أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - رواء الجصاني - في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاديميون يكتبون(13/14 )... حسين الهنداوي وخالد السلطاني... // في استذكارات ومواقف عن الجواهري، ومنه//















المزيد.....


في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاديميون يكتبون(13/14 )... حسين الهنداوي وخالد السلطاني... // في استذكارات ومواقف عن الجواهري، ومنه//


رواء الجصاني
الحوار المتمدن-العدد: 5603 - 2017 / 8 / 6 - 20:25
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاديميون يكتبون(13/14 )...
حسين الهنداوي وخالد السلطاني... //
في استذكارات ومواقف عن الجواهري، ومنه//
- رواء الجصاني
------------------------------------------------------------------------
دعونا نتساءل، مشتركين، قبل البدء، هل نحن في مناسبة رثاء؟ .. ام انها استذكار لخالد لم يرحل؟... هل رحل ، حقاً، محمد مهدي الجواهري (1898-1997) ؟! وهو القائل:
أكبرت ُ يومكَ ان يكونَ رثاءَ، الخالدون عرفتهم احياءَ؟
- وإذا ما كانت ملحمة - اسطورة كلكامش، السومرية الغارقة في العراقة، وحتى اربعة الاف عام، قد تحدثت عن الخلود والموت، ذلكم هو الجواهري يجسد الامر حداثياً، وواقعياً، فراح يَخلـدُ، وإن رحلَ، وعن طريق اخرى، هي الفكر والشعر والابداع..
- أما صدحَ - ويصدحُ شعره - كل يوم في قلوب وأذهان كل المتنورين، العارفين دروبهم ومسالك حياتهم ؟.
- أما برحت الاطاريح الاكاديمية، فضلا عن الدراسات والكتابات، والفعاليات الثقافية والفكرية تترى للغور في عوالم شاعر الامتين، ومنجزه الثري؟! .
- الظلاميون ومؤسساتهم، وأفرادهم، وتوابعهم، المتطوعون منهم أو المكلفون ، وحدهم - لا غيرهم - ما فتئوا يسعون، لأطباق صمت مريب عن الجواهري، وحوله، ولا عتاب بشأن ذلك، فلهم كل الحق في ما يفعلون، فالضدان لا يجتمعان : تنوير ومواقف الشاعر الخالد، ودواكن الافكار والمفاهيم ...
... في التالي مجموعة مساهمات - ننشرها على حلقات - جاد بها لـ "مركز الجواهري الثقافي" مبدعون ومثقفون وكتاب وأكاديميون، وسياسيون، بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لرحيل الجواهري الخالد، في 2017.7.27... وهنا الحلقة الثالثة عشرة ، للأستاذين - مع حفظ الالقاب والمواقع- : د. حسين الهنداوي، ود. خالد السلطاني .. وعلى ان تصدر جميعها في كتاب عن "مركز الجواهري" في الاسبوع القادم:-
-------------------------------------------------

33/ الجواهري الذي دلّنا على دروب الحرية / د. حسين الهنداوي*
معرفتي بالشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري مديدة جدا اذا جاز القول وعميقة كما أزعم، لكنها ظلّت خارجية وموسمية وعن بعدٍ ومن طرف واحد دائما. لحظتها الاولى تعود الى تلك الايام مطلع عام 1964 حين همس عامل في مطبعة الهلال ببغداد بأبيات عجولة من قصيدة للجواهري ضد قادة انقلاب 8 شباط 1963 الدموي الذي دبرته المخابرات الامريكية منها "يا عبد حرب وعدو السلام.." في وصف كبير سفاحي الانقلاب وهو بعض ما تبقى في ذاكرتي من تلك اللحظة.
المناسبة اللاحقة، كانت في العام نفسه عندما نجحت باقتناء اول نسخة من "ديوان الجواهري" بطبعة صادرة في 1961 وبجزء اول لم تسمح الرقابة الحكومية بتوزيعه خشية عدوى جرأة الدعوة الى الحرية التي اشتهر بها وغدت تعني التمرد في نظر السلطة العسكرية العارفية الاقل قسوة من البعث. يومها، جمعت عدة دراهم وأعطيتها لبائع كتب في احد الازقة الخلفية من شارع المتنبي ببغداد ليمنحني في الخفاء نسخة مغلفة من ذلك "الديوان" ذي الورق الاسمر، انطلقت اثره اسابق الريح الى دارنا في مدينة الحرية، لأنتهي من قراءته كاملا دون توقف قبل ان تتناقله ايدي عدد من زملائي في المدرسة. ولقد شدني من القصائد رائعته "احاول خرقا في الحياة فما أجرا" التي صرت اعرف مقدمتها عن ظهر قلب كأول قصيدة حفظتها في حياتي.. فيما ظلت لحظة اكتشاف الجواهري تعيش في مخيلتي كمخاطرة كبرى بذاتها، قبل ان اكتشف لاحقا اكثر من واحد سواي يحب "احاول خرقا" ولا سيما بين تلاميذ مدرستنا التي سميت "ثانوية الشعب" "اليسارية" كما قيل والملقاة في زاوية من الكاظمية.
هكذا تعرفت لأول مرة على شعر للجواهري. وقد ظلت بعض مقاطع منه ترافقني بفضل تلك القراءة الاولى، بل ما زالت تحوم على الاسماع كلماته التي تعبق بحرارة التلهف للحرية ببعدها الوجودي الاسمى في تلك القصيدة الرائعة بقوله: "ويؤلمني فرطُ افتكاري بأنني، سأذهب لا نفعاً جلبت ولا ضُرا"، وخاصة بقوله "وما انت بالمعطي التمرد حقه، اذا كنت تخشى أن تجوع، وان تعرى!".
وأقول ببعدها الوجودي، لأن الجواهري لم يدع الى التمرد من اجل التمرد مطلقا. وهذا ما يؤكده بدقة في قصيدته "سبيل الجماهير" بقوله "لو أنَّ مقاليدَ الجَماهير في يدي سَلَكتُ بأوطاني سبيلَ التمرُّدِ"، حيث يكشف لنا على الفور ان التمرد ليس الا التجدد، و"أنْ لا حياةَ لأمّةٍ تُحاولُ أن تَحيا بغير التجدُّد"، اما التجديد فليس في "أن يرى الفَتى يَروحُ كما يَهوَى خليعاً ويغتَذي" و"لكنَّه بالفكر حُرّاً تزَينهُ تَجاريبُ مثل الكوكَبِ المُتَوقِّد"، وبالتعلم من البشر الآخرين: "مشَتْ اذ نضَتْ ثَوبَ الجُمود مواطنٌ رأت طَرْحَهُ حَتماً فلم تَتردَّد".
فالجواهري لم يعتنق ايديولوجيا شرقية او غربيا بتاتا. كل شعره يشير بالمقابل الى انه كان حيوي النزعة الانسانية، حيوي التواصل مع محاولات وتطورات الحركات التحررية لشعوب العالم خلال النصف الاول من القرن العشرين، وربما كان على اهتمام بالافكار الفلسفية في بعض الفترات على الاقل ويكفي ان نتأمل بعض حوارياته الداخلية في "قف بالمعرة" وعشرات القصائد الاخرى لنتأكد من ذلك. بيد انه كان بلا ريب منتميا الى تيار تنوير علماني حر وانسانوي مناهض للاستبداد وغير عقائدي باصرار. وقصيدته في رثاء جمال الدين الافغاني مهمة هنا:
هَويِتَ لِنُصرةِ الحقّ السُهادا ، فلولا الموتُ لم تُطِقِ الرُّقادا
وإنْ كانَ الحدادُ يَرُدُّ مَيتاً ، وتَبلُغُ منه ثاكلةٌ مُرادا
فانَّ الشَّرقَ بينَ غدٍ وأمسٍ ، عليكَ بِذِلَّةٍ لبِسَ الحِدادا!
جمالَ الدين ، يا رُوحاً عَليّاً ، تنزَّلَ بالرسالة ثمَّ عادا
بيد ان الجواهري اراد ان يظل شاعرا اولا وشاعراً حراً خاصة. وما أثار دهشتي في نزعة "الحرية" لديه حرصه الواعي والدائم على عدم تعكير فطريتها بأية لوثة دوغمائية قد تمسخ البعد الواقعي النقدي الذي حرص على ان يربطه بها في شتى مراحل تجربته السياسية والانسانية المعقدة والمترامية. وهي نزعة ظلت عميقة ولصيقة وحميمة في شعر وقبل ذلك في شخصية شاعر العرب الاكبر، عبرت حميميتها عن نفسها على هواها دائما، وباستنفار كل مقاومتها بوجه اي ردع او مصادرة، انما بمسؤولية ثورية الطابع وواقعية المضمون في آن، ما يفسر تلك الجدلية الخاصة والثابتة والمثيرة فيها: جرأة نقدية تنويرية راديكالية مخاطرة من جهة، وحذر مذهل من شراك الايديولوجيا مهما عظمت اغراءاتها ونفوذها في لحظة تاريخية معينة او اخرى. كما لو ان الشاعر الكبير ظل، كنبع ثرٍّ وهادر، وفياً، باصرار رومانتيكي التعالي اذا جاز القول، لتلك المدرسة العظيمة التي كان امرؤ القيس وابو العلاء المعري وابو الطيب المتنبي قد خط هذا او ذاك من خطوطها الاولى وكل بطريقته، لتجتمع كلها فيه دون المساس بخصوصية اصالته.
المتنبي هو الاجمل والاقرب الى الروح الجواهرية ومع ذلك دون تبعية قط لها، فيما المعري الذي جاء متأخرا كالسيل الجارف، لم يجرف شيئا من جبروتها الفطري العنيد. اما امرؤ القيس، فقد ظل سريّ الاشعاع ونبعا خصبا لكل تلك العبثية الجميلة في شعر الجواهري، والتي اتهمت مجازا بالتشاؤم حتى حيال العراق الذي، عند هذا الشاعر الكوني بإمتياز، ليس وطناً رحيماً او "دجلة خير" على الدوام بل اقرب الى رمز قاس احيانا ومحض وهم او حلم مستحيل، تماماً كما هو حلم مستحيل ومحض وهم صبح امرؤ القيس. وعلينا نحن ان نكتشف شرايين وأوردة صلة الرحم او التلاقي بين حدس الظليل الخالد امرؤ القيس بقدره مع ديار حبيبة تركته هائماً بين الاطلال والبراري في "ألاَ أَيُّـهَـا الـلَّـيْـلُ الـطَّـوِيْــلُ ألاَ انْـجَـلِــي بِـصُـبْـحٍ، وَمَــا الإصْـبَـاحُ مـنِـكَ بِأَمْثَلِ"، وحدس الجواهري بقدره مع « أطياف و أشباح » وأكاد اقول اطلال عراق تركه لغربته بين ما لا يحصى من المرافئ والمنافي: "وَمَـا لَيْلـي هُنَــا أَرَقٌ لَـدِيْغٌ وَلَا لَيْلي هُنَـاكَ بِسِحْــرٍ راقِ"
التقاطعات الاخرى عديدة ومثيرة وتحتاج الى وقفة مستوفية بذاتها الا انها تمكث حصرا في اطار تلك العبثية الوجودية التي لم تفارق الجواهري في لحظات صفائه الاعلى والاكثر رحمة.
مع المعري يختلف الحال جذريا. فالوحدة بين الشاعرين تأخذ بعدا اكثر علانية واعظم صدى، بيد انها لا تنزل الى الجذور ولعلها لم ترد ذلك. قصيدته الشهيرة "قف بالمعرة"، قصيدة "فلسفية" نقدية تحريضية عصماء. الا انها خارجية بالمجمل واكاد اقول وصفية لا نجد فيه تماهيا مع روح الجواهري المتشظية لكن غير المحبطة بتاتا كروح المعري. انها مجرد قصيدة محكمة البناء والثراء اللغوي والعمق المعرفي والسمو الانساني كتبت لمناسبة الذكرى الألفية لوفاة أبي العلاء المعري والقيت في مهرجان أقامه المجمع العلمي العربي بدمشق عام 1944 فيما اضفى الظرف السياسي وحضور طه حسين، فرصة منحها شهرة عظيمة انعكست على صاحبها بداهة. لا يشعر الجواهري بالحرية في تماهيه مع المعري ولذا لم يتملك هذا روح الجواهري الذي لئن تعلم الكثير من "شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء" وكان على جانب عظيم من الطموح الروحي وحتى القلق الوجودي والشجاعة المغامرة مثله، وجد في ذاته "جنَفَاً عنِ وعي فلسفةٍ تقضي" بهذا وذاك.. مفضلا المكوث شاعرا حرا ولذلك لم يشأ بل لم يكن ليقبل ابدا في دخيلته ان يكون رهين مجرد محبس واحد، ناهيك عن محبسين، تاركا وراثة بعض مجد أبي العلاء، دون عظمته بالطبع، لطه حسين.
ومع ذلك تسللت من أبي العلاء الى صدر الجواهري نار متوقدة وسامية ومعطاء وحمراء.. ونحن على اية حال لا نستطيع تذكر سمو سخرية "نامي جياع الشعب نامي" للجواهري دون ان تراودنا أصداء «أفيقوا أفيقوا يا غواة.." للمعري.
صلة الرحم بين الجواهري وابي الطيب المتنبي قيل فيها قبلنا الكثير. ونعرف ايضا ان الجواهري أعلن في أكثر من مناسبة، عن خصوصية عمق وحميمية علاقته الروحية والشعرية تلك بسليل الفرات والرافدين الآخر إبن وطنه وكوفته الذي كان في صباه يحفظ له في كل يوم قصيدة، والذي خلده ايما تخليد في اكثر من قصيدة رائعة. بيد ان الحرية، لا الثورة ولا التمرد ولا الحنين ولا الاطلال ولا حتى الحب، من سمح بجعل الوحدة الروحية بين الجواهري والمتنبي تبلغ تلك الدرجة من التماهي وأكاد اقول المطلق. فكلا الشاعرين الخالدين ولد حرا وقرر ان يظل حرا مهما كان ثمن ذلك وهنا تماثلهما الاعظم.
... وللحديث صلة تطــــول جدا.. عن الجواهري الشاعر الذي دلّنــا على دروب الحرية مبكراً..----- * اكاديمي وباحث

34/ لقاءاتي الثلاثة مع الجواهري/ د. خالد السلطاني*
تسنى لي اللقاء بالشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري (1900- 1997)، ورؤيته عن كثب، والحديث معه بشكل شخصي ومنفرد ثلاث مرات. وما برحت اتذكر، لحين الوقت الحاضر، "حرارة" تلك اللقاءات وبهجتها... و"لذاذتها"، رغم مرور تلك السنين، او بالاحرى... عقود من سنين على تواريخ عهدها! واعتقد ان باعث تلك البهجة يرجع، في الاساس، الى محبتي واعتزازي الكبيرين بالشاعر الفذ: ، كما يحلو لنا تسميته بذلك!
كان الجواهري بالنسبة اليّ، انا الذي ترعرت على حب الجواهري والاهتمام به وتعقب اخباره، في مدينتي الصغيرة " الصويرة" (وهي من اعمال واسط)، التى تكن له الاحترام والتبجيل، والذي كان اسمه فيها، ولدى كثر من مثقفيها، مرادفاً لتقييمات كثيرة ومتنوعة، من مثل: "الشاعر المبدع"، و"البطل" و"الوطني" و"الانسان الشجاع" و"المناضل" ، وحتى ... "المتمرد"! وعندما حصلت على بعثة دراسية حكومية للدارسة خارج الوطن عام 1959، وجدتها فرصة مواتية لان ازور الجواهري في مكتبه بجريدة "الرأي العام" في شارع المتنبي ببغداد واللقاء معه. كنت تواً ، قد اشتريت "ديوانه" الشعري، من "المكتبة العصرية" المعروفة وقتذاك (ازيلت لاحقاً، وكان موقعها لصق مقهى الشابندر). كانت "حجة" الزيارة نيل توقيع الجواهري على ديوانه، ليكون لي تذكارا وفخرا في سنوات "غربتي" المقبل عليها! وعلى عجل تسلقت السلم الذي يوصلني الى الطابق الاول في احدى مباني الشارع المكتبي العتيد، حيث مكاتب الجريدة التى كان يصدرها. بالطبع لم يكن وقتها ضرورة لما يعرف اليوم بـ"الحس الامني". دخلت الى المكتب/ الشقة مباشرة، ورايته لوحده، يتمشى في غرفته رواحا ومجيئا. فدفعت بالديون له، طالبا ان يوقعه. وقد انساني خجلي "الريفي"، تحيته اولاً. لكنه، اخذ الكتاب مني، وبدا كأنه يمارس فعلا عاديا ومعتادا، في حين توقعت "ورطة" كلامية، عن هذا "الطقس" الغريب على الحياة الثقافية وقتذاك، والخاص بتوقيع كتاب، الذي يقترحه هذا "الريفي" الخجول! بعد ذلك ... معروفة! اذ تحدثت بمقال مسهب، نشر على صفحة كاملة في جريدة المدى البغدادية بتاريخ 27 تموز 2004، عن ذلك اللقاء واللقاءات الاخرى التى جمعتني بالشاعر الكبير.
ما اثارني في ذلك اللقاء، ليست "واقعة" رؤية الجواهري شخصياً واللقاء به، التى كنت اتوق الى تحقيقها منذ زمن؛ ما اثارني هي "اصابع" يديه! كانت اصابع نحيفه وطويلة؛...طويلة جدا! لم ارَ في حياتي اصابع بهذا الطول! وعندما طلب مني قلماً ليوقع الكتاب، تظاهرت باني لا احمله. اذ شعرت "بحسي الريفي"، باني اذا سلمته القلم (وكان معي في جيبي)، ستنتهي "المقابلة" سريعا، وهذا ليس في صالحي! في صالحي ان "امكث" عنده اطول فترة ممكنة. ومن حسن الطالع، فانه "فتش" كثيرا عن قلمه بين اوراق عديدة ومتناثرة في غرفته، حتى...وجده: "قلم باندان ضخم"! عند ذاك سألني عن اسمي، ثم وقع الكتاب مع تمنيات صادقة منه اليّ!.
اما "حادثة" اللقاء الثاني، فقد كانت وقائعها، اضافةً، الى ... "طرافتها"، فانها ظلت حاضرة في ذاكرتي دوما. اذ عرفت، وقد كنت وقتها، بمطلع الستينات، طالبا في مدرسة العمارة بموسكو، من ان الشاعر الجواهري سيحضر مؤتمرا عالميا في العاصمة السوفياتية، خاصا بالسلام العالمي (عقد 1962)؛ فقمت باعداد تخطيطا شخصيا "بورتريه" لتقديمه له، عندما التقي معه في ذات المقهى الموسكوفي الواقع في اروقة الفندق الذي سينزل به، والذي كنت مع اخرين نعتبر انفسنا روادا دائمين له؛ اذ كان ذلك المقهى، وقتئذٍ، هو "المقهى" الوحيد في موسكو على الطريقة الباريسية. كانت هديتي تلك، مشفوعة بتوق شديد ان اقدمها له مع "تقبيل يديه"، تماما كما كان صديقي "مجيد بكتاش" يعيد ويكرر امام مسامعنا فقرة من رسالة كان الاستاذ الجواهري قد وجهها الى "زميله" الصحفي "طه لطفي البدري"، التى كانت صحيفته "تذود" بضراوة في الدفاع عن الجواهري ومؤيدي ثورة 14 تموز، ابان اشتداد الصراع الدائر بين اليساريين وما دعي، وقتها، بالـ "القوميين"! كان مطلع تلك الرسالة الشهيرة، التى بعثها "علانية" على صفحات جريدته <الرأي العام> الى الصحفي القديم، كما يلي: <عزيزي طه لطفي البدري، اقبل يديك الراعشتين!> (كناية عن بلوغ البدري عمرا طويلا!).
وقد نشدت انا، ايضا، وانطلاقاً من واقعة "تقبيل الايادي" تلك، الدالة على إبداء إحترام عميق ومميز، (هي التى امست عند مجيد بكتاش لازمة يكررها دوما على مسامعنا)، ان اقوم بالفعل ذاته، وان اقبل "يدي" الجواهري عندما اسلمه التخطيط / الهدية، اعرابا مني على المودة والاحترام اللذين اكنهما له! وامام حضور حشد من اصدقائي ومعارفي (من بينهم غائب طعمة فرمان، وعبد الوهاب البياتي، ومجيد بكتاش <ذاته!>، وخالد الزبيدي وعبد الامير الربيعي، بالاضافة الى عزيز شريف والشاعر حسين مردان عضوي الوفد العراقي الاتيين من بغداد بصحبة الشاعر الكبير، وغيرهم كثيرين)، فتحت "محفظتي" الورقية، واخرجت "التخطيط"، حالما وصل الجواهري للمقهى، واتخذ مكانا له، وقدمت التخطيط مباشرة له. كانت لحظة مربكة بالنسبة اليّ، وازعم بانها كانت مربكة للجواهري...ايضاً، اذ انه لم يكن يتوقع هذه الهدية، كما ان الامر كان مفاجئا و...مباغتاً له! ورغم ظهورعلامات قبول الجواهري الايجابية للهدية، وفرحه بها، فان ذلك لم يساعدني كثيرا في سرعة "تفعيل" الخطوة التالية التى كنت انوي القيام بها، ويترقبها جميع اصدقائي ومعارفي من الحضور. وامام هذا التلكؤ الذي اصاباني فجأة، صاح اصدقائي بصوت واحد: "قبله...قبله!"، مناشدين اياي، بعدم التباطؤ و"اجراء" المرحلة الثانية بتقبيل يدي الجواهري، كما هو منتظر مني! لكن الشاعر الكبير، فهًمً من ان تلك المناشدة، موجه له "شخصيا"، فقام من توه بتقبيلي، شاكرا ومقدرا جميل صنعي، وانا في حيرة من امري. اذ بدلا من ان اقبل يدي الجواهري، امسيت ، فجأة، الشخص "المُقبل"، اي عكس تماما لما خططت ونويت!
لم يكن"التخطيط" المُهدى، كاملا، بالطبع، من الناحية الفنية. فهو مشغول من قبل "فتى"، يدرس العمارة، لكنه غير فنان بالمهنة. وكان "غاصاً" برموز ودلالات تلك المرحلة ومزاجها وذائقتها... وطموحاتها، كما يراها ذلك "الفتى"! فمخطط الصورة الشخصية للشاعر، كان يتقدمه في زاوية بالامام رسما تجريديا يرمز الى حمامة سلام، في حين وضعت "شعلة الحرية" خلف المخطط الشخصي، وهجها المتعالي من فوهتها يشي بتشكيل ظلي Silhouette "للمطرقة والمنجل"، او هكذا كان يراد لذلك "التشكيل" ان يظهر! لكن الامر الاهم في كل هذه "القصة"، بقى يتمثل في "حرص" الشاعر الجواهري، في هذا المخطط واهتمامه الزائد به. بحيث تنقل معه من مكان الى آخر. وطبع، مرة، على صفحة احد اجزاء مجلدات "ديوانه" الكامل الذي صدر في بغداد. وهذا بحد ذاته كان بالنسبة الي، يمثل حدثا مهما ورائعاً، ما انفكيت اعتز به، واشعر بامتنان كبير للشاعر المعروف بحسن تقبله لتلك "الهدية" الطافحة بالاخطاء الفنية والاسلوبية، كما اراها الآن.
عندما تعينت في كلية الهندسة بجامعة بغداد استاذا في القسم المعماري عام 1974، كان معي يعمل، ايضاً، استاذا في الكلية وإن كان في قسم آخر، صديقي د. كفاح الجواهري، ابن الشاعر الكبير. وذات يوم من سنين منتصف السبعينات، اخبرني كفاح بان "المخطط" الذي سبق وان اهديته الى الاستاذ الجواهري، لا يزال سالماً، وانه "معلق" الان على جدار غرفة الضيوف في مسكنه البغدادي الواقع بحي القادسية (كما اذكر)، حيث يسكن الشاعر مع عائلته. وابديت لصديقي كفاح رغبة ان ازور الجواهري في بيته واتعرف عليه عن كثب بعد مرور تلك السنين الكثيرة، عن اول لقاء معه في نهاية الخمسينات، وليكن هذا اللقاء هو اللقاء الثالث بيننا. بعد فترة، اعلمني كفاح بان الجواهري يود ان يراني ويدعوني الى بيته.
وفي الموعد المحدد، ذهبت برفقة الصديق كفاح الى بيت الشاعر الكبير، تملئني الغبطة من اني سارى "شاعري" المبجل، الذي اكن له التقدير والاحترام الكبيرين، ليس فقط بسبب موهبته الشعرية التى لا تضاهي، وفقاً لكثر من النقاد الجادين، وانما ايضاً، لمواقفه المشرفة العديدة كانسان مناضل، ووطني غيور. لست الوحيد، في محبتي وتقديري للشاعر، كان كثر من العراقيين يشاركونني هذا الاحساس تجاه منجز الشاعر الابداعي، ومواقفه الفذة في الدفاع عن حقوق ومصائر الاخرين. ولعل قصائد شعره بلغته الفريدة والاستثنائية في جمالها، التىي يحفظها كثر من الناس (كما احفظها انا شخصيا)، تدلل على تلك المعاني والمقاصد النبيلة، هو الذي كان، دوما، سباقا في قولها والمناداة بها، والتأكيد عليها واستذكارها. كل هذا كان يجري امام ناظري سريعا وانا مع كفاح في سيارته لزيارة الشاعر في بيته، متذكرا كم كنت مولعا ليس فقط بشعره، وانما بنصوص تلك <المقدمة> الشهيرة و"سرديتها" التى لا مثيل لها، والتى لا يخلو جزء من اجزاء الديوان العديدة من حضورها البهي. دعى الشاعر تلك المقدمة، بـ "مقدمة الديوان"، وعنونها: <على قارعة الطريق>، هي التى كنت احفظ نصها: كلمة وراء كلمة، مثلما كان يحفظ كثر قصائد الجواهري الشعرية عن ظهر قلب!
واستقبلنا الشاعر بحفاوة وحرارة، وقد ذكر كفاح له ولضيوفه، باني صاحب التخطيط المعلق الان في هذه الغرفة. ولمحت "التخطيط" معلقاً على الجدار وهو في اطار خشبي، وقرأت سريعا ما كتبته، سابقاً، في اسفل التخطيط <الشاعر والانسان الجواهري، مع حبي واعجابي العميقين، 14 تموز 1962>. كانت غرفة الضيوف تعج بضيوفه عرفت منهم د. مهدي المخزومي ، ود. على جواد الطاهر وغيرهم، والذين اثنوا جميعا على "مهارتي" الفنية، وحسن هديتي للشاعر بعد ان تكفل الجواهري بسرد قصة ذلك التخطيط ومناسبته التى تعود الى اكثر من خمسة عشر سنة الى الوراء!
... كان ذلك اللقاء اخر عهدي بالجواهري؛ مثلما كان اخر عهدي "بالمخطط"، الذي لا اعرف مصيره في الوقت الحاضر!. ---- * معمار وأكاديمي
--------------------------------------------
* يتبع الحلقة الاخيرة / مع تحيات مركز الجواهري http://www.jawahiri.net





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاد ...
- مبدعون ومثقفون واكاديميون، بمناسبة الذكرى العشرين لرحيل الجو ...
- رواء الجصاني: بمناسبة الذكرى التاسعة والخمسين لقيام الجمهوري ...
- مع قرب السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد / رسالة ماجستير-ل ...
- إستذكار الجواهري... تباهٍ بالوطن والتنوير والتاريخ //
- رواء الجصاني / تأملات وتساؤلات، عن بعض حال العراق اليوم - 89 ...
- رواء الجصاني : تأملات وتساؤلات في بعض شؤون، وشجون -اليسار- ف ...
- مشاهير وشخصيات وأسماء في شعر الجواهري 5/5 // القسم الخامس وا ...
- مشاهير وشخصيات وأسماء في شعر الجواهري// 5/4 // القسم الرابع: ...
- مشاهير وشخصيات وأسماء في شعر الجواهري ...4/3 - القسم الثالث: ...
- مشاهير وشخصيات وأسماء في شعر الجواهري ... 4/2 // في قصائد ال ...


المزيد.....




- مظاهرة حاشدة في مالطا تطالب بالعدالة بعد مقتل الصحفية غاليتز ...
- حكم بسجن اسكتلندي -لمس فخذ- رجل عربي في دبي
- رسميا.. أكثر من 98% من سكان فينيتو يصوتون لصالح الحكم الذاتي ...
- كشف تفاصيل مبادرة ترامب لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
- إيدير يغني من جديد في الجزائر.. انتصار للهوية أم استغلال سيا ...
- 3 انتحاريات يفجرن أنفسهن أمام مطعم شمال شرق نيجيريا
- مساع إماراتية لاستنساخ تجربة -الحزام الأمني- بتعز
- السيسي للعبادي: ندعم العراق ضد الإرهاب
- استفتاء على انفصال جديد في أوروبا
- انتحاري يقتل 13 شخصا بشمال شرق نيجيريا


المزيد.....

- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان
- من تاريخ الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي (١ ... / فيصل الفوادي
- عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي - الجزء الاول / عزيز سباهي
- الأمن والدين ونوع الجنس في محافظة نينوى، العراق / ئالا علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - رواء الجصاني - في السنوية العشرين لرحيل الشاعر الخالد، مبدعون ومثقفون واكاديميون يكتبون(13/14 )... حسين الهنداوي وخالد السلطاني... // في استذكارات ومواقف عن الجواهري، ومنه//