أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل حنا الحاج - رحلة في ذاكرتي الفلسطينية: عندما تواطأت مع (أبو جهاد) لاحباط هجوم اسرائيلي على جنوب لبنان















المزيد.....

رحلة في ذاكرتي الفلسطينية: عندما تواطأت مع (أبو جهاد) لاحباط هجوم اسرائيلي على جنوب لبنان


ميشيل حنا الحاج
الحوار المتمدن-العدد: 5554 - 2017 / 6 / 17 - 21:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


التقيت مرارا مع أبو جهاد في العديد من المناسبات اللاحقة التي تواجد فيها نشاط سياسي للفلسطينيين، اضافة الى حالات الاحتفالات بمناسبات وطنية، أو لدى تخرج دفعة من المقاتلين أو الأشبال، وخصوصا بعد انتقال نشاط المنظمة من الأردن الى لبنان، أي بعد عام 1970 ثم 1971.
ولكن التجربة الحقيقية مع المرحوم خليل الوزير أي "أبو جهاد"، كانت في صيف عام 1972. وكنت عندئذ قد تعاقدت بشكل نهائي للعمل متفرغا مع شبكة سي بي أس نيوز الأميركية، وطلب مني الذهاب الى لبنان للاقامة فيها لمدة طويلة من الزمن، حيث أن النشاط الفلسطيني كان قد انتقل عندئذ من الأردن الى لبنان بعد معارك أيلول في الأردن عام 1970، وما تبعها من مغادرة المقاتلين الفلسطينيين للمدن الأردنية والتجمع في أحراش جرش، ثم انتقالهم الى لبنان في هجرتهم الأولى. أما الهجرة الثانية فكانت في عام 1982 عندما اضطروا نتيجة اتفاق عقده الوسيط الدولي "فيليب حبيب" الى الهجرة مرة أخرى الى تونس، لابعادهم تماما عن الحدود الاسرائيلية.
وكنت عندئذ ما زلت أعمل كمصور. وكان مساعدي شاب أردني اسمه وديع خوري. وكان يرأس الفريق في بيروت مراسل أميركي اسمه "بوب أليسون".
ففي بعد ظهر أحد الأيام من صيف ذاك العام، ورد الى مكتب سي بي أس نيوز في بيروت، تلكس يفيد بأن معلومات قد توفرت لدى مدير مكتب السي بي أس في تل أبيب، مفادها بأن القوات الاسرائيلية ستهاجم الفدائيين في جنوب لبنان، وخصوصا في منطقة العرقوب المسماة أيضا ب "ارض فتح". وطلب منا رئيس التحرير المتواجد في نيويورك أن نتجه الى الجنوب مع الفجر أو قبله.

ورجحنا بأن معلومات مدير مكتب تل أبيب قد تكون دقيقة بسبب موقعه كرئيس لمجموعة المراسلين الأجانب العاملين في اسرائيل، مما يوفر له الفرصة للاتصال بالمسؤولين الاسرائيليين في أعلى المستويات. كل ما في الأمر أن الذهاب الى الجنوب لم يكن أمرا ميسرا أو ممكنا كنزهة عادية يرغب أي انسان في القيام بها.
ذلك أن اتفاقية القاهرة الموقعة بين الفلسطينيين واللبنانيين، كانت تحدد أصول وشروط تواجد الفلسطينيين أو انتقالهم الى الجنوب اللبناني المحاذي للحدود مع اسرائيل. وكنت أنا وزميلي وديع خوري من أصل فلسطيني، وتذكر جوازات سفرنا أننا من مواليد مدينة يافا الفلسطينية. فنقطة المراقبة العسكرية في الموقع الذي يتم الوصول منه الى الجنوب اللبناني، كانت ستكتشف هويتنا، فيمنعنا رجال الجيش اللبناني المتواجدين على الحاجز اللبناني، من مواصلة السفر والوصول الى "كوكبا" الضيعة التي تلي وتشكل بداية منطقة الجنوب اللبناني المحاذي لاسرائيل. وهكذا لم تكن أمامنا فرصة للوصول الى المناطق المبتغاة في الجنوب اللبناني وخصوصا الى منطقة العرقوب التي يتواجد فيها كثير من المقاتلين الفلسطينيين، وبسبب تواجدهم هناك وقدرتهم على التحرك فيه بحرية، أطلقت اسرائيل تسمية أرض فتح على تبلك المنطقة. ومن أجل هذه التعقيدات والقيود، كان لا بد من التفكير والتخطيط قبل الانتقال الى الجنوب اللبناني.
وبعد مرحلة من البحث عن الحلول، تذكرت بأن اتفاقية القاهرة تأذن للمقاتلين الفلسطينيين بالوصول الى الجنوب اذا كانوا مزودين بأمر حركة عسكري صادر عن قيادتهم في بيروت، يخولهم، أو يأمرهم بالانتقال الى الجنوب. وكان من يصدر أوامر كهذه هو أبو جهاد. وهكذا ذهبنا الى الأسواق وابتعنا لثلاثتنا كوفيات فلسطينية ذات اللون الرمادي والأبيض والتي اعتاد الناس أن يشاهدوا المقاتلين الفلسطينيين يلفون بها أعناقهم. وبعد ذلك توجهنا الى مكتب أبو جهاد في حي الفكهاني في بيروت.
وشرحت لأبو جهاد رغبتنا في الذهاب الى الجنوب في عمل اعلامي، مبينا له عجزنا عن دخول منطقة الجنوب بدون استصدار أمر منه لكل منا، يصفنا فيه كمقاتلين مكلفين بمهمة عسكرية. وكان أبو جهاد يثق بي خصوصا وأنني كنت قد رافقت أكثر من مرة مجموعات ذهبت الى الأغوار الأردنية لتغطية عمليات كانوا سينفذونها ضد العدو الاسرائيلي. فقال حسنا "سأمنحكم أوامر عسكرية للذهاب الى الجنوب". وهنا قلت له سميني في الأمر "أبو نمر". وقال وديع خوري: "ليكن اسمي أبو كفاح". ولكن ما الاسم الذي سنطلقه على زميلنا الأميركي؟ واقترح زميلي أن نسميه "أبو رعب".
وكان لنا ذلك، فخط أو جهاد الأأوامر اللازمة والتي تحمل أسماءنا المذكورة سابقا. وهنا بدأ الزميل الأميركي بمغادرة المكتب، واستعد وديع خوري للمغادرة أيضا على أن أرافقه أيضا. وهنا اشار لي ابو جهاد اشارة مبهمة مستفسرة مفادها أنه يريد بعض الايضاح مني عما يجري او يستدعي رحيلنا مع الفجر الى الجنوب. وبثلاثة من أصابعي التي ضممتها الى بعض، حتاولت أن أقول له "انتظر". وعندها غادرت المكتب برفقة وديع خوري متظاهرا بأن المهمة فد انتهت، ولكن بمجرد أن بلغت سيارة التاكسي التي كانت تنتظرنا، قلت لوديع وللزميل بوب، "نسيت أن أشكر ابو جهاد على مساعدته لنا. اعذروني. أراه دقيقة، وأعود لكم".
وبمجرد عودتي لمكتبه، سألني أبو جهاد باهتمام بالغ: "لكن ما هو الموضوع. ما سبب هذه الرحلة المفاجئة مع الفجر؟"... كان يستفسر مني عن أسباب توجهنا الى الجنوب رغم الهدوء السائد حاليا هناك منذ بعض الوقت. فقلت له بأنني أخشى أن أبلغك بمعلومة لدي قد تكون صحيحة وقد لا تكون. فقال أعلمني ما هي معلومتك، واترك لي تقدير الأمر. فشرحت له الأسباب التي تستدعينا الذهاب الى هناك، والتواجد مع الفجر في تلك المنطقة، مبينا له أن المعلومات صادرة من مدير مكتب السي بي أس في اسرائيل. وهنا سألني أبو جهاد ان كنت أثق بمعلومات مدير مكتب تل ابيب، "نعم أثق بمعلوماته" هكذا أجبته سريعا، ومضيفا الى قولي ذ اك، "أن مكتب نيويورك يثق بها أيضا يقة كبيرة". هنا ابتسم أبو جهاد ابتسامة غامضة، ثم قال "على بركة الله"، مضيفا "اذهبوا في مهمتكم والله معكم". وقدرت بأن أبو جهاد وقدج تلقى المعلومة الهامة، قد عزم على اتخاذ خطوات هامة للتعامل مع الوضع.

ومع الفجر كنا قد بلغنا نقطة التفتيش العسكرية اللبنانية التي تسبق ضيعة كوكبا. وحرصنا قبل ذلك على التأكيد بأن الكوفيات قد لفت حول أعناقنا لنبدو كمقاتلين فلسطينيين حقيقيين. كما حرصنا على أن نصر على زميلنا الأميركي ألا يكتفي بلف الكوفية حول عنقه، بل أن يغطي بها جزءا من وجهه خشية أن يكتشف الجنود اللبنانيون في نقطة التفتيش، بأنه أميركي نظرا لبشرته الناصعة البياض والمميزة لكونه أجنبيا وليس عربيا.
وقدمت للجندي اللبناني التصاريح – الأوامر العسكرية الصادرة لنا من القيادة بالذهاب الى الجنوب في مهمة ما. وتأمل فيها الجندي اللبناني واحدة تلو الأخرى ثم قال "أوكيه... تفضلوا". فانطلق سائق سيارة الأجرة اللبناني الذي ائستأجرناه من أمام فندق فينيسيا حيث كنا ثلاثتنا نقيم... انطلق بالسيارة لندخل الى أعماق الجنوب اللبناني. وبعد كيلومترات قليلة، لاحظنا التواجد الاسرائيلي الكثيف على تلة مقابلة، فاستوقفناه، وحملت أنا الكاميرا على كتفي، وبدأت في تصوير تلك القوات الغازية.
ولكن بعد دقائق قليلة ربت "بوب" على كتفي قائلا: "الأفضل أن نبدل موقعنا. أرجح بأن الاسرائيليين قد لاحظوا الآن تواجدنا بمناظيرهم، وربما قدروا بأن الكاميرا الكبيرة حجما على كتفك، هي مدفع من نوع ما وأنت تهم بقصفهم". فوافقته، ووضعت الكاميرا جانبا وتوجهنا جميعا الى السيارة غير البعيدة عنا. وبعد أن بتنا جميعا داخل السيارة وهم السائق بتشغيلها للانطلاق بها بعيدا عن ذاك الموقع، حتى حدث التطور غير المتوقع والذي جعلنا جميعا نواجه يوما عصيبا سجل في تاريخ حياتنا بحبر غير قابل للالغاء أو النسيان.
فقد لاحظت فجأة أن طائرة اسرائيلية كانت تتجه نحونا. ولاحظت أيضا بأنها كانت تخفض من ارتفاعها تدريجيا ومقدمتها تتجه مباشرة نحو سيارتنا، فصرخت في الجميع "سوف يقصفوننا". وقفزنا اربعتنا خارج السيارة مع الاصرار على حمل معداتنا معنا. كنت أنا في المقعد الخلفي وكذلك بوب أليسون، فقفزت نحو تلة الى جانبي في الوقت الذي قفز فيه "أليسون الى حقل محاذ للجهة التي تواجد فيها. وفعل مثلي زميلي وديع خوري الذي كان يجلس في المقعد الأمامي .. قفز في اتجاه التلة التي توجهت اليها لاشعوريا، كما قفز السائق في الاتجاه الذي ذهب اليه بوب اليسون.
وبالفعل، وكما توقعت، القت الطائرة التي اقتربت كثيرا من السيارة، بقذيفة سقطت أمام مقدمة السيارة فتسببت ببعض العطب لها ولراديتر ماء التبريد فيها، لكنها لم تدمره تماما. واحتميت أنا ببعض الصخور في تلك التلة خوفا من عودة الطيارة الى الاغارة علينا. وفعل مثلي وديع خوري الذي تقوقع غير بعيد عني.
-
وكما توقعت، فقد قامت الطائرة بدورة ما في الفضاء ثم عادت لتقصفنا أنا ووديع، وتلاحق الاثنين الآخرين بطلقات متلاحقة من الرصاص من مدفع رشاش زودت به الطائرة (كما روى لي بوب أليسون فيما بعد). وهنا رفع وديع خوري رأسه وأخذ يلوح للطائرة في محاولة لأن يقول للطيار بأننا لسنا مقاتلين بل اعلاميين. وهنا أسقطت الطائرة قذيفة أخرى في اتجاهنا أصابت بعض الصخور ولم تصبنا مباشرة، لكن شظايا الصخور التي تلقت القذيفة، أصابت زميلي الذي وقف ملوحا بيديه للطيار كي يتوقف عن قصفنا، فتلطخ وجهه بالدماء نتيجة الشظية الصخرية التي أصابت وجهه. وهنا كان من الطبيعي أن يناله الذعر مما حدث فأخذ يصيح "لقد أصبت". ودفعته بقوة طالبا أن يخفض رأسه وأن يبقى متقوقعا الى جانبي، واعدا اياه بأن ننقله بأسرع وقت الى أحد المستشفيات.
ولكن انتظارنا طال. فلم يكن بوسعنا أن نغادر موقعنا. ذلك أن المدفعية الاسرائيلية بدأت تقصف التلة التي احتمينا بها بقذيفة تلو الأخرى على أمل اصطيادنا. ذلك أنه لم يكن أمامهم هدفنا آخر يتسلون به، بعد أن خاب أملهم بالعثور على المقاتلين الفلسطينيين في المواقع التي كانت طائراتهم ووسائل استطلاعهم قد حددتها. وتأكد لي تدريجيا أن أبو جهاد قد أنذر رجاله بأن يبدلوا مواقعهم تجنبا لهجوم محتمل. وبالتالي لم يعد أمام الاسرائيليين هدفا يلاحقونه الا ثلاثتنا، لكوننا بدونا لهم بمنظارهم، مقاتلين فلسطينيين كما تدل الكوفيات التي التفحنا بها حول اعناقنا. وهكذا بتنا مضطرين لأن ننتظر وننتظر الفرج. فالانتقال من الموقع الذي لجأنا اليه كان صعبا، لاعتقادنا بأن السيارة التي جئنا بها قد تعطلت نتيجة القذيفة التي استهدفتها استهدافا مباشرا.
وانضم الينا بعد قليل زميلنا الأميركي، وأخذنا نناقش وسيلة الخروج من المأزق الذي نحن فيه خصوصا وأن جريحنا كان ينزف ويصر على ضرورة مغادرتنا للجنوب والعودة الى بيروت أو الى أقرب مستشفى في المنطقة. وهنا لاحظنا أن بيك أب صغير عسكري لبناني كان قادما من البعيد في مرحلة توقف فيها القصف لبعض الوقت. ووضعنا وديع المتخوف من نزيفه أمام الأمر الواقع، عندما ركض باتجاه السيارة الجيب يستوقفها طالبا مساعدته في الوصول الى مستشفى قريب. ولحقنا به محاولين اقناعه بالانتظار. لكن السائق العسكري والذي كانت مهمته (كما قال) توزيع الطعام على الجنود اللبنانيين المتواجدبن في مواقع هنا وهناك.. وافق مترددا على أن يصطحبنا الى أقرب ضيعة وهي كوكبا.
وركبنا في ظهر البيك أب، حيث أكداس الطعام، مصرين على اصطحاب معداتنا معنا. ولكن ما أن وصلنا الى الضيعة (كوكبا) مع بداية المغيب، حتى شرع الاسرائيليون الذين كانوا يتابعوننا بمناظيرهم، باطلاق مدفعيتهم في اتجاهنا. ولكننا تمكنا من مغادرة البيك آب العسكري واللجوء الى أقرب منزل الينا. وكانت فيه عجوز لبنانية جلست قبالتنا تضرب بيدها على ساقها مع كل قذيفة تطلق على القرية بهدف اصطيادنا. وكانت العجوز تتوسل الينا بأن نتركها في حالها ونغادر منزلها. كانت تقول أنهم لا يريدون القرية وسكانها. انهم يريدونكم أنتم معتقدة بأننا ننتمي للمقاتلين الفدائيين.
وفي لحظة ما، شاهدنا من شباك المنزل قذيفة تصيب أحد المنازل وتشعل النار فيه. وهنا انطلقت أصوات طفلة كانت كما يبدو في المنزل المصاب... تبكي وتشتغيث. وكان الألم يعصر قلوبنا لماتسببنا به لتلك الطفلة من خوف وعناء. لكن لم يكن بوسعنا أن نفعل شيئا. فانتظرنا في موقعنا الى أن خيم الظلام علينا، فقررنا السير على الأقدام نحو مدينة لبنانية تقع على تلة غير بعيدة كثيرا عن كوكبا، وأعتقد أن اسمها (لآ اذكره جيدا) كان "دير ميناس".
وأثناء سيرنا، وكنت قد توقعت أن نصادف كمائن في طريقنا الى تلك المدينة. اذ كنا في منطقة عمليات عسكرية، وكان من الطبيعي أن نتوقع مصادفة كمائن من جهة ما... ربما من الاسرائيليين وربما من الفلسطينيين. وهنا قلت لزميلي بأننا اذا صادفنا كمين في طريقنا، وكان المتحدث معنا يتكلم باللغة العربية، أتركوه لي لأحاوره. أما اذا تحدث بلغة انجليزية أو أية لغة أخرى، فانه على بوب أليسون أن يحاوره. وبطبيعة الحال كنت في داخلي متخوفا بأن يكون قائد الكمين اسرائيليا ولكن يتحدث اللغة العربية. غير أنه لم يكن بوسعنا أن نفعل شيئا في حالة كهذه.
وسرنا بعض الوقت...وفي لحظة ما أحسست بشيء صلب يلامس ظهري، فقدرت فورا بأننا قد وقعنا في كمين. وحاولت الالتفات الى الوراء، لكن صوتا أجشا قال لي باللغة العربية "لا تلتفت الى الخلف وسر في طريقك". ولم أعلم عندئذ ان كان فلسطينيا الذي يصدر الأمر الي أم اسرائيليا. ولكني قررت المغامرة واعتباره فلسطينيا. فقلت له "يا أخي نحن عرب ولسنا اسرائيليين". فالكمين الذي نصب ان كان فلسطينيا، كما فكرت بسرعة، لا بد كان يتوقع أنه بصدد دورية اسرائيلية. وبعد لحظة صمت لم أتلق ردا على كلامي خلالها، قلت له لدي أوراق تثبت بأننا هنا بمعرفة أبو جهاد. "دعني أريك أوراقنا. هذا ما قلته له مغامرا بترجيحي أنه عربي فلسطيني. فقال "حسنا دعني اراها" ...
فأخرجت من جيبي ورقة الأمر االصادر عن ابو جهاد محاولا الالتفات الى الخلف لأسلمها له. فدفع بفوهة الرشاش الى ظهري قائلا "لا تلتفت الى الخلف... فقط أعطني الورقة دون أن تلتفت". وفعلت ذلك، وعندما اطلع عليها مستعينا بضوء القمر الذي كان لحسن الحظ قمر 14 ، صاح بالآخرين أن "الشباب أوكيه. معهم أمر من أبو جهاد".
واصطحبنا فريق الكمين المكون من أربعة الى خمسة أشخاص (لا أذكر تماما) الى المدينة القريبة حيث أجريت اسعافات أولية لوديع خوري، ثم زودنا بسيارة اصطحبتنا الى بيروت بعد يوم طويل من الرعب اقتربنا فيه كثيرا من لحظات الموت الآتي من القذائف الاسرائيلية ومن اغارة ابطائرة الاسرائيلية علينا. ولدى وصولنا الى بيروت، كانت وجهتنا الفورية الى مستشفى الجامعة الأميركية، حيث أجريت فورا لوديع خوري الاسعافات الكاملة والتي شملت عملية تجميلية لوجهه كي لا تترك أثارا أو ندوبا على وجهه نتيجة الجر ح الذي أصيب فيه بوجهه.
وفي اليوم التالي جاءنا السائق اللبناني الذي كنا قد فقدناه خلال مرحلة الهلع تلك، وأبلغنا بأنه قد استطاع اصلاح ما أصاب السيارة من ضرر وعاد بها الى بيروت، فطلبنا منه العودة فورا الى كوكبا والاستفسار عن مصير الفتاة الصغيرة التي روعتها القذيفة والحريق الذي تسببت به تلك القذيفة. فقد كان صوتها يصرخ طوال الليل في رأسي ورأس أليسون. وفعل ذلك متوجها فورا عائدا الى كوكبا. وفي المساء عاد الينا ليبلغنا بأن الفتاة سليمة ولم تصب بأذى، اذ أنقذها أحد الجيران من الحريق الذي لم يلتهم الا جزءا صغيرا من المنزل المصاب.
وعندما علمت ادارة سي بي أس في نيويورك بما حدث لنا، أرسل مديرها العام برقية احتجاج شديدة اللهجة الى وزير الدفاع الاسرائيلي، تلومه بشدة على اقدام قواته على استهداف طاقم اعلامي غير مقاتل تابع لشبكة أميركية. ورد وزير الدفاع ببرقية يتساءل فيها: "ما الذي أوجدهم في ميدان يواجه عمليات عسكرية وهم متلحفون بكوفيات قفلسطينية؟".
كانت بحق تجربة مريرة، ولكنها كانت بالنسبة لي تجربة تثقيفية. فقد علمتني أنه ليس من السهل قتل الانسان أو اصابته. فالطائرة الاسرائيلية نفذت غارتين أو ثلاث غارات علينا في محاولة لقتلنا، ولم تفلح في قتل أي منا. ولولا اضطراب زميلي وديع ورفعه رأسه بغية التلويح لقائد الطائرة، لما أصيب بشظايا الصخور التي تسببت القذائف بها. كما قصفتنا المدفعية الاسرائيلية ولساعات محاولة قتلنا في التلة الصخرية التي لجأنا اليها، وكذلك في قرية كوكبا التي قصفتها بعشرين قذيفة على الأقل، ولكنها لم تصبنا أو تصب أي من سكان القرية. ولعل هذه التجربة المريرة هي التي جعلتني فيما بعد أغطي بدون خوف عدة حروب في المنطقة، منها الحرب التركية ضد قبرص، وغزو لبنان عام 1982، ثم حرب عاصفة الصحراء ضد العراق، حيث انفجر خلفي.. وعلى بعد 48 مترا مني، صاروخ توماهوك قتل ثلاثة أشخاص وجرح ستة عشر، أما أنا فلم أصب الا ببعض شظايا الزجاج والحجارة الصغيرة المتناثرة والتي حطت على رأسي وكتفي دون أن تقتلني أو تجرحني. والسبب أن معركة الجنوب اللبناني قد علمتني أين أقف وكيف أقف في ساحة معركة ما. ففي ذاك اليوم، في بغداد، وقفت مستندا الى الجدار الحاجز بين ساحة الفندق وحديقته حيث سقط الصاروخ. فالجدار قد حماني يومئذ من موت محقق
المفكر والكاتب ميشيل حنا الحاج
الاعلامي الأول والمتميز لعام 2017 كما أسمته الهبئة العليا للاعلاميين العرب
مستشار في المركز الأوروبي العربي لمكافحة الارهاب والاستخبار





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- مفاجأة تفاقم الخلاف بين الخليج وقطر وبلوغه حد القطيعة
- مدن بريطانيا الأكثر أمنا في أوروبا باتت فجأة الأكثر استهدافا ...
- رحلة ترامب للشرق الأوسط تسعى لتحقيق السلام الفلسطيني الاسرائ ...
- الارهاب الذي افرزته الحرب السورية يهزم الحزب الاشتراكي الفرن ...
- يوم الشعانين ..يوم الدعوة للسلام..أم يوم الشهداء؟
- هل التوماهوك انتقاما للكيماوي أم لتصحيح صورة جماعة ترامب لدى ...
- أين المنطق في تقييم حادثة خان شيخون؟
- تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ الى جزيئات صغيرة في سوريا. أسبابه ...
- جنيف بين طلاسم علاقة فتح الشام بأحرار الشام وغموض ما يجري في ...
- هل الحرب العسكرية على الدولة الاسلامية قادرة علىى تحجيم الفك ...
- طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين تركيا والولايات المتحدة، والع ...
- اسقاط ميغ 23 سورية أم مسعى لاغتيال الاستانة واتفاق بوتين ارد ...
- ألأمم المتحدة المطالبة بمحاكمة سوريا على جريمة حرب، تتناسى ع ...
- نتنياهو القادر على قضم اراضي الضفة الغربية والغاء الدولة الف ...
- السر وراء معركة القنيطرة ودرعا: مسعى لهيمنة الدولة الاسلامية ...
- أوهام القوة والنصر على الارهاب في الموصل والرقة تتناسى الكثي ...
- رغم نفور ترامب من اوباما، سينفذ مشروعه لشرق اوسط جديد بثوب ج ...
- هل -الموت ولا المذلة- معركة لتصفية تواجد النصرة في درعا أم م ...
- قيام اسرائيل بقضم الضفة الغربية قطعة قطعة قد يفرض الحاجة لمن ...
- ترامب: يالتسن اميركا، أم تسونامي يطيح بالدمقراطية سعيا وراء ...


المزيد.....




- بوتين يشكر ترامب لتوفيره معلومات حالت دون هجوم إرهابي
- كاميرات المراقبة ترصد حادث سيارة طريفا من نوعه
- ترامب لا ينوي إقالة المحقق روبرت مولر الذي يقض مضاجعه
- أضخم غواصة في العالم تحتفل بعيد ميلادها الـ 35
- غارات إسرائيلية ليلا على مواقع حماس في غزة
- ترامب يعلن اليوم استراتيجية الأمن القومي الأمريكي وموقفها من ...
- قتلى وجرحى في الفلبين نتيجة العواصف والفيضانات
- رياح كاليفورنيا تساعد على مواجهة الحرائق
- أكبر بورصة أمريكية تبدأ في تداول -بيتكوين-
- دول جوار ليبيا تؤكد دعم اتفاق الصخيرات


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ميشيل حنا الحاج - رحلة في ذاكرتي الفلسطينية: عندما تواطأت مع (أبو جهاد) لاحباط هجوم اسرائيلي على جنوب لبنان