أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم الوراق - سوانح البيان (3-4)















المزيد.....



سوانح البيان (3-4)


إبراهيم الوراق
الحوار المتمدن-العدد: 5568 - 2017 / 7 / 1 - 02:53
المحور: الادب والفن
    


سوانح البيان
‏***‏
‏-3-‏
نعتذر كثيرا لهذا القفص الذي تنزف منه رعشة روحنا، وتتنهد عليه لوعة شوقنا، لأننا لم نُركَّب على إبقائه، وإفنائه، ولم نخيَّر في إرهاقه، وإراحته، ‏لكنه في أوهاق ‏الآلام، وأوجاع الآثام، ومهما كان عسرُ الحظ ميسرا بالدناءة، ومستساغا بالحقارة، لم يستجد فتاتا ينثر على الأرصفة الكئيبة، وينبت ‏بين الأعين الغريبة، ولم يستخذ ‏رضابا ينفث على الربوع التعيسة، وينضح على الوهاد الحبيسة، إذ لو كان ذلك إحساسا في قلبه، وصوتا مكتوما ‏في عمقه، لأيقن بأن ما لم يفهمه من كونه، لم يكن إلا ‏لطفا يكتب سطور كمده بمداد عشقه، لكنه لم يكن إلا شعورا يغري بعبث غربته، لأنه وإن ‏زادت حدة الوجع بحزن حرفه، والتهمته الأدواء في جِرمه، توقف عند ‏رتاج الباب الموصد، لكي يزيح عنه غل ما يسجن الذات في الكدر، والعقل ‏في الوضر، لأنه لا يتأود إلا لألمه، ولا يتأوه إلا لشوقه. وإذ ذاك، لن يصير ولهه إلا نفخة ‏في رماد، أو صيحة في واد. فلا عليه إذا أعلن عن ‏إخفاقه، أو عن إملاقه، لأن فقدان قيمه بين البداية، والنهاية، لم يترك له خلودا في ذهنه، ولا حضورا في كونه، إذ ‏لو استشرف شيئا غير ما وجد ‏فيه من حيرة، لكان حريا به أن يعد الثواني على مآدب الأوغاد بذلة. لكن أنى لذلك العبث أن يكون عنوانا على الذوات المنبعثة من ‏لغة العماء.؟
‏ أجل، لا بيان يغري، ما دام أدرك ما يعنيه المنطوق بخداعه من معنى الحقيقة، إذ مطلق العودة إلى الأعياد القديمة، لا يعد دقائقها إلا القلب ‏المدنف بعلة الضياع بين ‏غرور الخليقة، ولا يتباهى بها إلا فاقد الوصل مع الطبيعة، لأنه من شدة الغموض ظن الكون برجا فارعا، لا ترفرف عليه ‏في جميل الذكرى إلا الملائكة الأطهار، إذ لو ‏أمعن النظر في مجاثم الشيطان، لأغرى راحلته على السير إلى غدران الأكدار، لأنها لا تلبس إلا جبة ‏الإنسان، وهو لا يشرب إلا من آسن الأوهام، والأحلام. لكنه ‏لو كان ذلك في عز التباسه بالذات دافعا إلى الانتحار، لانتهى أمل كثير في سبيل ‏الخلاص، لأنه لا يقوم به الفعل على الاختيار، إلا إذا جرد المعنى لحقيقة متفجرة ‏بين شرايين صولته العصية. كلا، بل هو الأمل الذي يغذي الحياة ‏بآلام الرغبة في الاغتراب، ويمني الذات بأحزان الاحتراب، لأنها ومهما كانت غربة مجنونة في كثير من ‏تفاصيلها المعاندة للممنوع، والمسموع، فإن ما ‏فيها من عدمية باقرة لأبكار المعاني، هو الذي يجيب عن سر القضايا المتحاربة بين أذهان المتكلمين، وأذواق المتبصرين.‏
وإذا كانت نتيجة الأفكار الموت الناعم، والنسيان القادم، فإن ما في تغنجه من دنو، وما في تأخره من غلو، هو الذي يدفع المحتار إلى السؤال: ‏هل أنا موجود لكوني ‏موجود.؟ أم معدوم لكوني معدوم.؟ هنا يمتزج العدم بالوجود في سفاح، لكي ينجبا فيه لغة العبث، ولذة الفوضى، ويسكبا ‏في عمقه خمرة اليأس، وجمرة البأس، لأننا ‏إن لم نُجِب على حاجة الفراغ بالامتلاء، ولم نربط حبل الفقد بالوصال، لن نعيش أسوياء بين الديار التي ‏تحكمها إرادة القوة الخشنة، إذ لا يحق لمن يدعي الحقيقة، أن ‏ينكر فرض الحرية في تمام العبادة الحقة. فلم نعاند التاريخ، ونباعد بين الأقوام، ونحن ‏لا نرى شبح السلم إلا شلوا ضعيفا.؟ ربما لم يوجد متجسدا في العظمة، لأنه في ‏مُدركات المعاني تواضع، وحياء، ولولاهما في أحقية الائتلاف على ‏الأخلاق الفاضلة، لما أقر أحد لأخيه بالصفة، ولا أضاف إليه الخصيصة، لأنهما يبتعدان في النظر عن ‏مألوف الشهوة في الطبيعة، لكي يشهدا في ‏شروق العقل فردوس المجامع الوديعة. فالمساحة ضيقة، لأنها تنزف بغصص الإنسان المتألم الموارد، والمشاهد، وهو لا ‏يتحدث إلا بأشرس لغاته عند ‏الارتياب، إذ لا يرجو من صراخه إلا التبيين، ولا يأمل إلا أن يشهد على وجه الطفولة البسمة، والمنة. فهل سيفي كل كلام بما يفرض ‏له حق ‏التمكين.؟ لو نطق بغير ما يفيده وجعه، وهو المطلوب في سحر المحرفين لعهد الذمة القديم، فهل سيوقن بأن صوت يتمه قد خفق به لسان بكائه بين ‏العالمين.؟
لعل ما دهم هذا البائس من ضياع، هو ما يخشاه معانده بين ربوع التلاع، لأنهما لم ينزفا إلا بما تورم فيهما من صديد، ولم يهمسا إلا بما تركب فيهما ‏من حديد. فذا سؤاله ‏عن الوجود.؟ وذاك سؤاله عن العدم.؟ وهما في طرح القضية للنظر، لم يذهبا فيهما مذهب النصوص، لأنهما لا يبحثان ‏جوهر الأصل، بل يفتشان عما يسوقه المعنى ‏في الذات من شقاوة، أو سعادة، إذ لا ُيتهم في عقليهما إلا المارق، المفارق، لأنهما في الخشية سواء، ‏وفي الألم نظراء، إلا أن لوعة ذا صارت ألما، وروعة ذاك تغدو أملا، ‏لأن ذا يعيش الماضي بلا حاضر، وذاك يحيى الآتي بروح الآن، والحال. وهنا ‏اختط الصراع طريقه، لكي تبنى به العلاقات، وتنهى إليه المرامات، لأنه لا يدل على ‏النفي إلا في عقل من أراد الإثبات، وصاغ بالضد ما يختل به ‏الميزان، إذ هو موقن بأن رقته زوال لموجب وجوده، وعفته نهاية لصورة قوته، لأن عجبه بذاته، وترنحه ‏بكبره، هو الذي يمرعه بالبطر بين مَزَالِّ ‏قدمه، إذ إقراره بعلو كعبه على غيره، هو الذي يجيز له قطع شجرة قريته، لكي تكون أركانا لبيت زينه بنزوات غروره، ‏ورغبات زيفه. فكيف ‏يعانده، وفيه سر روحه.؟ كلا، كيف يرضى بالحق، وهو كارهه.؟ وكيف ينسف الباطل، وهو روحه.؟ سيكون هذا غباء في التحليل لما ‏تتكون ‏منه القضية من أعراض، وأغراض، لأن اقتضاء ذا لذاك، هو الذي يمنح الوجودَ في الحياة المتنازعة، إذ هو السبيل الأقوم إلى الاستيلاء، والمحيط ‏الأفجر ‏بالاستقواء. وأي وجود أفجع للذات من ضعف يدني من الفناء.؟ لن نعدو جوهر العلة، ما دمنا نشهد في الضدين سبب اختلافهما في ‏الافتراض، أو الاعتراض، لأنها ‏بدون أن تبرز على معلولها، لن يفهم ما في ضميرها من مدلولها، إذ درك ذلك بالعين الثاقبة، هو الذي يصنع من ‏الاختلاف ائتلافا، ومن الشقاء ارتياحا، لأن طالب ‏السعادة في الحقيقة، هو من وهب ذاته لحفظ ما تحمله من عبء الوصايا، والعرايا. وإذا ‏انتهت كلمة الخير بين ألفاظ المباني، صارت أفعالنا بدون قيم تبني رسيم ‏المعالي، لأن كمال الفعل في العاقل، هو ما ينتجه من قيمة، وما يُكسبه من ‏مزية، وإلا، تحدثنا عن ضرورة وجود الإنسان بين معالم الحدود المسيجة، ونحن نغتصب ‏حقَّه فيما يهبه عشَّ الأمان، لأن ضرورته في ماهية حقيقته، ‏ووجوده في حيازة نصه وبفصه بالفرض، والتعصيب. وما دمنا لا نرسمه بحدود جوهر فكره، وكنه أثره، ‏فإننا نؤسس لبيت يشقى به ساكن ما يموج ‏فيها من غموض الأفياء، والأمداء. ‏
وإذا تعرت الذات من الحدود، وفقدت زينة القيود، وانهار فيها حصن المعنى، وتاهت بين دياجير الفراغ، كانت الحرب شرسة، والنتيجة حرجة، ‏لأنها بعناد الضدية، ‏لن تصنع هرم أخلاقها، إلا مما يَرفض سموَّه مُقتفِي آثار غفلاتها، وسقطاتها، إذ لا يمكن للقيم أن تحاكي ما نطمئن إليه، إلا إذا ‏استوثق الجناب بما يخوض غمرته من ‏أطوار، لأن ما يرومه كل واحد في تعبيره عن جوهره، لن يتجاوز ما في ترقوته من غصة، أو من عضة، إذ ‏غاية ما يبتغيه المرفَّه بالنعيم، هو الإقناع بما تدل عليه ‏الأخلاق في قاعه من معان سالبة، وعلة ما يرتجيه البائس بين دروب الحرمان، هو حدة ما ‏يعول به من بكاء، وهجاء، لأنهما في تفاصيل الصناعة سواء، إذ لم يلغ ذا ‏في خطيئة ذاك، إلا ليسمع صراخ النجدة، أو الاستجداء. فكلاهما لو ‏تحررا من غمرة الأوجاع، ووحشة الأطماع، لكان للسؤال مغزى آخر، وفحوىً تدل عليها صفي ‏النيات في سني المرامات. لكن تطلاب القوة لمنابذة ‏مواطن الضعف في الذات الشقية، لا يكون هيبة تنال بها بسمات الوجوه المتعاندة، إلا إذا أُشتري الشيء بروحه، ‏وأبتغي منه ما كمن في ظلاله، ‏لأن الخلوص لمنتهى القوة في الطبيعة، هو العلامة على استحواذ الضعف في الكلية، إذ لا يحق لها أن تقدس حقيقتها في الماهية، ما لم ‏تكن أمنا في ‏مورد تزدحم عليه الأعناق المتناكرة. ‏
قد يكون الجهد ضائعا في كثير من مسارات الفكر البشري، وفاقدا لرصيده في صياغة الكون الإنساني، لأنه فيما عبد من نيات، ولذات، لا يزيل ‏بانفعاله جرح ‏الذوات الكئيبة، ولا يحصر بانسداده ورم الديار الكليلة، وإن أفضى بعض مما لمع عليه إلى التماس الحنان في الخيالات الجانحة، ‏والخلجات التائهة، إذ تمام قدرته على ‏طي المسافات بين القلوب الواجفة، هو في كمال قدرته على سكب روح الوداد بين الأحضان المتباغضة، لأن ‏بؤس المحروم لا يداويه إلا صك الأمان، ولا يعالجه إلا ‏صريح البيان. لكن ما حفر حُفرَ الخراب في رسوم الحقيقة، وأزال القناع عن رموز الطبيعة، ‏وعرى فتنة العقول الغامضة، وكشف غرة النفوس الخادعة، هو ما يفرضه ‏العقل الفردي في دم الجماعة، لأنه لا يصنع إلا حميَّة في نظيره، وشبيهه، ‏إذ لا يصطرعان إلا على أمن الذات الخائفة، ولا يصطدمان إلا على كسب اللذات الكاسرة. ولا ‏شيء أدل عليها بالمطابقة، إلا ما يعتقده كل واحد ‏من تفردٍ ألهمته السماء للخصوصية، أو تميز أهدته الأرض للفرادة. فسواء هذا الذي تحدث بحق الآلهة، أو ذاك الذي ‏يهتف بواجب البشرية. ‏وكلاهما في عز طلب الإطلاق للفكرة المستحدثة، لن يكون في صوغ حقيقته إلا نسبي النظرة المستحوذة، إذ لا يحدث الجدال في شيء من ‏القضايا ‏الاعتبارية، إلا واستبان العقل فيها طريقا، ويقينا. وإذا استوحشت العقول بعضها، صار حديثنا حوشيا في مجامع العقلاء، لأن ما نتحدث به خارج ‏الوعي ‏المدرِك للكليات المتآلفة، هو الذي يجعل الرشيد فاقد الذات بين أحلام الشتات، إذ منطق القضايا في القياس سيكون معتلا، لأنه يزن ‏الحقائق بمعيارين مختلفين؛ ‏فذا يرى جِرم ذاته فيما يزن من حزنه ضحيةً، تظاهرت عليها علل الزمان، وعقد المكان، وذاك يراه فيما يقيس من طمعه ‏سوطا هيأته الطبيعة، ليكون حقا ينزف من ‏غور السياف المجلل بتيجان العدالة الأزلية. فكيف يمكن لعرس عانق فيه الكره غريمه، أن يكون ‏ميلادا لساعة الاحتضان، والاحتواء.؟ ‏
في ذلك اليوم الأغر، والزمن يعدنا بالحظ الأبهر، دلفنا إلى الملعب الأولمبي، نرمي الجلة يمنة، ويسرة، لكي نصيب الهدف الأصفى، فننال جائزة اليوم ‏الأجلى، كان ‏سؤالنا المردد على ألسننا: هل يتذكرنا كما نتذكره.؟ وهل يحاكي صوتنا كما نناغي همسه.؟ ربما من حدة حزنه نسي انتظارنا ليقظته، ‏وغفل عن ارتباطنا بلفتته، أو ربما ‏من شدة الغلو في استفاضة المشاعر التي تجمع جنون عقولنا، وعقل جنوننا، ونحن بدد بين أعياننا، ولبد على ‏أطيافنا، كان رأينا واحدا، وقصدنا منفردا، لأننا ولو ‏أدركنا سبب اختلافنا، وعلة انتحارنا، فإن غبن الديار يربط جمع افتراقنا بشطن الذكريات ‏الشاردة، وكأننا نداري هشاشة ذلك الخيط المفتول بين ذواتنا، لئلا نفقد ‏البوصلة بين العلامات الغامضة، فنتوه عن خط العودة، ونضيع بين سديم ‏الرؤية، وهباء الفكرة. لكن هل هوت عباراتنا إلى القاع، وانهار منا الباع، لكي ينفجر من ‏قسوة الصخر ما يثقل الفؤاد بلواعج الانكسار، ‏والانهيار.؟ سنظن ظنا سيئا فيما جمع بيننا من ميلاد، ولو تواعدنا أن لا نختلف في الميعاد، لأن السبب الذي تعانقنا ‏به، لم يكن معقول الاختيار، ‏ولا معلول الانتظار. فأنى له أن تصفو به المرآة، فنرى وجوهنا طافحة بالأمان.؟
فلا حرج إذا أدركنا تفاهته بعد زوغان البصر عن الآمال الحانية، ‏وتوهان الذات بين غابات الأحلام الموحشة. فالبشاعة التي تنكر زهور قمم جباله الشامخة، هي التي ‏تمنحنا الحكمة، وتهبه الجفوة. وربما قد تجود على ‏الفنانين بعطش الخليقة، وتعود على البنائين بشهوة الطبيعة، إذ ما حكم به اللون اللامع على شاحب اللوحة اليتيمة، هو ‏الرأي المتناقض عدله في ‏التقدير، والاعتبار، لأننا قد اختلفنا في تحرير الرأي من غلونا، وتدوين القرار بسمونا، فصار لكل واحد منا سبب إلى الطريقة المثلى، إذ لا ‏لوم ‏على من لحنت أنامله في معبد الصمت، وهي غير ناطقة إلا بالهمس الأوفر، لأن ما تعركه الذات من نصوص، وفصوص، هو الذي يجلي حقيقة ‏الجدار، ‏والبستان. ولذا، لا جدوى من طلب ما ليس لنا بالاختيار، لأننا حين نطالبه بالحضور، لا نبني إلا عدم الفحوى في الرغبات، إذ السخرية ‏الملازمة لنا، لا تتحرك إلا ‏حين نفقد الأسرار، ونغدو أسرع إلى الظهور، والإجهار. فمن الذي سرق البهجة، وهدم المنة، وأبقى الديار خرابا.؟
قد يعرض بعضنا على بعض شرة قوته، لئلا تعترينا خفقة الموت، وسكرته، وربما نتآلف في ‏مجموعات، ونتكامل في تنظيمات، لئلا نفقد شرط الحياة التي نعشق إلفها، ‏ونفرح لإيلافها، ‏فنغدو أشباحا تبني قلاع الخوف على جماجم الظلام، وأرواحا تسري بين الأمداء بجلبة ‏الصبيان. لكن هل كان هذا رعدا.؟ أم كان برقا.؟ لو كان ‏لأحدهما عليه أثر ‏صونٍ، وانحاز الطيف فيه إلى مسام لونٍ، لانتهت صحة وصية الأب لابنه، وهو يعده بأن ما لم ‏يكن سعير شهوة بين الدروب المفتونة، فلا محالة، ‏سيكون في حصيلة المحروم بكاء، ‏وفناء. فهل كنا على علم بذلك، لكي نحترح ما كتبته الألفاظ المهجورة.؟ لن يقهرنا ‏ذلك الاختلاف المصاغ ضوءه من شمع التزييف، ‏والتحريف، لأنه لا يرفع بهمته أركان الدير ‏بعفو الفرائض اللدنة، ولا يعلي بظله ألحان الحان الممرع بالأوزان اللينة. فهو وإن أبدى غرقه ‏بين قيعان ممرعة بالطحالب ‏الرخوة، لا يخفي أس الأحلام البسيطة الكلية، ولا ينكر نوال ‏النصيب من قسط الطبيعة. إذ لو تحقق لنا شيء من روحه، وصرنا به أحياء بحريتنا، ‏لاكتيفنا به عن ‏المزيد من عرضه، ولألجمنا الحلم عند بابه، لئلا تضيع منا مسحة أمل بين ‏أرزاء الحياة الذليلة. فهو في صوغ المعنى بدلالة المطابقة، تلك الذات المتحررة من الموت، ‏‏والأجل الآتي عذره من وراء الديار الواثقة الصلات. ومتى صمت اللسان عن تطلابه، كانت ‏نجوانا حقيقة مسموعة بين آفاقنا المنهكة الطلب، واللغب. لكن لم نسرع ‏الخطو نحو النهاية، ‏والموارد تشهد على تخاذلنا، وتقاعسنا، والمعالم تبدو أطلالها كريهة، ورديئة، والأماني ‏تغشاها ظلة الخوف، وغمامة الضجر.؟
‏ إننا لن ندفن جماجمنا تحت رماد معاطنها، إلا إذا أيقنا بأننا قد اجتزنا الفصل الذي يقطع بيننا وبين هجوع ساعات الساحات العامة. وهناك أُمتحن الشقي، لأن أشد ما ‏‏يربك كبده، هو حبه للبشرية الغافلة، إذ لو استأذن في البعاد، لرأى غلمة الأوباش نارا تحرقه، لأن عقاب الطبيعة لمن خالف ناموسها، لا يكون إلا بالنيران، ولو هم ‏بإلقاء ذاته في أتونها، لشهد تلك العاهرة ترقص بين عينيه، وهي تزق في حلقه ماء الحياة، لأنها لم تكن إلا طبيبا يداوي جراح المقهورين، ولولا ما فيها من أمل بين ‏صرير الأقلام التي تكتب عهرنا، لما ارتحل إلى حضنها مرتجي الآمال، إذ لا يحق لنا أن نتعلم درس التضحية إلا من سؤر المجذوذين، وظمأ المحرومين. فكيف لوجه ‏‏الأرض أن ينسى مرسوم الطاعة التي تبتلنا بها بين مغابن معبد الخنى، وهي التي تعيدنا إلى مياه الحياة الصافية، فننعم بالأكنان الناعمة، ونسعد بالشموس الدافئة، ‏ونستمتع بالصخور الصامتة، ونتلذذ بالبحار الغامضة.؟ ربما قد يكون ‏في هذا المقام اغتراب الجسد، والمعنى، لكن ما ننادي به من مواطن الحكاية، هو ما يستلزم ‏الغضب بين مكامن الطليعة، لأنه تحذير في موطن الانحناء، وتخدير في موارد الالتواء، ولو لم يكن كما ‏تشير الإشارة، فماذا تفيدنا بسمة الأرض، وهي تخاطب القمر، ‏وتناجي الشمس، وتغازل الفضاء.؟ ‏
‏***‏
‏-4-‏
لعل استمساكنا بخيط البيان، واعتصامنا بحبل الكتمان، لا يُجري فينا كامنا تضرم من الشقاء، ولا يُورِي منا لاعجا تبرم بالدواء، لكن لسنا نرى ما ننتزع وقدته من مهج ‏‏الأعماق، إلا رسالة دونت ما تفتت من غبار الصخرة الهامدة الأتواق، والهادئة الأشواق، لأن بطل المأساة في خرافة القصة، لم يكن إلا لحنا يحاكي نغم المزامير التائهة، ‏إذ ‏لو قُرأ من تألق المعنى الفاتنِ سرُّ احتكاره لأصداف قضيته، لكانت عواطفه عاشقة للحياة المبللة برذاذ العطر في عمقه، وإذ ذاك، لن يجديه شيء يحبب الموت، ‏ولن يغنيه معنى يرفض ‏السعادة. وربما قد يجعله ما يعتد به من تبختر مفتاحا للسر الغامض بين الديار الواجفة، وبابا مفتوحا لفك الرموز المكتومة بين الأديرة الحائرة، ‏فيشهد ما عليه من خمائل الأسماء، ‏وجدائل الأوصاف، وغوائل العنوان . فليهنأ بالا بما احتواه من ندى، أو بما اخترقه من مدى، فإن ما يقربه من عذاب المجالب ‏الكاشحة، هو ما يحجمه عن الاغترار بسؤر ‏المآدب الداعرة، لئلا تزرع شجرة حياته على نهر تزف إليه أنواء نحسه شؤم تعسه، وبؤسه. ‏
‏ ومن الغرابة أن الثمن كان غاليا، ومهما التوى على كمد الضعف بين فورة الافتخار الفاجر، إذ المهر الذي ندفعه في إرضاء جبروت الأرض، لا يطيق ‏تقدير خفقه من ‏يُعمي على تشوف أعماقنا بالاعتراض، لأنه كما أبتلي الطفل بحكاية الأساطير الخارقة، فإنه قد كرع جرعة عشقه من يم الأحلام الخائبة، ونهل سوْرة أمله من مياه ‏الخيالات الجارفة. لأنه حين لم يعثر على المرآة المجلوة، لكي يرى عليها لون وجهه، لم يمكن له أن يدرك جماله، إذ لو ظهرت له المرائي صقيلة، لاحتاج إلى زيادة الجهد في ‏نظافة ملامحه، لأنه لم ينشأ إلا على ما تعوده، إذ لو رُبي على ما تقضيه القداسة، لسجد في محراب الطهر سنين عديدة. فلا عليه إذا تغذى مما استمرأه قديما، ‏واستوحشه في غرة العنفوان، لأن ما يدفعه ‏من أهواء إلى أن يشعر بالنظام في الفوضى، هو ما فقده من إحساس الحدب بين الجبال المتعفرة بالصلادة، والمتورمة ‏بالقساوة. فهل رغب في أن ‏لا يزال عن صخره ما علق به من صلصال المعاني الخلدية؟
‏ ربما من شدة عبادة وثن الطين، والركوع في معبد اليقين، نسي مصافحة الآلهة ليده بمستها الحانية. ولذا، لم يبق له بين مجاري النظر ‏إلا تيه احتارت قدمه في الجري ‏عليه، وفراغ يجتازه بسرعة لا تدركه، لأنه قد فقد الإحساس، وغدا إحراقه بدون ألم، وجرحه بدون نزيف، ونظره بدون مدى، إذ ما احتشد عليه من صريف الأقدار ‏المتعبة، لم يعرفه بما هو واقع، أو منتظر، لأنه كان حريا أن يكون نسمة روح في نظيره، فاختار الاستقلال بين دائرة ذاته، فكان عقابه فقدان وجهته. وها هو يخب ‏مهرولا، ومجرولا، وكأنه يجري به الكلب بين النيران، ويسعى به الظمأ بين الغدران، لكنه لم يدر إلى أي مهيع يسير، وإلى أي منبع يطير. ولو سار به الكمد فيما تبقى من ‏وهجه، فما يراه مآلا لكده، هو السواد الملتف حول أفقه، لأنه وعلى الرغم من رضاه بعناد هفوات دربه، لا يرى أنفاسه إلا روحا تطيل ‏أجله، وتديل أمده، إذ ما ‏عساه أن يفعل، وقد أضر به ما انهار من عذريته، وسذاجته، لأنه لن يبرح حزنه إلا إذا فقد سره، وغدا لونه شاحبا بين حدائق ‏الزهر المبثوثة على ضفاف نهر ‏الخداع. كلا، بل المشي على جدد المعنى، قد يصير مع سفه القوة جريمة نكراء، ويغدو مع العجز برهانا على الاستقامة، ‏والثبات، لأنه إن طال به الأمد بين المسافات ‏القصيرة، ولم يقطع منها ما يريح عقله، ولم يجن منها ما يثري عينه، فحسبه أن ينظر إلى السماء بعين الوداع، ‏لكي يبكي على جدث الأماني المغدورة، والأحلام المخذولة. ‏وإذا كان هذه علة في الوصول الذي نتحين فرصته، فإن تأخر قافلة الأمل عن الورود، لن ‏يكون إلا غصة في مرتجي الصدور. وأي ذنب أشد جرما من مخالفة ما ‏قضى به الميزان من أوزان، وما لصق بالقيم من أثمان.؟
قد يكون ذا، أو ذاك منحرفا في السير المرغوب فيه، ومنعزلا عن الركب الراغبين في مسرة الديار، ومبرة الأدوار، لأنه لا يتشكل إلا في تربة الآدمين، ولا يمثل إلا ما ‏تقتضيه البشرية من ‏عقل، وهذيان. ولولا ما ندركه من أفق بلا فضاء، ونجوم بلا سماء، لقلنا بأن مخالفة الرسم الذي وضعوه للامتحان، هو سبب في كسب اللعنة ‏التي تجر ذيلنا بين العيون ‏الكريهة، إذ بها تهان الهامة المدفوعة إلى الاحتراق، وتدان الهمم المرفوعة إلى الآفاق، لأن غياب عمق الصولة بين ظلال السماء، لن يخلق إلا ‏مكانا بلا زمان، وزمانا بلا ‏إنسان، إذا ما تساءل الشك في منازل اليقين، إلا لأنه بدأ يحس بخفوت الصوت بين ضجيج النداءات المتصارعة. وأي نول سيفرح به هذا ‏الملتصق بالعجز، أو ذاك المفترس بالحيلة، مادام العهد يرفق بناكثه، ويقسو على الوفي المقتول على ذمته.؟ لعل ما نخاله متعلقا بنا من حسرات يابسة، هو ما تجذر ‏جذره في الذوات المسكونة بصوت ‏التاريخ، والجغرافيا، والأعراق، واللغات، والثقافات، والفلسفات، لكن ما انكمش في أجسادنا من تجاعيد الزمان، وما انحسر في ‏أذهاننا من تلاوين المكان، لا يشدنا إلا إلى لحظة سجينة في الذكرى، وفي ‏أحايين كثيرة، تكون العودة إليها شكوى، إذ لا نطيق أن نرفع عنا صخرة الألم بعنف، ولا أن ‏نتسلق الجبل بقوة، لأنه قد أنجبنا الهباء بين الأشلاء محرومين، وأوجدنا العماء بين الديار مقهورين، ‏فكيف سنعود إليه، وهو لم ينبت شجرة، ولم يترك منة.؟ كلا، بل ‏ودعناه بوجه متقزز، ونظر مستوفز، لأننا لم نخرج عن فصيلة البشر، إذ هو لم يوجد إلا ليتطور. لكن ما انبعج في ذواتنا، هو ذاك الألم الذي يعادينا بصوره، ويباغتنا ‏بطرره، لئلا يفقد أكتافنا ‏المبللة بما ينزف فينا من طين الخيبة، وطعم الخسران.‏
تلك الآمال التي جسدت نهايتها هذه الأقدام الحافية، وهذه الأشلاء الخائرة، هي رمز وجودنا، وسر خلودنا، لأنها تكتنز جهدنا بين الدروب الطويلة، إذ لا ‏يصعب أن ‏ندرك في الضعف الهوان، لأن ما انطوينا عليه من وصايا، يحدد فينا قيم المعاني الجميلة. لكن أن نهوي في عمق سحيق، ثم نعلل هزيمتنا بما لقمناه من أثداء خرافات ‏العالم السفلي، فهذا ما يجعل زمننا ‏لحظات معدودة في المكان، لأن رفع الحرج عن النظر، وإزاحة الغشاء عن الأفق، يوحي إلينا بأن الهبوط إلى الأدنى، ما هو إلا قدر ‏يحيطنا ‏بقيود ما نفخ فيه من زؤام الذوات المتعالية، لكي يثبت فينا قدرته على الرفع، والخفض، إذ لا يجوز أن نفارق هذا السجن الذي نقشنا على جدرانه، لكي تكون ‏علامتنا منقوشة على ‏براءة الفنان، وطراوة العمران، لأن فعل الصراع بين الضدين، وأثره في حدوث الانفعال بين الوجود، والعدم، لن يتوقف سعيه عند سبيل، ولن ‏يترفق به ضليل، وأنى له أن يصير في صوغ الحب برهانا على التسامح.؟‏
من خلال ما تئن به عقارب هذه الساعة التي تدق على رؤوسنا، ويحدث طنينها في آذاننا لحنا شجيا، نقرأ كثيرا من الخطوات الثقيلة التي نرفعها بين الديار ‏مقيدين، ‏وندرس جليلا من أنفاسنا التي نفجرها بين المشاعب منكسرين، وكأننا نؤكد للآخر أننا ما زلنا هنا مهرولين، لأننا في بحر النهاية، نسعى ‏إلى أن نثبت أن لنا عرينا ‏نؤوب إليه عند فقد البداية، وهو أقوى من كل التصورات التي نزفت من غيرنا، لكي يوضح لنا ما عساه أن يكون ‏غريبا في صورة قوته، إذ ما تخمر في حالنا من ‏جهل بالموارد، لم يكن قدرا محتوما علينا، لكي نصير به هشيما، بل كان ساعة متشظية من الوعي الذي نكسب به براءة المواقع، ونبني به أفق المطالع، ‏لأننا وإن لم ندرك ‏ماهية لما نريد، فحسبنا أننا نبحث عنها في المتافيزيقي، والطبعي، وربما من شدة غموض الانكسار الذي يبدد الحلم، ويدون الوهم، قد ‏أيقنا بأن ما يكمن في طوباويتنا ‏من آمال، هو السفينة التي نعلق بها أماني النجاة من غوائل الأحداث. فلا غرابة إذا انطلقنا من اليابسة، حيث الصراع محتدم، لكي ‏نصل إلى جزيرة النوارس، ثم ‏ننيخ عند بركة الطواويس. وهناك سينسدل على الصدر وشاح الأمان، لكي تنصهر في بياض شلالات الفضيلة غير المحدودة. تلك هي القضية التي نقرأها من ضفائر ‏الشفق، ونحن حيارى، نرقب نجيمات ‏السحر، لعلها تخبرنا بما توارى وراءها من صبح يتنفس حرية، وكرامة. ‏
لكن حين يقف الطفل متوثب العين، وبصره زائغ، وجرمه مائل، فيرى جسم الصخرة أمامه، وهي في صمها تخيفه، فيناجيها، ولا تناجيه، ويخاطبها، ولا تخاطبه، ‏ويسألها، ولا تجيبه، ‏فيذرف غربان دموعه منكسرا، ويزفر بشهقة يردد صداها فسيح الأرجاء، ثم يتوه بين شعب ألمه منجردا، ويهرع بين أطلال كمده منعزلا، فلا ‏يرى ‏بين أمدائه مجيبا، ولا شفيعا.! هناك يدرك أنه لا يملك أرضا، ولا ينتمي إلى سماء، لأنه لو أقر بذلك طالب بؤسه بمحذور ما تردده فلوات غبنه ، لكان ‏حفيا به ‏أن ينال من حلكة الديار نفحة هامسة، إذ هو لا يريد إلا أن يحس بمعنى المهد في قلبه، ولا يرجو إلا أن يتذوق طعم الأمس في سربه، لأنه ‏لن يكون ظهر المكان له ‏بساطا يمشي عليه، ما لم يشعر بأنه قد امتلك فيه مساحة، أو سافر عليه مسافة. وما دام لا يمتلكه بين دوح أمله، وأفنان ‏حلمه، فلا محالة، سيقول: أين الظلال ‏التي كنت أتفيأ خداعها.؟ هل نفرت مني.؟ أم كرهت جِرمي.؟ أين الأحاديث التي كنت أصدق أغاليطها.؟ هل جفت في ‏حلق خُلاص ودي.؟ أم صارت لحنا ‏مستفزا في رديء زمني.؟ سيكون متذمرا، وسيغدو متبرما، لأنه بعد حبور غدوه، وسرور رواحه، لم يلو على شيء ‏يهديه لتطلاب غده، ولم يطو على عهد ‏يسوقه إلى أمانه، بل غدا ما يملكه خرابا، وما يشهده بوارا، فكيف سيكون حليما.؟ ما أشقاه.! إنه إن أصر على العناد، واعتقد فيما خذله الكمال، لن يكون إلا ‏ناسيا لعلته، وغافلا عن سبته، إذ لا يملك بين أشلائه إلا شلوا ينتفض بوخز روحه، ‏ووكد نظره، ولا يحوي في أوصاله إلا على مزعة كدر تسترخي بين توابيت ‏همه، وتلافيف غمه. وها هو بعد محن الدهر قد أيس من الأكنان، ويئس من الأفنان، ‏فلم يخلف في يده إلا ما يقيده، أو يشنقه، لأن المقام الذي يدينه، هو محل ‏للسلب، لا للعطاء، وموئل للوحشة، لا للزهور. ‏
فواحسرتاه.! لن يمشي بمشية الطاووس، ولن يفرح بنغمة الناموس.! إذ لو قطع عنقه، لكان أرحم به من حبس نظره، لأنه لم يكن إلا ضحية قدمها الكاهن ‏للأشباح، ثم التوى على مريء قيئه، فكان طعامه في سره، وعلنه، إذ لو كان الروح ساريا فيما أغاضه، لأيقن ‏بأن ما يحترق في سحره من عشق رسومه، لن ‏يصير إلا شفوفا يَروي صور طبعه بالحنان، والبيان. لكنه لم يدرك في القريض إلا جريضا، فلم يُنشه ‏ما سمع من أشعار، أو ما درسه من أنظار، إذ ناظم القصيد، لم ‏يكن إلا جلفا في مشهد الحصيد، وناقل الخبر، لم يكن إلا كذابافيما ذكر. كلا، بل سيرسل أنظارا حرى، ويطلق أصواتا شتى، لعله يشهد في سواد المكان سم ‏الخياط، فينفذ منه إلى حيث يقول لقاطع رحمه: لم أنكرتني الأرض.؟ لم أهانتني.؟ لم ‏فاصلتني.؟ ربما من شدة شوقه رصع على جيد لوحته حروف عهده، فاختار ‏السكينة بين الديار المصوحة بالنكير، لكن الشادي بالقصيدة، لم يكن إلا ماهرا بسرقة ما يحاكيه بشاعريته. وأنى له أن يحكي عن صوت الملائكة بين مهاد الشياطين. ‏أو ربما من شدة الأورام التي تواترت على كاهله، وتثاقل بها ظاهره، لم يجد في ذاته مناعة، ولا في مشيه متعة، ولم يحس في طيه ‏بمكانة، ولا في نشره بميزة، لأنه حين ‏اغتصب ظله، وانتهك بُعده، لم يكن إلا ممنوعا عن جرمه، وموءودا في ظله، ولو ظن أنه موجود بما يخفق بين ‏فؤاده من نبضات، وما يستفزه من رعشات، ‏وأحس في خبل ذاته بغرور ينقش رومانسية حلمه على طلاسم المجهول، ويكتب حظه على طرر العقد المغلول، لأنه ما اغتر إلا بما لم يحط به علما، وما ‏اجتر إلا ما ‏لم يتذوق له طعما، إذ لو سبر غوره، وخبَّر نجده، فإنه سيرى في سريالية الأماكن تفاوتا، وفي طوباوية العقول نشازا، لأنه لم يسمع عند صوغ السؤال من أوليات ‏القضية البسيطة، إلا صوت الروح العاشقة ‏لفراش الربى، وهي تترنح بين نمنمات الربيع الأبلج، لكي تشهد هذا الوله يهدي المحبوب إلى عاشقه.؟ لا، لو أصاخ قليلا ‏إلى ما مر بين الأيام والليالي من حلاوة، ‏ومرارة، وأصاغ إلى ما تقصِر اللحظات عن ولادته طريا، ووقايته نديا، لبدا له ما يخاله تبتلا في معبد اللحن الجلي، لا ‏ينزف قعره إلا بالنوح الزافر بين جراح ‏الذكريات الدامعة. فلم دفن، وهو حي.؟ ولم غُلت جوارحه عن المرح بين مغاني الأفياء.؟ هل استوجب حظه أن يكون ‏ضائعا.؟ أم اقتضى القدر ‏أن يزال من كنهه، فيغدو بلا حيز يحوط كيانه.؟ ‏
تلك الغصة التي يبتلعها في كل يوم يطل عليه بين روابي العناء، تعلمه كيف يكون عاقلا، وكيف يغدو مع العويل بليدا، لأنه لم تتمل طلعته ‏بما أظهره القدر من وضر ‏على جبته، إذ لو رفعت هامته على أقتاب غيره، لما كان لهبوطه دمع، ولا لصعوده بهاء. لكن من سقاه بصل الكمد، وطواه بغل البدد، لم يرده في انتشائه جاف ‏‏المدامع، بل احتاجه متألما، وارتضاه متأثما، لأن انتشاء المغرور بورمه، هو الدواء الذي يسقي جرح الجبان بلسم البقاء، وترياق الصفاء، إذ لو ابتغاه مجللا بالوهج، ‏‏والسناء، لما افتدى به عجزه عن رعاية أصل الوفاء، لأن ما يقع على بساط الأرض من عناء، هو اللحن الذي نرتعش به بين محاريب السماء، إذ ‏لو لم يكن موجودا ‏لدر أمل الوجود فيمن أقعده عن الظهور، لما أدين بلحن صوت عشقه بين خشوع البستان.‏
فلا غرابة إذا أحس بالتفاف الأرض على حتفه، أو دفنه، لأنه لم يشهد عليها ما يغري مهده، ولا ما يطري مجده، إذ صارمته في محل الالتحام، ‏وحاربته في موقع الائتمان، فلم يجد في اطراد الغم شفيعا يقي ودُّه ‏شرَّ الشرود، لعله ينفث بين هضاب صدره ما استجن في سريرته من أنين، ‏وحنين.؟ لو لمس طريقا لمحادثته بحياء، لنطق بما يبرمه في ‏عمقه، ولنزف بما يرتوي منه حزنه. وهو حسه الذي يداري به الفوت، والموت، ‏ويحابي به صنيعة الدهر الغادرة، ووقيعة العهد الفاتكة. فلم نلوم أصداء صراخه، وهو لا يقتات من معجم وجدانه، إلا لأنه يرقب شعاعا ‏يهديه في طريقه.؟ فهل أطل عليه الليل البهيم، وهو غير آبه بما يخفيه القصد من غوائل ‏الجناج الكليم.؟ أم فقد عينيه في ضحى الحلم الشقي، ‏فصار مشلول اليد عن المصافحة، والعناق.؟ شيء من ذا وذاك يحدث بين مشاتل الناسك الذي ضيع سموه لدنوه، ويبرز مظهره بجلاء بين ‏مقاصده الممهورة، لكن ما يمنيه ‏بفجر ينقشع من سدفة ليله، هو ما تضفره أحلامه من خيط الأمل الذي يتمدد حياله، لكي يُنهي سؤال الخارج ‏لجواب الباطن الفاتر، فيقول: لو دفعوني ‏عن الأبواب، فباب الرجاء مفتوح.!‏
‏ أجل، سيغلق باب ما نغازل وجوده، ونمازح وروده، وسنتهي فصول من هذه القصة، لأن ما في الحكاية من غموض، هو ما جعل الجيلان ‏المتلاحمان ينتحران، ويموتان، لكي ينشأ من صراعهما جيل لا ينتهي رسمه إلى ما تحاربنا عليه، ولا ينتمي حده إلى ما تشاكس حوله من ماهيات، ‏لأن فرحة ما نذاب لأجله، لكن تكون للصانع، ولا للمصنوع، بل هي حصن لمن رفع بيننا معابد في الفضاء، لكي ينهي صراع الأرض بملاطفة ‏السماء. فلا غرابة إذا كنا في تدافعنا على طرفي نقيض، لأننا لن نعثر على جوهرة الحياة إلا في جب الصراع، إذ الولوغ من سؤره، هو الذي ‏يهبنا غب ما نستفتح من أبواب مقفلة، لكن أنى للأبواب التي ألفناها أن توصد بين شغاف الآفاق.؟ وأنى ‏للصوت المهموس فينا أن يبلى ‏بين آجال الأوراق.؟
‏ كلا، في لحظة الهوان، والطفل يصوب النظر، ويرتب المدار، ويركب المنظار، تسمو هفهفة الحرف، وتُودَعُ مكامنها أغلى ما في الأعماق من ‏أسرار، لأنه ‏المراح الذي تنشد على بساطه قصائد العشق بدموع ساخنة الأشواق. فلا عتب إن رضي بما ترتله الأماكن من آلام، وتدونه ‏الأقلام من أحلام، لأنه لم يجد في أحضان المأساة ‏جِنانا، لكي تكون له أمانا، إذ هي الطريق لمن يزف نبض عرائس عشقه إلى لهفة المكان ‏الظمآن، والسبيل يحنو برقته إلى دفق الحنان، لأنه إن لم ‏يشعر في زخم الكمد بالعنفوان، سيدول حلمه بين غفوة الأزمان. سيكون هذا مفرحا ‏له، لكن ما يقتفي أثره، لم يدع للحلاج روحا، فإنى له ‏أن يمنحه بنصه فص الحاتمي، لكي يحادث بغرامه عوارف السهروردي، وهو واثق بما ‏يخفيه صفاء الزجاجة، ونقاء المأدبة.؟ لعل الطريق الذي صنعه بنظرة سارحة إلى غده، لم يكن ‏له عليها ممشى، فأنى له أن يصير له مرمى. فدع ‏الأقدار تهيئ ما اختفى فيها من قنوات، فإن أظهرته بمظهره المرغوب الأمارات، كان وجيها فيما يقول، وصحيحا فيما يدعي، لأنه لا تغتالنا ‏إلا ‏الأشياء التي فنيت حماستها فينا، إذ هي جرثومة العفونة في أعماقنا، ومتى بترنا الأشلاء عن مُدرك صوت الحياة الأليم، كان ورده ميمونا، لأنه ‏لن يحيى إلا بما ‏فيه من إقدام، وإحجام.‏





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- سوانح البيان (1-2)
- موارد العنف -8-
- موارد العنف -7-
- موارد العنف -6-
- موارد العنف -5-
- موارد العنف -4-
- عطر الصباح (شهادة في حق والدي رحمه الله)-2-
- عطر الصباح (شهادة في حق أبي رحمه الله) -2-
- موارد العنف -3-
- موارد العنف -2-
- عطر الصباح (شهادة في حق والدي رحمه الله) -1-
- موارد العنف -1-
- عقيدة التسويغ -11-
- عقيدة التسويغ -10-
- عقيدة التسويغ -9-
- عقيدة التسويغ -8-
- عقيدة التسويغ -7-
- ابن الفقيه (سيرة ذاتية) -5-
- عقيدة التسويغ -6-
- عقيدة التسويغ -5-


المزيد.....




- صدور كتاب جديد للباحث التونسي محمد سعيد، بعنوان -أنبياء البد ...
- فيلم -الجيداي الأخير- يسجل إيرادات كبيرة حول العالم
- شاهد رد فعل ويل سميث من ذلك الموقف الكوميدي (فيديو)
- حجب جائزة -العمل المسرحي المتكامل- للدورة التاسعة عشرة
- اشتراك ممثل عالمي في فيلم مصري
- فنان عربي يدعم السينما السعودية بطريقته الخاصة
- قرطاج يحجب جائزته الكبرى ويكرّم صلاح القصب ‎تسعة ايام في ال ...
- نص(قبله لم تكتمل على جبين الفجر) أهداء الى روح الشهيده شيماء ...
- فنان عربي يدعم السعودية بطريقته الخاصة
- أحدث أجزاء فيلم -حرب النجوم- يحطم الإيرادات


المزيد.....

- المدونة الشعرية الشخصية معتز نادر / معتز نادر
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - القسم الثانى والاخير / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسى المقاوم للنازية - الفسم الأول / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة / سعيد العليمى
- تطور مفهوم الشعر / رمضان الصباغ
- البخاري الإنسان... / محمد الحنفي
- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم الوراق - سوانح البيان (3-4)