لمهامها ولاختصاصاتها المختلفة والحقوق النابعة عنها والالتزامات التي تتحملها ، بعض الإجابة العملية عن هذه النقطة، في ما عرضته محكمة العدل الدولية من خلال وثائق صادرة عنها، والتي كانت عبارة عن بعض الفتاوى الصادرة عنها بين سنتي: 1991/1948، والتي نورد منها على سبيل المثال لا الحصر، الفتوى الصادرة بتاريخ: 10 أبريل 1949، المتعلقة بالتعويض عن الأضرار المتكبدة في خدمة الأمم المتحدة، وهي القضية التي أحيلت من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة (قرار الجمعية العامة المؤرخ في الثالث دجنبر من سنة 1948)، و الذي تعرض فيها تساؤلا مقسم إلى شقين :
أولا: يتعلق بتعرض وكيل للأمم المتحدة في أدائه لواجبه إلى ضرر في ظروف تقع فيها مسؤوليته على عاتق دولة ما، هل يكون لدى الأمم المتحدة، بوصفها منظمة، الأهلية لأن تقيم دعوى دولية ضد الحكومة المسؤولة، شرعية كانت أو فعلية، بغية الحصول على التعويض المستحق عن أضرار لحقت(أ) بالأمم المتحدة، (ب) بالمتضرر أو بالأشخاص المستحقين بواسطته؟
ثانيا: في حالة ما إذا كان الرد على النقطة (أ) بالإيجاب، كيف يمكن التوفيق بين الدعوى المرفوعة من الأمم المتحدة وما قد يكون هناك من حقوق للدولة التي يكون المتضرر أحد رعاياها؟
وقد كان الجواب في ما يخص (أولا) المتضمن للـــــــمسألتين (أ) و(ب) وبعد أن أقامت المحكمة فارقا بين ما إذا كانت الدولة المسؤولة عضوا في الأمم المتحدة وإذا لم تكن، وقد ردت المحكمة بالإجماع على المسألة الأولى(أ) بالإيجاب، أما فيما يتعلق بالمسألة (ب) فقد رأت المحكمة بأغلبية 11 صوتا مقابل 4 أصوات، أن للمنظمة الأهلية لرفع دعوى دولية سواء كانت الدولة المسؤولة عضوا في الأمم المتحدة أو لم تكن.
في حين كان الجواب حول (ثانيا)، أن المحكمة رأت بأغلبية10 أصوات مقابل 5، أن الأمم المتحدة عندما ترفع دعوى، بوصفها منظمة، للحصول على تعويض عن ضرر لحق بوكيلها، فليس بإمكانها فعل ذلك إلا إذا استندت دعواها على الإخلال بالتزامات واجبة لها، واحترام هذه القاعدة من شأنه عادة أن يحول دون تعارض دعوى الأمم المتحدة وما قد يكون لدولة جنسية الوكيل من حقوق، وعلاوة على ذلك، ينبغي أن يرتكز هذا التوفيق على اعتبارات تنطبق على كل حالة بالذات، وعلى الاتفاقات التي تعقد بين المنظمة والدول فرادى.
وبعد أن تمت الإشارة - باقتضاب - لمسألة تمتع المنظمات الدولية وكذا الوكالات الدولية المتخصصة على الشخصية القانونية المنبثق عنها الأهلية القانونية والاستقلالية في التصدي للدعاوى "طالبة أو مطلوبة"، فإننا ولتقريب الصورة أكثر، سوف نعمد إلى توجيه الموضوع نحو اتخاذ الوكالة الدولية المتخصصة "صندوق النقد الدولي" كأنموذج لمؤسسة دولية لها الحق في التقاضي، سواء كجهة مدعية أو كجهة مدعى عليها، بناء على مناقشتنا لما سوف نتوصل إليه من خلال المبحثين التاليين:
المبحث الأول: صندوق النقد الدولي كجهة مدعية:
يرى جانب من الفقه الدولي، ومنهم أستاذ القانون الدولي "فايز أنجاك" ومعه كثيرون من أساتذة القانون الدولي، أن الصندوق وكالة دولية متخصصة متفرعة عن المنظمة "الأم" "هيئة الأمم المتحدة" ، وقياسا على الفتوى المشار إلى مقتضياتها أعلاه، فإن الصندوق بما يتمتع به من شخصية وأهلية دوليتين، من حيث اكتساب الحقوق وأداء الواجبات، مستمدتين من تمتع مجموع الدول المشكلة للصندوق - والتي هي دول ذات سيادة -، من شخصية وأهلية دولية كاملة، تجعلها تنتمي لهيئة دائمة أنشئت بموجب اتفاقية دولية بغية تحقيق أهداف ومصالح مشتركة محددة، مما يعني أن الصندوق مؤسسة دولية مختصة، تفرض المهام التي تقوم بها بناء على تصرفها في أموال مساهمات الدول الأعضاء، بأن تكون متمتعة بالأهلية القانونية، توفرها على الشخصية والأهلية القانونية، التي تستمدها من أهلية الدول المنشئة لها، في اكتساب الحقوق وأداء الواجبات، أي أنها تمثل دولا ذات شخصية قانونية داخلية تجعلها تتمتع بشخصية قانونية دولية ، وهو ما تنص عليه اتفاقية تأسيس "صندوق النقد الدولي" نفسها، من حق في التقاضي، إعمالا لمقتضيات المادة التاسعة من اتفاقية التأسيس، التي تمنح الصندوق، الوضع القانوني والحصانات والامتيازات في أراضي كل دولة من الدول الأعــضاء، وهو ما يمكن رصده من خلال قراءتنا المتأنية لكل قسم من الأقسام العشرة المشكلة للمادة التاسعة هـذه.
فنجد مثلا أن القسم الأول من المادة التاسعة يشير إلى أن الصندوق يتمتع بشخصية قانونية كاملة، ولديه القدرة على وجه التحديد، على ممارسة حق التعاقد وحق اكتساب الأموال الثابتة والمنقولة والتصرف فـيها والحق في التقاضي.
وإمعانا منا في مقتضيات هذا القسم، وتفكيكا للحمولة القانونية للعبارات المضمنة به وقياسا على الإجراءات المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية وقانون الالتزام والعقود للقانون المغربي -على سبيل المثال-، فإننا سوف نلاحظ أن عبارات من قبيل:
"يتمتع الصندوق بشخصية قانونية كاملة" وله " حق التقاضي"، هي عبارات تحيل – في جوهرها - على أن للصندوق شخصية معنوية عــامة وهو ما يعني أنها مؤسسة قائمة الذات، وهو بذلك كيان قانوني وواقعي يتمتع بالصفة والأهلية والمصلحة في رفع الـدعاوى والتصدي لها وحق الدفاع عن مصالحه أمام المحاكم المختصة نوعيا ومحليا.
كما أن عبارة:"....ولديه القدرة،على وجه التحديد،على ممارسة حق التعـاقد وحق اكتساب الأموال الثابتة والمنقولة والتصرف فيها"، تشير إلى أن للصندوق إرادة حرة في إبرام العقود وممارسة حق التصرف وحيازة الأموال الثابتة والمنقولة، أي امتلاك وحيازة العـــقارات والتجهيزات والتصرف فيهما، وامتلاك الحسابات النقدية المودعة في البنوك، وحق تحصيل الديون وإرغام المدينين على الأداء والقدرة بشكل امتيازي وبأفضلية، على تتبع واقتفاء آثار ممتـــــــــلكاته وأمواله والعمل على استردادها وفق القانون.
غير أن التساؤل المثار يتعلق بمسألة الجمع بين اكــــــتساب صفة التملك والحق في التقاضي في حالة نشوب نزاع حول هذه الحــــــــــق - ولو من الناحية النظرية - وبين الإجراءات القانونية العمـليـــــــــــــة والواقعية، لترجمة الحق في التقاضي هذا على أرض الواقع، إذ أن الأمر يتعلق بطرح مجموعة من الإشكالات: من قبيل مدى علاقة الاختصاص النوعي والمكاني بإجراءات رفع الدعاوى التي يكون فيها صندوق النقد الدولي طرفا أصليا سواء كان مدعيا أو مدعى عليه أو متدخلا أو مـدخلا في الدعوى؟ و كذا القانون الجدير بالتطبيق: هل هو القانون الدولي العـــــام بمصادره الأصلية والمكملة، أو القانون الوطني لموطن المدعي أو المدعى عليه، أو مقتضيات القانون الدولي الخاص في حالة وجود تنازع قوانين من حيث المكان؟ و بعبارة أوضح هل يطبق قانون موطن القاضي الوطني، المخول له البت في النـــزاع أو قانون القاضي الدولي، استنادا إلى مقتضيات القانون الدولي الخاص المطبق لقواعد الإسناد الناتج عن تنازع القوانين من حيث المكان؟ أو يعتمد على مبادئ المعاملة بالمثل في حالة عدم وجود أية اتفاقية؟ أو أنه تقـصيرا للمسافة واقتصادا في الوقت والجهد، ومراعاة لتعقد المهام النقدية والمالية التي يقوم بها الصندوق خدمة لمصالح ألأعضاء المنخرطين به، يتم اللجوء إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي، أو الاستعانة بخدمات الطرق البديلة لحل المنازعات من قبيل التحكيم الدولي الذي يعتبر إجراء إجباريا ومؤسسيا لا محيد عنه ، أو أنه يتم اللجوء إلى ممارسة تقنية طلب الفتاوى والاستشارات أو الصلح والوساطة في حالة تضمين إحداها كشرط اتفاقي خاص أو كمشارطة منصوص عليه في اتفاقية ملحقة؟
بيد أنه من الناحية التقنية البحتة وبعد استقراء مجموعة من العقود التي يبرمها الصندوق وتدقيقا في بنودها و شروطها، فإننا نجد صندوق النقد الدولي وإن كان وكالة دولية متخصصة، تحكمها مبادئ القانون الدولي العام ومقررات الاتفاقيات المبرمة في إطار آليات العـلاقات الدولية والقانون الدولي الاقتصادي، فهو بحكم الواقع قد يعد رجلا من رجال عالم المال والأعمال، وهو بذلك يعد طرفا من أطراف المعاملات الاقتصادية الخاصة، كون القروض التي يقدمها للأعضاء تحكمها تقنيات القرض مقابل السداد، بفوائد مما يعني أن هناك آليات ائتمانية تتيح له أرباحا قد تنتج عن تعاملاته .
وبالرجوع إلى مضمنات القسم العاشر من المادة التاسعة، سوف نجد أنه يشير - ولو بشيء من العمومية - من خلال عبارة:"يتخذ كل بلد عضو في أراضيه الإجراءات الكفيلة بإنفاذ المبادئ التي تنص عليها هذه المادة، حسب قانون هذا البلد..."، أي أنه تم حسم موضوع الاختصاصيين النوعي والمكاني للعلاقة التي تربط الصندوق بالدولة العضو، وذلك في حالة نشوب أي نزاع قضائي بينهما، وهو الاحتكام إلى القانون العادي أو المتخصص الوطـــــــــني، مع إمكانية الاتفاق بين الصندوق والدولة العضو بإسناد اختصاص البت في المنازعات التي قد تطرأ، إلى جهة غير وطـنية، كمحكمة العدل الدولية التي يصدر عنها أحكام قضائية وفتاوى آراء استشارية غير ملزمة ، على رغم ندرة الأحكام والآراء الاستشارية الصادرة عن هذه المحكمة، كون الاختصاص النوعي والمحلي - كقاعدة عامة - للبت في الدعاوى يكون من صميم عمل المحاكم الوطنية للدول الأعضاء وذلك بعد استنفاذ إمكانية اللجوء إلى مقتضيات التحكيم المنصوص عليها في اتفاقية إنشاء صندوق النقد الدولي .
المبحث الثاني: صندوق النقد الدولي كطرف مدعى عليه:
قد تبدو الأمور واضحة ومحسومة بخصوص العلاقة التبادلية بين صندوق النقد الدولي وأية دولة عضو به ، لكن يبقى الإشكال المطروح هو الذي قد يتمحور حول المسائل القانونيـة والواقعية المترتبة عن نشوب نزاع بين الصندوق وأحد مستخدميه أو موظفيه، بغض النظر عن فئاتهم ومهامهم وجنسياتهم، المشار إليها في اتفاقية التأسيس، خاصة القسم الثامن من المادة التاسعة، وذلك بحكم علاقة التبعية مع الصندوق، إذ يتم التساؤل حول إمكانية تطبيق قانون دولة جنسية الموظف بالصنـدوق؟ أو دولة مكان تنفيذ العقد؟ أو مكان تواجد مقر الصندوق؟
إلا أنه وبالإطلاع على مقتضيات المادة التاسعة، وباستثناء القسم الثامن الذي يتحدث عن الحصانات والامتيازات المتعلقة بمسؤولي وموظفي الصندوق، فإنه يستنتج ومن باب الاجتهاد الفقهي وقياسا لما لموظفي منظمة الأمم المتحدة من حقوق، ومراعاة لكون الصندوق وكالة دولية متخصصة متفرعة عن منظمة الأمم المتحدة، فإن الموظفون غير المحليين المشتغلون بالصندوق، يتمتعون بنفس الحصانات من قيود الهجرة وإجراءات قيد الأجانب والتزامات الخدمة الوطنية، وبذلك فإن لهم الحق في الحماية الإدارية والقضائية، كما لهم حق التظلم الإداري أمام الأمين العام للمنظمة أو اللجان المخصصة لذلك، كما هو الحال للمحكمة الإدارية الدولية المنشئة من طرف منظمة الأمم المتحدة كجهاز قضائي داخلي للأمم المتحدة ووكالاتها المتعددة، وفقا لقرار الجمعية العامة خلال فترة نهاية الأربعينيات .
كما أن للموظفين الحق في رفع دعاوى قضائية ضد الوكالة، وهو ما تم التنصيص عليه بمقتضيات نظام العدل الداخلي في الأمم المتحدة المعمول به منذ سنة 2009، وهو الحق الذي يمكن ممارسته من خلال إتباع مرحلتين أساسيتين، تتمثل المرحلة الأولى في طلب التسوية غير الرسمية عن طريق الصلح أو الوساطة أو التحكيم المقدم أمام أمين المظالم والوساطة، وفي في حالة فشل مساعي الموظف الدولي في التسوية غير الرسمية ، فإنه تمنح للموظف الدولي الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهو الحق في اللجوء إلى مسطرة التسوية الرسمية، من خلال إتباع إجراءات التقييم الإداري ثم الاستعانة بخدمات المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف التابعتين لنظام العدل الداخلي في الأمم المتحدة .
بيد أن المحكمة الإدارية للأمم المتحدة الملحقة بالمنظمة الدولية التي يشتغلون بها ، أو المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية، تعد الجهة القضائية الناجعة لإلغاء القرارات الإدارية الصادرة بحقهم، أو البت في دعاوى التعويضات الناتجة عن مخالفة الصندوق لشروط الخدمة الوظيفية (كإنهاء عقد خدمة موظف دون موافقته، أي فصله تعسفيا ودون مبرر قانوني أو واقعي مقبـول) ، وهي المحاكم التي تم تأسيسها في نطاق منظمة الأمم المتحدة والمنظمة الأوربية للتعاون الاقتصادي .

خاتمة:
نجد أنه، وكما أن للشخص الطبيعي و المعنوي - على السواء -، الحق في التقاضي أمام مؤسسة عدل مختصة نوعيا ومحليا وقيميا، فإن لصندوق النقد الدولي كوكالة دولية متخصصة تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، نفس الحق، لكن استنادا إلى مقتضيات قانونية خاصة لرفع الدعوى أو مواجهة الدعوى، سواء أمام مؤسسات عدل وطنية أو دولية.
لكن درءا لبطء الإجراءات القضائية العادية، فإنه غالبا ما يلجأ الصندوق إلى طلب فتح مساطر الطرق البديلة لفض النزاعات، وذلك من قبيل تطبيق شرط التحكيم الإجباري والمؤسسي المنصوص عليه في اتفاقية تأسيسه.
غير أنه وكقاعدة عامة، فإن التقاضي هو حق أسمى من خلال دساتير الدول والمواثيق الدولية المصادق عليها، كما أنه حق مكتسب لا تستثنى منه أية جهة ولا يمكن الاتفاق على التنازل عنه، إذ أن احترام القانون (الوطني والدولي) وتطبيق مقتضياته، يعد من أسمى أوجه احترام النظم التشريعية الوطنية والدولية.
كما أنه - على العموم - و بالرغم من الجدل الفقهي والقانوني والقضائي المتشعب حول توفر المنظمات الدولية والوكالات الدولية المتخصصة على الشخصية القانونية، وكذا الأهلية القانونية لرفع الدعاوى أو التصدي لها، فإن الواقع العملي يثبت وبناء على مجموعة من المنازعات التي نشبت استنادا إلى المهام والوظائف التي تقوم بها هذه الكيانات الدولية داخل المجتمع الدولي، هو توفرها الفعلي على الشخصية القانونية والأهلية القانونية (الصفة والمصلحة) اتساعا أو تضييقا، في تحريك المساطر القضائية أو التصدي لها.
لذا فإن الجدل الفقهي والقانوني والقضائي، يظل قائما حول توفر هذه الكيانات الدولية على الحق في التقاضي من عدمه، استنادا إلى فكرة التوفر أو عدم التوفر على الشخصية والأهلية القانونية، إذ أن ذلك ينبني على توسع وتداخل مهام هذه الكيانات وانفتاحها – بغض المهام السياسية التقليدية، على أنشطة ذات صبغة اقتصادية أو إنسانية إن صح التعبير.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- البعد الدولي في مجال مجابهة المغرب لجريمتي تبييض الأموال وال ...


المزيد.....




- اعتقال 10 أشخاص في فرنسا خططوا لاعتداءات على سياسيين
- -تدفق بشري-.. وثائقي صيني عن مأساة اللاجئين
- الجوع يفتك بأطفال أفريقيا الوسطى بعد انسحاب منظمات الإغاثة
- الأمم المتحدة تؤكد استعدادها لتقديم المساعدة المنقذة للحياة ...
- كاتالونيا.. احتجاجات في برشلونة ضد اعتقال مسؤولين انفصاليين ...
- الأمم المتحدة: احتجاز 20 ألف مهاجر غربي ليبيا
- الشرطة تتولى أمن كركوك ودعوات لعودة الأكراد النازحين
- مظاهرات حاشدة في برشلونة تضامنا مع المعتقلين المناصرين للانف ...
- آخر كلمات الصحفية المالطية -مكافحة الفساد- قبل مقتلها
- عدد اللاجئين الروهينجا في بنغلاديش يرتفع إلى 582 ألف شخص


المزيد.....

- المنظور اللينينى للقانون - ى . ب باشوكانيس / سعيد العليمى
- الترهيب الرباعي وإشكالية احترام الشرعية الدولية / عبد العزيز فجال
- آليات خطاب السلطة الحقوقى - سامى ادلمان ، كين فوستر / سعيد العليمى
- المقولات القانونية ونشأة الراسمالية - يفيجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى
- حول مفهوم تأويل النص القانونى - بول ريكور / سعيد العليمى
- الجزاءات القانونية لتلوث البيئة / ليلى الجنابي
- حدود مفهوم استقلال القضاء فى المجتمع الرأسمالى - بيير بورديو / سعيد العليمى
- مصطلحات ومفاهيم في القانون الدولي الخاص / ليلى الجنابي
- حماية البيئة البحرية من التلوث قراءة في اتفاقية الأمم المتحد ... / أنس المرزوقي
- دراسة واقع الاحزاب العراقية وبنيتها التنظيمية قبل وبعد اقرار ... / انعام السلطاني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - محمد أوبالاك - الوكالات الدولية المتخصصة والحق في التقاضي (صندوق النقد الدولي - نموذج دراسة -).