أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمر المحمود - مرة واحدة














المزيد.....

مرة واحدة


سمر المحمود
الحوار المتمدن-العدد: 5582 - 2017 / 7 / 16 - 20:07
المحور: الادب والفن
    


عند ولادته أخبرت أمه الجميع أن ولدها سيكون من أكثر الرجال حظوة في البلاد لكنها بكت كثيرا في الأيام اللاحقة حيث تنبأت وهي المعروفة بحدسها القوي أن ولدها سيموت في عامه الخامس والثلاثين وتحديدا في شهر تموز ،
نبوءات والدته لم تخطئ يوما ما جعله يقرر العيش كيفما استطاع بعمر قصير يتيح له بضعة تجارب لمرة واحدة ،
في المدرسة الابتدائية أهمل دروسه حيث اعتبر أنه خارج منظومة القدر المستقبلي ، لكنه لم يترك هواية إلا وتحمس لها بشغف ، من العزف على البيانو والكمان والعود وحتى الطبل وأصر عل لعب دور العصفور في المسرحية الطلابية ،
حيث أثار امتعاض الحضور من حركته السريعة التي شوشت عليهم الرؤية بالرياش الكثيرة التي بالغ في إلصاقها على ذراعيه ،
في المرحلة المتقدمة من الثانوية جرب التدخين الذي أشعره بالكسل والخمول فأقلع عنه بعد فترة وجيزة ثم ارتاد بعض الحانات في مرحلته الجامعية وأخبر تلك الفتاة التي عاشرها :أن النساء يقتلن الحس المبدع عند الرجل وضحكت ملء شدقيها حتى أن لوزتيها بانتا كحبتي كرز حمراوتين قائلة بسخرية : أعتقد أنك.. منحرف .. قد تكون قاتلا متسلسلا قبل أن تغادر شقته مذعورة من هول الفكرة الفجائية التي خامرتها،
ومع شعور بالاستهزاء فكر أن النساء مضيعة للوقت وقضمه واحدة للتفاحة ستنتهي بذات الطعم ،
واضطر أن يعيش بوتيرة سريعة رغم إيحاء البطء في العالم الذي خلق فيه ، حيث عمل كسائق خاص في شركة لكن المدير طرده متهما إياه باللامبالاة ما أدى إلى عرقلة مواعيده ،
فعمل في وظائف كثيرة بعضها استمر ليوم واحد كبائع قهوة ، نادل ، عامل توصيلات في المطاعم ، وبعضها استمر لبضعة أيام لشيء ما أحبه في كونه رجل إطفاء ،
وقد خامره السرور حين وجد نعمته الخاصة في عمل تطوعي أشعره بإحساس غريب داخله عجز عن تفسيره بشكل سليم ، لكن الإنسان هذا الكائن التعيس المنتظر أبدا ، قد يفلح في العيش بالمنح والعطاء ، والبذل بالذوبان الإنساني مع الجموع
.. لكن ضآلة وقته أتفه من العيش بمثالية حقة
فتوجه نحو الفن عله يكون أكثر متعة وأقل تضحية، وعرض لوحته التي رسمها على إحدى الصالات، والغريب في الأمر أنها بيعت بسعر باهظ وحين سؤاله: كيف ...... ؟ .. رغم أنك لم ترسم يوما
أجاب: كل طفل فنان المشكلة كيف تظل فنانا عندما تكبر، مستعينا بمقولة فنان شهير .. إنه كذبة تجعلنا ندرك الحقيقة .. ورغم الإلحاح الشديد لكنه رفض الخوض في التجربة مرة ثانية ، حيث تحول للكتابة برشاقة سريعة فيها عبث وهزء .. (كيف تعيش حياتك بسعادة المرة الواحدة) وتهافتت عليه دور النشر بل إن الكتاب حظي بعدة جوائز وأصبح من الكتب الأكثر مبيعا في التنمية البشرية
في الثلاثينيات من عمره كان من أوفر الرجال حظا في البلاد بإدمان المرة الواحدة، ومع اقتراب ميلاده الخامس والثلاثون زار قبر والدته التي لم يتعرف عليها، حيث ماتت عقب ولادته كمدا وهما،
وضع الزهور على قبرها وشكرها لأنها بنبوءتها علمته كيف يكون حرا، في انتظار الموت
إنه شهر تموز، الشهر الوحيد الذي بدأ فيه يرقب ساعته ويحصي الأيام التي أصبحت فجأة طويلة تمضي بتفكير معذب كأنه عبد للانتظار بسؤال لحوح يهاجمه بين الغفوة والصحوة .. كيف سيكون موتي؟ ربما سيقع علي السقف .. أو ماس كهربائي .. قد أختنق بالغاز أو ربما ستدهسني سيارة في الغد .. حتى أصابه الهزال والشحوب واعتكف منزله في الطابق العاشر يحصي الثواني كأنها سنوات وقبل نهاية الشهر كان قد ضاق ذرعا بتأخر ذاك المنتظر منذ خمسة وثلاثون عاما ودغدغته فكرة أنه لن يموت بسرور مؤقت ما لبث أن تحول لجزع ورعب، مفكرا بسره أنه لا يمتلك المقدرة على تكرار كل ما عاشه بالإحساس ذاته الذي لن يعود مع استعادة الوقت، وعندما أحس أنه سيموت من انتظار الموت .. فتح النافذة على مصراعيها وجلس بينما رجليه تتدليان خارجها وشرع يرقب السماء الصافية السوداء تثقبها أضواء النجوم شاعرا بالامتنان لتلك اللحظة ، رجل في المنزل المقابل له يومئ له بسرور أن تصرفه لطيف وجريء في هذا الطقس الحار لكن امرأة ما ربما زوجته تشده من ذراعه وتغلق النافذة لكنها ماتزال تتلصص عليه خلف الزجاج ، يتمطط قليلا يحرك قدميه ويديه تأهبا ويرمي بنفسه من الطابق العاشر وفي هوة سقوطه يلمح الكثير من الكاميرات ويتبين له جمهور غفير مع اقترابه من الأرض وسيارة إسعاف ولم يفهم كيف تحول موته لحفلة شهيرة لكن التساؤل غاب مع ألم ارتطامه بالأرض ألم شديد يشبه طحنه بآلة حديد
شكرا إنه ألم مرة واحدة





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,842,951,817
- طبخة موروثة
- الريح العازبة
- رتابة مألوفة
- شرٌّ تبرَّج بمحبَّة إله
- خلفاء التاريخ
- بوصلة
- أرضنا وسماؤنا
- مُرَاهَقة
- نضج
- زيارة منتصف الليل
- صدق المنجمون ولو كذبوا
- عندما سقطت تنورة المعلمة
- شأن عادي
- نصف حلم
- جرائد الطريق
- عُطَاس
- قصة ( إلا الحذاء )
- لم تكن تجرؤ .. الحرب
- غياب في وجود
- الحق العمالي همساً


المزيد.....




- كيف نشأت الأفكار السياسية في الغرب؟
- فيلم كارتون روسي صيني يعرض في إفريقيا
- الاستقلال يفوز على البيجيدي ويكتسح 13 مقعدا في انتخابات اولا ...
- صفعة جديدة للبوليساريو بعد تجديد اتفاقية الصيد بين المغرب وا ...
- صناعة الغيتار بأيدي طلاب الموسيقى
- الإعلان عن محتويات -تابوت الإسكندرية الغامض-
- رئيس الحكومة: يتعين على الإدارات المعنية ضمان حسن استقبال مغ ...
- كيم كاردشيان تجني 5 ملايين دولار في 5 دقائق فقط! (صورة)
- بالفيديو والصور... موسيقى الشارع تجد طريقها إلى دمشق وشباب ي ...
- العثماني: تعميم التعليم الأولي ورش وطني طموح


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سمر المحمود - مرة واحدة