أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - فخرالدين القاسمي - التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفلاحة والثقافة















المزيد.....


التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفلاحة والثقافة


فخرالدين القاسمي
الحوار المتمدن-العدد: 5593 - 2017 / 7 / 27 - 04:43
المحور: الصناعة والزراعة
    


إن الخوض في مسألة التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية لم يكن من محظ الصدفة، وإنما تنبهنا لأهميتها في إيضاء بعض الجوانب من تاريخ الدولة. فالأغذية والغذاء وجدنا فيها تلك المرآة العاكسة لأهمية وشيوع منتوجات دون أخرى، وارتكزنا عليها في تحديد بعض معالم الخارطة الإنتاجية، والتأكيد على التمايزات الإجتماعية. محاولين ربطها بما عرفه المغرب من تقلبات مناخية هادفين إلى الكشف عن العلاقة التأثيرية التأثرية بين العناصر السابقة والتغذية، وإستجلاء بعض الخصائص الغذائية التي ميزة الفترة لاسيما وأن شرائح واسعة اضطرت تحت وخزات سنوات الجفاف المتوالية إلى تغيير أنظمتها الغذائية . وما كان من مقاربتها بالحوائج والكوارث التي أصابت البلاد إلا أن تفسح لنا المجال للوقوف على العادات الغذائية التي مورست والتحولات المفروضة. إن أهم النقط التي إستوقفتنا من بين النقط المتطرق إلهيا تلك العلاقة التأثيرية التأثرية المتبادلة بين الإنتاج والغذاء؛ بمعنى كيف ساهم إنتاج منتوجات معينة بمناطق معينة في توجيه العادة الغذائية، في مقابل كيف وجهت العادة الغذائية الإنتاج الفلاحي في منطقة ما دون أخرى. وكيف فرضت وفرة الإنتاج لمحصول معين طغيانه على المائدة دون غيره. لقد إستفدنا كثيرا من دراسة هذه المسألة، والتي لم تكن بتاتا اعتباطية وإنما مدتنا بمعلومات مهمة في اطار شبكة من العلاقات السببية لإيضاح جوانب مهمة من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي-السلوكي للفترة، والأهم الإحتكاك بتاريخ الحياة اليومية الذي لم تولى له الأهمية بعد. ويؤكد فرناند بروديل في هذا الصدد على أهمية تاريخ الأغدية ضمن مجالات البحث والتفسير التاريخيين: "فهو يظهر بنفس الإنتظام الرتيب الذي يميز القطاعات الأخرى، وهو أيضا قابل في غالب الأحيان، إن لم يكن على الدوام، لإستيعاب نفس الفرضيات والتأويلات والطروحات بالنظر للميادين المألوفة، الأكثر كلاسيكية والأكثر دراسة. فعناصره تحملها نفس التيارات التي تجري بعناصر التاريخ الأشد نبلا". فهو بهذا المعنى حقل خصب يجمع تاريخ الثقافة المادية، والتاريخ الإجتماعي، والأنثروبولوجيا التاريخية، والإقتصاد، والجغرافيا، وحتى البيولوجيا وعلم التغذية .
لا يسع المقام لإعطاء هذا الصنف من التاريخ حقه، سنحاول قدر المستطاع تسليط الضوء على الزوايا المهمة بهدف خدمة موضوعنا. وللأمانة العلمية لا توفر لنا المصادر التاريخية مجالا مناسبا للبحث والإستقصاء، لولا بعض الأعمال التي وجهتنا منها على سبيل المثال لا الحصر تلك التي أنجزها بيرنار روزنبرجي ونكولا ميشيل ومحمد الأمين البزاز و محمد حبيدة . سناحاول الإقتصار على مجمل ما تتطلع له أنظارنا في محاولة الإجابة على سؤال يبدو لنا وجيها: إلى أي حد عكس نظام التغذية والغذاء الوضع الفلاحي وتمايزات المجتمع الوطاسي؟. بلورناه على شكل نقطتين نلتمس منهما الإجابة:
1.1. الانتاج الفلاحي وألوان الأطعمة.
لا شك أن ألوان الحياة الغذائية اليومية خلال الفترة الوطاسية لم تكن وليدة المرحلة التاريخية نفسها ، بل هي تجربة تستمد عمقها وجوهرها من سيرورة المغاربة وتفاعلهم في المجال والتاريخ؛ بمعنى يصعب فهم السلوك الغذائي بمنأى عن التوقف بالفترات السابقة. غير أن للتحولات التي عرفتها خاصة المناخية، وعلى مستوى التشكيلة القبلية ...إلخ، كان لها دورها في تغيير بعضا من معالم المائدة السابقة خلال الفترة الوسيطية.
تفصح النصوص المتوفرة عن علاقة الإنتاج بالغذاء، إذ تقدم معلومات تخص توقف الجماعات السكانية في غذائها على ما تجود به الطبيعة والظروف المناخية من داخل الرقعة الجغرافية المستقر فوقها، ومن البديهي جدا أن يكون المحصول المنتج بكميات كبيرة والمشهور في أوساطها هو عماد مائدتها. والذي لم يكن إختياريا تنوعيا كما يزعم البعض، فالحاجة إلى الأكل كانت أعظم من الإختيار في أوقات المجاعات.
إن كنا قد أجزمنا في محور سابق بأهمية إنتاج الحبوب بالنظر للظروف المناخية والتربة المواتية لهذا النشاط الزراعي، فإن غذاء المغرب ظل إلى حدود القرن السادس عشر يقوم بشكل كبير على هذه المادة، حتى وان كانت بعض الجهات لا تسمح بإنتاج كميات وافرة من القمح، كانت مواطنا لإنتاج كميات محترمة من الشعير كبديل، كما هي الحالة بجبال الريف والأطلس الصغير التي يكثر فيها إنتاج الشعير على حساب القمح الذي يبدو قليلا إلى منعدم. راعى القاطنون بهذا المجال أهمية الخبز كمادة غذائية أساسية في الإستهلاك اليومي وغير اليومي في مختلف البوادي والمدن، وكان لكل وسط إجتماعي مصدره في الحصول على الدقيق، المستخرج من القمح والشعير والذخن والذرة، وهو الأكثر إنتشارا في جبال الريف والهبط في الأحوال العادية ، لذلك ساد فيها خبز من النوع الأسمر والأسود، لأن الظروف الطبيعية في جبال الريف لا تسمح بإنتاج القمح إلا بكمية قليلة، فمثلا في بادس: لا ينبت سوى القليل من القمح، لذلك يأكلون خبز الشعير في هذه المدينة. وفي جبل بني يوسف، بالإقليم نفسه ، يهيأ صنف آخر من الخبز ، قوامه دقيق مستخرج من الذخن مع بدور العنب ويستخرجون منه دقيقا، يصنعون منه خبزا أسود كريها شنيعا حقا . لا يختلف حال سكان باقي جبال المغرب الذين كيفوا النقص الحاصل في الحبوب مع وفرة رؤوس الماعز التي يملكونها والتي كانت بألبانها ومشتقاته بمثابة مكمل غذائي مهم مع ابتكار الخبز من مواد أخرى شبيه بذلك المصنوع بجبال الريف والهبط. وهكذا بات الخبز إلى جانب البصل والثوم، والزبيب والدبس وحساء الفول (البيصارة) والزيت ، ولحوم الماعز وألبانها، والسمك المملح ، والشعير والذخن، لائحة غذائية أساسية-وكلها مواد محلية- عكست الخشونة والنذرة، كما في جبال الريف . كان حال السهول أحسن نسبيا من سابقهم، حيث سمحت السهول الخصبة الواسعة بكميات محترمة من الانتاج، غير أن حالة الفوضى والجفاف أحدثا خللا في المردودية؛ مما دفع الفلاحين إلى تكيّف الإنتاج مع ما كانت تسمح به الطبيعة، وعملوا على تنويعه لدعم النقص الحاصل موجهين بعضا منه للإذخار لضمان الاكتفاء المستقبلي وفق تنظيم محكم كسرته كل مجاعة أو جفاف قادم لم يكون في الحسبان. ونميز فيها بين: زراعة بورية شتوية (بكرية)، وأخرى ربيعية (مازوزية). كان في معظم الأحيان هذا النوع من الانتاج يُدّعم بزراعة القطاني، ويكمل بإنتاج الخضر والبقوليات في الرقع المعتمدة على السقي في فصل الربيع وبداية الصيف، وما تجود به الطبيعة والبراري والأحراش للحصول على أقوات إضافية وتنويع الحالة الرتيبة في التغذية. كان الإنتشار الواسع لبعض المنتوجات في مناطق معينة من المغرب أثره الواضح في تشكيل معالم المائدة المغربية. فعندما نشير مثلا إلى غلة التمر في المناطق الجنوبية إلا ونستحضر قيمتها واستعمالاتها الغذائية الواسعة، كما الانتاج الواسع للكروم بمناطق الريف والهبط، وإرتكاز غذاء بعض المناطق المغربية المتوسطية والمتواجدة على ضفاف الأنهار كأم الربيع وبهت وباقي الأنهار الكبرى على الأسماك بشتى أنواعها.
إنطلاقا من هنا يتبين لنا أن الأغذية تباينت بين جهات المغرب؛ تماشيا مع التباين الذي عرفته على مستوى الجغرافية ونمط الإنتاج والإثنوغرافيا، وبذلك لا يمكن الحديث عن نظام غذائي موحد بين كل الجهات، وإنما نظام غذائي محلي خاضع للنمط الزراعي السائد والمتأقلم مع العوامل المناخية المتاحة، فمثلا أهل المدن يأكلون الخبز، وأهل الأطلس يأكلون العصيدة، وأهل الشمال يفضلون زيت الزيتون ولا يطيقون زيت الأركان، بينما يفضل أهل الجنوب هذا الأخير ويعتبرونها أفضل من زيت الزيتون، ونجد أهل المدن يأكلون السمك ، وأهل البوادي يكرهونه. هذا في الوقت الذي كان فيه النظام الغذائي عند البدو الرحل وسكان الجبل يقوم أساسا على مشتقات الحليب، كالزبدة والسمن واللبن؛ "سكان الجبل كان موردهم الرئيسي من قطعان الماعز التي يملكون منها كمية وافرة، ويستخرجون من أرضهم كثيرا من الشعير والعسل ، والشمع الذي يبيعونه للمسحيين التجار في آسفي وتفتنة ورأس أكير" .
فقدت المائدة المغربية تنوعها مع التراجع الذي شهدته المرحلة، والذي شمل الفلاحة قبل أي قطاع أخر، حيث تضاءلت كميات الإنتاج مع الإقتصار على زراعة منتوجات معينة دون أخرى (الحبوب) بالنظر لحالة الفوضى التي عمت البلاد، بسبب سطوة القبائل العربية السهول، فارضة هي الأخرى توجها معين من الانتاج (الحيواني)؛ وهكذا تأثرت معالم المائدة المغربية. ان توالي سنوات الجفاف مع طغيان الإقتصاد الرعوي على الزراعي، أفقدها ذلك التنوع الغذائي الذي نستشفه من خلال الوصف الذي أولاته المصادر للمنتوجات الفلاحية المعروضة في الأسواق؛ ونأخذ هنا على سبيل المثال أسواق مدينة فاس مثال وإن كان من الصعب ادراجها كنموذج للتعميم بالنظر لاختلاف الموائد باختلاف الشرائح الاجتماعية، وكذا مجالاتها فموائد المدن ليست هي موائد القروى- وإن كانت موائد القرى لا تقل غنا وتنوعا عن سابقتها-؛ والبادي أن الأولى كانت أكثر تنوع من الثانية وان لم تهم كل الشرائح. لقد بدأت ملامح الطابع النباتي تضمحل بسبب توالي سنوات الجفاف لصالح التوجه لصنف آخر من التغذية والذي اتخذ بعدا حيواني (اللحوم الحليب ومشتقاته)، فبالعودة للمراجع التي اهتمت بالموضوع نجد أن هذا الصنف الغذائي كان ذو أهمية كبرى ولم يكن شائع في الأوساط العامية إلا في الاحتفالات والأعياد وغيرها من المناسبات "وليمة"، إلا أن في الفترة المدروسة يبدو أن الحاجة قد فرضته، كما كرسه شيوع الإقتصاد الرعوي على حساب الزراعي، بالإضافة إلى سوء الأحوال المناخية التي نتج عنها الجفاف والقحط وبالتالي توالي سنوات الفاقة والمجاعة. بيد أن الخصاصة التي تخللت المجتمع تجعلنا أكثر تحفظا في إطلاق مثل هذه الأحكام، فهذا التوجه لم يكن اختياريا ينم عن وفرة حيوانية، وإنما عن إنخفاض في الإنتاج الزراعي، وطبيعي جدا في حالات إشتداد المجاعة أن يلتجأ الانسان إلى ما تجود به البراري والغابات. بحيث كان الجائعون يضطرون إلى تناول مواد تكميلية، حيث يرتد الإقتصاد إلى مستوى بدائي. فيشتد القطف والقنص ويسود إلتقاط ثمار البراري، وكلها مظاهر تعكس عودة الإنسان إلى الطبيعة.
نتج عن وضع المجاعات الدورية التي أصابت البلاد سقوط المغاربة في اشكال ثنائية الطيبات والخبائث، أي الحلال المشروع والحرام غير المشروع . توفر لنا النوازل الفقهية بعض النماذج للإستدلال على ذلك زمن الحاجة والفاقة. بعد أن تنبه الناس إلى ضرورة التحري في أمور أكلهم وأشربتهم بتجنب المحرم والمنهى عنه- وهي أمور في الحقيقة تندرج في اطار أزمة ضمير شابة المجتمع-. علما بأن ظروف المعاش والصعوبات التي كانت تفرض نفسها على الناس بين حين وآخر كانت تؤدي إلى بعض التسامح بل والتجاوز من لدن الفقهاء وهذا ما يظهر جليا في إختلافات التقدير بين الفقهاء في بعض المسائل. تناولت النوازل بقدر قليل من الأمثلة قضايا الصيد سواء في البحر أو البر أو في البحر. ومعلوم أن أكل السمك والطرائد، زيادة على البقول والنباتات التي تنمو في البر، كان يعد عند أهل الورع أبعد الطعام عن الشبهة. لهذا اشتهر أكثر من متصوف بالإكتفاء بها. من ناحية أخرى يبدو أن أكل الطرائد لم يكن دائما موافقا لأحكام الشرع. فقد اختلف الفقهاء بشأن أكل لحم الخنزير الوحشي، فأجازه البعض بعد أن يذكى إذا ما ادعت إليه الضرورة، وحرمه أخرون وتأرجح رأيهم أيضا بين الكراهية والتحريم في مسألة أكل الذئب وتعتبر إجابة ابن هلال السجلماسي في هذا الموضوع على قدر كبير من الأهمية لأنها تكشف عن ممارسة معروفة في مصادر إخبارية ، كأكل اللحوم المكروهة والخبائث من لحوم الكلاب والقطط والجراد كما تؤكد ذلك المصادر اللاحقة، ويصل الأمر حتى أكل لحوم البشر والجيفة، والتعاطي لمشروبات الكروم المسكرة (الخمر). كان من الطبيعي جدا لوقع الخصاصة والفاقة المتفشية التي سقط في فخها المجتمع، أن تخرج الانسان من دائرة الأغذية الحلال ليقتاتوا على ألوان محرمة لسد الحاجة ومقاومة الجوع سعيا وراء البقاء.
تماشيا مع طرح السؤال السابق والإجابة عن الشق الأول منه؛ تبين لنا أن نظام التغذية قد تحدد بالظروف المناخية السائدة بالمنطقة ونوعية تربتها ومنتوجاتها الفلاحية. كما كان تنوعه بحسب السنوات المتراوحة بين الجافة والمطرة، وحتى الفصول.

1.2. مراتب المائدة: الأغدية مرآة تعكس تناقضات المجتمع.

أثار مارك بلوك في أحد النصوص من كتاب "تغذية فرنسا القديمة" الذي كتبه بعد الحرب العالمية الثانية نقطة مهمة تتعلق "بأهمية التمييز الغذائي الجهوي وخاصة الإجتماعي: عندما يلاحظ أن مائدة الغني ليست مثل مائدة الفقير فهذه مسألة بديهية، إن الذي يجب التأكيد عليه هو إلي أي حد يعتبر الإستهلاك الغذائي رهانا إجتماعيا" . تماشيا مع طرح بلوك إن التغذية مؤشر اجتماعي، فالجانب الكمي والكيفي بها لا يرتبط بالفوارق الإجتماعية فقط ولكن أيضا بمبادئ تنظيم المجتمع ، فالتمييز الغذائي يكون قويا كلما كان المجتمع شديد التفاوت ، وهو ما يبدو واضحا في المجتمع المغربي الذي تبدو فيه التمايزات واضحة . فالغذاء فيه كان بمثابة المرآة العاكسة للتمايز الإجتماعي السائد، حيث تزامن والتمايزات التي عرفها المجتمع ، فمكونات الموائد الغذائية، ووسائل وتقنيات الأكل وأوقاته وعاداته (أدب المائدة) توحي إلى التناقض الموجود بين فئة الفقراء المستضعفين وفئة الأعيان وعلية القوم وتخضع لتراتبيتها، وهذا ما يتفق مع قول فرناند بروديل "قل لي ماذا تأكل، سأقول لك من أنت"
"Dis-moi ce que tu manges, je te dis ce que tu es"
عمدنا إلى هذا التصنيف لمحاولة إيجاد بعض من ملامح التراتبية الغذائية:

أ‌. علية القوم (الأعيان): الأغذية الناعمة.
كانت الواجبات الغذائية لهذه الفئة أحسن حال في جميع الظروف غير متأثرة بنقص أو جفاف، فحظوتها في الهرم الإجتماعي عكس مكانة موائدها الفخمة المشتملة على آدب خاص يميزها عن باقي الشرائح الدونية. فهذا الوزان وهو بصدد وصف العادات المتعلقة بطعام حاضرة فاس يفصح عن هذه المرتبة؛" لكن الأعيان يأكلونه (اللحم الطري) مرتين في اليوم حسب شهيتهم. يتناولون ثلاث وجبات في اليوم، وجبة خفيفة جدا في الصباح، مركبة من خبز وفواكه وحساء سائل من دقيق القمح، وآخذون في الشتاء بدل الحساء رغيفا من حنطة محشوا بلحم مملح ينضج معه. ويتناولون عند الظهر أيضا أكلا خفيفا كالخبز والسلطة والجبن أو الزيتون، لكن هذه الوجبة تكون في الصيف أكثر تغذية. ويتناولون في المساء أشياء خفيفة كذلك، كالخبز مع البطيخ أو العنب أو اللبن، لكنهم في الشتاء يأكلون اللحم المطبوخ مع طعام يسمى الكسكسو" . ويضيف ليون الافريقي ؛"أما علية القوم ، كشيوخ الأعيان والتجار ورجال الحاشية، فإن معيشتهم أفضل من ذلك وأكثر لطفا" .
كانت اللحوم المكون الأساسي لمائدة الأمراء والأعيان، فاستفادوا عبر إستهلاكها المرتفع من فوائدها الغذائية وخاصة محتواها العالي من البروتينات والدهون وفيتامين A . إلى جانب الكسكس وهو ما يؤكده كربخال في قوله " (الكسكس) ذلك هو الغذاء العادي لهذا الأمير مرتين في اليوم، ويقدم إليهم علاوة على ذلك، لحم الضأن والدجاج المحمر المقطع قطعا صغيرة بالسمن والتوابل، فيأكلون هذه القطع المحمرة ساخنة بالخبز الرطب أو الحلويات" . يختتم الطعام بطابق من الثمر والفواكه، لكن لا يقدم إليهم كشراب سوى الماء أو اللبن الحامض، لأنهم لا يشربون الخمر قطعا جهارا . و اعتبر الكسكس طعام وجهاء القوم إذ حطي بمكونات وطريقة طهي جعلته أكثر نعومة إلى جانب الأطعمة الأخرى ومختلفة تماما عن كسكس العامة وغذائها المائل الى الخشونة. فهو طعام معتاد لفئة الأعيان ومؤشر على حد أدنى من الرفاهة لأنه ليس دائما في متناول بقية الفئات الإجتماعية الأخرى .

ب‌. العامة: أغذية خشنة.
ألمحت النصوص أطعمة عامة الناس في مدينتي فاس في الأوقات العادية. فأجمعت على أن ساكنة المدينة كانوا يتناولون ثلاث واجبات في اليوم ، وجبة خفيفة جدا في الصباح مركبة من خبز وفواكه وحساء سائل الدقيق القمح ويأخذون في الشتاء بدل الحساء رغيفا من حنطة ، محشوا بلحم مملح ينضج معه، ويتناول عند الطهي أيضا أكلا خفيفا كالخبز والسلطة والجبن والزيتون ، لكن هذه الواجبة تكون في الصيف أكثر تغذية، يتناولون في المساء أشياء خفيفة كذلك كالخبز من البطيخ أو العنب أو اللبن، لكنهم في الشتاء يأكلون اللحم المطبوخ مع طعام يسمى الكسكسو ، غير أنهم لا يتعاطون لأكل اللحم إلا مرتين في الأسبوع، والواضح أن اللحم يقتصر استعماله على المواسم والمناسبات لدى الفئات العامة وذلك بسبب إرتفاع سعره. وميولهم إلى الغذاء النباتي بسبب إنخفاض تكلفته وسهولة الحصول عليه.
كان غذاء العامة بالدوائر الحضرية أحسن حالا من نظيرتها بالقرى الجبلية والبوادي، والمتميزة بصلابتها ونيوءتها ، حيث مال سكان هاته المناطق إلى استهلاك الأغذية على حالتها الطبيعية دون طبخ مثل استهلاك الحليب والزبدة والعسل والفواكه، كما اعتمدوا بشكل مكتف على مادة الشعير كمادة أساسية للغذاء بعد أن يحول إلى خبز خاشن أو عصيدة وهي من الأطعمة الأكثر تداولا في الأرياف والبوادي. وقد تعاطت القرى والمدن الساحلية والنهرية لاستهلاك السمك خاصة السردين على السواحل الشمالية ، وسمك الشابل بالمناطق المشرفة على الأنهار الكبرى مثل ضفاف نهر سبو أو أم الربيع . عموما كان كل اقليم يقتات على ما ينتج داخل مجاله، فقلما يستهلك القمح في اقليم منتج للشعير على غرار إقليم حاحا .
عند دراستنا لمراتب لمائدة يبرز التصنيف الجغرافي كأحد أهم المعطيات البحثية التي وجب أخذها بعين الاعتبار، ويبدو متجليا من خلال تمّيز المطبخ الحضري بثرائه وتنوعه وصفائه ونعومته خصوصا لدى الأعيان، على عكس النظام الغذائي في القرى الجبلية والبوادي الذي كان يخضع للضرورات ويميل إلى الخشونة والكفاف حيث عانى السكان نقصا في الغذاء وخضوعا متواصلا لتهديدات خطر الجوع .
بناء على ما سبق؛ يمكننا الطعام من الوقوف عند الانتماءات التراتبية والتمايزات الاجتماعية، بل وحتى عند المواقف والاختيارات العقائدية والمذهبية والسياسية. فليس هناك من طعام صامت، إنه حمّال أوجه ومعان، وناطق بالمعلن والمضمر من خطابات وتمثّلات وممارسات. على العموم، فالمغاربة تعاملوا مع الطعام بنوع من التقديس، كاستحضار الوازع الديني في تحريم وإباحة بعض الأطعمة والأشربة، والإعتقاد في الأكل باليد اليمنى معتقدين أن الأكل باليسرى خطيئة قاتلة حسب مارمول كربخال لأنهم يستعملونها عندما يستنجون ، ولم يأكلوا بالملاعق لأنهم ظنوا في ذلك بدع. والغالب على الظن أن بعض الأسماء المرادفة للطعام كاسم "النعمة" في مواقف متعددة -والذي يستعمل إلى اللحظة- لم يكن وليد لها وإنما ترسخ عبر تاريخ طويل، ومغاربة الفترة يبدو أنهم استعملوا العبرة وتفاعلوا معها بمنظار ديني، لذلك فالخبز والكسكس وغيرهما، نعمة يتوجب تقبيلها وإماطتها عن الطريق، إن وجدت مرمية، كما يتوجّب إكمال "الشهادة"، وعدم ترك قطع أو نتف صغيرة أو قليلة فوق المائدة، فالطعام بما هو نعمة وبركة، لا ينبغي أن يبذر أو يهدر. وطبيعي أن تتكرس هذه الأفعال أيام الحاجة والخصاصة.

البيبليوغرافيا:
1 عبدالهادي البياض ، المناخ والمجتمع بالمغرب والأندلس خلال عصر الوسيط إسهام في دراسة الطقوس والذهنيات ،المجلة العربية ، الرياض،1436.ص ص 65-66.
2 فرناند بروديل، تاريخ الأغذية"، ترجمة محمد حبيدة، الأطعمة والأشربة في تاريخ المغاربة، مجلة أمل، العدد16، السنة السادسة1999.ص 174.
3 محمد حبيدة، كتابة التاريخ قراءات وتأويلات، دار أبي رقراق، الطبعة الأولى،2013.ص117.
4 B. Rosenberger. société et pouvoir alimentaire, nourriture et précarité de pouvoir alimentaire au Maroc précolonial,Rabat,2001.
5 N. Michel, une économie de subsistance. Le Maroc précolonial, le caire,1997.
6 محمد الأمين البزاز، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سلسلة: رسائل وأطروحات رقم18، 1992.
7 Mohamed Houbaida, Le Maroc végétarien, 15e–18e siècles. Histoire et biologie, Préface de Abdelahad Sebti, Editions Wallada, Casablanca, 2008.

8 يتفكك تاريخ التغذية بانتظام كأي تاريخ آخر إلى مقاطع زمنية عريضة السمك إلى حد ما. فرناند بروديل، تاريخ الأغذية"، ترجمة محمد حبيدة، الأطعمة والأشربة في تاريخ المغاربة، مرجع سابق،ص175.
9 محمد عمراني، جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في جبال الريف والهبط من خلال كتاب وصف افريقيا للحسن الوزان. المغرب في عهد الوطاسيين من خلال كتاب "وصف افريقيا" لحسن الوزاني ،سلسلة دراسات وأبحاث تاريخية رقم 1، تنسيق ذ محمد استيتو ، منشورات جمعية الحسن الوزان للمعرفة التاريخية ، الطبعة الأولى ،2011، ص119.
11 نفسه، ص 119.
12 نفسه،ص109.
13 تفشت ظاهرة معاقرة الخمور في جبال الريف ورهونة بناحية الهبط بكثرة بين العديد من سكان القبائل ، بل إنها كانت عادة قديمة مألوفة في المجتمع قدم زراعة الكروم بالمنطقة وانتاج العنب الوفير. محمد عمراني، مرجع سابق. ص125.
14 أسماكه تتغذى بها جميع ساكنة أزمور. الحسن بن محمد الوزان الفاسي ،وصف افريقيا ،ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، دار الغرب الإسلامي ، الطبعة الثانية ، بيروت ،1983.ج1،ص247.
15 نفسه،ص248.
16 مارمول كربخال ، افريقيا ،ترجمة محمد حجي وأخرون، الجمعية المغربية للتأليف الترجمة والنشر، المعارف الجديدة ،الرباط ،1984.
17 أبي العباس أحمد بن يحي الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل افريقية والأندلس والمغرب، إخراج محمد حجي وأخرون، وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية، دار الغرب الاسلامي،1981،ج2، ص 25.
18 عبدالهادي البياض ، المناخ والمجتمع بالمغرب والأندلس خلال عصر الوسيط إسهام في دراسة الطقوس والذهنيات ،المجلة العربية ،الرياض،1436.ص66.
19 Mohamed Houbaida, Le Maroc végétarien, 15e–18e siècles. Histoire et biologie, op.cit.p.67.
20 محمد فتحة، أدب النوازل ومسائل الأطعمة بالغرب الاسلامي، ، الأطعمة والأشربة في تاريخ المغاربة، مجلة أمل، العدد16، السنة السادسة1999.ص182.ص27.
21 Mohamed Houbaida, op. cit. P68.
22 محمد استيتو، الفقر والفقراء في مغرب القرنين 16و17م ،مؤسسة النخلة للكتاب وجدة ، الطبعة الأولى ،2004.،ص334.
23 اندري بريكرير(André BURGUIERE)، تاريخ التغذية، تعريب أمينة بريدعة، الأطعمة والأشربة في تاريخ المغاربة، مجلة أمل، العدد16، السنة السادسة1999.ص180.
24 نفسه.ص182.
25 عادل النفاتي ، مرجع سابق، ص89.
26 الوزان،ج1،ص253.
27 نفسه.
28 Mohamed Houbaida, Le Maroc végétarien, 15e–18e siècles. Histoire et biologie. P 52.

29 مارمول كربخال،افريقيا،ج2،ص177.
30 نفسه، ص ص177-178.
31 عادل النفاتي ، المجتمع والجغرافية الثقافية لبلاد المغارب : حفريات في أدب الرحلة القرن 16 في الهوية والتدين والثقافة ، افريقيا الشرق – الدار البيضاء،ص88.
32 الحسن الوان،ج1،ص252.
33 عادل النفاتي ، مرجع سابق،ص91.
34 عادل النفاتي ، المجتمع والجغرافية الثقافية لبلاد المغارب: حفريات في أدب الرحلة –القرن 16م، مرجع سابق، ص87.
35 مارمول كربخال،ج2، ص22.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- ترامب لماكين بعد تبادلهما انتقادات حادة: سأواجهك
- البحرين تبتاع طائرات F-16 بـ3.8 مليار دولار: المنطقة مهددة ب ...
- ضابط أمريكي سابق: الأكراد يستحقون دعمنا.. ولولاهم لاكتسح داع ...
- القوات العراقية تسيطر على مناطق خاضعة للأكراد في نينوى
- رئيس أركان الجيش الإيراني يزور مقام السيدة رقية في دمشق
- عشية انتهاء المهلة.. مدريد تدعو زعيم كتالونيا للتعقل وإعطاء ...
- توقعات بانفجار شمسي قاتل
- 12 مصابا بحريق في دار العجزة في إيركوتسك
- ملالا يوسفزاي تختار ارتداء الجينز والكعب العالي في جامعة أكس ...
- دراسة: التغير المناخي قد يكون سبب ثورات قدماء المصريين


المزيد.....

- مشروع الجزيرة والرأسمالية الطفيلية الإسلامية الرثة (رطاس) / صديق عبد الهادي
- الديمغرافية التاريخية: دراسة حالة المغرب الوطاسي. / فخرالدين القاسمي
- التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفل ... / فخرالدين القاسمي
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي- الجزء ا ... / محمد مدحت مصطفى
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي-الجزء ال ... / محمد مدحت مصطفى
- مراجعة في بحوث نحل العسل ومنتجاته في العراق / منتصر الحسناوي
- حتمية التصنيع في مصر / إلهامي الميرغني
- تبادل حرّ أم تبادل لا متكافئ : -إتّفاق التّبادل الحرّ الشّام ... / عبدالله بنسعد
- تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الطريقة الرشيدة للتنمية ا ... / احمد موكرياني
- دعم الزراعة فى العالم المعاصر / سمير أمين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - فخرالدين القاسمي - التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفلاحة والثقافة