أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - محمد مسافير - اغتيال الطفولة!














المزيد.....

اغتيال الطفولة!


محمد مسافير
الحوار المتمدن-العدد: 5585 - 2017 / 7 / 19 - 07:52
المحور: حقوق الاطفال والشبيبة
    


شأن أي مغربي، درست في روضة الأطفال قبل سن التمدرس، ولم تكن تنعت بهذا الاسم إلا إجحافا، فقد شهدنا فيها من صنوف التعذيب ألوانا، كنت أخشاها قبل أن أكون سجينا بضيافتها، لِما كان يقتحم أذناي مما تخبئه جدرانها من ويلات، ولِما كنت أنظره في ملامح مُرتاديها من فزع ورهبة!
كل من كان يدبُّ حركةً في الشارع ينزع، على مضض، إلى السكون والجمود في حضرة المعلمة الجلاد، لم تكن تأخذها رأفة أو شفقة بأي منا ما لم ينضبط لقوانينها: أن يُجهد في الإنصات، وأن يتكلم متى أومر، وأن يقيد يديه ورجليه من الحراك حتى لا يحدث خشخشة لا ترتضيها، وأن يحفظ درسه جيدا، وأن يتجنب الابتسام، ويا ويله إن ضحك على نحو فاجر..
كانت تتفنن في طرق التعذيب، الفلقة كانت روتينا يوميا، أو أن تحكم قبضتها على عنق ضحيتها وتجبرها على الانحناء ثم تضرب بكل ما أوتيت على المؤخرة حتى تعجز الضحية عن استعمالها في الجلوس، فتجلس مقرفصة طوال الدرس، وإن اتفق لها أن تقتنص ضحيتين، فإنها تنطحهما بعضا ببعض حتى يكادا يسقطان بسبب الدوخة، وأحيانا تضربنا فوق رؤوس الأصابع بعد أن نشدها شدا، كانت تعمد إلى الطرق الأكثر إيلاما وكأنها تقتبسها من موسوعة كتبتها أنامل جلاد بمعتقلات سرية!
كان كل شيء يتم برضا الوالدين، يسلموننا إلى أياد الموت بأريحية، وإن سولت لك نفسك أن تشتكي لوالديك من الضرب فستلقاه مضاعفا بالبيت، ما عليك إلا أن تخرس، وتحرس جروحك حتى تندمل... وكم كنت أتصنع المرض عساني ألقى رأفة من أمي، وإن اتفق أن استسلمت لتوسلاتي وحاولت أن تحتفظ بي في البيت، فما كان أبي يصدق افتعالاتي، كان يشدني من أدني ويجرني جرا نحو مصيري المحتوم، فتستقبلني المعلمة أحر استقبال وأمَرَّه، تضرب وتلطم وتشهق وتنهق حتى تستنفذ ما بها من طاقة، ثم تستأنف الدرس...
ذات صيف، انضاف إلى قائمة المعذبين الأبرياء، طفل في التاسعة من العمر، حيث كانت تلتحق بنا بعض الحشود من التلاميذ الذين لم يسعفهم الحظ في قضاء إجازة الصيف، كانت تستقبل كل من هب ودب، والآباء لا يعترفون بشيء اسمه راحة التلميذ، همهم أن يطمئنوا إلى أبنائهم وهم يحملون كتبا يجيئون بها ذهابا وإيابا، أما مضمون الدرس أو جدواه فهم أبعد بكثير من أن يعيروه اهتماما، وهمها هي، أن تضيف إلى رصيدها أوراقا مالية إضافية...
حاولتْ ضرب التلميذ بعد أن اعتذر لعدم حفظه لسورة الغاشية، لكنه لم يجمد كما تعودنا أن نفعل، بل انتفض، قال لها بصوت جهور: ليس من حقك أن تضربيني!
ذهلنا لهذا الذي نراه أول مرة، تلميذ ينتفض ضد الأستاذة، ويقول ما لم نستطع أبدا قوله، كنا نرى جرأته وقاحة لا تليق بتلميذ مهذب، وفي نفس الوقت، كنا نعتبر تصرفه هذا ثأرا لنا، أما هي... فقد فتحت ثغرها عن آخره، ذهلت شر ذهول، وربما خافت في سريرتها، لكنها لم تمض في جمودها، فحاولت حفظ ماء وجهها، وانهالت عليه ضربا قاسيا، ثم طلبت من بعض من كبارنا إحكامه، وكذلك فعلوا، ثبتوه فوق الطاولة، وبدأت تجلده أسفل رجليه حتى اسودتا، حاول المقاومة أول الأمر، حاول ألا ينزف دمعة، لكن حرارة أنبوب الغاز الذي كانت تستعمله في الضرب، لم يكن إلا ليحمله على البكاء... ثم على الصراخ...
في اليوم الموالي، تغيبت المعلمة، فسَرَّنا الأمر كثيرا، علمنا فيما بعد أنها أصيبت بحجرة حادة على مستوى الرأس، لم تكن إصابة بالغة الخطورة، خيطت الفتحة التي خلفتها الضربة بست "غرزات"، الكل كان يعلم الجاني، فتسابقنا ببراءة نخبر عنه والديه، وما إن علموا بالأمر حتى سارعوا إليها لإصلاح ذات البين، وفعلا تمت التسوية دون أن نعرف الكيف...
ورغم أننا أبغلنا عن الجاني، إلا أننا كنا نضمر له احتراما لا مثيل له، كان بطلا في عيوننا، فقد استطاع مقاومة الظلم، وفي نفس الوقت، استطاع أن يطلق سراحنا لمدة أسبوع كامل من ذاك المعتقل البغيض!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كيف صعدت النجوم إلى السماء؟
- تجارة القلوب!
- البادية بين الماضي والحاضر!
- دعارة مشروعة!
- لف ودوران!
- الثأر المسلوب!
- شذرات نورانية!
- حبيبي دائما!
- سيرتي!
- صناعة الجريمة... الضحية محسن!
- هكذا يريدونك... جارية خنوعة!
- مذكرات حمار!
- إلى المقبلات على الزواج!
- الرهان المطروح لثورة ظافرة على ضوء أفكار تروتسكي!
- لمحة من تاريخ الحركة الطلابية التونسية!
- الإسلام... لله أو للإنسان!
- آفاق حراك الريف...
- حداثية من نوع فريد!
- تنويعات سياسية!
- تنويعات في نقد السماء!


المزيد.....




- ترامب يلتزم بالأمم المتحدة مجددا.. ويدير ظهره لليونيسكو
- اعتقال قطريين اثنين في كازاخستان
- الأمم المتحدة: عدد النازحين في شمال العراق 136 ألفا
- موافقة مبدئية على تمرير حزمة إغاثة للمناطق التي ضربتها الأعا ...
- الأمم المتحدة تجمع 340 مليون دولار للروهينغا
- 136 ألف نازح في شمال العراق عقب العمليات العسكرية الأخيرة هن ...
- رئيس وزراء المجر يعلن وسط وشرق أوروبا -منطقة خالية من المهاج ...
- أزمة الروهينجا: تعهدات بـ 335 مليون دولار في مؤتمر دولي للما ...
- الأمم المتحدة: عدد النازحين في شمال العراق 136 ألفا
- سفير إيران بالأمم المتحدة: القدرات الصاروخية الإيرانية غير ق ...


المزيد.....

- نحو استراتيجية للاستثمار في حقل تعليم الطفولة المبكرة / اسراء حميد عبد الشهيد
- حقوق الطفل في التشريع الدستوري العربي - تحليل قانوني مقارن ب ... / قائد محمد طربوش ردمان
- أطفال الشوارع في اليمن / محمد النعماني
- الطفل والتسلط التربوي في الاسرة والمدرسة / شمخي جبر
- أوضاع الأطفال الفلسطينيين في المعتقلات والسجون الإسرائيلية / دنيا الأمل إسماعيل
- دور منظمات المجتمع المدني في الحد من أسوأ أشكال عمل الاطفال / محمد الفاتح عبد الوهاب العتيبي
- ماذا يجب أن نقول للأطفال؟ أطفالنا بين الحاخامات والقساوسة وا ... / غازي مسعود
- بحث في بعض إشكاليات الشباب / معتز حيسو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الاطفال والشبيبة - محمد مسافير - اغتيال الطفولة!