أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - آرام كربيت - الانقلاب الثاني في سوريا















المزيد.....

الانقلاب الثاني في سوريا


آرام كربيت
الحوار المتمدن-العدد: 5590 - 2017 / 7 / 24 - 11:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ولدت الدولة السورية الحديثة عام 1920 في ظل الانتداب الفرنسي الذي شكّل لها غطاءً سياسيًا حماها من التدخل الخارجي، وولّد في أحشائها جنينًا برجوازيًا خادمًا وتابعًا له، في فترة الليبرالية ما قبل المتوحشة، أي قبل ولادة منظمة التجارة العالمية، أو ما سُميت بـ “الغات” في ما بعد، و”بريتون وودز”.
كان الانتداب سببًا أساسًا في إحداث تغييرات عميقة في عمارة المجتمع السوري خاصة، والعربي عامة، على المستويات المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ووضعت الأساس الرئيس لبذور ونمو قوى اجتماعية جديدة، ترعرعت وتطورت في ظله، مستفيدة من الوضع القائم، وحاولت، بل أرادت أن تكبر وتُطوّر نفسها بما ينسجم مع مصالحها، قوى بورجوازية هجينة، نمت في ظل تلاقح من خارجها، كيفت نفسها في الشرنقة التي غُلِّفت فيها.
جاء الوضع الجديد للدولة السورية الحديثة من خارجها، خُلخل البناء الاجتماعي القديم بعاداته وتقاليده وانتماءاته، ذو التكوين الماضوي، بقيمه وعاداته وطرائق حياته، بطبقاته الاجتماعية، كمالكي الأراضي والتجار والمزارعين، بعقله العشائري والقبلي، وبقِيَم ما قبل الدولة الحديثة، هذه الشرائح التي عاشت في ظل الاستبداد العثماني مدة طويلة من الزمن، وبدأ أفولها وضعضعتها وخلخلتها.
خلال فترة قصيرة من عمر الانتداب، انقلبت سورية رأسًا على عقب، فولد جيل شاب جديد طموح، وأحزاب سياسية جديدة، ومجتمع ينحو نحو المدنية، ومؤسسات دولة حديثة، كما قلنا، من خارجه.
كان السوريون بين فكي كماشة؛ هيمنة رأس المال الاحتكاري الفرنسي الذي خرج من الحرب العالمية الأولى منتعشًا، منتصرًا، يريد توظيف فائض انتصاره في سياسات عالمية، في البناء فوق الوطني، خارج حدوده، واستثمار أمواله الفائضة واقتصاده ما بعد الوطني في مشروعات سياسية واقتصادية في البلدان الصغيرة الهشة، كبلداننا التي خرجت من تحت حكم الدولة العثمانية المنتهية صلاحيتها، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمكانة العالمية.
هيمن هذا الرأسمال على القرارات السياسية، سياسيًا واقتصاديًا، وخلق قوىً سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة، مستفيدة من أجواء الانفتاح السياسي والاقتصادي التي وفرها الانتداب.
بدأ الوعي الاجتماعي بعد الاستقلال الأول عام 1918، وبعد قيام الملكية في آذار/ مارس من العام 1920، وحتى 24 من تموز/ يوليو من العام ذاته، وبُعيد الانتداب، وآثاره الاقتصادية والسياسية، يتجذر في المجتمع على المستويين: العمودي والأفقي. نستطيع القول إن هذا كان تمهيدًا لانقلاب العمارة الاجتماعية السورية القديمة، وتكويناتها السياسية والاقتصادية.
في هذه الفترة برزت أحزاب سياسية جديدة، مدنية التكوين، تنحو نحو طرح يتناغم مع الدولة الحديثة في العالم، والحرية الشخصية والعامة، وتقبّل الديمقراطية حجرَ زاوية في الارتقاء ببناء الوطن وحمايته والدفاع عن استقلاله السياسي والاقتصادي، والتغلب على العقل المناطقي والطائفي والعشائري والمذهبي، وجميع مفهومات ما قبل الوطنية.
كذلك برزت في هذه الفترة شخصيات وطنية، وأحزاب عقائدية وقومية ووطنية، طرحت برامج سياسية معاصرة، تقبل بتداول السلطة والانتخابات سلميًا، متأثرة بأجواء الديمقراطية السائدة. لها اتجاهات مختلفة، وطنية وقومية، ولها طرح سياسي اجتماعي يقترب من مصالح المهمشين والفلاحين والعمال.
إن الجيل الذي ولد في ظل الانتداب كان لديه طموح وطني أو قومي بعيد المدى: كوحدة سورية أو الوحدة العربية، أو وحدة الهلال الخصيب، أو سوريا الكبرى.
أسهم نمو الوعي الوطني في إصدار مجلات وصحف جديدة، ومؤتمرات علنية للأحزاب السياسية؛ ما جعل المجتمع في تفاعل وإخراج كل ما لديه، وما خزنه في حقبه القديمة والحديثة من وعي اجتماعي وسياسي، وبروز مثقفين وطنيين أسهموا في طرح بناء مشروع نهضوي عربي منفتح على معطيات الفكر الإنساني، وتحولت سورية إلى ورشة فكرية وسياسية كبيرة تنحو نحو الاستقلال والحرية.
حفزت أجواء الحرية كل قطاعات المجتمع على التعبير عن نفسها، من أجل سورية وطنًا كبيرًا وجميلًا يسعى نحو الارتقاء، وبدأت سورية تشقّ طريقها؛ لتثبيت موقعها دولةً ومجتمعًا، ونالت استقلاها عام 1946، وزال الانتداب.
إن الاستقلال في بلد جنيني التكوين، كطائر لم يكتمل الريش على جناحيه، وفي منطقة عربية مضطربة، منكفئة قواها السياسية على نفسها، جعل من سورية دولة هشة سياسيًا، ضعيفة، مكشوف غطاؤها السياسي، غير محمية؛ ما فتح عيون الجوار العربي عليها، فسعى للهيمنة عليها من موقع القيّم والوصي، سواء الدولة المصرية أيام حكم الملك فاروق، أو الدولة السعودية، أو العراق الهاشمي أو الأردن. وكل دولة لها ارتباطاتها السياسية الخارجية وطروحاتها، ومحاولة احتواء سورية والسيطرة عليها.
لو كان الواقع العربي ناهضًا لأخذ بيد سورية نحو بناء نفسها دولةً جديدة، والارتقاء بها، بيد أن ما حدث كان العكس تمامًا. العُقر العربي همّش القوى السياسية السورية، ودفعها إلى التذبذب والتأرجح مع هذه الدولة أو تلك، وتوزعت ولاءات القوى السياسية المهيمنة على القرار السياسي في سورية بين هذا الطرف العربي أو ذاك، ودخلت الأقطاب العالمية حلبة الصراع بعد انكشاف البلد على الجميع، وبقيت سورية وحيدة، غير محمية، ودولة فتية طرية العود في بداية مشوارها، دولةً مستقلةً، تعمل على غرس وجودها في جذور الواقع، وبناء نفسها ودولتها.
جاء الانقلاب الأول في الثلاثين من آذار/ مارس 1949، ليُعرّي سورية، ويعوّمها داخليًا وخارجيًا، ويُدخلها في تبعية سياسية للقوى العالمية المسيطرة على القرار العالمي آنذاك، كالولايات المتحدة وبريطانيا، وفتح الأبواب والعيون على وضعها، وفرض القدرة على توجيهها.
لقد حرص الانقلابي حسني الزعيم على اطلاعهم على نيته، وأكّد حرصه الكامل على التعاون والتنسيق معهم في مرحلة ما بعد الانقلاب، وحقق لهم كل ما طلبوه منه، في الوقت الذي عجزت عن تحقيقه مؤسسات الحكم المدني خلال ثلاثة أعوام من وجودها؛ نتيجة الضغط الشعبي وانقسام القوى الداخلية المهيمنة التي أعقبت الاستقلال، ففي غضون فترة زمنية قصيرة، لا تتجاوز الشهرين، كان حسني الزعيم قد أبرم معاهدة تمديد الأنابيب مع شركة نفط العراق البريطانية، وصادق على معاهدة “التابلاين”.
خلال بضعة أشهر، قلب رئيس الانقلاب المعادلة السياسية والاجتماعية الداخلية، وعوّم سورية، ووضعها تحت الوصاية الخارجية، وفعّلَ الهدنة، ووقع اتفاق الهدنة مع إسرائيل، وعرض استعداده للقاء بن غوريون من أجل التمهيد لإبرام معاهدة سلام معها، ووطّنَ مئتين وخمسين ألف لاجئ فلسطين في سورية، وحوّل الوطن إلى مطيّة له ولأزلامه وضباطه، ونهب أموال الدولة وصرفها على رجالاته والمقربين منه، وملأ المعتقلات بالوطنيين.
لم يكن في ذهن حكم العسكر بناء قاعدة اقتصادية، أو ركيزة اقتصادية للبناء عليها، فهمّش المجتمع والقوى السياسية، ووضع نفسه فوق الدولة والمجتمع حاكمًا مطلقًا ووحيدًا، واستهتر بكل شيء. ولولا الكبح الأميركي لاندفاعه؛ لرهن سورية وشعبها لإسرائيل بين ليلة وضحاها، ليس حبًا أميركيًا بسورية، وإنما كي لا تبدو أنها وراء الانقلاب، والخوف من النتائج السياسية على المنطقة برمتها إن تفلت الأمور من يدها.
هذا الانقلابي المستهتر، لم يكن لديه ما يخسره، ولم يكن يحلم بأكثر من وظيفة في مؤسسة حكومية، وفجأة وجد كل مقدرات الوطن بيده، فمضى يعبث فيه وفق هواه ومصالحه الشخصية الضيقة، وعقده الدونية والمريضة.
إن استهتار الزعيم بكل القيم الوطنية والاجتماعية، وتعطيله الحياة الديمقراطية ومؤسسات الدولة السياسية التي كانت فاعلة، وسياسة الانفتاح غير المتوازنة التي صبّت ضد رغبات الشعب، أدى إلى تشكيل جبهة وطنية عريضة من المعارضة، دخل في بوتقتها شخصيات وطنية وأحزاب وتكتلات واسعة.
في هذه الفترة شعرت الولايات المتحدة بدنو أجل حسني الزعيم، فمضت بحرق مراكبه، وفتح قنوات سياسية مع حزب الشعب، وأدركت أن زمام الأمور باتت بيد مجموعة من الضباط مختلفي المشارب، وحّدهم هدف واحد، هو التخلص من حسني الزعيم، وكل ضابط له توجهه وهدفه وتعارضه أو تناقضه مع الزعيم.
قام الانقلاب الثاني بقيادة الضابط محمد سامي الحناوي في 14 آب/ أغسطس 1949، أي بعد مئة وسبعة وثلاثين يومًا من الانقلاب الأول.
أعلن الحناوي، رئيس الأركان الجديد، أن الجيش تولى مقاليد الأمور، وأوكل أمور تسيير الوزارات إلى الأمناء العاملين، تمامًا، كما جرى في الانقلاب الأول. ودعا عددًا من الشخصيات السياسية المهمة والفاعلة في ذلك الوقت؛ للتداول بشأن الوضع الجديد، كأكرم الحوراني وفارس الخوري وناظم القدسي، إذ جرى تشكيل حكومة موقتة يرأسها هاشم الأتاسي، ريثما تعود الحياة الدستورية إلى البلاد.
بيد أن الانقلاب أبقى في يديه، نص البلاغ الثاني: “تشكيل مجلس حربي أعلى، يتولى كافة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية، وسلطة إصدار مراسيم تشريعية وتنفيذية، ريثما تتألف الحكومة الدستورية”.
أُعدم حسني الزعيم ورئيس وزرائه، محسن البرازي، دون محاكمة، بعد ساعات قليلة من الانقلاب الجديد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,098,070,592
- إيلين
- السمكة الذهبية
- شيء من الحقيقة والسوريالية.
- العودة إلى الانقلاب الأول
- الانقلاب الأول في سوريا
- الرأسمالية واقع موضوعي
- النص والحياة
- الطريق إلى أصفهان، جيلبرت سينويه وابن سينا
- فصل من رواية في الأرض المسرة
- من ذاكرة الجزيرة السورية 2
- لبنان والبحر وهمسات الريح
- رواية يريفان
- من ذاكرة الجزيرة السورية 1
- مقالة في العبودية المختارة
- طيور الشوك
- استراتيجيات الغرب وجاذبية الشرق الأوسط
- الخبز الحافي
- النظام الأمريكي بعد الحرب الباردة
- هل الظلم وحده يصنع ثورة..؟!
- ما تخلفه الحروب الدامية على المرأة


المزيد.....




- احتجاجات شعبية جديدة بالأردن ضد زيادة ضريبة الدخل
- رسالة دعم وتأييد من السيسي إلى عباس
- قائد قوات -سوريا الديمقراطية-: سنرد بقوة على أي هجوم تركي في ...
- مصادر لـ-فايننشال تايمز-: الملك سلمان غاضب ويعتزم إجراء تعدي ...
- مجلس الشيوخ الأمريكي يحذر السعودية من شراء أسلحة من روسيا وا ...
- التغير المناخي يقلص فصل الشتاء لحساب الصيف
- الدفاع الروسية: طائري القوات الفضائية الجوية الروسية يستعدون ...
- السلطات الصومالية تعتقل متشددا سابقا رشح نفسه لرئاسة إقليم
- مصر.. إيقاف شخصين في واقعة -تسلق الهرم-
- مقتل شريف شيخات المشتبه به الرئيسي في هجوم ستراسبورغ وداعش ...


المزيد.....

- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - آرام كربيت - الانقلاب الثاني في سوريا