أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي - محمد مسافير - الحركة النقابية التونسية قبل الثورة!















المزيد.....

الحركة النقابية التونسية قبل الثورة!


محمد مسافير

الحوار المتمدن-العدد: 6196 - 2019 / 4 / 9 - 09:50
المحور: ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي
    


معلوم جيدا وضع النقابات في العالم ككل، وكيف انحرفت عن علة وجودها، أي الدفاع عن مكتسبات الطبقة العاملة والسير بها قدما نحو مكاسب جديدة، فقد غدت النقابات اليوم إحدى مؤسسات الدولة التي تكبح بها قوة الطبقة العاملة، بسبب البيروقراطيات التي تربعت على هياكلها، وجعلت منها أداة تساوم بها الدولة من أجل مصالحها الخاصة، وبسبب تخاذل اليسار عن الاضطلاع بأدواره التاريخية إزاء هذه الوضعية، بالدخولية وكسب ثقة الطبقة العاملة عن طريق الارتباط بهمومها والدفاع عن مصالحها وطرح بدائل ديمقراطية وفضح جميع أشكال البيروقراطية التي تنخر التنظيم العمالي.
سنتطرق هنا لبعض المحطات الرئيسية في تاريخ النقابات بتونس، لكي نستوعب الأزمة التي وصلتها في بدايات هذا القرن، ولكي نستشف أفقها في ظل المستجدات الراهنة.
كما الحال في باقي الدول المستعمرة، فقد كانت النقابات السائدة في تونس عبارة عن فروع للنقابات الفرنسية، ويعني ذلك بشكل مباشر تكريس لسياسة التمييز العنصري من قبل المستعمرين ضدا على العمال التونسيين، ولم يكن بمقدور التونسيين أن يترشحوا للاضطلاع بمسؤوليات نقابية. ومن مظاهر التمييز العنصري ما قامت به النقابة الفرنسية "الكونفدرالية العامة للشغل"، حيث وقعت اتفاقية مع البرجوازيين والسلطة تنص على أن يتقاضى العامل الأوربي أجرا يفوق أجر العامل التونسي بنسبة الثلث مقابل نفس العمل. مما أدى بالعمال التونسيين إلى القيام بمجموعة من الإضرابات في منتصف سنة 1924 قصد المساواة في الأجور وتحسين ظروف العمل. لم تكن النقابات لتساند هؤلاء العمال رغم كونهم منخرطين في صفوفها، واعتبروا ذلك تمردا على القيادات النقابية. مما حدا بالعمال التونسيين إلى التفكير في إنشاء نقابات مستقلة، فقاموا سنة 1924 بتأسيس "جامعة عموم العملة التونسيين" فاستقطبت إليها عمال الرصيف والموانئ والنسيج ومطاحن الحبوب وعمال السكك الحديدية والمستخدمين في شركات الاسمنت ومواد البناء وبعض المهن الأخرى التي تحتوي على عدد محدود من العمال، كما عرقلت السلطات الفرنسية وأذيالها من البرجوازية التونسية ذات المصالح المتوافقة مع المستعمر، انضمام عمال مناجم الفوسفاط إلى "جامعة عموم العملة التونسيين"، وكان الحزب الدستوري من أوائل المعارضين لهذه النقابات المستقلة، ووصلت به السفاهة إلى حد التبرؤ منها.
وفي سنة 1946 بادر مجموعة من نقابيي الجنوب التونسي إلى تأسس "الاتحاد العام التونسي للشغل"، حيث حاولوا الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة التونسية المباشرة، مع ربطها بالنضال التحرري من نير الاستعمار الفرنسي، ثم تكونت النقابات في كافة أنحاء البلاد والتحقت بالمركزية النقابية التونسية الجديدة.
شهدت فترة الأربعينيات سيادة التوجه العشائري داخل النقابات، حيث حدد هذا التوجه صراعا وهميا بين طرفين أساسيين من العشائر، يتمثل الطرف الأول في المجموعة المنحدرة من جزر قرقنة، والتي تضم نقابيين بارزين أمثال فرحات حشاد والحبيب عاشور. والطرف الثاني منحدرة من جهة قفصة بالجنوب التونسي، ومن أهمّ رموزها : أحمد التليلي وحسين بن قدّور.
كانت أولى الصراعات الهامة التي شهدتها "نقابة الاتحاد العام التونسي للشغل" ضد النظام الحاكم في سنة 1965، حيث عملت الدولة التونسية على التخفيض من قيمة العملة التونسية (الدينار)، ويعني ذلك التخفيض من القيمة الفعلية للأجور، أظهرت هذه الأزمة شروخا في النظام، حيث اضطر رئيس الإتحاد أحمد التليلي إلى معارضة هذا الإجراء، بعد ضغط القواعد النقابية المتواصل وخروجها عن سيطرته، وكان أحمد التليلي عضوا قياديا في حزب الدستور الحاكم، مما أجبر الدولة على عزل القيادة المعارضة وتنصيب قيادة موالية مكانها، لكن هذا التغيير لم يغير في واقع الأمر شيئا، فسرعان ما تمردت القاعدة ورفضت الانصياع لتعليمات القيادة المنصبة، بعده تم استقدام الحبيب عاشور الذي كان يشغل آنذاك منصبا قياديا في الحزب الحاكم، وكان قبل الاستقلال الشكلي أحد مؤسسي "الاتحاد العام التونسي للشغل" إلى جانب فرحات حشاد، لكن سذاجة العمال وحيل الدولة، أطفأت لهيب الاحتجاجات، بتنظيم الانتخابات وتنصيب قيادات جديدة، هذا دون أن يغير شيئا في الحالة الاقتصادية للعمال، كأن تنصيب القيادات هو كل شيء..
هكذا كان النظام التونسي يتلاعب بالنقابات التونسية، بعد احتواء مناضلين سابقين، لقد خان مجموعة من الانتهازيين القضية بطبق من عدس.
هذا التوجه العـشائري شهد بعـض التقلص المحدود في فترة السبعـينات، حينما تحوّل الإتحاد إلى أكبر قوة شعـبية في القطر، وتمكّن من استيعاب أعـداد غفيرة من العـمال والموظفين.
في بدايات السبعينيات، تراجع الفكر العشائري بشكل كبير لفائدة الوعي الطبقي نتيجة لظهور بعض التنظيمات الماركسية، تمثلت بالأخص في خريجي الحركة الطلابية التونسية، التي استطاعت أن تتغلغل في أوساط الطبقة العاملة، وبفضل خطابها الجديد والمتميز عن الخطابات التقليدية التي ألفتها الطبقة العاملة عند بقية الأحزاب، استطاعت أن تكتسح بعض الهياكل القاعدية والوسطى، رغم مؤامرات القيادات البيروقراطية ضدها، ومحاولاتها المتكررة لعرقلتها، بإيعاز من أرباب العمل والنظام، وقد أعطى هؤلاء المناضلون دفعة قوية لإتحاد الشغل، وقفزة نوعية في تجدر الوعي العمالي، وكانت الإضرابات التي انتشرت في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي لأكبر شاهد على ذلك، حيت تواصلت إضرابات قطاع النقل العمومي والسكك الحديدية والمعادن والطاقة والتعليم والموانئ البحرية والجوية والبريد والاتصالات ومناجم الفوسفاط ومعامل الاسمنت والبنوك الخ. أصبح "الاتحاد العام التونسي للشغل" سنة 1976 أكبر قوة معارضة منظمة للنظام. فبعـد أن كان عـدد المنخرطين لا يتجاوز 40 ألف سنة 1970، ارتفع سنة 1977 إلى حوالي 600 ألف منخرط.
ومرة أخرى تظهر تصدعات داخل النظام، فقد تسببت هذه الموجة من الإضرابات في أزمة عميقة بين الحكومة (بقيادة الهادي نويرة) والقيادة النقابية التي تنتمي إلى قيادة الحزب الحاكم التي ورطتها القيادات في معارضة النظام، لأن مكانها ليس تمثيل مصالح العمال، لكن مكانها موجود في الضفة الأخرى، رغم ذلك، وخوف أن تظهر عورة النظام مرة أخرى، اضطر الحبيب عاشور،الأمين العام للاتحاد، لتقديم استقالته من المكتب السياسي للحزب الحاكم تحت ضغط القاعدة النقابية التي أدركت موقع الحزب الحاكم من الصراع . و برز هذا الصراع بشكل جلي إبان الإضراب الشهير الذي شهدته مدينة "قصر هلال"، سنة 1977، وهو مكان ازدياد الحزب الدستوري الجديد سنه 1934، ورفع المضربون شعار" الحزب الحاكم ولد هنا وسيموت هنا" مما أدى إلى التفاف سكان المدينة وانضمامها لإضراب العمال، فتدخل الجيش لمحاصرة المدينة، ونشبت مصادمات بين الساكنة وقوى الجيش خلفت مجموعة من الجرحى والموتى في وسط العمال والمواطنين المساندين لهم، وتوجت هذه الأحداث بإضراب عام يوم 26 يناير 1978.
شهدت فترت الثمانينيات ارتفاعا ضخما في الأسعار، خاصة بعد الدور المتخاذل الذي لعبته قيادات الإتحاد في مباركة هذا الارتفاع، حيث أبرمت السلطة اتفاقا مع الحبيب عاشور، الطيب البكوش، خليفة عبيد وإسماعيل السحباني (وكلهم من قياديي الإتحاد)، تمّ بمقتضاه الموافقة عـلى مضاعـفة سعـر الخبز، وإقرار منحة تعـويضية بقيمة دينار ونصف لكلّ فرد، بالنسبة لعائلة تتكون من ستة أفراد، بحيث تكون الزيادة الإجمالية الشهرية الأقصى تسعة دنانير.
منذ بدايات التسعينيات إلى أواخر العشرية الأولى من القرن 21، بدأت النقابات تعرف تناقصا كبيرا في عدد منخرطيها، خاصة بالقطاع الخاص لكل من عمال النسيج والصناعات التحويلية الخفيفة والاتصالات والاسمنت وقطاع الخدمات وغيرها. ويرجع هذا السبب بالأساس إلى فقدان الثقة في النقابات، بعد أن غدت وسيلة للتسلق والثراء، ولا تقدم للعمال غير سياسات تسويفية أرهقت صبرهم دون حد أدنى من المكتسبات. في المقابل، ظهرت معارضة صريحة للسياسات المتبعة من طرف القيادة النقابية والمهادنة للحكومة وكذلك للعلاقات العمودية السائدة داخل النقابة والمرتكزة على وصاية مزعومة لا تخلف درة من الطحين، وشملت هذه المعارضة كل من قطاعات التعليم والصحة والمعادن والمؤسسات المالية الخ، كذلك ظهرت مجموعة من بوادر تجاوز القيادة منذ سنة 2001، فطفقت قطاعات الوظيفة تواجه الحكومة دون سند من القيادة المركزية، كذلك كان شأن آلاف العاملين في المناطق الصناعية المحيطة بالعاصمة والمناطق الساحلية الذين لا يتقاضون أجورهم لعدة أشهر وأحيانا يفاجؤون بغلق المصنع وهروب المشغل الأجنبي دون سابق إنذار...
ولاحتواء هذه الشرارات المتزايدة يوما بعد يوم، ارتأت المركزية النقابية تفعيل أساليب المناورة، بإعلانها عن تاريخ انعقاد المؤتمر العام، قصد شل الإضرابات، ومنع اليسار من الأخذ بزمام الأمور والفوز بالانتخابات النقابية، رغم ذلك، كان لليسار تأثير كبير على القرارات التي اتخذها "الاتحاد العام التونسي للشغل"، كعدم مساندة ترشح زين العابدين بن علي للرئاسة، خاصة وأنه قام بتنقيح الدستور الذي لا يخول له الترشح لأكثر من مرتين. كما امتنع الاتحاد عن المشاركة في مراسيم تنصيب غرفة ثانية لبرلمان مجرد استشاري ويتم تعيين أعضائه من القمة. كانت هذه القرارات هي الأولى في تاريخ الإتحاد التي اصطبغت بنوع من الحدة والجرأة، ولم يكن ذلك نابعا من قناعات القيادة، بقدر ما كان ضغطا فرضته المعارضة اليسارية، لقد حرمت هذه القرارات القيادة من معظم مكاسبها الخاصة، لأن النظام لم يغفر لها تلك الجرأة.
اليسار أيضا لم يسلم من وباء هذه القرارات، ونخص هنا بالذكر حزب العمل الوطني الديمقراطي غير المرخص، حيث نال طائلة من المضايقات من قبل القيادة المركزية التي تحالفت مع الحكومة من أجل إسقاط اليسار، وذلك بالتضييق على النقابات التي انتخبت عناصر يسارية، ووصل بها الأمر في أغلب الحالات إلى حل هياكل النقابات وإجراء انتخابات سابقة لأوانها، وهنا يتضح بشكل أكبر دور شبح البيروقراطية المعادي لمصالح الشغيلة، والمهووسة بإغراءات الحكومة التي بفضلها تراكم الثروات، ولا تأبه لمشاكل العمال، فهي بعيدة كل البعد عنها، مما يخلق هوة ساحقة بين مطامح البيروقراطية وواقع العمال.
إلا أن أغلب المعارضات النقابية التي تكونت داخل الإتحاد العام التونسي للشغل وعلى رأسها المعارضة اليسارية بقيت مجرد معارضة نخبوية، ركزت طيلة العشريتين الأخيرتين على الصراع على المواقع في هياكل النقابة وأغفلت علة وجودها، إذ أنها لم تتمكن من التطور والانغراس في الإتحاد كاتجاه مستقل عن البيروقراطية ولم ترق إلى التشكل كمعارضة صلبة من الداخل لفضح البيروقراطيات وبلورة توجه كفاحي بديل عن جو الانتهازية والوصولية السائد في المنظمة، ولم تطرح تكتيكات جديدة لإبراز صوتها أو إعلان مشاريع مستقلة بديلة من أجل نقابة مستقلة وديمقراطية ومكافحة، إذ تحول قطاع عريض من هذا اليسار النقابي إلى حليف معلن للبيروقراطية وكلب حراستها. ولعل أن أبرز شاهد على ذلك مواقفه من البيروقراطية النقابية أثناء حملة التجريد وأثناء انتفاضة البلدات المنجمية وأثناء إصدارها المنشور 83 وفي مفاوضات الزيادة في الأجور وفي مجموعة من المحطات الأخرى.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,509,781
- الرهان المطروح لثورة ظافرة على ضوء أفكار تروتسكي!
- لمحة تاريخية على الحركة الإسلامية التونسية ما قبل الثورة!
- رهان الثورة الظافرة على ضوء أفكار تروتسكي!
- الإعاقة الذهنية والجنس!
- طنجة ليلة أمس... وحراك الريف!
- سيرا على درب الريف... طنجة تستغيث!
- إلا الإسلام... مش زيهم!
- مستملحات رمضانية!
- تنويعات في الجنس!
- تنويعات في التنوير!
- الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر!
- دردشة رمضانية!
- مكمن الخلل...
- حوار مع صديقي الملحد
- نزيف القبلات!
- موعد مع الجن!
- استراتيجية التغيير... الخيار الثالث!
- سعودي ببني ملال..
- مستشفيات تستنزف الجيوب وتزهق الأرواح!
- واقع المال... دون جدال!


المزيد.....




- رغد صدام حسين تكشف حقيقة وفاة والدتها
- بلوتو.. اكتشاف جديد يدعم وجود حياه
- كوبا أميركا.. ميسي ضمن تشكيلة الأرجنتين
- يشمل 23 مليون طالب.. قانون جديد للتأمين الإجبارى على كل المه ...
- دعاء نبوى فى الحر الشديد ينجى المسلم من عذاب جهنم
- واشنطن تشير إلى دلائل عن قصف كيميائي للنظام باللاذقية وتتوعد ...
- بعد إفادته للكونغرس.. وزير الدفاع الأميركي يستبعد الحرب مع إ ...
- زهدي الشامي يعلق علي تحمل الموازنة لديون قناة السويس
- ذكري رحيل الدكتور شريف حتاته
- سوريا: سقوط قذيفتين صاروخيتين وسط مدينة حلب


المزيد.....

- الاتحاد العام التونسي للشغل والشراكة في بناء الدولة الوطنية: ... / عائشة عباش
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من مطالب الحركة العمالية / سعيد العليمى
- الحركة العمالية والنقابية في اليمن خلال 80 عاماً.. التحولات ... / عيبان محمد السامعي
- الحركه النقابيه العربيه :افاق وتحديات / باسم عثمان
- سلطة العمال في ظل الأزمة الرأسمالية / داريو أزيليني
- إيديولوجية الحركة العمالية في مواجهة التحريفية / محسين الشهباني
- الحركة النقابية في افريقيا وميثاقها / كريبسو ديالو
- قراءة في واقع الحركة النقابية البحرينية / إبراهيم القصاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي - محمد مسافير - الحركة النقابية التونسية قبل الثورة!