أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - سمير خطيب - دراسة تحليلية بمناسبة 100 سنة على ثورة اكتوبر: جدلية الثورة والدمقراطية والإشتراكية (2-2)















المزيد.....

دراسة تحليلية بمناسبة 100 سنة على ثورة اكتوبر: جدلية الثورة والدمقراطية والإشتراكية (2-2)


سمير خطيب
الحوار المتمدن-العدد: 5598 - 2017 / 8 / 1 - 20:52
المحور: ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا
    



**لينين الديمقراطي
الدمقراطية التي عمل "لينين" على ترسيخها داخل الحزب وخارجه منذ قيام الثورة في 1917م وحتى وفاته 1924م، لم تستمر على المنهاج نفسه الذي بناه لها إلا لفترة بسيطة لا تتعدى الثلاث سنوات تقريبًا. فبعد أن استلم "ستالين" الأمانة العامة للحزب الشيوعي السوفييتي 1924م ولعدم مقدرته على إدارة الصراع الفكري والإقناع داخل الحزب كما كان يفعل لينين، استعمل أساليب غير دمقراطية وتعسفية، لذلك فالدمقراطية الاشتراكية داخل الاتحاد السوفييتي لم تفشل بمعناها النظري، بل فشلت بسبب الأخطاء التي ارتكبت في عملية التطبيق "غير الدمقراطية" في فترة ستالين.



** أهم درس
لقد سقطت إحدى التجارب الاشتراكية، لكن الاشتراكية نفسها لم تسقط. والاستقطاب العالمي اليوم بين الفقر والغنى أوضح من أن يغطى بأية مقولات. العدالة الاجتماعية كانت وما زالت إحدى أهم القيم الإنسانية العليا. والعالم اليوم بحاجة لإعادة طرح الاشتراكية كأسلوب حياة أكثر من أي وقت مضى، ولكن مع الأخذ بالاعتبار أهم درس قدمته التجربة الاشتراكية الأولى: لا يمكن حماية أية تحولات باتجاه العدالة الاجتماعية بدون دمقراطية، وحرية التنظيم السياسي والتعبير عن الرأي.




**الدمقراطية والاشتراكية **


هل ممكن التوافق بين الاشتراكية والدمقراطية فلسفيا وعمليا؟ أليس كلاهما يتناقض مع الآخر؟ خاصة وان الحديث يدور عن اشتراكية قسرية وليس طوعية، الأمر الذي يمس اساس الدمقراطية وهي حرية الفكر والعمل. والسؤال الأهم هل من الممكن حل هذا التناقض في الدولة الاشتراكية او على الأصح هل تم حل هذا التناقض في الاتحاد السوفييتي؟
يخطئ المحللون وخاصة الماركسيين منهم عندما يتعاملوا مع الماركسية كعقيدة وانها تملك الحلول السحرية الجاهزة وان لكل سؤال جواب معروف مسبقا، وباعتقادي هذا مس بالماركسية واضعاف لقوتها وعلينا اعتبار ان المعطيات التي قدمها ماركس ليست نهائية ومؤبدة ويمكن لها ان تتعمق وتتسع كما يمكن لبعضها ان ينسخ ويخّطأ ويلغى بحسب تطور العلوم والمعارف ومعطيات الممارسة او التجربة، الامر الذي لم يكن ماركس او انجلس يريان فيه من بأس. بل كانا يعدانه من طبيعة المعرفة العلمية، ولطالما اكد ماركس بأنه ليس" ماركسيا" بمعنى انه كان يخشى من ان تتحول المعرفة التي انتجها الى "دين" او عقيدة. بل أكد في كل مناسبة على جدلية الوعي والواقع، الذات والموضوع، النظرية والممارسة. وعلى هذا الأساس فان الحفاظ على الماركسية ومتابعة رسالتها الإنسانية لا يكمن في الدفاع اللاهوتي أو العقائدي عن تعاليمها، وإنما بالنقد الدائم لأفكارها وتجديدها ارتباطا بمعطيات الممارسة الاجتماعية، فهذه الممارسة هي المنطلق و المعيار لصحة الأفكار، إذ أن الماركسية ومنظومة المعارف التي طرحتها لا تشكل هدفا بحد ذاتها، وإنما هي الأداة والوسيلة العملية لقراءة الواقع وتغييره، وهذا الموضوع يمثل، من وجهة نظر ماركس نفسه، المنطلق الأول والأخير في صياغة الأفكار التقدمية.
ان الدمقراطية ماركسيا في ظل ثورة اشتراكية تمر بمراحل عدة في تطورها ابتداء من ديكتاتورية البروليتاريا عند الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ثم الانتقال من ديكتاتورية البروليتاريا إلى دكتاتورية المجتمع. أي من دمقراطية الطبقة الكادحة إلى دمقراطية المجتمع كله وذلك في ظل خلق مجتمع اشتراكي، وهذا التطور للدمقراطية الاشتراكية يتم فقط بقيادة الحزب البروليتاري "الشيوعي" وإنها سوف تضمحل كظاهرة سياسية باضمحلال الدولة وتحل محلها دمقراطية غير سياسية كشكل من أشكال تنظيم الإدارة الذاتية للمجتمع وتعبيرا عن ذلك يكتب لينين: "إن جمهورية السوفييت للعمال والفلاحين والجنود ليست فقط أرقى نموذج من المؤسسات الدمقراطية، بل القادرة وحدها على التحول غير المؤلم إلى الاشتراكية...."
بالعودة لجدلية الاشتراكية والدمقراطية وكيف يمكن توافقهما ماركسيا خاصة بعد التأكيد على دكتاتورية البروليتاريا كضرورة حتمية لبناء الاشتراكية، يقول ماركس ان "الخطوة الأولى من ثورة الطبقة العاملة هي رفع البروليتاريا إلى الطبقة الحاكمة والظفر بالدمقراطية.. ولا يمكن تحقيق ذلك في البداية إلا بواسطة عمل استبدادي ضد حقوق الملكية... أي أنها تسيطر على السلطة السياسية وتحول ملكية وسائل الإنتاج من ملكية هذه السلطة "الرأسمالية" إلى ملكية المجتمع... من هنا يبدأ تحول المجتمع من مجتمع رأسمالي إلى مجتمع اشتراكي.. وبذلك فإن ديكتاتورية البروليتاريا ستزول تلقائيًا عندما تسود الاشتراكية بزوال الطبقات والحاجة للدولة. وفي الحالة السوفييتية فقد تم طمس الحقوق الفردية لصالح الحقوق الجماعية واستعمال وسائل الاستبداد والقتل للتخلص من كل "اعداء الثورة "او المعارضين للتغييرات في زمن ستالين حتى من قيادة الثورة البلشفية وبالرغم من كل الانجازات الجماعية على مستوى الاتحاد السوفييتي في مجال التصنيع خاصة الصناعة الكبرى والعسكرية والتي جاءت على حساب الصناعة الصغرى والزراعة الأمر الذي أدى الى اهمال حاجات الفرد ورغباته الفردية في القضايا الثانوية والرفاهية، وتعميق البيروقراطية التي وصلت الى درجة شبيهة بنظام الطبقات. فمجموعة الحزبيين المتنفذين واصحاب المناصب الحزبية والتي كانت تنعم بامتيازات لم ينعم بها كافة الشعب ادت الى وجود حالة من الاحباط والخوف لدى المواطن وتعميق التناقض بين اهداف الفرد واهداف الدولة التي اصبحت في فترة من الفترات الرأسمالي الاكبر، ولكن ادخال الاتحاد السوفييتي الحرب العالمية الثانية والتي سميت الحرب الوطنية العظمى وتقديم الملايين من الضحايا دفاعا عن الوطن، اعاد الى النفوس وحدة المصير ووحدة الهدف والمساواة في التضحية والعطاء لأجل الوطن، ساهمت مساهمة ايجابية في اطالة عمر الاشتراكية وتأجيل ظهور تفاقم ازمة تقاطع الدمقراطية والاشتراكية، ولهذا عندما حاول خورتشوف الغاء ديكتاتورية البروليتاريا بادعاء الوصول الى الاشتراكية لاقى معارضة بالأساس من الحزب الشيوعي السوفييتي وكأنه تراجع عن الماركسية والصحيح ان هذه المرحلة ضرورية وماركسية لتعميق الدمقراطية بين الناس.
خلاصة الأمر ان الدمقراطية التي عمل "لينين" على ترسيخها داخل الحزب وخارجه منذ قيام الثورة في 1917م وحتى وفاته 1924م، لم تستمر على المنهاج نفسه الذي بناه لها إلا لفترة بسيطة لا تتعدى الثلاث سنوات تقريبًا. فبعد أن استلم "ستالين" الأمانة العامة للحزب الشيوعي السوفييتي 1924م ولعدم مقدرته على إدارة الصراع الفكري والإقناع داخل الحزب كما كان يفعل لينين، استعمل أساليب غير دمقراطية وتعسفية، لذلك فالدمقراطية الاشتراكية داخل الاتحاد السوفييتي لم تفشل بمعناها النظري، بل فشلت بسبب الأخطاء التي ارتكبت في عملية التطبيق "غير الدمقراطية" في فترة ستالين.
ولقد حذر منظرو الفكر الماركسي من الجمود ومن المس بالدمقراطية (مثل الحزب الشيوعي الفرنسي والإيطالي)، وطوروا الفكر الماركسي استنادًا لقول إنجلز المنظـِّم الأول للماركسية بعد ماركس حيث قال: "يمكن للطبقة العاملة أن تصل إلى السلطة عن الطريق البرلماني في بعض البلدان" ولكن للأسف هوجموا مهاجمة شرسة من قسم من الاحزاب الشيوعية الاخرى حتى نعتهم البعض بالانتهازية.
وقول لينين: "الدمقراطية ظاهرة تاريخية تتغير مع المجتمع"، وهذا ما أقرّ به غورباتشوف 1989في كتابه "البريسترويكا".
ان الأحزاب الشيوعية في البلدان الأوروبية ومعظم الأحزاب الشيوعية في العالم رفضت نماذج التطبيق الاشتراكي السابقة "الستاليني" وحاولت ان تقدم برنامجًا اشتراكيًا جديدا ذو وجه دمقراطي وإنساني في إطار التعددية الحزبية والتخلي عن ديكتاتورية البروليتاريا، فالدمقراطية التي تحقق الحرية والمساواة للفرد والاقليات، وتضمن تكافؤ الفرص وحرية الصحافة التي تعبِّر عن مصالح الشعب وتدافع عنها، هي دمقراطية لكل الشعب.
وباعتقادي ان الدمقراطية الاشتراكية الصحيحة والتي لم تعتمد في الاتحاد السوفييتي لا تمنح حقوق واسعة لكل المواطنين فحسب بل تفرض عليهم أيضًا واجبات، فهي لا تسمح بانتهاك القانون والنظام أو أي عدوان على حق المواطن، فالدمقراطية الاشتراكية يجب ان تكون أرقى أشكال الدمقراطية، فهي تتقبل تطور العناصر والمؤسسات التقدمية التي تعتبر نتيجة الإبداع السياسي والاجتماعي للطبقات الكادحة في ظل النظام الرأسمالي والتي توطدت في المجتمع.







**من اسباب الانهيار


في احد الايام من سنة 1987 وفي جلسة عفوية مع زملاء الدراسة استعرضنا حال الاشتراكية القائمة في الاتحاد السوفييتي وحاولنا مقارنتها بالاشتراكية العلمية التي درسناها وسمعناها من رفاقنا القدامى وبأسلوب الكوميديا السوداء حددنا تناقضات الاشتراكية حسب مفهومنا بتلك الفترة وحسب مراقبتنا للأحداث وكانت خمسة وهي:
في الاشتراكية لا توجد بطالة ولكن لا يعمل احد.... (تناقض)
لا يعمل احد ولكن الخطة الخماسية تنفذ بالكامل... (تناقض)
الخطط الخماسية تنجز ولكن لا شيء بالحوانيت.... (تناقض)
لا شيء بالحوانيت ولكن البيوت مليئة بكل شيء... (تناقض)
البيوت مليئة والكل يتذمر.....(تناقض)
الكل يتذمر ولكن الجميع يصوت مع !
اعتقد ان كل من درس بالاتحاد السوفييتي لاحظ ذلك.
تلخيصا لما ذكر اعلاه وللسرد التاريخي والأيديولوجي يمكن تلخيص اسباب الانهيار بما يلي :
اسباب نظرية حول امكانية نجاح الاشتراكية في اضعف حلقات الرأسمالية وامكانية نجاحها في بلد واحد فقط ولكن حسب رأيي ممكن اعتبار هذا سببا ثانويا فقط نجحت الثورة وخطت خطواتها الاولى وتعدت مرحلة الفشل في الفترة الاولى وانطلقت نحو بناء الاشتراكية وتجاوب العمال والفلاحون مع اهدافها.
اسباب متعلقة في التطبيق ...الأصل في الاشتراكية هو المساواة. أو بكلام أدق وابسط مبدأ "كلٍّ حسب طاقته ولكلٍّ حسب عمله". كيف طبق ذلك؟ في الصناعة حسب ساعات العمل، وكذلك في الزراعة من حيث المبدأ. لكن العمال، لاسيما في الزراعة، ذوو إنتاجية متفاوتة ولكن الجميع تلقى نفس المرتب فلماذا اذا الاجتهاد ؟.. وكانت تجربة الكولخوزات محاولة لمنح إدارة الجمعيات التعاونية الزراعية سلطات أكبر في توزيع المحصول. هنا طبعا تدخل عامل "الأخلاق" لقد كان ماركس ولينين، وخاصة لينين، يتحدثان عن "أخلاق شيوعية"، تجعل الإنسان محبًا لعمله، راضيًا عنه، ومقدمًا كل إمكاناته فيه. لكن هذه الأخلاق لا تتكون في سنوات ولا حتى في عقود، بل لا بد من أجيال (عدد الاجيال طبعا لم يتم تحديده) لتكوينها، ولهذا السبب كان لينين ضد فرض الاشتراكية بالقوة على الفلاحين. ومن باب الأخلاق أيضًا مسائل "المحسوبية" و"الوساطات " و"الاقرب من الصحن" والعلاقة مع السلطات وما شابه. ولذلك لم يكن تقدير حصة الفلاح من المحصول متعلقًا فقط بعمله، بل أيضًا بعلاقته بالحزب وبالمتنفذين... وشمل هذا معظم نواحي الإنتاج.
ومع تطور البلاد، وتقدم الصناعة، وزيادة الإنتاج، والتشدد في مركزية الاقتصاد... تعاظمت البيروقراطية (وبالتالي المحسوبية وما شابه) وصار التفاوت في الدخل يتزايد. وقد جرت محاولات عديدة لإعطاء المؤسسات دورًا أكبر في تحديد سياساتها، مثل سياسة" النيب" اللينينية، وسياسات خروتشوف الإصلاحية، وأخيرًا بيريسترويكا غورباتشوف. لكن البيروقراطية (وفيما بعد الفساد) صارت تستشري أكثر، مما أفقد الاقتصاد حيويته وانتاجيته وحد كثيرًا من روح المنافسة، والاهم لم تعد السلطة تسمع صوت الشعب المطالب برفع مستوى حياته المعيشية لتقترب من مستوى حياة الشعوب الاخرى - كما كان الاعلام الغربي يسوق ذلك ؟- أو غيرهم من الدول الصناعية المتقدمة ألم يصبح الاتحاد السوفيتي دولة عظمى فلماذا لم يحصل المواطن على الجينز وغيره من البضائع التي ممكن انتاجها بأبسط الامكانيات؟ اليس غريبا ان العلكة كانت منتوجا مطلوبا ونادرا، ناهيك عن الكثير من البضائع الحيوية التي كانت غير موجودة حتى ان مصطلح ديفيتسيت (نادر) اصبح كلمة متداولة ومفهومة للجميع ان البضائع غير متوفرة، ولماذا ما تزال السيارات السوفيتية متخلفة كثيرًا عن اليابانية أو الألمانية، لماذا يجب الوقوف بالدور ساعتين وثلاثة لمنتوج مثل الموز في المدينة الثانية في الاتحاد السوفييتي، لماذا كانت محارم التواليت منتج "ديفيتسيت"، أيعقل ان دولة تحارب العالم بإنجازاتها العلمية واختراق الفضاء ولا يمكن ان تنتج محارم تواليت او لا تستطيع ان تمنح مواطنيها فرصة شراء البندورة ستة اشهر؟ للأسف أمر لا يمكن للعقل البشري ان يتخيله ولا يمكن لي شخصيا وقد عشت التجربة الا ان اكتب عن هذا ومشاعري ينتابها الألم والدموع لأني احب هذا البلد وشعوبه ومؤمن بالاشتراكية العلمية.
اسباب خارجية لقد كان السوفييت مقتنعين تمامًا بأنهم سيتمكنون من مواجهة الرأسمالية العالمية بثلاث طرق:
اولا: التسلح بما يجعل الاتحاد السوفييتي قادرًا على أية مواجهة عسكرية مع الغرب خاصة الولايات المتحدة. ومنذ بداية الحرب العالمية الثانية صارت ميزانية التسلح ضخمة جدًا بالمقارنة مع إمكانات الاقتصاد السوفييتي. وزادت الإنفاق العسكري بوتيرة متعاظمة مع السباق النووي، وغزو الفضاء وغيرها. بينما كانت أمريكا تسيطر على كثير من ثروات العالم، وتنمي اقتصادها مع سباق التسلح، في الوقت الذي كانت الدولة السوفيتية فيه تقتطع من دخلها المحدود من أجل ذلك السباق. وهذا أثر كثيرًا في تدني مستوى معيشة شعبها - مع الأخذ بالاعتبار أن الثروة هنا توزع بشكل أكثر عدالة- بما لا يقاس من الغرب، والحديث طبعا يدور عن متوسط دخل الفرد وليس عن فقراء البلدان الغربية.
ثانيا: التحالف الوثيق مع الحركة العمالية والشيوعية في البلدان الرأسمالية. حيث كانت تقدم المساعدات الكثيرة لتلك الحركة، ولكن في الوقت نفسه كانت الأحزاب الشيوعية والاشتراكية في البلدان الرأسمالية أكثر تحررًا ودمقراطية من الحزب الشيوعي السوفيتي (بحكم الدمقراطية الغربية وتقدم المجتمعات الغربية بوجه عام). ونظرًا للتواصل الدائم مع تلك الحركات والأحزاب، انتقل إلى شباب الحزب السوفيتي، وإلى المثقفين عمومًا، الوعي بأهمية الدمقراطية داخل الحزب والمجتمع، مما خلق تذمرًا من الطريقة التي كانت تدار بها الأمور، ونقمة على السلطة حتى داخل الحزب.
ثالثا: مساعدة حركات التحرر الوطني في العالم للخلاص من الاستعمار والهيمنة الإمبريالية. وتلك المساعدة كانت من الضخامة بحيث أرهقت الاقتصاد السوفيتي، دون أن تخلق حلفاء حقيقيين (مصر والسد العالي مثالا) للمنظومة الاشتراكية كما كان السوفيت يأملون. حتى الصين دخلت في صراع مع السوفيت في وقت حرج جدًا.
الملخص النهائي كانت كل تلك العوامل مجتمعة تتفاعل في مجتمع تحكمه سلطة شمولية، بيروقراطية (ثم تبين أنها فاسدة أيضًا)، لكنه مجتمع متعلم، مثقف، رائع يتواصل مع العالم بشتى الوسائل. يرى ما حوله ويتساءل أين نحن من الأهداف التي وضعتها الثورة، ولماذا نحن متخلفون عن الآخرين؟ وفي الوقت ذاته كانت الدعاية الأمريكية والرأسمالية عمومًا تنفخ في هذه النار التي بدأت تشتعل. وتم استغلال كل الأخطاء التي وقعت فيها السلطات السوفيتية، وعندما جاءت البيريسترويكا، رغم مبادئها الصحيحة، كانت متأخرة جدًا، وبداية للتحرك باتجاه السقوط. ثم جاء يلتسين ليكمل المسار إلى الهاوية، وربما يجدر هنا بعلماء الاجتماع والاقتصاد والشيوعيين دراسة هذه التجربة وجدلية الدمقراطية والاشتراكية وكيف ان سحق الدمقراطية في البداية أدى الى نجاح واستمرار الثورة والوصول لأكبر الانجازات الجماعية وبالمقابل سحق الدمقراطية أدى الى انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط الاشتراكية.
لقد سقطت إحدى التجارب الاشتراكية، لكن الاشتراكية نفسها لم تسقط. والاستقطاب العالمي اليوم بين الفقر والغنى أوضح من أن يغطى بأية مقولات. العدالة الاجتماعية كانت وما زالت إحدى أهم القيم الإنسانية العليا. والعالم اليوم بحاجة لإعادة طرح الاشتراكية كأسلوب حياة أكثر من أي وقت مضى، ولكن مع الأخذ بالاعتبار أهم درس قدمته التجربة الاشتراكية الأولى:
لا يمكن حماية أية تحولات باتجاه العدالة الاجتماعية بدون دمقراطية، وحرية التنظيم السياسي والتعبير عن الرأي.

انا مؤمن أنه ستكون هناك ثورات مناهضة للرأسمالية في القرن الحادي والعشرين وهذا ليس تنبؤا بل ايمانا بحتمية المادية التاريخية. ولكن يجب أن نسقط من مخيلتنا أحلام اليقظة بأن الثورة القادمة ستكون تكرارا لاقتحام قصر الشتاء بطلقات من سفينة الافرورا، لان ما جرى هو تزامن مجموعة ظروف وأسباب زمكانية قد لا تتكرر ابدا .. انا مؤمن ان الثورات المستقبلية لن تكون تقليدا للتجربة السوفييتية، بل ستكون عملا خلاقا وبطوليا من صنع الشعب ولأجل الشعب، تراعي المكان والزمان والتطورات العلمية والاهم اعتماد الدمقراطية هدفا ومبتغى(انتهى)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- جدلية الثورة والدمقراطية والإشتراكية (1-2) - دراسة تحليلية ب ...
- لماذا يحب الشيوعيون فيدل كاسترو
- حتى عودة صلاح الدين


المزيد.....




- سعودية تدمج البدوي والعصري بأرجوحة -تكي وحكي-
- شاهد.. هذه -عجائب- المراحيض في اليابان
- شرطي لمخالف للقانون: لا تتحرك والأخير يرد بالرقص!
- بالفيديو.. هدية من الأسد لبوتين
- إهانات الناتو تغضب الأتراك ضد الحلف.. وأنقرة لن تقطع علاقتها ...
- آبل تتأخر في طرح -HomePod-
- دراسة بحثية: أغلبية السعوديين يرون أن بلادهم تسير في الطريق ...
- كيم يفرض حظرا على المتعة والترفيه!
- رسالة شفهية من أمير قطر إلى أمير الكويت
- Google تتربص بـ RT


المزيد.....

- ثورة إكتوبر والأممية - جون فوست / قحطان المعموري
- الاشتراكية والذكرى المئوية للثورة الروسية: 1917-2017 / دافيد نورث
- الاتحاد السوفييتي في عهد -خروتشوف- الذكرى المئوية لثورة أكتو ... / ماهر الشريف
- ثلاث رسائل لمئوية ثورة أكتوبر / حارث رسمي الهيتي
- في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917م الخالدة أهم أسباب إنهيا ... / الهادي هبَّاني
- هل كانت ثورة أكتوبر مفارقة واستثناء !؟ الجزء الأول / حميد خنجي
- الأسباب الموضوعية لفشل الثورات الإشتراكية الأولى / سمير أمين
- جمود مفهوم لينين للتنظيم الحزبي وتحديات الواقع المتغير / صديق الزيلعي
- مائة عام على الثورة البلشفية: صدى من المستقبل / أشرف عمر
- عرض كتاب: -الثورة غير المنتهية- / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف الذكرى المئوية لانطلاق ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا - سمير خطيب - دراسة تحليلية بمناسبة 100 سنة على ثورة اكتوبر: جدلية الثورة والدمقراطية والإشتراكية (2-2)