أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مراد سليمان علو - أثر على الرمل/1















المزيد.....

أثر على الرمل/1


مراد سليمان علو
الحوار المتمدن-العدد: 5591 - 2017 / 7 / 25 - 22:46
المحور: سيرة ذاتية
    


(أثر على الرمل)

"وقد يوحى لنا بأن آثار اقدامنا على الرمل، وتلك البيوت التي بنيناها معا بفرح، لن تمحى أبدا!"
مراد سليمان علو/سيرة ذاتية

(1)
(دار دور)

ولدت في العام الذي رحل فيه السيّاب العظيم، وهذا مثبّت في هوية الأحوال المدنية. العام 1964، مع عدم معرفة، اليوم والشهر، ودوّن كاتب النفوس: الأول من تموز يوما وشهرا؛ لسبب اجهله.
دخلت مدرسة السكينية الأبتدائية، وعمري خمسة أعوام. ليس لنبوغ فيّ بل لعجالة والدي؛ كي أتعلّم القراءة والكتابة.
وما اذكره هو اللوّن الذهبي لجلد قراءتي (الخلدونية)، ومعلمّي الأول (الشيخ خليل سمو) وكلّ يوم درس قراءة جديد.
احفظ الدرس دون أن افقه كلمة واحدة منه، عدا بعض الأسماء الواردة فيه، وهذا وحده كان يغبطني طوال العام الدراسي الأول. تعلّم اسماء جديدة، وغريبة عليّ.
احفظ الدرس مثلما اسمعه من المعلم أول الأمر، وأردّده كالببغاء، وبعد سنوات طوال علمت بأن مخارج الألفاظ، ونطق الكلمات، وتحريكها كان ممتازا لدى معلمّي ممّا أهّلني أن ابني أساسا صحيحا في قراءاتي اللاحقة.
لا أحد في البيت يساعدني على اجتياز تجربة تعلّم لغّة جديدة وغريبة عليّ، فوالديّ مثلي لا يجيدان القراءة والكتابة، ولا يتكلمان اللغة العربية، وشقيقي الأكبر الذي كان يسبقني بثلاث مراحل كانت له خطط ومغامرات أخرى، ولم يكن مستعدا لصرف ساعات من وقته لمتابعتي وتعليمي.
كنت قلقا من شيئين: تنمّر اقراني عليّ؛ لصغر سنّي، وربمّا لهدوئي الذي يميزّني. وعدم التعلّم.
وربمّا لذينك السببين، واسباب اخرى كنت أجهلها في حينها. لم تفارقني قراءتي حتى اهتريء الجلد الأصفر الزاهي اللّون وانسلخ عن بقيّة الأوراق قبل امتحانات نصّف السنة.
(دار) كان درسي الأول، وفي اليوم التالي كان علينا قراءة هذه الكلمة السحرية تلميذا، تلميذا.
كنت اجلس في المقدمة لصغري، ولا ادري للآن كيف قبلت في المدرسة قبل الآوان. هل لرشوة قدمها أبي للمدير؟ أم لحاجة أدارة المدرسة إلى عدد معين من تلاميذ القرية كحد أدنى؟ ولا يزال اللغز باقيا، ويطفو الأمر إلى ذاكرتي في كلّ مناسبة مشابهة، ففي العام الدراسي 2003 ـ 2004 وبعد سقوط النظام أخذت بيد ابنتي (بسمة) والمولودة في 3ـ3ـ1998 ـ فقد حرصت على تسجيل اولادي في دائرة النفوس في اليوم والشهر والعام نفسه ليتسنى لهم على الأقل معرفة تاريخ ميلادهم، أو ربّما الأحتفال بها، وايضا لكي لا يمّروا بحالات ومواقف مماثلة كتلك التي مررت بها في حياتي ـ ذهبت إلى مدير أقرب مدرسة ابتدائية لمحل سكنانا، وكان يدعى (شمو قاسم) وهو حيّ يرزق، وما أن دقّق في هويتها حتى رفض تسجيلها؛ بحجة عدم بلوغها السنّ القانوني للقبول، وأخذ يعطيني درسا في الوطنية، وكيف ان الصحافة باتت حرّة هذه الأيام وقد ينشرون عنه غفلته عن تطبيق اللوائح والقوانين في ظل النظام الجديد. وكأن النظام الجديد لا همّ له، ولا عمل سوى مراقبة وتدقيق ما يفعله (شمو) أفندي.
ولا يخفى، وبحسبة بسيطة كان عمر ابنتي آنذاك خمسة أعوام وستة أشهر وكانت تستحق الدخول في الأبتدائية، وقرار المدير الأرعن أثّر في مسيرتها الدراسية ككل، فكما كنت اسبق اقراني بعام تأخرت ابنتي عن قريناتها بعام دراسي، وشرّ البلية ما يضحك.
اعرف الكثيرين من امثال هذا المدير وهم السبب الحقيقي وراء تراجع مجتمعنا.
وأعرف القليلين من أمثال الأستاذ (الشيخ خليل) وهم السبب الرئيس وراء تفوق البعض منّا.
وفي اليوم الثاني كان علينا قراءة الدرس الأول قبل البدء بدرس جديد، دار، د. ا. ر ونجحت في قراءة (دار) ثماني مرات بالتمام والكمال، وكما هو مكتوب في الكتاب. وفي كلّ مرة كانت سبابتي تزحف على الكلمة ثم أقرأها، وعادة وضع اصبع السبّابة على الكلمة حين قراءتها لازمتني حتى تخلصت منها في الصف الرابع العام.
لم أكن اعرف معنى (دار) ولا حروفها، وما حفظته على ظهر القلب هو عدد المرات المكتوب فيها، اما بعض التلاميذ فلم يكملوا العدد المطلوب؛ لسرعة حركة اصابعهم الزاحفة على الكلمة المكررة، والبعض استمر بقول دار. دار.. وكأنهم لا يريدون التوقف، والبعض كان سريعا جدا، وساد هرج ومرج على قلة عددنا في الصف الأول الأبتدائي الوحيد حيث لم نتجاوز الخمسة والعشرين تلميذا، ولم نهدأ إلا عند سماعنا صوت ضرب عصا المعلم على السبورة بقوّة.
وتوالت الدروس، يقرأها المعلم اولا، ثم نردّدها بعده، ونعيد كتابتها في البيت ونحفظ الدرس على الغيب، ثم نقرأه في اليوم التالي، وبعد ذلك نأخذ درسا جديدا، ومع كلّ يوم جديد تبدأ مغامرة ممتعة جديدة، واكتشاف جديد للطبيعة المدهشة التي تحضن قريتي من جبال، وتلول، ومروج، وبساتين. والسير كل صباح بمحاذاة جدول الماء الغزير وسماع خريره الشبيه برنين خلاخل فتاة راقصة. وماء السكينية معروف على مستوى محافظة نينوى كعلاج فعّال لأمراض الكلى والمجاري البولية، وهو يتدفق من عمق الجبل ويقسّم القرية إلى نصفين ثم يصل إلى بئر الطاحونة المائية، ويسقي بساتين القرية، ثم الى القرية الجنوبية، وما أن نجتاز بعض البساتين ونصل الطاحونة حتى ننحرف غربا مع التلول الغربية وصولا إلى المدرسة الطينية التي تتكون من ستة صفوف وتتوسط المركز الصحّي، ومخفر الشرطة بين قريتي السكينية العليا والسكينية السفلى.
ومن أكثر الأشياء التي كانت تخيفني، وتحزنني في الوقت نفسه هي المشادات والتلاسن بين تلاميذ السكينيتين، ولم تكن تنتهي بانتهاء الدوام الصباحي في المدرسة، بل كانت تبدأ من جديد وبشكل اعنف بالمطاردة واللجوء إلى الحجارة وقذفها على البعض وتكون النتيجة اصابة بعضهم ومن الجانبين بالجروح والكدمات.
العداء كان متجذّرا بين القريتين رغم أن الأهالي ينحدرون من نفس النسب وينتمون إلى عشيرة القيران نفسها، ولا تمرّ سنة إلاّ ويكون فيها جرحى أو حتى قتلى وكان الفريق الذي يسبق الثاني إلى أعلى (القراجات) التلال ويتموضع في الربايا الموجودة على قممها تكون الغلبة له، فهو الذي يسيطر على القريتين، وبمجرد أثارة بعض الطلقات النارية كان هذا يعني الخروج من البيوت مجازفة خطيرة، وربما دام الأمر أكثر من يوم حتى تأتي النجدة من مخفر الشرطة. واحيانا عندما تخرج الأمور عن السيطرة تأتي سيارة مسلّحة من شرطة سنجار ويتم فضّ الأشتباك، ويكون الصلح عشائريا عادة في ديوان اولاد الشيخ خدر إلى أن يتحيّن احد الطرفين فرصة ثانية؛ ليعيدوا الكرّة من جديد، وهكذا، كان بيت الشيخ خدر دائما صمّام الأمان، وكذلك الفتيل المشتعل؛ لمنزلتهم الدينية والاجتماعية فقد كان الحلّ والربط بايديهم، فهم الذين يسيّرون كلّ أمور العشيرة، ودام ذلك حتى وقت الترحيل الأجباري في عام 1975.
وبقيت بعض الدروس والمواقف والحالات في الذاكرة، ولن تغادرها ابدا.
دار. دور. داران. دادا دود. زاد. نوري. زير. رَباب ...َ.. (رباب ءَ) هكذا كنا نلفظها، وقَدّوري ...ّ.. (قدّوري شدّة). قِرد ....ِ.. (قرد ءِ). دُب ...ُ.. (دب ءُ)... الخ.
وأخذنا درس:
رف
فار
ريف..
وبقينا نقرأه لثلاثة ايام متتالية ليس لصعوبته بل أن أغلبية التلاميذ كانوا يدمجون الكلمات الثلاث معا عند القراءة (رفاريف) هكذا وبسرعة في لفظها، ولم استوعب الموسيقى والطباق أو الجناس في تلك الكلمات حينها، ولكنني ادركت سحر التشابة والتكرار بين الأشياء ومن ضمنها الحروف، ومما زاد الطين بلّة وقوف وتأكيد بعض التلاميذ على الجملة الأخيرة من الدرس: (فَريق فَنان قَدير) فقد كان بعض التلاميذ في صفنا يتجاوز اعمارهم العشر سنوات وقد سمعوا من ذويهم أو من القصص المروية عن فرمان فريق باشا على الأيزيدية، وبالذات اسم (فَريق) يلفظه أهلنا بالسكون على الفاء بدلا عن الفتحة واستمر تأكيد المعلم على تحريك الفاء ولكن دون فائدة فلم نفرّق بين الرف والفأر والريف ولم نحرّك اسم فريق الذي كنا نظنه (فريق باشا) الملعون.
إزار أمي ازرق:
وقال المعلم: اشطبوا عل كلمة (أزرق) واكتبوا بدلا عنه (أبيض)
وشطبنا (الأزرق) حتى تمزّقت الورقة فكيف يمكن أن نقول: إزار أمي ازرق وهو أبيض الا يعلم الأغبياء في بغداد بأننا أيزيديين ولا نلبس الأزرق وفي نفس اليوم وبعد هذا الدرس حدث ما كنت اخشاه فأكثر من نصف تلاميذ الصف عيّروني بعيوني الزرقاء وكانوا ينادوني: "جاف هشين" ابو العيون الزرق.
وتوالت الأيام والدروس ونسي الأغلبية أمري فالسماء ايضا زرقاء، والزيتون مرّ، والدينار رقيق، والرمان طيب، والقمر منير، والباز يطير... حتى وصلنا درس (ناراً)
أمين يرمي البلوّط في النار:
وفي الصورة الفتى أمين جالس وامامه موقد نار وهو يرمي البلوط فيه، ولكن قبل دخول المعلم قال بعض التلاميذ: "هذه خطيئة، فهو يبصق على النار"، وبما اننا لا نعرف معنى الكلمات فانتقمنا من الصورة وقمنا جميعا بشطبها ومحوها من الوجود فكيف يمكن أن نحمل كتابا فيه صورة طفل وهو يبصق على النار.
وجاء معلمنا، وبهدوءه المعهود اكد لنا بأن ما يرميه (أمين) في النار ليست بصقة وإنما بلوّطة.
نجحت في امتحان نصف السنة، وجاءت العطلة الربيعية ولم تفارقني قراءتي. احملها معي عندما ارافق أمي في زياراتها للجيران، وخاصة جارنا (حمو) ـ والجميع ينادونه حموكا ـ الذي يحكي لنا قصص شيقة في الليالي الطويلة ونحن مجتمعين حول نار الحطب في مدفأتنا الكبيرة نشوي الخبز ونشرب الشاي وغالبا ما يكون هناك دهن حرّ (سمن بلادي) أو راشي (طحينية) في آخر الليل أما النهار فدائما كنت اتمنى لو يكون اطول؛ لألعب اكثر مع اصدقائي واقضي وقتا اكثر مع ابنة جارنا الذي يروي لنا قصص الحبّ والمغامرات والجان في الليل.
ثم وجدت نفسي اذهب لوحدي من أجل (ليلى) ابنة جارنا الطيب نصعد معا إلى سطح دارهم، واقرأ لها في كتابي، وأريها الصور الملوّنة. وتعلقت بليلى، (ليلاي)، وكانت قصصي المفضلة في الأمسيات هي تلك التي يذكر فيها اسم ليلى. نلتقي كلّ يوم . نلعب معا، أو نركض حول البيوت، ونجوب أزقة القرية ممسكا بيدها، أو مطاردا إياها، وما أن امسك بها حتى اغرق في عينيها السوداوين بينما صدرها يعلو ويهبط، ويكاد قلبينا الصغيرين يطيران مع عصافير القرية، وسنونواتها. وعلى غفلة تسحب يدها وتقول: (جاف هشين) وتركض، واركض خلفها ثانية.
وهاأنذا، في السادسة من عمري تقريبا ويفتح الحبّ قلبي بمفاتيحه الملّونة وتدخله ليلى، وتمر الأيام كقراءة درس ممتع من الصف الأول الأبتدائي.
هل كان حبّا؟
كل ما اذكره انني كنت أرغب أن اكون دائما بجوارها. ومن لا يذكر الأيام الأولى والساعات الحلوة بانفعالاتها المدهشة للصبية الأولى في حياته.
لم يكن حبّا كما تتصوره أنت، كانت رغبة قويّة في البقاء بقربها. وربمّا كان أقوى من الحبّ.
ومثلما ظهرت ليلى على حين غرة غادرت ايضا على غفلة، فقد اصابها مرض مفاجيء في أذنها، واصبحت طريحة الفراش، ولم تنهض منه ثانية.
كنت اجلس بالقرب منها في مرضها.. تنظر الي بعينين ذابلتين، وكأنها تطلب منّي أن انجدها؛ لنرجع نلعب من جديد. ولم اكن اعلم بأنني سأكمل اللعب من دونها وستبقى تراقبني من الأعلى تبتسم لي أنّى ذهبت.
منذ رحيلها وأنا ابحث عنها: في الكتب، وقصص الأميرات المصورة. في الحكايات والأساطير، وعند الغجر، في المدارس وعلى الارصفة، وفي المهرجانات وفي كل مكان اذهب اليه.
كيف ماتت بهذه السرعة؟ ولماذا ماتت؟ ألم يكن بالأمكان انقاذها؟ لماذا لم ينقذها احد؟ لماذا لم انقذها أنا؟
ليلى البريئة ذهبت الى مكان ما ولا اجد الدرب اليها. ولم يبق منها سوى ذكرى أليمة في روحي، وقبر صغير يحضنها في مقبرة قريتنا السكينية.
الحبّ الذي ترسله العيون بتساؤلاتها يبقى لا مثيل له، ومن عيون ليلى تعلمت الحبّ، وتعلقت بأهداب عيونها. ربّما لأنني فقدتها مبكرا، ولا يزال حزن فراقها أقوى من سرور العثور على أخرى.
وأصبح المكان المفضّل لدي أن اكون قريبا من مقبرة (كرى كور) حيث ترقد ليلى، أو تلك المرتفعات التي تطلّ على على المقبرة. وفي هروبنا الأخير من الفرمان الرابع والسبعين في الثالث من آب عام 2014 وبعد بقائي اسبوعا في الجبل. وفي الليلة الثامنة مررنا بجانب المقبرة، والتفتُ الى قبرها وقبور بقية أصدقائي وأحبتي للمرة الأخيرة، وكأنني كنت أعلم بأنها الألتفاتة الأخيرة، وتخيلتها تركض بين القبور تبحث عني لتمسك بيدي ثانية، ولا تجدني بين الأموات، ولا أجدها أنا هنا بين الأحياء.
لا تزال نفسي جائعة إلى ذلك اللعب البريء في دارها، وفي بيتنا ذو الطابقين. في أزقة القرية الضيقة، وعلى طول جدول الماء الفضّي. على التلول، وفي اسفل الجبل. في المروج، ومراعي الخراف المولودة حديثا وكأنها غيوم صغيرة من ثلج تسير على الأعشاب. في بيادر القرية وقت الحصاد، ووقت لعب الأطفال في الخريف، ووقت مجيء الغجر بملابسهم المزركشة وسحرهم حين يضربون خيامهم الملوّنة فيها .
لماذا الغجر وحدهم يمتلكون الخيام الملوّنة والخرز والضحك؟
ولماذا خيامنا سوداء حين نضربها وقت الربيع حول الجبل طلبا للعشب والكلأ لمواشينا؟
نفس السؤال طرحته على نفسي وقت نزوحنا من قرانا إلى كردستان في آب عام 2014 لماذا خيام النازحين بيضاء؟.
افتقد خيام الغجر المنصوبة في بيادر السكينية ولعبنا هناك.
الذي ذاق طعم حلوى إله الحبّ مرّة والتهبت بها ذاته لن ينسى ذلك الطعم ابدا.
كلّ ما يفعله ويقوم به العاشق سرّا يظهره القمر، وتبوح به النجوم. وهذه القصّة التي لم أرويها أبدا سردها القمر وتناقلتها النجوم هذه الليلة.
تلك الأيام الجميلة مضت، وتتراءي لي ذكراها كأشباح هائمة، وغيوم هاربة.
انظري إلى حالي يا صديقتي. تأملي عينيّ الزرقاوين. وأهمسي لي بما تريدين أن تقوليه.
ليلى، ايتها الوردة التي سرقتها الشمس مني، وأنكرها القمر، وخبئتها النجوم. تلك اللحظات التي جمعتنا ستبقى أقوى، وأعظم من كلّ سنين العمر.
وبمرور الأيام يتحول الولع إلى حنين.
والحنين إلى ذكريات.
والذكريات إلى سراب نركض خلفها.
وترينا الأيام مآتيها الغامضة.
ومضى الصيف يشوبه الحنين، وجزع لا يغادر الروح، ثم بدأ عام دراسي جديد.
كسبت اصدقاء جدد بعضهم أوفياء استمروا معي حتى استشهادهم، والبعض الآخر كسبت ودهم مؤقتا، وكنت أشاركهم البسكت والحلوى التي اسرقها من دكان أبي، لكي اتجنب مضايقتهم لي وتنمرهم علي وكانوا قلة، وآخرين وهم الأغلبية تركوا مقاعد الدراسة تباعا وابتعدنا عن بعض.
والسنة الثانية لم تكن بنشوة وفرحة السنة الأولى. اتذكر منها الأغذية المدرسية المقدمة لنا والكسوة الشتوية، وكان هذا سببا كافيا لدخول المزيد من التلاميذ المعدمين ـ وما أكثرهم ـ إلى المدرسة.
ومن عجائب الأمور في تلك السنين هو وجود طالبتين بيننا. ابنة فراّش المدرسة، وابنة احد ابناء الشيخ خدر.
وقبل أن ادوام في الصف الثالث الأبتدائي انتقلت عائلتي من قريتنا إلى سنجار، وتلك مغامرة أخرى.





















نجحت إلى الصف الثاني وخرجت بنوعين من الأصدقاء بضعة متنمرين كنت ارشيهم بالحلوى والبسكويت الذي اسرقه من دكان والدي حيث كان بقالا وميسور الحال نسبيا وانتهت العلاقة بيننا بانتهاء العام الدراسي وآخرون دامت صداقتنا لأنها لم تكن صداقة مصالح ومنهم (بركات) و(نجم) الذين استشهدا فيما بعد في الحرب العراقية الأيرانية و(حجي) الذي فقد عقله فيما بعد و(صبري) والتواصل شبه معدوم بيننا الآن.
ولصق في ذهني السؤال الأبدي: إلى متى يبقى البعير على التل؟ والنشيد الممتع (قطتي).
وأغلب دروس القراءة الخلدونية الخالدة. وبأمنية واحدة وهي: أن اصبح معلما في يوم من الأيام.
وبدأ العام الدراسي الثاني ولكنني لم اكن سعيدا كما في عامي الأول، وبقيت مسحة الحزن هذه تلازمني إلى الآن.











رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- رسالة من رضيع
- في الثالث من آب
- ثرثرة قلب
- بين القرية والمدينة
- العقال
- حكماء الصين المليون
- حاء النازح
- أغنية الأيزيدي
- حوار الصمت
- قاموس النزوح الحديث
- الفصول المخفية من رواية النازحين
- بتلات الورد/الجزء الثالث (83)
- إلى الأعلى
- نشيد البعث
- وجها لوجه مع داعش 5
- بتلات الورد/الجزء الثالث (82)
- تساؤل
- أنت والأنثى
- صمت وجعجعة
- بتلات الورد/الجزء الثالث (81)


المزيد.....




- العبادي لريكس تيلرسون: الحشد الشعبي أمل العراق والمنطقة
- الكرد يحررون الرقة ويصلون إلى حقول النفط
- 245 شخصا يقفزون من على جسر في آن واحد لتحطيم الرقم القياسي
- مباحثات تركية قطرية في أنقرة
- شويغو: روسيا تقف ضد النشاط العسكري الزائد لدول المنطقة الذي ...
- حادث مأساوي يحصد الأرواح في ماليزيا (فيديو)
- السعودية تنتقد تقريرا أمميا وتأسف لاعتماده الصحف الصفراء مرج ...
- البنتاغون يكشف تفاصيل -كمين- النيجر!
- الصين.. مشروع تجميلي لحدود درب التبانة
- تدريبات أمريكية يابانية كورية جنوبية على تعقب الصواريخ


المزيد.....

- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي
- لن يمروا... مذكرات / دولوريس ايباروري (لاباسيوناريا)ه
- عزيزة حسين رائدة العمل الاجتماعي - حياة كرست لصناعة الامل وا ... / اتحاد نساء مصر - تحرير واعداد عصام شعبان - المنسق الاعلامي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مراد سليمان علو - أثر على الرمل/1