أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - دور التنمية الأقتصادية و المال في بناء مجتمع إنساني















المزيد.....

دور التنمية الأقتصادية و المال في بناء مجتمع إنساني


عباس علي العلي

الحوار المتمدن-العدد: 5608 - 2017 / 8 / 13 - 22:10
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


دور التنمية الأقتصادية و المال في بناء مجتمع إنساني

مقدما وأبتدأ أقول يخطأ من يظن أن الدين له نظرية خاصة في الشأن الأقتصادي تعبر عنه بالتحديد والقوننة، نعم ربما هناك أفكار تسترشد بمبادئه النظرية التي حملها النص الديني أو عبر عنها بموجب أفكار عملية واضحة المعالم والخطوط، وأيضا مخطئ من يظن أن الدين كفكر لا علاقة مباشرة له بالأقتصاد كوجه من أوجه النشاط المجتمعي للإنسان في هذا الوجود، أو أنه لا يهتم أصلا بمثل هذه القضايا العملية، فالأخير يمثل سلوكيا يوميا وتفصيليا وأيضا كليا تفرضها قوانين الواقع وتتعامل مع حركة الأسواق والأموال والبضائع، بموجب ما يستجيب الواقع لهذه الحركة من ردات الفعل العامة عليه، بأعتبار أن جانبي الأقتصاد والمال لا يعترف بالقيم المثالية ولا يرضخ لها بقدر ما يرضخ للسوق وحركة رأس المال.
وجه الخطأ في كلا العرضين هو أن الدين فكر مجرد عام مثالي إرشادي لا يتبنى طروحات تفصيلية إلا في حدود ضيقة وضيقة جدا، خاصة في الجانب العملي من تجسيدات الإيمان به وأقصد جانب العبادات العينية، مثل الزكاة والخمس والأنصبة، أوما يتعلق بمواضيع عامة يمارس فيها الدين الدور الأخلاقي في رسم حركة الفرد والمجتمع، كتحريم الربا أو توزيع موارد التكافل الأخلاقي من ضروريات توزيع الثروة داخل المجتمع، بالصيغة التي يرى فيها داعما للشعور بالمسئولية والتضامن الإنساني، هذه المفردات لا تشكل من حيث هي نصوص وأحكام خاصة نظرية أقتصادية متكاملة وذات معالم بارزة، وإن تطرقت في بعضها مثل في معالجة الموضوع الربوي، فعلم الأقتصاد والمالية وما يتعلق بها من مواضيع التجارة والسوق والتداول لها أطر وقواعد خاصة تحكم الحركة الأقتصادية وتنظم شبكة التعامل فيها.
الدين محدد قيمي يتعامل مع عقل الإنسان وحدود سلطته تنتهي عند تحريك العقل نحو فهم كامل أو شبه مستوعب لقوانين الحياة، بعد ذلك الدين غير مسموح له من جهة المصدر أن يشرع قوانين أقتصادية حتى لو كانت هذه القوانين فيها جانب ناجح، لأن الله لا يريد من الدين أن يكون بديلا عن التجربة الإنسانية ونتائجها وفهم العقل لشرط التجربة وتحمل ما تفضي له، وصحيح أيضا أن النص الديني من خلال قراءة كلية لا يحبذ خروج التعامل البشري في الواقع العملي من الطبيعي في الأمور، فهو مثلا يشجع الإنسان على العمل الحر ويشجعه على السعي والبحث عن موارد السعادة، بل يأمر أحيانا بترك الكسل والتكاسل والأعتماد على الغير ولكن من خلال ما يسمى بالحث الإرشادي لا المولولي، كما يحث على الشعور بالأخر ومعاونته ولكن في أطار السعي فقط وأن لا تتجاوز على ما للآخر من حق متساو في ذات الموضوع.
هنا من الواجب العقلي علينا أن نجرد الدين من أوهام النظريات المزعومة والأطر التي يحبكها المفكرون وينسبونها للدين، وأن نعيده كما هو وكما أراد له الديان يكون منهج إرشادي عقلي سامي، وندع العقل المسترشد بالمبدأ الأخلاقي أن يمارس دوره كقوة منظمة وفاعلة وخالقة للأفكار التي تنتمي للقيم الأخلاقية في هدفيتها، ولكنها تتجاوب مع واقع الواقع والقوى المتحكمة وتستجيب في سيرورته له، دون أن نقحم الدين في كل التفصيلات، فنفسد علاقة العقل مع الدين مع أول فشل للتجربة الغير مناسبة ونضع كل اللوم على الفكر الديني لوحده، ولا نقول أن تدخلنا وإجبارنا للنص الديني أن يكون حاضرا في تفاصيل غير موجبه لحضوره هو السبب المباشر والأكيد لهذه التجربة الخائبة، وكأن التجربة هي تجربة الديان وليس تجربة الإنسان العاقل في الواقع المعاش.
نعم الواقع الإنساني بجانه المادي المتمادي بتجرده وطغيان الأنا وقساوة الصراع بين المال ورأس المال من جهة وبين التفاوت البيني بين طبقات المجتمع، يحتاج إلى عامل مهدي ويساعد على توفير بيئة التوازن المستند على فهم القيم أخلاقية، الدين هنا وبوجهه الأخلاقي وبخيارات الأحسنية والأخيرية يمكنه أن يلعب دور المرشد الروحي لتوفير خط تواصل بين القوى الأقتصادية وشبكة العلاقات الناشئة عنها، خاصة مع وجود الفوارق الطبقية الحادة وأختلال ميزان التناسب بين الإنسان المالك وبين الإنسان الذي لا يملك، هذا الدور الذي يجب أن يلعبه الدين ليس ترفا ولا زجا بغير سبب ولا ذريعة ضرورية، ولكن تدخله لا يكون بعنوان قواعد وأسس بل من خلال تعزيز روح الإنسانية بين الناس أولا وجعل المال والأقتصاد، وأن يكون مجرد عامل لتعزيز الرفاهية الإنسانية دون تركه أن يمارس دور الجلاد في المجتمع .
الفكر الأقتصادي بحيثياته وقوانينه ومؤسساته طبيعيا كان على الدوام حرا وفقا لما في الطبيعية من براءة ومن مباشرة، أما تقنينه بنظريات وأفتراضات مؤدلجة حتى لو كانت دينية سوف يتعارض مع طبيعة الإنسان وطبيعة الواقع المباشر، وفي تعامله مع أول قاعدة أقتصادية التي هي عرض موجب وطلب مستجيب، تخصص وتنوع في الحاجات، تبادل في الأدوار مع تناسبها مع الماحول الطبيعي والظرف البيئي والذوق السلعي وتنوع الحاجات وتطورها، هذه المفردات الأسية لا يمكن تقنينها ولا يمكن أن نصيغها تحت قوانين وأطر تخرجها من التلقائية والمباشرة، نعم في القضايا الفنية والحسابات والتخطيط والبرجمة والخ من وظائف الأقتصاد، لا بد أن نعتمد المحدد العلمي والفني والتقني أما أساسيات المفردة الأقتصادية فلا بد لها من الحرية وخضوعها للخيار الإنساني.
لقد بنى الدين كل أفكاره على قيمة العمل بمعانيه المتعددة، وجعل من شعار أعملوا فسيرى الله عملكم قاعدة لبناء الإنسان، ومن هنا تأت قيمة العمل والتشغيل وسن فكرة الكسب أو قاعدة أن العمل واجب وحق مزدوج للفرد والمجتمع، لتؤدي الدور المركزي في النظرية الأقتصادية الإنسانية أو ما يسمى كذلك لتربط حقيقة "أن قيم المجتمع منها الفوقية والتحتية يجب أن تقود إلى تجسيد هذه الحقيقة وتؤكد على ركني الحق والواجب" , لم يعرف المجتمع الإنساني في كل تأريخه وتكوينه أن هناك تجمعا قام على إنكار حق العمل أو التقليل من حدود الحق ,قد يكون حرم على بعض الفئات جانب من جوانب من العمل أو صورة من الأشتغالات لأسباب عامة أو خاصة لكنه لم ينكر حق العمل ولا وجوبيته على أفراده ولا نظن أن مجتمعا ما قام على فكرة البطالة والكسل.
أذن المال والعمل والاقتصاد مفاهيم أرتبطت بحياة الإنسان منذ أن وعى ((أن لكل شيء قيمه)) و(ان كل شي يمكن أن يتحرك بين الوجود الإنساني يتحرك بقيمة),هذا الوعي بقيمة الأشياء وعدم توفرها عند كافة الناس بمستوى واحد أصبح عندها التبادل بين المنافع و الخدمات والأشياء التي تباع وتشترى موضع اهتمام وموضع تقدير لدوره في التكامل الحيوي والاجتماعي بين الناس, من هنا برزت فكرة التجارة و تعمقت من خلال ما تمنحه للإنسان من قدرة على توفير الحاجات والخدمات والسلع بطريقة منظمة ومعروفة ومعلنه .
من دراسة التاريخ الوجودي للإنسان والتأمل العميق في العلاقات الإنسانية نجد أن هذا الركن وهو ركن التبادل والانتقال والتملك لعب دورا محوريا مهما بل وأساسيا ورئيسا في بسط قوانين المجتمع، وفرض تصورات عملية وعلمية ورؤى اهتمت كثيرا في هذا العنصر الذي ساهم في تحريك وتنمية بقية العلاقات والروابط الاجتماعية ,بل أن بعض الفلاسفة والمفكرين أعطوا للمال والاقتصاد صفة المحورية المركزية في ترتيب علاقات الإنسان الطبيعية والاجتماعية، واعتبروا أن الاقتصاد هو محرك الوجود والعامل الأساسي في حركة التاريخ وتطوره .
لا ينكر المفكر المنصف والعقلاني حقيقة أن المال وهو جوهر حركة الاقتصاد له القدرة والفاعلية في تحريك الروابط الاجتماعية بما فيها العلاقات الأقرب إلى الروح والمثاليات، لان لاشيء في الوجود بلا ثمن ولاشيء يتحرك بلا قيمة ,المال وليس الاقتصاد وهو بالمناسبة علم تنمية وتثمير الأموال بالحد الطبيعي ومن خلال وضع قوانين وتصورات وأحكام هذه التنمية والتثمير الطبيعي, أما ما يعرف اليوم على أن الاقتصاد هو فن أدارة الحاجة داخل المجتمع وتوزيع الثورة وتوزيع مصادر الدخل، ما هو إلا نتيجة أساسية لمفهوم تنمية المال, إذا المال وليس الاقتصاد هو محور الحركة التاريخية للوجود .
هذا الرأي ليس تطرفاً ولا مغالاة في تقدير دور المال لان النصوص الدينية التي نؤمن بها كمؤمنين تؤكد ولا تنفي حقيقة هذا الرأي, عندما يقول الله أن المال بمستوى الروح الإنسانية عند الإنسان يؤكد حقيقة ما اشرنا له من أن حب الإنسان الطبيعي للذات والأنا الذاتية يتجلى بإحساسه، انه يمتلك القدرة على الوجود الأفضل والأحسن من خلال توفر عنصر المال الذي يؤمن له هذا الإحساس، وان كان ليس بشرط أساسي أن يوفر السعادة والاستقرار ولكن ما لا ينكر أن المال عامل مهم في تطمين النفس بأنها يمكن أن تقاوم صراعات الوجود بنجاح نسبي عالي بوجود المال .
كما لا ينكر أيضا ومن خلال التجربة الحسية والتأمل العقلي الفلسفي، أن دور المال في المجتمعات سواء التي تحتكم للقيم المادية أولا أو التي تقدم القيم الروحية والمثالية كالمجتمعات الدينية, كان له دوراً محوريا أيضا مع اختلاف في النظرة العامة والخاصة للمال كموضوع، ولكن في النتيجة يبقى هذا العنصر ذا أهمية إستراتيجية في تدوير وديمومة وتطور هذه المجتمعات .
هنا نصل إلى حقيقة مهمة وهي ضرورة تكثيف الدراسات الفكرية والعملية حول المال، ودوره وأساسيات هذا الدور والكيفية التي يدار بها مع إقرار صريح منا بأن التجاوز على دور المال أو التقليل من أهميته مجرد أراء وأفكار غير واقعية, المهم في كونية الدراسات هذه أن تعتمد على تنمية القيم الضابطة لحركة المال من أخلاقيات ووسائل وسبل وقوانين، حتى لا تعطي فرصه لان يتحول المال إلى اله يعبد ويطغي بهذه العبودية على حرية الإنسان ووجوده الطبيعي .
كما أن من الضروري الاهتمام بالجوانب الروحية و المثالية التي يلعبها المال في حياة الإنسان ويشد بها أواصر النظام الاجتماعي، منها مثلاً محاولة الإنسان التحكم بالفقر ومحاربة التفقير اللا طبيعي المخالف للطبع الإنساني, وأيضا أن يكون للمال دور إنساني في تنمية الفكر وازدياد نشاطه المعرفي ودعم انسنة الوجود البشري، وربط هذه المخرجات مع الرؤيا الكونية التي ينادي بها القانون الطبيعي للإنسان المتمثل بالإصلاح و التعارف و الاستعمار .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,443,546
- تحالفات جديدة أم إعادة انتاج التحالف القديم
- الدين بين طبيعة العقل ووظيفة النقل طريقان للإدراك أم نتيجة و ...
- في فهم الغيبي والحضوري
- وحدة الجماهير المدنية والديمقراطية هي الطريق الأوحد لبناء دو ...
- حقية المحمدية كما نقرأها في سلسلة دين الإسلام
- الموقف المعرفي من حقيقة وجود الفروع في الدين
- الأختلاف الفكري والفلسفي في مفهوم الوعي الفردي وعلاقته بالوع ...
- هل لعب الفكر الديني دورا في التحولات الوجودية في عالم الإنسا ...
- مفهوم أولي الأمر وجدل الأشتقاق اللغوي
- المعيارية القياسية للتفريق بين منطق المحكم وشبهة المتشابه
- تفريع اصول الدين أم تأصيل المتفرعات الجزئية ج2
- تفريع اصول الدين أم تأصيل المتفرعات الجزئية ج1
- حقيقة الدين كفكرة وشكلية التدين كصورة وضل
- الدين بين المفهوم القدري والحقيقة الأجتماعية
- ما معنى أصول الدين هل هي توصيفات أساسية أم مواصفات أسية؟
- مهمة أستنطاق النص الديني وجدلية الذاتي والموضوعي
- مسائل ووسائل فكر التجديد الديني
- مشروعية التجديد الديني وضروراته
- مناهج الجديد الديني ومرتسمات النتائج
- ظاهرة الطلاق في المجتمع العراقي أسباب وحلول ج1


المزيد.....




- قوات سوريا الديمقراطية: سيطرنا على مواقع جديدة في آخر جيب لل ...
- قوات سوريا الديمقراطية: سيطرنا على مواقع جديدة في آخر جيب لل ...
- بريطانيان يحرسان المصلين المسلمين خارج المساجد
- بريطانيان يحرسان المصلين المسلمين خارج المساجد
- المسلمون في نيوزيلندا..ما هي أصولهم وهل يشكلون هدفا للاعتداء ...
- وكالة: السعودية تقلص نفوذ عائلة بن لادن
- بعد -مجزرة المسجدين-.. ضاحي خلفان يمتدح -حكمة- القيادة الإما ...
- بعد -مجزرة المسجدين-.. ضاحي خلفان يمتدح -حكمة- القيادة الإما ...
- بعد ربط اسمه بـ-مجزرة المسجدين-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام ...
- الكويت تؤكد رفضها اقتسام الإشراف على المسجد الأقصى وفرض سيطر ...


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - دور التنمية الأقتصادية و المال في بناء مجتمع إنساني