أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - موسى راكان موسى - افول الماركسية - التناقض الجدلي و اللا تناقض (4)















المزيد.....


افول الماركسية - التناقض الجدلي و اللا تناقض (4)


موسى راكان موسى
الحوار المتمدن-العدد: 5567 - 2017 / 6 / 30 - 04:05
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    




مبدأ عدم إجتماع النقيضين عند أرسطو و كانط (135ـ145) :



يعتبر الكتاب الرابع من (( ميتاقيزقيا )) أرسطو أساسيا للتصدي للموضوعات التي مضى ذكرها . ففي هذا الكتاب يثبت أرسطو مبدأ عدم إجتماع النقيضين ، (( يمتنع أن يكون الشيء نفسه في الوقت نفسه و في اللحاظ نفسه متضمن و غير متضمن في شيء آخر )) . و ذلك في رده على ما سُمّي في عصره ، (( بجدليي المادة )) و هم أتباع هيراقليطس . و هم الذين يقولون (و لنتذكر هنا أنجلز) بإمكانية (( الإعتقاد بأن الشيء نفسه يكون و لا يكون في آن معا ، و يدعي بعضهم أن هذا من آراء هيراقليطس )) . أو أولئك (( الذين يجزمون بأن الشيء نفسه قد يوجد و قد لا يوجد ، في حين إننا أقمنا الحجة على إمتناع أن يكون الشيء و أن لا يكون في الوقت نفسه )) .


و بالفعل يقدم أرسطو حجة قاطعة ضد الجدليين و هي أنه لو إجتمع النقيضان في الوقت نفسه في موجود واحد لصح إستبدال شيئين بغاية الإختلاف بعضهما بالبعض الآخر : أي إستبدال الموضوع و هو أصل القضية أو أساسها _و لننتبه هنا جيدا_ بالمحمول ، أو إستبدال (( الدلالة على شيء بعينه )) (( بالدلالة على المحمول المسند إليه )) و من الواضح بأننا لو استبدلنا الحالة الثانية بالأولى كالقول مثلا (( بأن الإنسان أبيض )) أو (( الإنسان موسيقي )) (و هو يثبت المحمول) بالقول بأن (( الإنسان حيوان ذو قدمين )) و هو هنا يثبت الشيء نفسه أي الموضوع لتوصلنا إلى أن الإنسان بكونه أبيض أو موسيقي أي لا ـ إنسان ـ من الممكن أن يكون (( إنسان )) كما أن يكون (( لا ـ إنسان )) غير أننا لا نقر أن (( الدلالة على شيء معيّن )) هي نفسها (( الدلالة على محمول يسند إلى شيء معيّن )) إذ تدل و الحال هذه ، عبارات مختلفة مثل (( موسيقى )) (( إنسان )) (( أبيض )) على الشيء نفسه ، و بالتالي ترد جميع الأشياء إلى شيء واحد كونها تصبح (( ذات دلالة واحدة )) .


ها هنا شيء واحد ما يزال يجذب إهتمام أرسطو و هو مشكلة الدلالة و شكل الإثبات . و هو أن إثبات نقيضين لنفس الموضوع يؤدي إلى فقدان المدلول و خروجه عن أي تحديد أو تقرير . (( و الواقع ، ينبهنا أرسطو ، أن فقدان الدلالة المحددة يساوي فقدان أي دلالة )) فتسقط حينئذٍ إمكانية الفكر أو صياغة أي خطاب (( لأنه لا يوجد أي تفكر إن لم يكن تفكرا بشيء محدد/مقدّر )) .


يبدو إذن أن الإشكال الذي يثيره أرسطو في مواجهة الجدليين يتعلق في الأساس بعلم الدلالة ، أي في (( أن الإسم يعبر عن مدلول محدد واحد )) غير أن الحجة الأرسطية تتعدى ذلك و هو يقول : ها هنا إشكال لا يتعلق بإمكانية أن يكون الشيء نفسه إنسانا و أن لا يكون بوصفه إسما فقط بل بوصفه شيئا (في الأعيان) .


ثم إن (( أينغمار دورينغ )) يلحظ عبارة (( Hein Semainein )) ذات الدلالة المركزية في هذا البرهان لا تعني فقط (( ذو معنى واحد (مماثل) )) بل (( ذو معنى وجودي )) .


و لكن ما هي ، و الحال هذه ، الحجة القاطعة التي يواجه أرسطو بها أصحاب هيرا أو (( الجدليين الماديين )) ؟ .


إنها حجة تطال مباشرة مشكلة الواقع أي الموجود و الوجود . و هي أن الجدليين عندما يستبدلون (( دلالة الشيء عينه )) (( بدلالة المحمول المسند إليه )) ينفون الموضوع أو الموجود الواقعي أي _و لنتنبه جيدا_ يحوّلون الموضوع إلى مجرد محمول . و يتضح هنا ما يأخذه أرسطو على منكري مبدأ عدم إجتماع النقيضين ، و هو إنهم (( يلغون جوهر الأشياء و ماهيتها )) (( و هم محكومون بالقول بأن كل الأشياء أعراض )) أي نازلة في حكم المحمول و ليس الموضوع . و الواقع (( أن الذين يثبتون هذا الأمر )) و هو أن (( ماهية الإنسان )) يمكن أن تكون أيضا ماهية اللا ـ إنسان أو لا ماهية الإنسان ، مدفعون أيضا إلى القول (( بإمتناع تحديد ماهية أي شيء ، و إن كل الأشياء موجودة كأعراض )) .


غير إنه (( لو كانت الأشياء جميعها أعراضا لأمتنع تحديد وظيفة الموضوع بالنسبة للأعراض ، علما بأن العرضي يعبر دائما عن محمول مسند إلى موضوع معيّن )) .


ثم إن أرسطو ينهي كلامه بالآتي : (( لا بد إذن من وجود شيء ما يدل على الجوهر . فيتبين و الحال هذه إمتناع إثبات النقيضين في آن معا )) .


و ها هنا حجة لا نشك في أهميتها ، إنها تقوم بمجملها على التمايز بين (( الجوهر )) و المقولات الأخرى . أي بين الوجود الواقعي و المحمول المنطقي أي على إمتناع تحويل الجوهر (و هو الموضوع المتشخص) إلى مقولة منطقية كما يقرر أرسطو في مواضع عدة من مؤلفاته ، فهو يقول مثلا في (( المقولات )) : (( إن الجوهر هو في المعنى المخصوص و في المقام الأول و إلى حد كبير ما لا نحكم به مطلقا على الموضوع )) ، أما في (( التحليلات الثانية )) بعد أن يفترض (( أن الجوهر ، و هو ما يعبر عن شيء مباشر لا يمكن أن يكون أبدا سوى ما هو بدقة )) ، يقرر : (( أُسمّي إذن ذاتي ، الشيء الذي لا يصح حمله على أي موضوع ، و عرضي ما يسند ، على العكس من ذلك ، إلى هذا الموضوع )) .



و ها هنا دقيقة تكشف أمرين مهمين في الخطاب الأرسطي :


الأول : و هو أن (( جدليي المادة )) مندفعون بفعل إنكارهم لمبدأ عدم إجتماع النقيضين إلى إلغاء الجوهر أو الموضوع المادي بقدر ما يحولونه إلى محمول منطقي .


الثاني : و هو أن الحكم بضرورة هذا المبدأ يستند بدوره إلى القول بعدم تحوّل الموضوع و وقوعه تحت أي مقولة من المقولات .


ها هنا إذن تطابق بين تمييز أرسطو للجوهر عن المقولات الأخرى و ما يقرره كانط في الأزمنة الحديثة عندما يحكم (( أن الوجود ليس محمولا )) ، أو (( أن أصل الوجود و طبيعته لا يقعان في إطار المنطق )) .


إن أصل مبدأ (( التناقض المنطقي المطلوب تلافيه )) هو هذا الأصل الواقعي المتمثل بالشي الموجود نفسه .


فها هنا إذن ترابط بين الواقعية الوضعية و مبدأ اللا ـ تناقض ، و هو مبدأ واحد متشعب إلى إثنين : مبدأ للتقدير في الخارج و نفس الأمر ، و مبدأ منطقي للحكم في الذهن .


و ها هنا ما أقره أهم المختصين بأرسطو ، يقول (( روس )) مثلا ، مُذكرا بصيغة المبدأ الأرسطي (( إننا نلحظ إنه يعبر ، بصورة بحث موضوعية ، عن سُنّة من سنن الوجود )) . أما (( أينغمار دورينغ )) فيدقق قائلا : (( يكمن أصل الجدل حول مبدأ عدم إجتماع النقيضين في مفهوم Ousia لأن من ينكر هذا المبدأ لا بد أن ينكر أيضا الـ Ousia أي (( الها هنا شيء ما )) )) .


ثم إنه يشير إلى (( أن مبدأ عدم إجتماع النقيضين لا يصح إلا في حال إتضحت الدلالة من الدال و تحددت و سمحت الـ Ousia بهذا التحديد )) . ثم إنه يضيف (( إن للحكم الحملي في القضايا عند أرسطو دلالة وجودية )) و هو يستخلص أخيرا قائلا : (( نلحظ إذن أن أرسطو ينطلق دون شك من الحكم كشكل و لكن ما يهمه إنما المضمون الذي يدل عليه الفكر أو العبارة . و ما يريد فعليا أن يبيّن هو أن بعض الأحكام لا بد أن تكون صادقة : و هو يعتبر أن صدق الأحكام لا ينفك عن الوجود الواقعي (في الخارجي) )) .


و لا يتوقف كلام أرسطو في نقد (( جدليي المادة )) عند هذا الحد . بل إنه يستعيد الحجة القائلة : (( بأنه لو كانت جميع الأحكام المتناقضة العائدة لموضوع واحد ، صحيحة في آن واحد لغدت الأشياء جميعها شيئا واحدا )) . الرجل و الحائط و المراكب : شيء واحد ، و بعد أن يلفت الانتباه إلى أن جميع الأشياء يختلط و الحال هذه بعضها ببعض و يمتنع بالتالي وجود واقع (مقدّر) يعود لينتقد منكري بمبدأ عدم الإجتماع ، الذي يعتبرون الواقع الإحساسي في حركة و تبدل دائمين . و هو يدفع مزاعمهم بقولهم : (( إن الذين يقررون بأن الموجود و اللا موجود موجودان معا مرغمون على القول بأن كل شيء ثابت و ليس أن كل شيء متحرك ذلك إنه لا يوجد على مذهبهم شيء يستحيل إليه المتحرك لأن كل شيء موجود أبدا في كل شيء )) .


أما الفلاسفة المقصودون بالنقد هنا فهم دائما (( أصحاب هيراقليطس )) و خاصة كراتيل الذي أخذ على المعلم قوله : (( لا نستطيع السباحة مرتين في نهر واحد )) ذلك إنه برأيه (( يمتنع علينا ذلك لمرة واحدة )) .


غير أن جواب أرسطو في مواجهة المتطرفين من الجدليين (و على رأسهم بروتاغوراس) ، و ردا على قولهم بأن كل ما هو إحساسي متناقض ، هو ذو دلالة واضحة : فهو يركز على لا ـ جدلية الإحساس ، أي أن الإحساس لا يتناقض بتاتا و لا يُخطئ بشأن ما يتصوره (( إن الإدراك الحسي الأصيل المنزه عن أي مزاج من التداعي أو التأويل ، كما يقول روس ، معصوم عن الخطئ )) .


و يجزم أرسطو ، بعد أن يفترض أن الإحساس لا بد أن يرجع إلى الموضوع المخصوص به ، (( بأن أي حاسة من الحواس لا تقول أبدا و في الوقت نفسه ، بصدد شيء ما ، إنه على هذا النحو و ليس على هذا النحو في آن )) و يضيف (( و هو لا يكون فيما يتعلق بالكيفيات متعارضا مع ذاته ، و لا يمكن أن يخطئ ، إلا بالنسبة للشيء الذي يسند إليه الكيف ، فقد يبدو الخمر سلسا في آن و غير سلس في آن (أو لأنه قد تغير أو لأن جسمنا قد تغير) و لكن لا السلاسة و لا صفة السلاسة و قد تغيرت عندما كانت حاضرة : إن الحس يصدق دائما و ما هو سلس لا بد أن يتمتع بهذه الصفة )) .


يتوصل أرسطو . كما يشير روس مستندا إلى مبدأ عدم إجتماع النقيضين إلى دحض (( المثالية الذاتية )) ، و ليس مفاجئا هنا أن تتأكد عدم إنفكاك هذا المبدأ عن الواقعية الوضعية مرة أخرى من خلال نظرية الإحساس .


ينفي أرسطو إذن إمكانية جعل الإحساس فرعا من طبيعة الذات المتحسسة (( إذا إقتصر الوجود على المدركات بالحس دون وجود الكائنات الحية التي تحس لإنتفت الموجودات بإمتناع وجود الإحساسات )) إلا أن أرسطو يضيف : (( يمتنع أن لا توجد الأشياء التي تنتج الإحساسات أو أن لا توجد مستقلة عن تلك الإحساسات ، ذلك أن الإحساس ليس إحساس ذاته ، بل إنه يتوجب وجود شيء مصداق مغاير للإحساس يكون ذا موجودية سابقة لوجوده )) .


و ها هنا غاية قصوى ترمي إليها واقعية أرسطو الوضعية . و هي غاية ترسخ النقد الأرسطي ، ضد الأفلاطونية ، على أساس النظرة الإيجابية للإحساسي .


يبدأ أرسطو في (( مذهب المثل )) في كتابه الأول من (( الميتافيزقيا )) بإلقاء الضوء على نظرة أفلاطون السلبية للإحساسي .


(( لما كان أفلاطون صديقا لكراتيل و قريبا من مذهب أتباع هيرا الذين يقولون بسيلان المحسوسات و بإمتناع كونها مصاديق للعلم ، فقد حافظ على هذه المعتقدات فيما بعد )) و هو قد أخذ بتعاليم سقراط الذي خص التحديدات في خلال بحثه عن (( العمومية )) بإهتمام بالغ . و لقد إعتقد أفلاطون حين تبنى نظرية سقراط و تحت وطأة ما ورثه عن أصحاب هيرا أن التحديدات (المفاهيم) تستند إلى وقائع مغايرة للوقائع الحسية : و قد إعتقد بالفعل إنه يمتنع أن يستند المفهوم العام إلى مصاديق حسية دائمة السيلان . فأطلق على هذه الوقائع إسم (( المثل )) .


ها هنا دقيقة أخرى شديدة الوضوح تلتقط الإرتباط العضوي القائم بين الإعتبار السلبي للإحساسي و جعل المنتزع الذهني (العام المنطقي) جوهرا في الخارج (أي استبدال الموضوع بالمحمول) .


فحين ينفي الوجود الخارجي عن العنصر الأحساسي لا بد من شيء ما ليقوم بدور (( الأصل )) و (( الموضوع )) فيلعب (( المثال )) إذاك دور الموجود في الخارج .


إننا هنا أمام طريقة (( المثل )) الـ Ectesis التي أشار إليها أرسطو تكرارا و هي التي ريلي Giovanni Reale جيدا (مستخدما تعليقة إسكندر الأفروديسي) (( و هي طريقة خاصة بالأفلاطونيين و تقضي بموجودية مخصوصة بالمحمول العام ، أي بإعتباره أقنوما مستقلا )) . و هي تسمح ، كما يتضح من إشارة ريلي Reale التي يعيد النظر من خلالها بترجمة Carlini البائسة ـ بالقول بأن (( المثل الأفلاطونية ليست نتاج الإنتزاع (المنطقي) بل إعتبار ما في الذهن أقنوما ذا موجودية في الخارج )) .


و ها هنا قبل أن نختم ما مضى من إشارات دقيقة أخيرة حول مبدأ عدم إجتماع النقيضين . فالفرق واضح بين صياغته الأرسطية الأصلية و تأويله العقلاني الكلامي Scolastique . فقد تبدل المبدأ من خلال هذا التأويل و بات ببساطة مبدأ تماثل أي مبدأ شكليا ليس إلا . لقد أصبح مبدأ (( الحقائق العقلية )) عند ليبنتز و (( مبدأ الأحكام التحليلية )) عند كانط ، و هكذا حلّ بفعل هذا التبدل وجوب التماثل في الذهن بين الأفكار نفسها مكان وجوب التصديق أو صدق المفهوم على مصداقه . و فقد المبدأ بذلك فعاليته الوجودية Ontique كمبدأ يقضي بتلافي التناقض المنطقي ، و كمبدأ يقوم على التقدير الواقعي في الخارج في آن معا .


و لهذه الدقيقة أهمية بالغة ، كونها توضح أن الماركسية حين رفضت (( المنطق الصوري )) لم تتنبه بتاتا إلى أبعاد المسألة المطروحة .


أما ترندلنبورغ فقد أظهر خلال تصديه لتلك الأبعاد تنبها و دقة فائقين : (( لقد دأب المنطق الشكلي على ادعاء إنتمائه إلى أرسطو محتميا في ظلال هذا الإسم العظيم . و لكن إلى أي مدى يحق له ذلك ؟ و هل حافظ على الأمانة التي تركها مؤسس علم المنطق ؟ )) .


ها هنا ، يقول ترندلنبورغ ، فارق جوهري : إذ لا يسعى أرسطو إلى إدراك أشكال الفكر مكتفيا بها ، مدركا إياها بالرجوع إليها . فإنعزال الفكر على هذا النحو ، غريب عن أرسطو ، حديث العهد ، ذلك أنه يعتبر العلم و الرأي ، كلاهما مشروط بالمصداق [...] و التعبير الأرسطي عن مبدأ إجتماع النقيضين بعيد كل البعد عن عبارة المحدثين ذات الدلالة المنطقية الصرفة .


يشير ترندلنبورغ بدقة إلى مكمن الإختلاف ، و هو يقول بعد التذكير بصيغة المبدأ الأصلية : (( يكافح أرسطو من خلال هذه الصيغة المكثفة ، بوضوح ليبلغ نقطة في الأشياء غير قابلة للإنشعاب [ أي وحدانية الموضوع/الجوهر ] الذي لا بد أن يكون محددا بذاته ، بصورة تدفع الإلتباس أو غواشي التصور الذهني )) . ثم إنه يضيف : (( ها هنا عند كانط إشارة تنحو نحو المنطق الشكلي ، تزيل آخر أثر من الأصل الميتافيزيقي (أي الوجودي) و هي إنه حين يستعيد العبارة حيث (( أ )) لا يمكن أن تكون في الوقت نفسه (( لا ـ أ )) يستبعد التقدير الزمني نهائيا في متن المنطق )) .


إن طرح ترندلنبورغ صادق تمام الصدق . فمبدأ عدم إجتماع النقيضين لم يعد يشمل عند كانط سوى الإمكانية المنطقية أي تناسق الفكر بذاته ، و هو يغفل بذلك عن الإمكانية الواقعية ، أي عن الصدق أو المصداقية : صدق المفهوم على المصداق .


يعتبر كانط أن الفكر قد يصل بذاته إلى حال من التناسق الشكلي ، دون شرط الصدق على الواقع ، أي دون أن يتوفر له مصداق . و هنا يكمن لب المعرفة المسبقة عند كانط ، و هو يعتبر أن الفكر حين يتناقض ، يدمر نفسه بنفسه و ينعدم . أي إن الفكر لا يستقر أو يستمر إلا بإحترام التناسق و طرد التناقض المنطقي أو ضبطه ، و قد يفرغ الفكر في هذه الحال و لكنه لا ينعدم بل إنه يستمر كفكر سابق للتجربة . و ليس صدفة أن يميز كانط بين الفكر و المعرفة Denken و Erkenn en . فقد يحصل الفكر في الذهن دون الرجوع إلى الموضوع في الخارج (أما أرسطو فيؤكد كما مضت الإشارة إليه ، إنه لا فكر إلا إذا كان تفكرا بشيء مقدّر) .


أما تناسق الفكر الشكلي و إن لم يكن شرطا كافيا فإنه على الأقل شرط لا ينفك عن الحقيقة . و إننا لا نشك بالأثر السلبي الذي ما تزال العقلانية الشكلية المجردة تعكسه على فكر كانط . و لا بد إنطلاقا من ذلك ، من إعادة النظر بالتقارب بين كانط و أرسطو أو من وضع حدود لهذا التقارب . و نحن لا نشك أيضا في أن الفيلسوفين يلتقيان في نقطة حاسمة : (( إذ تجد النظرية الأرسطية القائلة بأن الجوهر ، الموضوع الفرد لا يستحيل مطلقا محمولا منطقيا ، و لا يتحد مع المقولات الأخرى ، رديفا لها في طرح كانط الذي يلحظ خارجية الوجود ، أي كونه لا يُحد منطقيا لأنه ليس محمولا أو ليس تقديرا أو حدا لشيء ما )) .



غير أن تلك الدقيقة التي تجمع بين المفكرين هي نفسها مقياس إختلافهما :


تقود نظرية الـ Ousia عند أرسطو ، القائلة بتمايز الجوهر عن باقي المقولات (و بالتالي بعدم إستحالة الموضوع إلى محمول) إلى تأصيل مبدأ عدم الإجتماع و ذلك عبر تبيانه إندفاع الجدليين إلى نفي الموجودية في الخارج و اعتبار كل ما في الخارج عرضا أي محمولا .


لا ينفك عند أرسطو بعبارة أخرى مبدأ الخارج عن مبدأ الذهن ، فيما يظلان عند كانط منفصلين لا يربط بينهما رابط : و هذا ما يفسر تعسف كانط في (( النقد )) حيث يتعايش المنطق الصوري [ مع/قبل ] (( المنطق الإستعلائي )) و تبقى رغم ذلك الموضوعات الأرسطية التي تنبض في قلب الفكر الكانطي بالغة العمق و الجدية .


إنه أرسطو (( العصر الحديث )) (هو و ليس غيره .. أي ليس (هيجل) الذي طبع ماركس بفكره) .


فلقد أعاد كانط الإعتبار رغم كل شيء ، لنظرية الحقيقة كتطابق ، و أعاد صياغة (( مبدأ المنطق )) و (( مبدأ الواقع الأصيل )) في فترة إبتعاده الحاسم عن ليبنتز و عن تقاليد العقلانية التجريدية القديمة .


و لنعد إلى عام 1763 . هذا العام الذي كان عام خير على كانط ، حيث إنه نشر إلى جانب (( محاولة فلسفية في مدخل إلى مفهوم المقادير السلبية )) محاولة أخرى في عجالة حول (( الأصل الوحيد الممكن لإثبات وجود الله )) و قد شهدت هذه الأعمال إنقلابا تاما لنظام ليبنتز .


و يتمسك كانط هنا _و هذا أمر بديهي_ بمنطلقه القائل بوجوب طرد التناقض في الذهن . إن المثلث المربع أمر ممتنع في الذهن و الخارج . و هو يعتبر مثله مثل ليبنتز أن الممكن هو ما يكون في الذهن متناسقا أي فكرة لا تتناقض بذاتها . و هكذا يقلب كانط بدافع إثبات الإختلاف بين الذهن و الخارج (و بالتالي بين التناقض و التضاد ، التقابل المنطقي و التقابل الواقعي) قاعدة الخطاب و يصل إلى إكتشاف رابط جديد بين (( المبدأ المنطقي )) و (( المبدأ الواقعي )) .


لا بد لمقاربة ، هذه الوضعية الجديدة التي تتشكل أمامنا ، من أن ننطلق من الحجة الوجودية و هي ما يسميه كانط في Beweisgrund (( بالبرهان الديكارتي )) (( إذا كان من الممكن كمبدأ أصلا يتفرع الوجود عنه و يستنبط منه ، لا بد أن يكون الوجود المعتبر متضمن في مفهوم الممكن و ينتج عن تحليل هذا المفهوم . لأننا لا نحصل على آثار مفهوم الممكن ، أو عما ينتج عنه ، إلا بواسطة التحليل المنطقي . و لا بد في هذه الحال أن يكون الوجود محمولا متضمنا في متن الممكن )) .


غير أن الدقيقة التي يثيرها كانط بدءا من الفصل الأول في (( المحاولة )) هي أن (( الوجود ليس محمولا )) و هو ليس عنصرا منطقيا متضمنا في متن الفكر بل إن العكس صحيح . إذ الوجود (الواقعي) لا ينتزع من الفكر أو من الممكن ، بل إن الفكر لا يصبح ممكنا إلا لتعلقه بالوجود ، فالوجود هو الذي يصيّر الفكر ممكنا .


(إن تفسير وولف للوجود كتحقق الممكن يبقى ، كما يشير كانط بتهكم شديد الإيهام) .


إن الواقع متفضّل على المنطق ، كما أن الوجود متفضل على الفكر ذلك إن الإمكان البحت ليس إمكان الشيء (المتشخص) بل إمكان إرتباطه بشيء آخر ، وفقا لمبدأ عدم التناقض ، و ما يبقى ثابتا هنا هو أن الوجود ليس محمولا مسندا إلى شيء آخر .


هنا ينقلب كل شيء . إن التناسق الشكلي للفكر بنظر ليبنتز هو أن تنفي المادة بوصفها لا ـ وجود . أما بالنسبة لكانط الذي يعتبر أن المادة أو الموجودية (في الخارج) ليست نقصا بل كمالا (( زيادة )) (حيث يقول : في الوجود زيادة تضاف إلى الإمكان) فالعكس هو الصحيح : عندما يفتقد الفكر إلى المصداق الواقعي يتهافت مبدأ عدم إجتماع النقيضين أو الإمكانية المنطقية و الفكر نفسه يزول أي إن الأصل هو الوجود و ليس الفكر ؛ لذلك تعود حقيقة الفكر إلى الوجود و لا يعود إليها و تقوم الإمكانية المنطقية به و لا يقوم بها .


يقول كانط : (( لا تقوم الإمكانية بل تسقط و تتهافت ليس فقط عندما تتصف بتناقض لا ينفك عنها ، (( كالمنطق )) الذي يحكم الممتنع ، بل أيضا عندما تفتقد إلى واقعة في الخارج (مادية) ، يرتكز إليها التفكر ، إذ لا شيء يكون و الحالة هذه موضوعا ، معطى للفكر [ ... ] و إذا إلتغى الوجود إفتقد التفكر إلى مادة يتفكر بها : و إرتفع بذلك الإمكان )) ثم إنه يتابع (( لا يتضمن نفي أي وجود ، بالتأكيد ، أي تناقض ذاتي ، ذلك أن التناقض هو إثبات الشيء و رفعه في آن ، و لا يمكننا القول بأن هذا الرفع لا يتضمن تناقضا لا ينفك عنه . غير أن التناقض يقع بالتأكيد حين نقول بإمكانية (الشيء) في حين أنه لا يوجد شيء في متن الواقع . إذ إنتفاء الموجود هو بعينه إنتفاء موضوع الفكر . و الإعتبار القائل بأن شيئا ما يبقى في هذه الحال ممكن متناقض في الأصل )) .


إن نقض كانط لرأي ليبنتز قاطع مكتمل . و هو في رده على استخلاص ليبنتز القائل بأنه من العبث منطقيا القول بوجود المادة ، يقول إن المتناقض هو نفي الوجود في الأعيان أو المادة : لأن بإنتفائها ينتفي الإمكان المنطقي أو عدم إجتماع النقيضين .


لم يتوصل كانط إلى مثل هذه الدقة في مرحلة (( النقد )) . إذ يبدو اللا ـ تناقض (في مؤلفه : النقد) ، أو التناسق المنطقي الشكلي ممكنا حتى في غياب أي مضمون .


إن فكرا لا يتأصل في أي إحساسي مادي ، و لا يتفكر بأي واقع في الخارج ، لا يعتبر ، و إن لم يتناقض في ذاته ، فكرا فارغا ، بل فكرا معدوما ، أي ليس الممكن المنطقي بذاته إلا فكرا سابقا لأي تجربة .


أما موقف كانط في Beweisgrund فهو عكس ذلك تماما . و هو أن الفكر لا يكون متناسقا بذاته إلا إذا صدق على الأشياء . فالفكرة الفارغة ، الخالية التي لا تصدق على المادة هي ، و إن لم تكن متناقضة شكلا ، متناقضة في الواقع و ممتنعة بالفعل .


(( فالإمكان يقول كانط ، إن لم يكن إمكان شيء في الواقع فخُلف . فإن لم يوجد شيء ، لا شيء يكون موضوعا للفكر و ليس القول بإمكان شيء ما ، في هذه الحال ، إلا قولا متناقضا )) .


إننا نكتشف سبل أرسطو من جديد : الفكر فرع من الواقع ، و العكس غير صحيح ، و من تحديد قوس التقدير الواقعي المنطلق من الخارج إلى الذهن يكتسب مبدأ اللا ـ تناقض أساسه و أصالته .


ليس اللا ـ تناقض مجرد تناسق شكلي في الفكرة بل مصداقية الفكرة أو إنطباقها على الواقع . فها هنا إذن مزاج يجمع و إن لحين ، (( المبدأ المنطقي )) و (( المبدأ الواقعي )) (مبدأ الذهن و مبدأ الخارج) .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- افول الماركسية - التناقض الجدلي و اللا تناقض (3)
- افول الماركسية - التناقض الجدلي و اللا تناقض (2)
- افول الماركسية - التناقض الجدلي و اللا تناقض (1)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (14)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (13)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (12)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (11)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (10)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (9)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (8)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (7)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (6)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (5)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (4)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (3)
- افول الماركسية - الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (2)
- افول الماركسية الايديولوجيات : من 1968 حتى اليوم (1)
- علم التاريخ و (( مضار التاريخ ! ))
- شيء عن العلمانية
- شيء عن الإصلاح


المزيد.....




- نقابات التعليم تنظم مسيرة غضب وطني بالرباط
- خطاب ستالين في الساحة الحمراء بمناسبة الذكرى ال24 لثورة أكتو ...
- قصص عن لينين / بمناسبة ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمىمحمد نفا ...
- حول الواقع السياسي الراهن في المملكة.. حوار مع كاتب سعودي
- الشهيد محمود المعوش (جلال)... 28 عاماً على الاغنيال
- أمريكا: من الانحياز الأعمى الى العداء السافر
- عوكر أعادت التظاهرات إلى بوصلتها 
- الجراح يختبئ خلف الحصانة
- الحزب الشيوعي اللبناني يفتتح مركزه الجديد في حلبا الأحد
- ندوة مع الرفيق حنا غريب حول -المستجدات السياسية والانتخابات ...


المزيد.....

- الشيوعيّة ليست - طغيانا طوباويّا - بل هدفا قابلا للتحقيق و ه ... / شادي الشماوي
- الاشتراكية والمثلية الجنسية - توماس هاريسون / عايدة سيف الدولة
- المنهج البنيوي في العلوم الاجتماعية (1- 2) / حسين علوان حسين
- تقرير المصير للقوميات فى الدولة الواحدة: حق داخل حق / محمود محمد ياسين
- مقالة فى الاسس المادية (2). تقسيم العمل فى المنشأة والتقسيم ... / خالد فارس
- رأس المال فى نسخته المترجمة للدكتور فالح عبدالجبار. / خالد فارس
- تأملات في واقع اليسار وأسباب أزمته وإمكانيات تجاوزها / عبد الله الحريف
- هوامش الأيديولوجية الألمانية - القسم الثالث / نايف سلوم
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- - القسم الثاني / نايف سلوم
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟ / رزكار عقراوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - موسى راكان موسى - افول الماركسية - التناقض الجدلي و اللا تناقض (4)