أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين سليم - الساحة














المزيد.....

الساحة


حسين سليم
(Hussain Saleem )


الحوار المتمدن-العدد: 5590 - 2017 / 7 / 24 - 00:12
المحور: الادب والفن
    


البيوت حولها تغيّرت، تحوّلت إلى بويتات صغيرة، تقترب مِنيّ، تكاد تخنقني، لا فُسحة فيها للشمس، لا شجرة تزقزق عليها العصافير، أو أغنية تدخل مسامعك. الشوارع قذرة، تملؤها النفايات، أرصفة المشاة أُلحقت بالبيوت. وقفتُ وسطها، أتّكئُ على عصا، تسند هشاشة عظامي، هي تراكمات سنين؛ عفونة سجن وثلج غربة. مازالت جرداء، يزداد غبارها، صارت مكباً للنفايات؛ ملابس عتيقة، أثاث قديم، مبردات صدئة، فضلات طعام، حيوانات ميتة. لم استطع الوقوف طويلاً، جلست على كرسي قديم متهرئ عند أطرافها، مرّت عليه حيوانات سائبة، تقتات على فضلات المدينة المتراكمة فيها. وضعت يدي اليسرى فوق اليمنى على العصا قبالة رأسي. الكرسي لا يختلف كثيراً عن الكرسي الذي استعملته في الساحة الكبيرة، في سجن (ابو غريب)؛ سجن الخاصّة. كانت مسورة بجدران عالية من كتل إسمنتية، كحال مدننا وشوارعنا، تحيطها أبراج الحراسة من زواياها وجوانبها. يقضي السجناء جل نهاراتهم ، بين جدرانها العالية، منذ التعداد الصباحي حتى مغيب الشمس. بقت الساحة كما هي هناك، لم تتغيّر، كانت نظيفة نوعاً ما، ليس كساحة المدينة. الناس هنا تتنازع على الساحة، مرّة تُسيّج بأسلاك شائكة، وأخرى بصفائح خفيفة من الحديد، لكنها لا تدوم. كلّ واحد يريد جزءاً صغيراً منها، لبناء بيت أو عمل مهنة. كانت هناك على أطرافها مولدة أهلية للكهرباء، وفي جانبها سياج حديد يطوق مساحة معينة، قيل إنها موكب، ما لبثت أن تحوّلت إلى حسينية. وكم جثة حملت هذه الساحة أيام الحصار والحروب بما فيها حرب الطوائف! فهي ساحة لكلّ شيء؛ لعبة كرة القدم، رمي النفايات، الإعدامات، التحقيقات، مراسيم الطف، القتل، الأعراس، والمآتم، وفيها تنصب يافطات متنوعة لكلّ المناسبات بما فيها الانتخابات. عدتُ إلى المدينة، بعد فراق دام ثلاثين عاما. لا أحمل منها إلاّ ذكريات مبعثرة؛ من طفولة عابثة، وشباب يحترق. وجوه تحمل الحزن معها أينما حلّت، لافتات سوداء وأعلام مختلفة الألوان، في كل مكان. في العاشر من محرم، تجري مراسيم الطف في هذه الساحة. لم ارَ هذه الطقوس منذ زمن بعيد، قادني فضولي أن أشارك الناس وأرى. جاءت قبل أيام جرّافة وسيارة حمل لرفع الانقاض منها استعدادا لعمل المراسيم. قدر الساحة عندنا، أن لا تكون حديقة أو ألعاب أطفال، فهي ساحة قتال، هناك طرفان للصراع. وقف الفريق الحاكم وهو يرتدي الملابس الحمراء والصفراء، والفريق المعارض من الجهة الأخرى بملابس خضراء وبيضاء وسوداء، خلفه خيم النساء. عيناي تحدّقان في وسط الساحة، حيث يقتل أصحاب الحسين تباعاً، أسمع عويل النساء ونحيب الرجال الجالسين والواقفين. ذهب ذهني بعيداً، أذكر في هذه الساحة، قبل سجني في أبي غريب، أٌعدم ثلاثة شبان، كانوا هاربين من الحرب، جاءت سيارة الانضباط العسكري بهم، يرافقهم أعضاء الحزب الحاكم، بزيهم الزيتوني وأحذيتهم البنية وشواربهم الثخينة، وقبل ذلك بيوم جاءت سيارات الحمل بتراب الساتر، ثبتت أمامه ثلاثة أعمدة من الخشب. كان منظراً مرعباً، تمَّ فيه إدانة هؤلاء الشباب بالخيانة الوطنية، وإطلاق الرصاص عليهم، وسَط هُتاف بحياة القائد وزغاريد النسوة. الجمهور نفسه يقف الآن في الساحة، هم أباء وأولاد المحلة، كما وقف أجدادنا وقد ازدحمت الساحة بهم، لرؤية إعدام حسين الحلاج، بعد السجن، إذ قطعت أوصاله وأحرق جثمانه، ومن ثم نثر رماده في دجلة. لكن ما أثار دهشتي وجود أناس أعرفهم، قد تغيّرت سَحنات وجوههم، لم تكن كسابق عهدها، واضحة الألوان، مليئة بالحياة والفرح والأمل، لقد تداخلت الألوان، وكحال الآخرين رأيت أهلي أيضا، قد تغيّر لونهم. كنت أظن سأبقى لّما تبقَ من عمري في المدينة. لكن معركة أخرى بدأت، كانت شرارتها الساحة، هي نفسها قبل ثلاثين سنة مضت. لم أجد ما يشجّعني على البقاء من أجل تغيّر الساحة إلى حديقة أو مدرسة، فأنا الأعزل بينهم، كما كنت، دونَ عشيرة...
حسين سليم





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,654,917,549
- صحة الأرياف
- انجلس والصحة العامة
- مسدّسات
- قصة قصيرة : خوف
- همبلة 4 : أنت تعرف تسبحلوجي ؟!
- قصة قصيرة : سيميسدي *
- الإعلام الصحي
- صاحب المفتاح
- همبلة 3 : موكبكم ما يشبع بطن !
- همبلة 2 : ذني مو النا !
- أفكار
- همبلة 1 : لا تهمبلون علينا !
- شّوق
- الوطن والمنفى في كويستيان
- الصحة العامة للمرأة العاملة
- قليل الكلام : الأخلاق أم الدِّين أولاً !
- قليل الكلام :أنا-المواطن والبرنامج الحكومي !
- شيوخ
- سبعة ألوان
- حالات حبّ : عيون


المزيد.....




- السعودية تستعد لاستضافة واحد من أضخم مهرجانات الموسيقى الإلك ...
- جوجل تدعم ميزة الترجمة الفورية في Assistant على الهواتف
- الثورة العراقية طورت أفكار الفنانين التشكيليين
- علماء الآثار يكشفون لغز مخاريط الرأس بالفنون المصرية القديمة ...
- فرقة الموسيقى العسكرية
- -غوغل- تطلق أداة ترجمة فورية للهواتف المحمولة
- لعشاق الموسيقى فندق على شكل جيتار في فلوريدا
- ولد بوبكر ينصح الرئيس الموريتاني بممارسة الحياد في نزاع الصح ...
- إزاحة الستار عن تمثال الشاعر الفارسي رودكي في جامعة موسكو
- الإعلان الفائزين بجائزة ساويرس الثقافية 10 يناير المقبل


المزيد.....

- قراءة نقديّة سيميائيّة في بناء الشّخصيّة المركزيّة والدّلالة ... / محمود ريان
- من حديقة البشر / صلاح الدين محسن
- الفصول الأربعة / صلاح الدين محسن
- عرائش الياسمين / ليندا احمد سليمان
- ديوان الشيطان الصوفي / السعيد عبدالغني
- ديوان الذى حوى / السعيد عبدالغني
- مناجاة الاقلام / نجوة علي حسيني
- المراسيم الملكية إعلان الاستقلال البيان الملكي / أفنان القاسم
- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين سليم - الساحة