أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم الوراق - شوارد الفكر -9-















المزيد.....


شوارد الفكر -9-


إبراهيم الوراق
الحوار المتمدن-العدد: 5593 - 2017 / 7 / 27 - 12:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


شوارد الفكر ‏
‏-9-‏
في نهاية هموع هذه المقالات، تعود بنا إلى الوراء هوامل الذكريات، لكي نكتشف من المسار الذي كشف ضعفنا الإنساني، كيف كانت اللغة خائنة ‏لنا في بعدها البشري، وكيف كانت فسحة لنا في مداها الطبعي، لأنها بمقدار ما انفتحت على عوالم مديدة، وانبثقت عن طرق الوعي بالهويات ‏العديدة، فإنها لم تفض بنا إلى معين ما تتضمنه علاقاتها من مدارات ثقافية وإنسانية عظيمة، إذ هي في طبيعتها المتحولةِ منفصلةٌ عن ذواتنا، وفي ‏حقيقتها المتداولة صورُها منحازةٌ إلى كسر ما تآلفت عليه قوالبنا، وتوافقت عليه وسائل معرفتنا، وتحددت به ماهيتنا، لأنها ولو كانت محايثة ‏لملابسات واقعنا، ومقابلة لسيرنا في مدارنا، فإنها تضمر عدم حيادتها في صياغة مفاهيم حياتنا، وتخفي كيف تسكنه منها لحظة سارحة في فضاء ‏زمننا. ولذا، فإن لا محدوديتها تتناسب مع لانهائية جزئيات حدودنا، وتتفاعل بلاتَعَيُّنِهَا مع ما نخوضه في فراغ نظم وجودنا، وضياع نواميس كثير ‏من المهاد التي كنا نحس في هدوئها بالطمأنينة، ونسعد في رحابها بالسكينة، لأن آلية التأويل التي نفسر بها سبب هبوطنا من عالم السماء، لكي ‏ندوس بخفافنا ما تناثر على الأرض من فناء، لم تكن إلا حماية للكينونة التي تحددها عوامل أخرى، ربما لا علاقة لها بما رسمناه من مثل جلى، ولا ‏صلة لها بما دوناه من حقائق كبرى، إذ هي في انفتاحنا على العالم بوسائط شتى، لا نختبر ما فيها من ضرورات قصوى، ولا ننتزع منها ما تبرزه ‏انعطافاتنا من تحولات عظمى. ‏
ومن هنـا، يكون إدراكنا لسلبية انتمائنا إلى اللغة دليلا على انفتاح نظرنا إلى العالم الخارجي، وبرهانا على أننا ما زلنا نبدع في تدجينها نوعية قالبنا ‏النفسي، وحجةً على أننا ما فتئنا نؤرخ للحظة التلاقي مع عرضية محيطنا الاجتماعي، لأن ما يضمن لنا في مأزق اللغة عضوية إنسانيتنا، ويصيرنا ‏قادرين على التعبير عن حقيقة كياننا، هو ما نحس به من فاعلية في كائنية الفكر الذي نساءل به روابط الواقع، ونتحاور به مع خاصيات الموضوع. ‏وهو ما يضمر صبغة عمقنا الذي تتحرك به آليات قراءتنا للذات، والمحيط، والمجتمع، ويكشف عن صيغة التسامي الذي نحدد به صورة تاريخية مفاهيمنا ‏في الأنس، واللذة، والإمتاع. وإذا كان هذا وجع ما بعد الحداثة، فإنه قد كان لنا وعاء فكريا في زمن غالى بتكفير الحداثيين بسبة تنافي القديم ‏للجِدة، وتعاديه مع البدعة، وفاخر بالاحتماء المبطن تطرفُه بتقديس العوالم الماضوية، والأشكال المتعالية، لأن ما طرأ على طابع بنيتنا التقليدية، وما ‏شاكسها من تعينات لانفعال الأفعال المتواترة، كان في ميكانيزم التفكير برهانا على أزمة الكنه، والهوية، واختناق الذات من زفير الصناعة، والآلة، ‏وفقدان صفاء المطالع في مرآة التطور التاريخي للعلاقات الاجتماعية، والثقافية، وضياع المدى الذي يضمن لنا امتداده صيغة قيمنا الحضارية، ‏والإنسانية، ويحتوي على ما تآلفنا على اشتراكه في حقوقنا الكونية، والعالمية، إذ ما حدث من كسر لصيغنا التي نعيش في هامش اشتقاقها بخضوع، ‏لم يكن إلا إرغاما لكفاحنا على مبدأ الخنوع، لأنه حين يمتعنا باستعارات جديدة، وكنايات لذيذة، فإنه يطبعنا بوعي يتحيز للدائرة المحدودة، ‏والصورة الملحوظة، والحقيقة المطلوبة. وهي ما يمثلنا في أقليات عرقية، ويجسدنا في جنسيات فاقدة لصلاتها اللغوية، إذ هي في مواقفها السلبية، ‏وتوجهاتها الفوضوية، تبين انحسارنا عن الجماعية، وانزياحنا عن المألوفات البشرية، وتوضح لنا طرق انغماسنا في بحر الأنانية الذاتية، وأمداء ‏الفردية المتضخمة. ‏
ولذا تكون أصالتنا مهددة بالانقراض، لكونها لا تعبر عن الأساليب القديمة التي تواءمنا عليها بلا اعتراض، لأنها بمقدار ما تقبل انتماءنا إليها، فإنها لا ‏تمنحنا حق الاقتباس منها، إذ هي مفارقة لما يسوقنا من نماذج اقتصاديات تسوِّق لمبدأ خاص في مدَنية الحياة العامة، والخاصة، ومنفصلةٌ بمسافات ‏عن إمكانات تاريخنا في توظيف أنماط هويتنا الفردية، والجماعية، لأنها ولو استخدمت المعنى القديم انتحالا، فإنها لا تعبر إلا عن علاقة انتقائية ‏تربطنا بما نبدعه في حاضرنا احتيالا، إذ هي لا تقيم رابطة ضرورية بين عوالم الماضي ورهانات المستقبل، لأنها بمقدار ما هي أداة زاخرة بالتواصل، ‏فإنها تتضمن خدعتَها في طرق صوغ نزعات معاني الموضوع. ومن هنا، فإن تجاوز اللغة لمداراتها الذاتية في أصل الوضع، إن لم يكن الغموض فيه ‏مطلوبا لجزالة القول المقصود بالبلاغة، لن يكون إلا اتفاقا على صيرورة سالبة، إذ هي في إغرائها بطابعها المطلق، لا تستوحي ماهية معينة في ‏الإطلاق، وهي ما يحددنا بسببية الدم، واللحم، بل تبني جوهرا آخر في البرهنة، والفهم، وهو ما يجمعنا في ماهية تتجاوز الأنماط، والأطر، ‏والأشكال، وتتعالى على الأنساق، والسياقات، والمثل، لكي تصاقب ما يُحكِّم القوة في العالم من نظم، ونواميس، وقوانين، لأنها علة لصياغة عهد ‏يبتعد في قوالبه المعرفية عن مرسوم الأديان، والعقائد، والإنسان. وهكذا غدونا بدهشة فعل الجديد صرعى، لا ندري كيف سرقت منا محتويات ‏حضارتنا المثلى، ولا كيف يمكن لنا أن نستعيد حقيقة تحديد سياقاتنا اللغوية، ولا كيف نطيق أن نحتفظ على طبيعة تركيب أنماطنا الفكرية، ولا ‏كيف يجوز لنا أن نرتب طريقة تطوير وشائجنا الاجتماعية. ولا غرابة إذا عادت بنا اللحظة إلى سابق العهد، وسالف الود، لأن ما نعانيه اليوم ‏من بؤس المعرفة، هو عين ما وجهناه زمنا من رجس الحضارة، إذ كان مسرح واقعنا مترعا بِشرِّية الصراع بين القديم، والحديث، ومفعما بخطابات ‏فوقية ترى النجاة في كنه نفوذ سيرها على الطبيعة بخطوها الحثيث، لأن الناقل الذي ربطنا بالحاضر عن طريق التضحية بالماضي، لم يكن في تصميم ‏الإرادة إلا انحيازا إلى غد مجهول المعاني، إذ هو في ترويضه لنا على قبول الفعل المتجاوز للزمان، والمتعدي للمكان، لا يكسبنا إلا مهارة الانتقاء ‏لأساليب الواقع المعترك البنى، والمتحارب القوى، لأنها هي التي تهبنا استعداد التفاعل مع كل التحولات، وقوة التحقق باللامتناهي في غدونا نحو ‏مستقبل غامض الغايات. ‏
وإذا كان الفقيد محمد بوزليم رحمه الله، وهو أغلى صديق صاحبته فكرا، وفارقته نظرا، وأمثل رفيق عشت معه لحظات السمو، وأوقات الدنو، يقول: ‏الأوغاد لا يموتون، وإن رغبت في مد اليد إلى وصالهم، ضاع منك واضح البيان، وصريح الجهد، وإن باينت ما يعقدونه من حمية صراعهم، نالك جائر ‏الغبن، وغائر الكمد، فإني أتذكر بالمصادفة، وأنا قد عدت من سفرةٍ تضني الأنظار السارحة بالآراء الكاسدة، ورحلةٍ تجولت فيها بين دروب المدن ‏الشاردة بأحلام غائرة، والأزقة المزدحمة بملامح شاحبة، والدور المتشظية بفوادح نازفة، ينطق صمتها بعلة الذات المدنفة، وصوتها بسباب الحياة المعذبة، ‏ونظرها بشماتة المطالع المسودة، كيف عَنَّ أن أرسم هذه الصورة التي تراءت لي منذ زمن بعيد ملوثة بأوجاع الوعي الشقي، وأوضار السرب الدوي، ‏وتتناهت إلى ذهني في نقوش مشوهة بالألم الطافح بالعناء، ورسوم معتقة بالأمل الطازج بالرثاء. وكأنها لم تتوال علي أسباب الحنين إلى نفض ما يغشاها ‏من غبار السنين العابسة، ويلفها من أوحال الأماكن البائسة، إلا لتجبرني على اشتهاء المقام الرديء، وانتخاب المرام المريء، لعلي أن أكون واثقا بما ‏مدت إليه الأيدي بجشع، فأبلغ حظي مما يفقد معناه بوضيع الولع. لكني كنت أخال ما كمُن فيها لونا خادعا، وأظن ما تبرزه مفاتنها حجابا مانعا، وأخشى ‏أن أحتار مما يكشفه الزمن فيها من عمق، ويوضحه من ذوق، لأن قرار نهاية العشرينيات في سيرة الأفكار، وبداية عقد الثلاثينيات من عمر يمسكه عناد ‏مارد الحرف الأبتر، ليس هو ما أتأبط كمده بعد أن بدأ العظم يهن، والبدن يئن، وصار الإحساسُ بعلل الأرزاء منكسرا، والشعورُ بما أبني قبابه منهارا، ‏وغدا اليقينُ بما أكتب حرفه معلولا بالتجافي، والرغبةُ فيما أدبره مخذولا بالتنافي. ‏
إذ ما نحن عليه من أحداث غضة بالاعتبار، وبضة بالانتظار، ومهما أغرقت أوجاعنا في فوضى السؤال، ووجع الأحمال، وأفسدت أعراضنا فيما تستره ‏المعالم من خزي الديار، وعار الأكوار، لا يدني إلا ما نشربه من سؤر في جرن الثواني التي نعدها بحذر، وانتباه، ونحصيها بحرص على ما تنتظم به ‏عوارضها من نظائر، وأشباه، وكأنها تحمل إلينا نذارة في صوت بشارة، وتذكيرا بما سيضيع بين رحاب الكون من تيجان النقاوة، وما سيسلب في مراح ‏الطبيعة من إكليل الحفاوة، إن هجونا الائتلاف بسمج الأقوال، ودنيء الأفعال، وجعلنا الصراع فدية نضحي بها لتقديس وجه السماء، وتطهير الأرض بدم ‏الإنسان البريء الرجاء، لأنها ومهما ناء بحملها قلبي المتعب بالأتراح ، والمثخن بالجراح، فإن ما استشرفه من فضاء يغزو ما وراء السراب، لا يكلفني ‏عناء الجلوس على أريكة المفاضلة بانكباب، لكي أتخيل تلك الدقيقة الساهمة في سحر العالم المتقيظ بحرارة الحروب، والمتلفع برداء النزاع النازف بصديد ‏الكروب، إذ تضييع الوقت في طرق الباب المغلق على أحلامنا الساذجة، لن يمكننا من النداء الذي يرج الصواري الجاثمة على مرفأ أمانينا البالغة، لكي ‏يحدث في الآذان طنينا، وفي الصدى رنينا، لأنها ومهما تعالت الأرزاء في جوقة الصراخ المشروب نخبه على جماجم الكرامة البشرية، وأشلاء الديار ‏الكئبية، لم تصنع فينا خشونة الطبع، ولا رقاعة التطبع، إذ لو كان ذلك حريا بالظهور الذي يكسبنا حلة المجد، وسنة الحمد، فإنه سيبرزنا بين حوصلة ‏الزمن بلا وقاء، وسيرغمنا على السير بلا حدو، ولا غناء.!‏
‏ لكن مرح الذات التي تألمت بانصرام عهد البناء، وانتهاك حرمة ما رفعه الإنسان من نداء، ولو التبس بغموض الدهشة، وحبور الأطلال بصوت ‏الغربان المخيفة النظرة، لم يجعلنا إلا متذوقين لما تنقشه أنامل الفنان في عوالم لوحته، ومترنحين بما تسلتهمه استعارات الشاعر من آفاق صوره، ومتعقلين ‏بما تضمره حدود الحكيم من مدرات حدسه، لأن قراءة رموز اللغة التي عبرت عن ملكتها بالألسن المختلفة، وناجزت عدوها بدربتها المتنوعة، هو الذي ‏يدفع نبض قلبي إلى التسارع في يم التثاقل، ويدني حظي من الولوغ في مورد التواكل، إذ الإغراء الذي يشع على وجه البحر المخبوء في غموض ضجيج ‏أمواجه، وهدوء شطآنه، لا يفسده إلا النظر الرديء، ولا يغيضه إلا الأمل الدنيء، لأننا لو نظرنا إلى وجه هذا الطفل الذي يرد المقاهي الصاخبة، لكي ‏يستلطف عطف القلوب الواجفة، عساه أن يظفر في حدبها بكسرة خبز كسيرة، أو يستظهر من سواد نظرتها بسمة حقيرة، لأيقنا بأننا في أفول المعنى، ‏وضمور المجنى، نهرول بخطواتنا نحو آجام اليأس، ونجرول بسيرنا نحو غِيل البؤس، إذ ما ننتظره على مستشرفات البيوت الباذخة بأحلام حرى، ‏والشامخة بأمان شتى، لا يخلي من ألمه مهيع الأمل في آمالنا، ولا ينجي من عقابه ركب الأحلام في سبيلنا، إذ ما يقوم عليه من اختلال، وما يتركه من ‏ابتذال، لا يجسد إلا أمثولة الضحية التي يدلل بها العالم على احترامه للإنسان بمنتهى الأمانة، واعتداده بحقه في وافر السعادة، ودوره في نماء الفضيلة، ‏ووظيفته في بقاء الطبيعة، لأنه لا يدل على فعل العطاء فيما يمسح من رؤوس الأيتام، والفقراء، ولا على ثراء الحب فيما يضعه من أزهار على قبور ‏الأحرار، والشهداء، بل يعرب عن الشفقة التي تؤلم انتشاءنا بذرى لذاتنا، وربى متعنا، ويفصح عن نزولنا من على البرج الذي يستر كدورة أطماعنا، ‏ويعري سوأة أعراضنا، لكي نجعل خلاص هذا الطفل قضية إنسانية، وفداء هذا الكون ضرورة في امتلاك السطوة، وعلة في ادعاء القوة.‏
ومن الغرابة التي نجامل بها مغبة الواقع، ونماذق بها معرة النزاع، أننا في انتظار عودة أمه الغائبة عنه، وانهماكنا في استدرار عواطفنا من دموعه، قد ‏ابتاع أرضه لمن طلب الأجر بلمس رأسه، وارتجى أن يكون ما ذبحه من آبائه سلما لرقيه، وعشا لأمنه، وقبرا لخوفه، لأن مسة القلب التي يستهديها ‏المشهد من غوره، لم تنهمر برذاذ الحنان على قلبه، لكي تكون دليلا على الوفاء للحن الإنسانية، وبرهانا على الاحترام للقيم الخالدة. تلك الأم الذي ‏ضاعت بين الأدخنة، ومادت بين الأوبئة؛ وهذا قدرها حين رأوها غائبة وراء أسمال الرجل المتنجس بفحولته، والمتضخم بذكورته، لم يكتب لها أن ‏تحضر عرس انتهاء عهد الأبناء بالحوباء، لكي يطل عصر ذلك اليوم الذي يموت فيه العز، والوفاء، وتنتحر فيه الهامات المتضمخة بعطر الإباء، والنخوة ‏الشماء. وها هو هذا الطفل المهمل، والفتى المضلَّل، يبدو بين أقرانه حاسر القرون، وكأنه ثور أهوج بين الميادين، يخيف المشاة على وحل الأماكن ‏البائسة، ويهين الآبقين من رمضاء الديار الحالكة. فأين أمه التي احضنته تحت إبطها، لعله أن يكبر في إلفها، وينعم بما فقده الآباء من إباء، وضيعوه من ‏وعاء، حين أنشدوا برماحهم أنشودة الحرية، لكي يقول حلم الشاب في صريح القضية: أنا محتاج إلى خصوبة الحنان بلا امتنان، وإلى عذوبة المكان بلا ‏افتتان، لا إلى كسرة خبز تبعد عني حزن الفوت، أوتدني مني وجع الموت. ‏
هذه القصة قد تقاسمت سحق صورتها مع صديقي بوزليم بقرية المزار، (هي من ضواحي أيت ملول بأغادير) وعشنا عزلتها فيما اختبرناه من أقدار، ‏ومسارات، ودوناه من أفكار، ولغات، لأن حقيقة الأوغاد فيما يلبسه الزمن الوبيء من أكيسة الحلم، وقطائف الألم، هو الذي يجدف بشراعنا إلى ‏منطوق اللحظة الهاربة، ومفهوم اللذة السارحة، ويدلف بنا إلى محصور الذكريات التي نثرنا وردها بين أحاديث السهر، ونفثنا عقدها بين مقصور ‏حكايات السمر. وما أكثرها حين ائتلفنا على صوغ قالب للقضية، ووضع عيار لكسب المُنية السخية، وكان في لزوم المعلول للعلة، أن لا يشهد كل واحد ‏منا وهج ذاته إلا في قبضه على وجع الأمة، وانطواء عمقه على حدس معالم العمران في الحضارة الإنسانية.! لكن ما عج في القرية من فخار اللئام، قد أنسى ‏الحواصل غم ابتلاع زفرة الآلام، إذ ما أحرقه الصرب من أصوات المنارات في البلقان، لم يكن إلا وصلا للماضي بالحاضر المترنم البنيان، وفصلا معتبطا ‏بين رسوم الملل وحدود الأديان، لأن تسويغ هذا الرأي بكتم عاجز الأدوار، لم ينبُت في الفكر إلا عند الشعور بغصة الانكسار، وكان حريا به أن ‏يسوق جيل التيه إلى فضاء الانحسار، إذ ما غدا في السابق لونا للحداد المنعكس حزنه على الأبدان، قد صار في اللاحق قاليا للمضجع الذي علمنا ‏كيف ننطق بالبيان، وفقهنا بما يجب أن نخفيه من همس بين حفيف الأشجار، وما يلزمنا أن نعلنه من سر لسرب الأطيار، لأن عطف الأماكن لا ينال إلا ‏بالخداع، ولا يعبر عنه إلا بشدة الالتياع. فكيف به أن يكون جهرا بين مجاهل الثُّكل، واليتامى.؟ أو كيف به أن يأمن قاصده من غوْل الجُيَّع، ‏والعطشى.؟ ‏
شيء أربك جيل التيه بالوفاء للعِدَة، وهم قد اختفوا بين ضمائر مكنونة بمعان عِدَّة. فالذي اعتاد الوفاء للعهد الذهني، ليس هو ذاك المقيم على الوعد ‏الذهبي. فكلاهما كان متحدثا عن طراوة المحتد، وغضارة المولد، لأن التعبير عن الخلاص الذي يجمع الجماهير على القصد الأوحد، هو الذي حذف جواب ‏الشرط في السؤال، لكي يسرح الخيال فيما بنته الهمم على بطاح الأجيال. فهل سيركب هذا سفينة الأمل، لكي ينجب لنا خيرا مصونا من شر الدجل، ‏فيكون قوله نصا يستوجب الإذعان، وفعله معجزة تستوحي الإيقان.؟ ذلك ما أغاض صديقي محمد بوزليم في لحظة التدني، وأفلس حظي في التأسي، ‏ووجدي في التعزي، وأملي في الترقي، وأبصر قلةً بما في الطريق من شساعة، ووُسع، وأغرق غيرنا في دقْعاء النفاق، والخداع. وهنا يكون جيل التيه ‏قد تناضل حول معنى العالمية، لأنها في زعم التمسك بخيط النجاة المجلوبة، لم تكن إلا صابا وعلقما فيما دهم من نوازل الرزية، إذ أضاع ضعيف الظهر ما ‏حمله من نوء خائر، وحظ خاسر، فلم يجد إلا الإغضاء عن العهد القديم حماية، والتصدي عنه حميَّة في المناعة، لأن عالمية النظرة، وكونية الرؤية، لم ‏تكن إلا استعارة لكل ما يفيد الأمة، ويصيرها بعد هوان في حلل العزة. وذا هو المرغوب في الطلب، والمحبوب في كل الحناجر التي رفعت الشعار ‏بأدب، وأرادت أن تكون البوسنة لسانا إنسانيا يخاطب الأقوياء، لكي يتذكروا أن ذمة الأرض التي يخفرها الأشقياء، لا يفي بها إلا من غرس بذرة ‏الإنسان بين عريض الرحاب، وسكون الهضاب، لكي يكون نسخة مجردة للروح الفاعلة بتلقائية، ووحدة كونية متسمة بالحرية، والعفوية.‏
ربما تكون هذه الفجوة التي حصلت في تاريخ الأفكار، هي المهرب الذي نفذنا منه إلى رسيم الأنوار، ونحن قد ودعنا اليوتوبيا الحالمة بلا انتظار، وحدنا ‏عن مداراتها بلا انكسار، وهي مناط التفكير عند تشظي المعنى، وتلاشي المبنى، لكي نتمتع بعودة الحلم بعد شحوبه إلى الظهور، ونجاة الأمل من فقده بين ‏أنقاض الصدور، فنرفع على قبور الحكماء مآذن مزخرفة، تنادي بالسلم العالمي بأصوات مزمجرة. فهل صرعنا الوهم حين لم نستوعب جوهر الفوضى.؟ ‏أم ذهلنا الورم حين أدركنا أن الحرب مادة البقاء في العدوى.؟ لعل يقيننا بوجود فضاء مهمل في اليوتوبيا التي تحركنا برفع الشعار للأمة، هو الذي ‏أغرى العقول بالبحث عن هذه العوالم الخفية، لأنها تعود بنا إلى رحم الوجود، وتؤوب بنا إلى مولد الذكرى في العهود، لكي نتفحص ما تلده مشيمتها من ‏ألوان في الصراع، وضروب في النزاع، ونختبر ما تنجبه من أنماط العلاقات، وأنساق الثقافات، إذ دراسة ذلك لمعرفة الإنسان الأرقى في الطبيعة، ‏والاعتماد عليه في تحبير اللغة الحديثة، وتصوير الصورة الجديدة، ومهما بدا غامضا في درس الفلسفة، وهي زندقة في المجامع التي سلبت الحكيم باب ‏المدينة، ثم صلبته على أساطين معاهد اللاهوت الهامدة، لكي يموت فكره بمباركة القديسين، ويفنى جرمه بحرق عظامه بين أعين الغوغائيين، لم يكن إلا ‏طلبا للنواميس التي تتأسس عليها حدود المعرفة في الطبيعة، والقواعد التي تبني حظ الحياة في حظيرة الإنسان الشاسعة. ‏
ولذا، فإن ما انبجس في عقل القرية التي احتضنت رفات محمد بوزليم من أفكار مبددة للمقامات القديمة، ومحددة لما يجب صوغ ماضيه في حاضر حماية ‏الذات من المرامات الذليلة، ليس إلا انتقادا طال الثقافات، لئلا تتأثم بما اختفى من علل كابية في الحضارات. وهنا كان سؤال جيل التيه سيكولوجيا ‏في سبب الفرار، وأنطولوجيا في اختيار القرار، ولو بدا لنا حيرة في حرز الخيار، وغربة في الديار، إذ التراجع عن كونية القصد بالآمال التي تخبو في ‏الذوات، لم يكن انكفاء على المحليات التي تصوغ التجربة فيما تشرئب إليه من عناق بين الأمارات، ووفاق على الكمالات، لأن ما يحتقنه الجيل من ‏بساطة في مواجهة أخطاء التاريخ الخالص، لن ير النور بين سراديب ينطوي سرها على لغز الفدائي، المخلص، إذ كثير ممن عاش المخاض، وتعرف على ‏عهود السوقة والدهماء في رص الحياض، وخبر خطاب الواجدين، ومحص نصح المجدودين، لم يبدع فيه سياق المحنة إلا صور الألم، لأنه عثر على طبعة ‏أخرى لكتاب ميتافيزيقا العالم، وقبض على معنى جديد لجينالوجيا الأخلاق في الكائن البشري، إذ الكون غدا في عمقه زافرا من عجز الإنسان عن السير ‏المعنوي، والأرض صارت في مهادها مقبرة لحروب الإبادة، قد تنهي هذا الحيوان العاقل إلى جرن المحرقة، وتنشئ سوبرمانا ينتقي ولادة ألوانه من بحر ‏الآلة، وأشكاله من فضاء التقنية. ‏





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- شوارد الفكر -8-
- شوارد الفكر -7-
- شوارد الفكر -6-
- شوارد الفكر -5-
- شوارد الفكر -4-
- شوارد الفكر -3-
- شوارد الفكر -2-
- شوارد الفكر -1-
- سوانح البيان (3-4)
- سوانح البيان (1-2)
- موارد العنف -8-
- موارد العنف -7-
- موارد العنف -6-
- موارد العنف -5-
- موارد العنف -4-
- عطر الصباح (شهادة في حق والدي رحمه الله)-2-
- عطر الصباح (شهادة في حق أبي رحمه الله) -2-
- موارد العنف -3-
- موارد العنف -2-
- عطر الصباح (شهادة في حق والدي رحمه الله) -1-


المزيد.....




- علماء مسلمون يدعون لمواجهة التطبيع مع إسرائيل
- علماء مسلمون يدعون إلى مواجهة كافة أشكال التطبيع مع إسرائيل ...
- عبد الهادي الحويج لـRT: من حق سيف الإسلام القذافي الترشح للا ...
- جماعة الإخوان المسلمين تصدر بيانا بشأن عملية الواحات وتهاجم ...
- مدير جامعة الإمام السعودية: «الإخوان» مدلسون وأنهينا تعاقد ا ...
- خطيب المسجد الأقصى لـ«الشروق»: رعاية مصر للمصالحة بين «فتح» ...
- سقوط صاروخين بكابل وارتفاع قتلى هجومي المسجدين
- ‎خلافات بين أقباط مصر في الداخل والمهجر حول استفتاء تقرير ال ...
- رابطة العالم الإسلامي: مجمع الملك سلمان للحديث النبوي يحرس ا ...
- الإسلام السياسي والحرب الدينية


المزيد.....

- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري
- تلخيص كتاب تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إبراهيم الوراق - شوارد الفكر -9-