أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - شبيدي !..















المزيد.....

شبيدي !..


يعقوب زامل الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 5552 - 2017 / 6 / 15 - 15:14
المحور: الادب والفن
    


شبيدي!
قصة قصيرة
...............
في هذه الليلة الصيفية، ما كانت حاجتي في وقت ما لرؤية النجوم كما حاجتي الليلة. ليس انعكاسا لشيء ما على أصوله المعتادة جعلني أوهم نفسي لقبس لحظة ما يضيء في هذه البقع الفضية، أو لغرض عما أبحث عنه، وكأني أراه غارقا وسط مياه رمادية شاسعة لا حدود لها. على أن ثمة صورة هاربة وسط هذا العميم الهائل، هي من دفعتني لرغبة شيخوخة بسن الطفولة، مادا بصري داخل هذا الغاب المديد من نثار حبات السماء اللؤلؤية.
هي ذاتها قبائل روحي كانت تحتشد تباعا، أمسك عنق الوصول معها إلى النبع الماكر من الاحاسيس. ربما هي الجديرة التي نظرت إليها منذ أعوام طفولتي، لتبقى عالقة في نفسي، ما جعلتني الساعة لا حاجة لي بالنوم.
لم أعد أتذكر بالضبط، وبالدقة، ملامح وجهها التي انمحت بفعل الزمن الخؤون، لكن ذلك الفم الوديع الموشى ببياض أسنان صغيرة، وخدين ناعمين ملتصقين بعظام وجهها، وفقط لا شيء سوى قوام أهيف رشيق ممدود، يأتي ولا يأتي، تستطيع أن تعدّ حياة امتداده بالعصور. ذاك فقط ما قُدرَ لفعل طائش متهور أن يبقيه برأسي حتى الآن. كما لا استطيع التكهن الآن، ولدقة تكلف جسدها، هل كان بمقدور" شبيدي " أن تمشي أربعون خطوة تتابعا دون توقف، أو لا؟.
الأكثر غرابة في عصري الحالي، أن تلك المرأة الطويلة النحيلة المتطامنة، والغير متطامنة، والتي كانت يوم ذاك بعمر عقدها الخامس، وفي عصرها ذاك، لم تملك القدرة على أدراك ما يعنيه أسمها لتختصر الاجابة عن سؤال الأبد " أبْيَدكِ شيء ؟ ". ليقطع سبيل الحيّرة عن قلق الآماد البعيدة في قدم الانسان مع البلوى، وكأنها تطلب عوناً حتى من بقايا أكداس عظام، متسائلة : " ش.. بيدي "؟.
كانت الصورة يومذاك، تعوزها بعض ظل كي تبدو أكثر تجسيدا. وأن الزمن كان بحاجة لآلة حفريات أوامر لينبش مكاناً صلداً في عقلي لتبق ملامح "شبيدي " راسخة بذاكرتي. أما باقي الأجزاء اليسيرة من العموميات المتعلقة بقصة " شبيدي " ما زالت، في مكان ما من هذا الرأس الغير سعيد على الدوام.
اللحظات التي تسألت فيها، وأنا أتابع رصد ذاك الخاطر، عما لو كانت لنا القدرة، على نبش قبور بعض من نحبهم، لنحتفظ برفاتهم داخل بيوتنا. هل سنتعامل بها بتلك التلقائية التي نحن عليها وهم تحت التراب، أم سنعايشها بنفس الأهمية غير المتنوعة التي نحتفظ فيها لتماثيل رخامية لنوع مع اجناس نرتبط معها بأواصر، تجعلنا، كما يأمرنا وحي الاعتياد، أن نرميها وراء ظهرينا؟. هل سأنسلخ عندها عن تمثال " شبيدي " الذي سيبقى كما أعتقد محتفظا بتلك الهشاشة لجسد، كان قد تحمل من المشاق، كي يرمم ذاته بذاته، ليستمر أنثوياً؟
من كان يتصور وهو في تلك الهيئة اللحمية المكبوسة على عظام وأغشية وتلافيف الأوردة والشرايين، واسماء وعناوين تمتعه بنوع من السلطة المتنوعة، أن كل تلك الاشياء ستتخلى عنه، وأنه سيتحول إلى نسغ مجرد من الحياة ليمتزج، كما في اعتقاد مسبق: أن وجهة نظر سحيقة ، ما زالت تقدم البرهان على أن أصله الأول، ليس غير التراب؟
لم تكن قادرة، والصيف، عاريا، وتحت سقف غرفتها من خشب أشجار القوق، أن تفصل بين روحها وما تعاني من وحدة، وبين العالم، في الخارج الذي يخبئ كل شيء ويظهر كل شيء. وأنها تحت ما يستولي عليها من قلق وخوف الحاضر والمستقبل، تلطخت " شبيدي " بالحزن، عندما تصورت أن الله الذي يسيّر الكون كيفما شاء، لا يستطيع أن يأخذها لصدره لحظة واحدة ليجعلها تطمئن لوجودها.
عندما حاولت أن تنهض لتدخل غرفتنا كما اعتادت كل ليلة، أن تشعر بقربها من عائلة تهتم بها. ترددت. شعرت بأنها لم تعد بحاجة لقدميها. سقطت جاثية على وسادتها الصوفية. حاولت أن تنطفي. على أن ضوء الفانوس النفطي ما زال يرسل ظل جسدها نحو جدار الغرفة الطينية العاري.
هذه الغريمة لتماثل العالم مع خوار القلق، لم تعد بعد بحاجة لأن تنفض يديها من الحياة. كانت ما تزال تشعر أن هناك من سيعثر على بقيتها لو فارقت العالم. لكن هذا الليل الذي يغطي الأرض بثقله الاسود الآثم وبما يملك من قدرة على اخفاء حتى الحيوانات الوحشية في جحورها، لم يعد بمقدوره، اخفاء الطريق الذي يأخذها لمراعٍ منعزلة.
قبل أن تنهض من مقامها، لتنتمي، كما قررت من جديد لجمعة أسرتنا، لم تمنع تلك الآهة، إلا أن تفلت من اسار صدرها، وأن ترسم بسبابة يدها على وسادتها حروفاً من غبار.
كل ليلة، بيننا، كانت تلتمس الدم لعروقها. تبتهل من خلالنا، نحن الذين كنا كالعشب النابت، لمحاربة الوحدة واللهب الغباري. كل ليلة تقريبا، كانت تفعل هذا.
كل ليلة كانت تهبنا نجمة من روحها. مرات على شكل بلوط تحمسه على نار "البريمز" النحاسي النفطي الصغير، نلتهمه حارا. وعلى تلك النار النفطية، حين تعد لنا فطائر " الرصاع " من طحين الرز.
كل ليلة، وقبل أن يهب المساء حضوره لكواكب نيران الليل، لترسل طفولة اشعاعاتها نحو الأرض، كانت تنتظر بائع "بيض القلق"، ضاما ذراعا لسلة بضاعته التي تكون عادة مغطاة بهرم من التول الأبيض الخفيف متعامدا مع خشبة بطول الذراع من قعر السلة للأعلى. مرسلا لأقاصي الطرقات صوته الغنائي: " بيض الكَلك، علا وطار، ووكر أبيت المختار".
شكله الاربعيني، بشعر رأسه الذي يقال له " رز وماش " شعرة سوداء وشعرة بيضاء، كان يدفع " شبيدي " للتطلع في محياه طويلا وهو يستخرج لها من ناموسية السلة، قطعا من عرائس اعجوباته اللينة الهشة بألوان المآثر غير المألوفة، لكنها كانت حلوة لذيذة الطعم.
ولأنها بالعادة، تشتري على عددنا، لكل منا قطعة، كنا نهرس تلك العرائس الملونة على مداد من شهية. على أنني وأنا المأخوذ بطعم عروستي، كنت أحسها تتوسل وهي تمضغ. شيء من ابتكار هارب خارج قوة اليقظة، يدفعها للغيبوبة في السهوم المفاجئ. عندما تتطلع بعيدا. وبقسمات وجهها الفتي خلف طائر اللقلق، تغرق عاليا.
ليست تلك القوة، ما جعلت " شبيدي " تتوارى عن ذاكرتي مدة تلك الاعوام، وكأنها كانت ختام مرحلة بكر طفولتي لم تستمر طويلا، لكنما، تَقَبل " شبيدي " لجدار العزلة، بل لكونها كانت تبحث عن شمس وهواء ورفقة في المكان الذي يذهب فيه جسدها ممسكاً طرفه الأقصى، كان هو الطرف الخفي في المعادلة.
حتى الآن لم أصل لادراك صلة القرابة التي تجمعنا بها. ولا لماذا كنا نغدق عليها كل ذاك الحب، وبالنزل مجانا، ولا كيف تقوم وحدها بأود حياتها، وكأنها تملك جزءاً يسيرا من خزائن الأرض؟. كل ما أعرفه أنها كانت جزءا منا في كل آن ولحظة، حتى عندما كانت تغادرنا قبيل الفجر لتنام في غرفتها الملاصقة لغرفتنا، وعلى سرير من جريد سعف النخيل، تلتحف، كما بواكير السنابل تحت أزارها الصوفي الأحمر. هناك كانت تنتمي بالكامل لقوة أشياء لا تُرى بالعين، ولا بما يجعل تلك المرأة التي تستطيع حمل هَمْ يقتل بثقله بعيرا. في هذه اللحظة بالذات، وبقوة غاشمة للأشياء، كنت أحسب ما كان يحدث لها مجرد افتراض؟!
أغلب ما تبقى في ذاكرتي دون أن يتضاءل، كبرياء يأخذك فيها. فهي حين البكاء، كانت تغطي وجهها البسيط بكفين مرتعشين، ولو لم يتجرد ذاك الوجه من جماله الساكن، لحسبتها طائرٌ يجوب الهواء النقي.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,092,175,303
- أتلك استحالة ؟!..
- أغدق...
- ذات المناخ !...
- لروزا أيريك كارافال / تشيلي..
- كذبة، بطعم شفتين!..
- أول الأبوة..
- إليك.. كأنك حبيبي المستحيل!
- غرق الخمول..
- الكوابيس لا تطير في الفراغ!..
- عند ذاك.. عند ذاك فقط !..
- نمّو...
- انكسار !..
- أرجاء الحذر !..
- في حال !..
- لحضور مفعم بالمواسم...
- تلك هي رغبتي..
- حيث لا توجد ريح ماكرة..
- سفوح من هبات!...
- سفوح من هبات !..
- على لا أحد !..


المزيد.....




- القاهرة: إطلاق جائزة أفضل كتاب مترجم لعام 2018
- عرض فيلم روسي-بيلاروسي في مهرجانين أمريكيين
- مهرجان أفلام الهجرة الدولي يسلط الضوء على المهاجرين في السين ...
- مهرجان أفلام الهجرة الدولي يسلط الضوء على المهاجرين في السين ...
- الشارقة: انطلاق فعاليات وأنشطة أسبوع التراث الإماراتي
- جبل طارق.. الهوية التائهة بين أوروبا والتاج البريطاني
- مغربي ينقذ طبيبة إيطالية من الموت
- عدد مستخدمي المكتبة الإلكترونية في مترو موسكو بلغ 100 ألف شخ ...
- أول فنان عربي يشارك بحفل -أعياد الميلاد- في الفاتيكان
- رحيل الشاعر اللبناني مرشح -جائزة نوبل- موريس عواد


المزيد.....

- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - شبيدي !..