أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - دامداماران [21] يهودية عربية..















المزيد.....



دامداماران [21] يهودية عربية..


وديع العبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 5543 - 2017 / 6 / 6 - 16:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


وديع العبيدي
دامداماران [21] يهودية عربية..
[خرج وهو حامل صليبه، الى الموضع الذي يقال له جلجثة، حيث صلبوه، وصلبوا اثنين اخرين معه، من هنا ومن هنا، ويسوع في الوسط. فأتى العسكر وكسروا ساقي الاول والاخر المصلوب معه. أما يسوع فلم يكسروا ساقيه، لأنهم كان قد مات!]- (يو 19: 17- 18، 32- 33).
[وتلكم الواحةُ ما زال يذكرها من لم يزلْ للوصايا العشر متبعا
كأنما موسى في هدايته، وبالرحيل كعيسى عندما رُفٍعَا]- د. جودت القزويني

جغرافيا عرابيا..
الصلة بين العرب والعبرانيين هي اكبر من مجرد تصحيف لفظي: [عبري- عربي] كما يذهب اليه الدكتور جواد علي [1907- 1987م]. والتداخل التاريخي والميثولوجي/ الاجتماعي والثقافي بينهما اقوى من محاولة تفكيكه وتصنيفه وعزله.
وليس هنا، مجال البحث في دهاليز التاريخ ومرويات الايام والأوابد، عن ظروف وجذور وابعاد الانفصال والطلاق بين الاثنين، او: داخل الواحد المغترب بذاته وبغيره. لكن شيئا ما حدث. وطفولة ما حاولت القفز خارج دائرة عفويتها وبراءتها، لسبب او اخر، وليس من دون عامل خارجي، كما في التفاعلات الكيمياوية.
تلك هي المفصلية الكرونولجية التي يعلنها [تك 10: 25]: [وعابر انجب ابنين: فالج ويقطن]، وقد نوهنا في حينه، ان [يقطان= قحطان] عند النسابة العرب. وان (قحطان) هو جدّ اهل اليمن، وهو ما يوضحه نص التوراة السابق. فالانقسام يكون قد وقع في نقطة ما في حوض الفرات، دفعت باحد فرعي العائلة الاتجاه جنوبا الى اقصاه: [اليمن الجنوبي]/ الساحل الجنوبي للعرابيا/ شبه جزيرة العرب حغرافيا. والفرع الاخر يتجه غربا، نحو ساحل المتوسط الفينيقي/ الكنعاني، لتنمو شجرة اخرى سوف تدعى شجرة [اب رام]/ ابراهيم.
النسابة والاخباريون العرب كانوا اكثر صدقا وشفافية ونبلا، باستخدامهم معيار تصنيف العرب الى [عرب الجنوب- عرب الشمال]. الجنوبيون هم اهل اليمن وحضرموت، والشماليون هم اهل الحجاز وبصرى. والجنوبيون هم ذرية قحطان، والشماليون هم ذرية عدنان.
واقع الحال.. ان الشمال، يتجاوز الحجاز الى شمالها الشامي، وامتداده المنحدر مع مجرى الفرات، ليرسم حدود البادية المقابلة لشمالي نجد. على الفرات، ثمة موطن الجد الاكبر [عابر]، الذي سيتوزع ابناؤه. فكرة التوزع والشتات هي موضوع الاصحاح العاشر من سفر التكوين، ممثلا بوقوع [بلبلة الالسنة] واندفاع الناس من بابل نحو اطراف الارض. – ما يزال اهل بابل الرافدين، يندفعون نحو اطراف الارضين!-.
ثمة.. ثيمتان رئيستان.. في هذا النص. احداهما: [الانقسام] وهذا هو معنى [فالج] الذي منه تسمية قضاء [الفالوجة/ الفلوجة] باللهجة العراقية، التي عاش فيها معروف الرصافي سنوات نفيه، وفيها حبر مذكراته وشخصيته [المحمدية]. ولسبب توراتي ايضا اختارت طائرات الغزو الاميركي دك [الفالوجة] وجعلها عاصمة الزرقاوي [2004م] ومن خلفه حتى ما بعد عام [2013م]. الفالوجة: هي هيروشيما العراق، او هيروشيما القرن الواحد والعشرين.
والثيمة الثانية هي: [التوزع والشتات]. سيكون الشتات هو عنوان الفرع المتوسطي من ولد عابر، ويتخذ عناوين ولبوسا عدة، ولكنه لا يغادر النص، ولا يخالف معناه. وقد لزم – ليس بمحض صدفة- ان يدور الزمن عشرات الدورات، حتى يتبادل ويتنافس ويتشارك العبرانيون والعرب في سيناريو الشتات والدوران حول اطراف الارض او قطبها المحذوف.
*
صمت التاريخ العبراني الاسرائيلي طويلا، عن تواريخ اليهود خارج فلسطين التاريخية والبلاد الاوربية، مما زاد اللبس والاختلاط حول تلك الممالك، والموقف الاسرائيلي من ممالك يهودية خارج فلسطين. ولكن التناخ العبراني يعترف باستقبال الملك سليمان ابن داود لملكة سبأ، التي اعجب سليمان بعمارة قصرها.
وتشير بعض المصادر الى انجابها ابنا من سليمان، وان الابن بقي في اسرائيل حتى سن التاسعة عشرة، قبل ان يقرر الهجرة الى افريقيا/ اثيوبيا، واعتبار ان يهود الفلاشا الافارقة التي شاعت قضيتهم خلال السبعينات، هم من احفاد ابن سليمان من بلقيس السبأية.
ومع اقرار/ معرفة نسابة العرب القدماء بقدم اليمن واصول سكانها -القحاطنة-، فهم يرون ان قبائل من يهود اليمن نزحوا الى خيبر ويثرب ومؤتة وأسسوا لهم ممالك ومستوطنات، كان لها اهمية تجارية وسياسية، وانهم ساعدوا في نشر التوحيد بين سكان الجزيرة، وتهويد بعض القبائل. لكن المصادر الاسلامية لا تعترف بوجود (يهود) عرب، وتدعوهم قبائل متهودة، كما يوصف النصارى العرب، بأنهم تنصروا، وكانوا وثنيين من قبل. بينما النصارى هم اليهود الذين قبلوا رسالة اليسوع، كما يأتي لاحقا.
والواقع ان العبرانيين لم يكونوا دخلاء على مشهد العرابيا وشرق المتوسط وشمال ووسط افريقيا. ولم تكن ثمة خطوط نفسية او همايونية تفصل بين عبري وعربي، وهو امر يصح حتى اليوم، ليس في الشكل انما ي العادات والامزجة.
فكانت مجتمعات العبرانيين ومستوطناتهم في كل انحاء عرابيا على امتداد سواحلها الجنوبية والغربية والشرقية كما في وسطها. وقد نحا الدكتور جواد علي منحى الغربيين في اعتبار [فلسطين] مركز الاجتماع اليهودي، الذي توزعوا منه في اعقاب التغيرات السياسية والعسكرية الطارئة على شرق المتوسط.
بينما القراءات التاريخية والواقعية تثبت ان وجود العبرانيين في مناطق متعددة خارج فلسطين، اكثر كثافة من نسبتهم داخل فلسطين . ففي شمال افريقيا وجدت عبر التاريخ، وقبل الميلاد مجتمعات يهودية كثيفة، وكذلك غرب مجرى النيل وشرقه، المعرفة بالمدن العشر. واكثرية تلاميذ السيد المسيح واتباعه كانوا من يهود الجزائر وتونس وليبيا، فضلا عن قبرص والحبشة وسواحل لبنان وانطاكية حتى مدن الاغريق.
كما ان للعبرانيين وجود ملحوظ في جنوبي العراق والشرق منه حتى ارض الهند. اما صمت التاريخ العبراني حسب تعبير الدكتور جواد علي -او مصادره-، فيعود للايديولوجيا اليهودية نفسها وصراعاتها الداخلية، التي لم تتوقف على اجراء العزل المجتمعي بين بني يعقوب والسكان المحيطين بهم، وانما بلغت حد استفراد سبط يهوذا/[أسد يسراييل] بالملك والامة، وتهميش الاسباط الاخرى، خارج [مملكة اليهودية]. وكان هذا التناحر الداخلي دافعا لهجرة الاسباط العشرة/[الاسباط المفقودة] خارج حدود [ارض الوعد].
لقد حاول موسى ومشروعه تركيز السلطة والادارة في [سبط لاوي]، وتوكيل هارون وبنيه وذريته من بعده على قيادة الشعب وحفظ الشريعة. فكان الرفض هو مصير المشروع الموسوي. وبعد دور ملحوظ لسبط بنيامين، استبد سبط يهوذا بالامر، وجعل الامر كله في ذرية داوود وامتدادها الزمني، بحيث يجعل نسب اليسوع ينتهي اليه [انجيلي متى ولوقا].
وبعد سقوط المملكة تظهر محاولة عزرا ونحميا لاستعادة الامر بيد الكهنة واللاويين. الا ان المحاولة باءت بالفشل ايضا. وعندما قيض الامر للحمشونيين لبناء دولتهم، جمعوا بايديهم الملك والكهانة. ومن بعدهم سوف يضم المجلس اليهودي اعضاء وكهنة ومعلمين من مختلف الاسباط.
ان قراءة الارض تختلف عن قراءة الكتاب والايديولوجيا. والقراءة الواقعية اليومية تختلف عن القراءة الدينية المحكومة بافتراضات واحكام جاهزة وقسرية. وواقع العبرانيين ليس كله [كتاب الشريعة] ولا [تاريخ مكتوب مسبقا] يدور ويتكرر حول محور ثابت.
وفي واقع العبرانيين العرب، صورة اخرى، او جانب اخر من المشهد العبراني الذي طالما اريد تغييبه واختزاله، وربما انكاره، لاسباب معينة. ولكن رغم كل شي، ثمة الكثير مما يمكن به اعادة تشكيل المشهد، وتصور الوضعية التاريخية لجغرافيا العرابيا قبل ظهور الاسلام. لعلنا نسهم او نفلح في تغيير صورة القراة الرسمية المؤدلجة، والعودة بالانسان الى ارض الواقع والواقعية.

تسميتهم..
دعاهم (القرآن): (يهود) معرفة بأل:(اليهود). وردت في مواضع من سور: [البقرة والمائدة والتوبة]. وكلها سور مدنية. ولم ترد بهذا اللفظ، في السور المكية. كما وردت لفظة (يهودياً) في سورة آل عمران المدنية ، في سياق شرح ديانة: ابراهيم: [ما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلما]-(ال عمران 67).
واستعمل القرآن صيغة الفعل لوصف اليهود ومعتنقي اليهودية، بالذين (هادوا)، و [من كان هوداً] و [كونوا هوداً] و [ كانوا هوداً]، وسورتا [الأنعام والنحل] من السور المكيّة. وبناء على ذلك تكون جملة [الذين هادوا] المكية، قد وردت قبل لفظة (اليهود) المدنية في القرآن.
ولا يذكر مصدر اشتقاق لفظة (يهود)، لتكون نسبة العبرانيين او بني اسرائيل اليها، وتروج عنوانا لديانتهم. وقد افترض القرآن وجود نبي اسمه (هود)، لا يذكر مرتبته من (موسى) وبقية الانبياء المعروفين. لكن الارجح ان اللفظة مشتقة من اسم (يهوذا) باللفظ العبري او اللاتيني، حيث تختزل [نقطة الذال]، وتتحول الى (يهودا)/ (ايهود). ويلحظ ان الديانة والقومية تم نسبتها لغير (موسى) وخارج (سبط لاوي)، وبعيدا عن (اسرائيل) نفسه.

عبرانيون، بنو اسرائيل..
ورد لفظ [بني اسرائيل] في وصف العبرانيين عامة بـ في القرآن، وذلك في سور مكية ومدنية. وقد تكرر هذا التعبير ، أكثر بكثير من ورود لفظة (اليهود) في القرآن. ولفظة (اسرائيل) على غرار (ابراهيم)، الاسم البديل والجديد الذي منحه الملاك ليعقوب/(تك 32: 28). وابناء يعقوب الاثنا عشر هم بنو اسرائيل.

(التاناك)..
التعبير الاكثر استعمالا في القرآن هو (الكتاب) كناية عن [الكتاب المقدس/ The Bible]، وهو كتاب [هدى وتوحيد وتذكرة وموعظة] بالعموم. والمؤمنون قبل ظهور الاسلام هم (أهل الكتاب) و (الكتابيون)، واعتبر (الكتاب) دالة على عقائد التوحيد والعبادات السماوية. ومن ليس لهم كتاب، غير موحدين ولا سماويين عامة.
ولذلك كان اقتران (الاسلام) بـ(الكتاب) و(القرآن)، دالة ذات أهمية ومغزى.
اما في مجال التخصيص فقد ورد ذكر (التوراة) للتعبير عن اسفار موسى او اسفار العبرانيين كلها وهو يقابل الاستخدام الدارج عند العبرانيين والنصارى عن الكتاب الذي عرف لاحقا بلفظ تجميعي: [تناخ/ تاناك] بحسب لفظة الييديش الجيرمانية او الانجليزية.
كما ورد ذكر (الانجيل) للتعبير عن الاسفار المسيحية او (كتاب النصارى) الخاص بهم. والى جانب ذلك ورد استعمال لفظ (الزبور) بالعلاقة مع (داوود): [وداوود اتيناه زبورا]. والمعروف كتابيا ان كتاب داود هو (المزمور) والمعروف بـ[مزامير داوود/ Psalms]. وداوود في الاسلام، فضلا عن انه نبي، فهو رسول. لأن الذي يكون له كتاب هو رسول ذي رسالة وتشريع. والارجح، بحسب البعض، ان (الزبور) تعبير عن كتاب الصابئية المندائية، وكتابهم المنسوب الى [يحيى الغطاس/ يوحنا المعمدان/ Johannes the Baptist].
و(الزبور) اسم جمع من المفرد (زبر): لفظة ارامية قديمة ذات صلة بالكتاب، ومنها اشتقاق لفظة (سفر) العبرانية، ولفظة (سطر) العربية، والتي تحولت لدى الاغريق الى [story]: (اسطورة)، ومنها [history]: أي (تاريخ). والواضح ان مصطلح (تاريخ) اللاتيني مركب من عبارة: [His- Story] ذات الدلالة الدينية والاحالة على (خالق الكون) ومقدره. وذلك قبل ان يتطور المصطلح ويكتسب صفة علمانية في عصر النهضة.
التوراه..
[التوراة]: هي التسمية الشائعة لكتاب اليهودية في كتب الحديث والتفسير، وصارت علماً لها في الإسلام. كذلك أطلقت هذه اللفظة على معابد اليهود، ولم يعرف ورودها في الشعر الجاهلي خلا بيتاً ينسب إلى شاعر جاهلي يهودي اسمه (سماك).
ولعلماء اللغة المسلمين آراء في أصل كلمة [التوراة]. فزعم بعضهم أنها عربية. وقال اخرون أنها عبرانية، باعتبار ان لغة موسى كانت (العبرية)، وبهذه اللغة كتبت التوراة. ثم هم يختلفون في تعيين حدود التوراة، فيرى بعضهم أنها خمسة أسفار، ويرى بعض آخر أنها أكثر من ذلك، وأنها تشمل الزبور ونبوة أشعيا وسائر النبوات، لا يستثنى منها إلا الأناجبل.
ولا يحدد القرآن عدد اسفار التوراة، ولكن اقتران اسم موسى بها في بعض الموارد منه، يجعل المراد بها هي [الأسفار الخمسة/ Pentateuch] عند الغربيين. وهذه الأسفار الخمسة هي الأسفار المنسوبة او الموحاة الى موسى على رأي قدماء العبرانيين.
ثم توسعوا في مدلول اللفظة فيما بعد، فاًطلقوها على جميع الأسفار التي يقال لها العهد القديم. وأطلقتها بعض الفرق على المجموعات الاخرى من الأسفار مثل [الأنبياء/نبيم/ Nebiim]، و[الكتب/ كتوبيم/ Kettubim].
وقد أورد القرآن في مخاطبة يهود وتقريعهم قصصاً عن الأنبياء والمرسلين والأمم القديمة، منه ما هو مذكور عندهم في الأسفار الخمسة، ومنه ما هو وارد عندهم في (الهكاده) و (المشنه).
ولما كان احتكاك الإسلام بيهود لأول مرة في منطقة يثرب، صارت معظم الاشارات القرانية الواردة إلى التوراة، تنحصر في (السور المدنية)، وتوجيه الكلام مباشرة اليهم، ولم ترد تلك التسمية في (الايات المكية) إلا في موضع واحد هو في (سورة الأعراف).
والمراد من [الكتاب] ذلك الذي أنزل على موسى، والمذكور في مواضع من القرآن: (التوراة). أي هذه الأسفار الخمسة التي نتحدث عنها. وهو تعبير قرآني اصطلاحي للكناية عن كتب اليهود ونبوة موسى.
وقد ورد في الأخبار عن أبي هريرة، أنه: [كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام]. فقال الرسول: [لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله!].
ويقصد بعبارة (أهل الكتاب): اليهود، لأنهم أصحاب كتاب موسى، وبينهم كان نزوله، ولذلك عرفوا به. ويظهر من خبر أبي هريرة هذا ومن أخبار أخرى في هذا المعنى ان اليهود كانوا يقرؤون على المسلمين كتبهم وهي بالعبرانية، ثم يفسرونها لهم بالعربية، وذلك في أيام حياة الرسول.
الزبور..
اما [الزبور، الزبر]، فقد وردت في القرآن. يراد بـ(الزبر) في بعض الآيات مثل: [وانه لفيُ زبر الأولين]/( الكتب المُنزلة القديمة. وقد وردت الكلمتان في شعر امرىء القيس والمرقش الأكبر وأمية بن أبي الصلت. وذكر علماء اللغة ان معنى زبر كتب ونقش.
ويرى بعض المستشرقين انها من الكلمات اليمنية. ويرى بعض آخر إنها من أصل [مزمور/Mazmor] العبراني، او [مزمور/Mazmor] في اللهجة السريانية، او [مزمور/Mazmur] في الحبشية. وقد أجري عليها بعض التغيير حتى صارت على هذا الشكل.
وردت لفظة (الزبور) مفردة في موضعين من القرآن، في سورة (النساء 163) وفي (الأنبياء 105). جاء في الموضع الأول: [وآتينا داوود زبوراً]- (النساء 163)، ويفهم منه أن زبوراً أو كتاباً من الكتب المنزلة نزل على داوود. ولا يوجد مبرر لغوي ا ديني لتحريف (مزمور) الى (زبور)، الا ان يكون من اخطاء النساخ او المدونين الاوائل نقلا عن النسخ القديمة بالخط المسند قبل استخدام النقاط والحركات في زمن متأخر.
أما الموضع الثاني: [وبقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون]- (الانبياء 105)، والنص الاصلي في المزامير: [أما الودعاء فيرثون خيرات الارض، ويتمتعون بفيض السلام]-(مز 37: 11). وهو الوارد في (الانجيل) في نص الموعظة الذهبية: [طوبى للودعاء فأنهم يرثون الارض]- (مت 5: 5)، والملحوظ ان القرآن لم ينقل مباشرة عن الانجيل، بالكثرة والتركيز الني اقتبس فيها من [التاناك]، وما نقله لم يذكر مصدره. وفي العموم، يبقى الكتاب العبراني هو الاكثر حضورا وجدلا في النص القرآني.
ونص سورة الانبياء يشير إلى (زبور) معرفا بأداة التعريف [ال] دون الاضافة إلى اسم نبي من الأنبياء. وفد فسر بعض المفسرين كلمة (الزبور) في هذا الموضع بمعنى الكتاب والكتب المنزلة: أي على التعميم لا التخصيص.
ويراد بالزبور ما يقال له (المزامير) في الترجمات العربية للتوراة، و [Psalms] في الانكليزية، من أصل [Psalmos] اليونانية التي هي ترجمة لفظة [مزمور/Mizmor] العبرانية، ومعناها المدائح والأناشيد. وهي أناشيد شعرية تُرَنّم في حمد الإله وتمجيده، ولذلك قيل لهذه المزامير: [تحلّيم/Tehillim] في العبرانية، و[tillim] على سبيل الاختصار، و[tillin] في لهجة بني إرم.
وقد ذهب الشعبي إلى ان الزبور: (الكتاب المنزل على داوود)، أما (الذكر) فما نزل على موسى. وذهب آخرون مذاهب أخرى في تفسير المراد من (الزبور) ومن (الذكر). ولكن الرأي الغالب ان المراد من الزبور، مزامير داوود.

مجامع اليهودية وعلماء الشريعة..
كانت لليهود مواضع يتدارس فيها رجال دينهم أحكام شريعتهم، وأيامهم الماضية، وأخبار الرسل والأنبياء، وما جاء في التوراة والمشنا، وغير ذلك، عرفت بـ[المدراش، بيت المدراش، المدراش]. وأسم الموضع الذي يتعبد اليهود فيه يدعى بـ[الكنيس، كنيسة اليهود] تمييزاً لها عن [الكنيسة/ القليص] التي هي لفظة خاصة بموضع عبادة النصارى.
وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الكنيسة كلمة معربة من (كنشت) وهي لليهود، والبيعة للنصارى. وذهب بعض آخر إلى أنها متعبد الوثنيين مطلقاً. وقد أخذ العرب مصطلح [المدراس] من العبرانيين، من لفظة [مدراش/ Midrash] التي هي من أصل [درش/Darash] التي تقابل (درس) في العربية. وتؤدي هذه الكلمة المعنى المفهوم من لفظة (درس) العربية تمام الأداء. ومنه [(ادريس) = (اخنوخ)] الاب السابع للبشرية، ورمز المعرفة عند المندائيين، وهو من أنبيائهم.
يقصد بـ[المدراش]: دراسة نصوص التوراة وشرحها وتفسيرها، وإيضاح الغامض منها وأسرارها وامثال ذلك. ويقوم بذلك المفسر الشارح [درشن/Darshan]، ولكل منهم طريقة واسلوب. وقد نجمت عن هذه الدراسة ثروة أدبية ودينية طائلة للعبرانيين. نتجت من اتباع جملة طرق في الشرح والتفسير، منها: [مدراش هلاخه/ Midrash Halachah] و [مدراش هاكاده/ Haggadah Midrash] ، وتختلف هذه عن بعضها في طرق العرض والشرح والتفسير.
ولم يكن المدراس: المدراش موضع عبادة وصلوات حسب، بل كان إلى ذلك -دار ندوة- يجتمعون فيه اليهود في أوقات فراغهم للاستئناس والبحث في شؤونهم، والبت في القضايا الجسيمة الخطرة على اختلاف درجاتها.
فهو اذن مجمع الأحبار ومجمع الرؤساء والسادات وأصحاب الشرف فيهم، واليه كان يقصد بعض العرب حين يريدون أمراً من الأمور، أو الاستفهام عن شيء يريدون الوقوف عليه. وكان الرسول وكبار المسلمين ذهبوا اليه لمحادثة يهود ومجادلتهم، فيما كان يحدث بينهم من خلاف أو من أمر يريدون البت فيه. ويقال انهم عرضوا أمام الرسول كتبهم، فكان يقرأها له بعضهم ممن دخل في الإسلام كعبدالله بن سلام أو بعض المسلمين ممن كان له علم وفهم في العبرانية لغة يهود.
قال ابن عباس: دخل الرسول بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له (نعيم بن سرو)، و(الحارث بن زبد): على أي دين أنت يا محمد؟.. فقال على ملة ابراهيم ودينه. فقالا: فإن ابراهيم كان يهودياً. فقال لهما الرسول: فهلموا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأبوا عليه!. ويظهر ان موضع هذا المدراس كان بيثرب.
وعرفت مساجد اليهود، أي المواضع التي كان يصلّون بها، بـ(المحاريب) جمع (محراب). وقد جاءت الاشارة اليها في بيت شعر منسوب إلى (قيس بن الخطيم). أما في النصرانية، فالمقصود بالمحراب هو صدر الكنيسة، وهو ما يفهم من الكلمة في الإسلام.
وعرف علماء اليهود ورجال دينهم بـ(الأحبار): جمع (حبر)، وبـ(الربانيين): جمع (رابي) –ومعناها معلم الشريعة-، وقد وردت الكلمتان في القرآن. ولمؤرخي الاسلام آراء في أصل (الحبر)، منها أن معناها: (العالم، والرجل الصالح).
واللفظة من الألفاظ المعرية عن العبرانية أصلها [حبر/ Haber] وجمعها: [حبريم/ Habarim]، ومعناها [الرفيق/ Camrad/ associate]. وكانت ذات مدلول خاص ومعنى معين. وقد أطلقت في [العهد التلمودي على العضوية في جمعية معينة].
فاًطلقت في العصر الأول والثاني للميلاد على من كان من [الفروشيم]: وهم شيعة يهودية أقسمت على نفسها بمراعاة النصوص الدينية (اللاوية) على نحو ما نزلت وعلى نحو ما يفعله اللاويون.: سبط كهنة العبرانيين.
وللفظة (حبر) أهمية كبيرة عند اليهود، فإنها تشير إلى العلم والمعرفة، وان كانت لا تصل إلى درجة (ربي) [رِبّي/ Rabbi]. ولا تزال مستعملة عندهم، لوصف من درس الشريعة اليهودية وتخصص في العلوم الشرعية وتقدم فيها وأتقن الأحكام، وقضى بين الناس، غير أنها دون درجة (Rabbi). فهي في العبرانية بمعنى (عالم) ولكن دون المعنى المفهوم في العربية عند علماء اللغة الاسلاميين، فهذا المعنى هو في مقابل لفظة Rabbi أي [ربّاني] لا (حبر).
وقد وردت لفظة (حبر) في شعر للشماخ: [كما خطّ عبرانيةٍ بـيمـينـه.. بتيماء حبرٌ ثم عرض أسطرا]
و (الربانيون): هم العلماء بالحلال والحرام والأمر والنهي، على رأي بعض علماء المسلمين. ولدى البعض: [الربّان: العالم الراسخ في العلم والدين]، أو [العالم العامل المعلّم]، أو [العالي الدرجة في العلم].
وفرّق بعضهم بين (الربانيّين) وبين (الأحبار). فجعل [الأحبار: أهل المعرفة بأنباء الأمم وبما كان ويكون]. وذهبوا إلى انها من الألفاظ المعربة العبرانية أو السريانية. وقد وردت في القرآن في اثناء الكلام عن علماء يهود.
ويتبين من القرآن انه قد كان لـ[لأحبار والربّانيين] نفوذ عظيم على اليهود. فكانوا يطيعون أوامرهم ويفعلون ما يأمرونهم به، وان غالبيتهم لم تكن تفقه شيئاً ولا تعرف من أحكام دينها إلا ما يقوله لهم اولئك الأحبار. وبعض هؤلاء الأحبار هم من المقيمين في جزيرة العرب في المواطن التي أقامت فيها يهود،.
وبعضهم كان ياًتي إلى يهود العرب من. فلسطين: ولا سيما من طبرية التي اكتسبت شهرة عظيمة بعد خراب (القدس/ اورشليم) حيث استقر فيها (السنهدريم) وغدت مركراٌ عظيماً للعلوم عند اليهود، وفيها جمعت [(المشنا)/ Mishna]، و (الماسورة) الكتاب الذي يبين كيفية تحريك كلمات التوراة.
ومن علماء اليهود واحبارهم ممن أدركوا الإسلام، وكانوا أصحاب علم بالتوراة وبكتب الأنبياء..
(عبدالله بن صوري الأعور): قيل:.انه لم يكن بالحجاز في زمانه من كان أعلم بالتوراة منه، وانه كان من (بني ثعلبة بن الفطيون). و(الفطيون): كلمة تقال لمن يلي امر اليهود وملكهم، كما ان (النجاشي) تقال لمن يلي ملك الحبشة.
وذكر القلقشندي: أن المشهور من ألقاب أرباب الوظائف عند اليهود ثلاثة ألقاب: الأول الرئيس، وهو القائم فيهم مقام البطرك في النصارى، والثاني الحزّان، وهو فيهم بمثابة الخطيب يصعد المنير ويعظهم، والثالث الشَّيلحصبور، وهو الإمام الذي يصلي بهم.

نداء الصلاة..
الدعاء إلى الصلاة عند اليهود كان بالنفخ في (الشبور). وكان يهود يثرب يستعملون (القرن) في معابدهم، لاعلان صلواتهم وأعيادهم واعلان احتفالاتهم والحوادث المهمة التي قد تقع لهم. كما كانوا يستعملون: آلتين، يقال لاحداهما ال [شوفار/Shophar]: معناها (القرن)، ويقال للاخرى (القرن)، تصنع من القرون كذلك. ولذلك اختلط الاْمر بينهما. والظاهر انهما كانتا تختلفان في نوع قرون الحيوانات التي تتخذان منها.

سبت اليهود..
حافظ يهود جزيرة العرب على حرمة السبت، ويوم السبت من الأيام المقدسة التي يجب مراعاة حرمتها مراعاة تامة، فلا يجوز ليهودي الاشتغال فيه، والقيام ببعض الأعمال. ومن خالف حرمة هذا اليوم ودنسه بالإشتغال فيه يكون قد ارتكب جرماً عظيماً.
وقد وردت إشارات إلى يوم السبت في مواضع من القرآن، في معرض الكلام على بني اسرائيل، واشير في بعضها إلى أخذ موسى العهد منهم بوجوب مراعاة حرمة هذا اليوم. كما ذكر انهم نقضوا العهد، وتجاوزهم عليه. وفي هذه الإشارات دلالة على أن من اليهود عامة من خالف حرمة هذا اليوم، فلم ينفذ ما ورد في أحكام شريعته عنه. ولكن هذا عام غير خاص بيهود العرب، وإنما يشير إلى خروج بعض بني اسرائيل على أحكام دينهم وعدم مراعاتهم لها، وهذا اليوم من أقدس الأيام في نظرهم.

طوائف يهودية..
أشار القرآن إلى وجود اختلاف بين بني اسرائيل في فهم كتاب اللّه وتفسيره، وأنهم انقسموا لذلك شيعاً وأحزاباً. ولا يستبعد أن يكون هذا الاختلاف شاملاً ليهود الحجاز أيضاً، كأن يكون أحبارهم قد ساروا في اتجاهات مختلفة في التفاسير وفي شرح الأحكام، وأصحابهم يتعصبون لهم ويتحزبون، على نمط الأعراب في عصبيتهم لقبائلهم، وفي اتباع أقوال ساداتهم دون تعقل وتفكير.
ونحن لا بمكن أن نتصور أن سواد يهود العرابيا كانوا على علم بالكتابة وبالقراءة، وعلى دراية بأحوال دينهم وأموره. ويشير القرآن أن هذا السواد كان جاهلا ليس له علم ولا خبر باًمور دينه وشريعته، وأنه مقلد تابع لما يقوله له أحباره وربّانيوه.
فكل ما كانوا يقولونه له، كانوا يرونه حقاً وعلماً. مع ان من بين أولئك من كان دجّالاً ليس على درجة من دراية وعلم، ومن كان ينطق بالباطل ولا يخشى الكذب، لينال بذلك كسباً ومالاً، وأنه كان لهؤلاء على أتباعهم ومقلّديهم سلطان عظيم.

الحالة الثقافية ليهود عرابيا..
تعرض ابن خلدون لموضوع علم اليهود العرب وثقافتهم، فقال: [اذا تشوقت العرب إلى معرفة شيء مما تتشوق اليه النفوس البشرية، في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يساًلون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم. وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ (بادية) مثلهم، ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من (حمير) الذين أخذوا بدين اليهودية. فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم، مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية، التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك].
فغالبية يهود جزيرة العرب في الجاهلية، هم في مستوى، يعدّ –دون- مستوى يهود البلاد الأخرى، بسبب –تبدّيهم- وانقطاعهم عن غيرهم من اليهود. وقد كانت لليهود مدارس تدارسوا فيها أحكام شريعتهم، وكان لهم أحبار وحاخامون علموهم أمور دينهم. ذكر أهل الأخبار انهم كانوا يكتبون بالعرانية أو بالسريانية، وذلك لاختلاف أهل الأخبار في تعيين تلك اللغة، وعدم تمكنهم من التمييز بينهما.
وفي كتب الأخبار والتواريخ اشارات إلى اتصال بعض رجال مكة ويثرب باليهود والاستفسار منهم عن أمور الرسل والأنبياء و الماضين وعن بعض الأحكام. وفيها قصص اسرائيلية وجدت لها سبيلاً الى العربية، رواها القصاصون عن الرسل والاْنبياء، وأساطير لا يشك في كونها اسرائيلية الأصل.
كما نجد ألفاظاً عبرانية لاشك في أصلها وجدت لها سبيلاً إلى العربية بسبب استعمالهم اياها، فتأثر بهم العرب وأخذوها منهم واستعملوها أيضاً فصارت من المعربات.
وينسب إلى الشاعر الأسود بن يعفر بيت شعر هو: [سُطورُ يهوديين في مهرقيهمـا.. مُجيدين من تيماء أو أهل مدين]. واذا صحت نسبة هذا البيت اليه، يكون قد تعرف على يهوديين اثنين، وجدهما يجيدان الكتابة، وقد كتبا على المهارق. ولم يكن الشاعر على علم أكيد بموطنهما، اذا كانا من أهل تيماء أو من أهل مدين.
ولتعبير (مجيدين) أهمية خاصة، إذ يشير إلى تمييزه بين الكتابة الجيدة والكتابة الرديئة، والى وجود مصطلح (مجيد)، يطلق -كما نطلقه اليوم- على من يجيد الكتابة ويتقنها!.
ولما كانت اللغة العبرانية لغة الدين عند العبرانيين، وبها نزل الوحي على موسى، فلا بد أن يكون لعلمائهم ورجال دينهم في جزبرة العرب علم بتلك اللغة وفقهها. ولكن هذا لا يعني ضرورة كونهم بمستوى علماء طبرية أو قيصرية في فلسطين أو بعض المواضع التي اشتهرت بعلمائها في شرح التلمود بالعراق.
ولست أستبعد أن يكون لهم علم بلغة (بني إرم) الحضرمية أيضاً، لأن هذه اللغة كما نعلم كانت لغة العلم والثقافة قبل الميلاد وبعده، وبها كتبت عدة من التلمودين، ثم إنها انتشرت بين سواد الناس حتى صارت لغة سواد يهود يتكلمون بها ولو برطانة وبلهجة خاصة هي اللهجة التي يمتاز بها سواد اليهود في كل قطر يعيشون فيه.
أما سواد يهود جزيرة العرب في الجاهلية: فلا أظن أنهم كانوا يتكلمون العبرانية أو لغة بني إرم، إنما كانوا يتكلمون لهجة من هذه اللهجات العربية. اًعني لهجة المنطقة التي كانوا يعيشون فيها. ولم يرد في الأخبار ما يفيد أنهم كانوا يتحادثون بالعبرانية، بل الذي ورد أن عامتهم لم تكن تعرف تلك اللغة.
وأن الخاصة منهم والمزاولين لحرفة الكتابة والسحر، كانوا يعرفونها ويكتبون بها، وبها يعوذون أنفسهم وغيرهم من الناس. وكانوا يفسرون التوَراة والتلمود والكتب المقدسة لسواد الناس من العبرانية إلى العريية،لأنهم لم يكونوا يعرفون العبرانية، لا سيما وقد كان بينهم عرب متهودة.
ولم يظهر في يهود جزيرة العرب من حاز على شهرة في العلم والفقه والتأليف والخطابة على نحو ما ظهر بين يهود العراق أو فلسطين أو مصر، وإلا لاشتهر أمره وذاع خبره، كما ذاع خبر علماء يهود بابل وفلسطين ومصر. وكان بين اليهود شعراء، نظموا الشعر بالعربية وعلى طريقة العرب في. نظم الشعر. منهم السموأل المشهور، و كعب بن الأشرف، وسمّاك اليهودي.

اليهود والتجارة..
كان جلّ اعتماد اليهود في هذه المنطقة عند ظهور الإسلام على التجارة، وتعاطي الربا والزرع، وبعض أنواع الصناعة: كالصياغة، وتربية الماشية والدجاج، وصيد الأسماك في أعالي الحجاز على ساحل البحر الأحمر. واشتهروا بالاتجار بالبلح وبالبر والشعير والخمر، وكانوا يجلبون الخمر من بلاد الشام. وكانوا يبيعون بالرهن، يرهن المشترون بعض أمتعتهم عندهم ليستدينوا منهم ما يحتاجون اليه. ومن الصناعات التي اشتغل بها اليهود، النسيج وهو من اختصاص نسائهم على الأكثر، والصياغة وقد اختص بها بنو قينقاع، والحدادة، وهي صناعة يإنف منها العرب ويزدرونها ويرونها من الحرف الممقوتة الحقيرة.
ولم يكن من مصلحة اليهود، وهم أهل زرع وضرع ومال وتجارة وأرض ثابتة وقصور وآطام، أن يشتركوا في الحروب أو يشجعوا وقوعها في ديارهم وفي جوارهم، بل كان من مصلحتهم أن يعمّ الاستقرار البلاد التي يقيمون فيها، ليعيشوا عيشة هنيئة، وليبيعوا ما عندهم من الأعراب وليشتروا منهم ما عندهم من سلع وليقبضوا أموالهم منهم والأرباح التي استحقت على تلك الأموال.
وفي النزاع الذي يقع بين القبائل، لم يكن من مصلحتهم تأييد حزب على حزب، خوفاً من الوقوع في أخطاء تجر عليهم أخطاراً ومهالك هم في غنى عنها وفي ماًمن من شرًها. ثم إنهم بتحزبهم لطرف يغضبون الطرف الاخر، فيضمر عندئذ شرأَ لهم، فيخسرون بذلك مشترياً وبائعاً. وهم أناس اصحاب سوق وتجارة.
غير ان الظروف كانت تكرههم في بعض الأحيان على الاشتراك في الحرب، وعلى إثارة الحرب أيضاً متى وجدوا في إثارتها فائدة لهم ومصلحة ترتجى كاًن ينهكوا العدوّ بحرب مع عدو آخر بإيقاع الفتنة وإشعال النيران، كما أوقعوا بين الأوس والخزرج، لإضعاف الطرفين معاً، حتى لا تبقى لهم قوة تهددهم وتكون خطراً عليهم.
وفي يوم بعاث استعان الأوس ببني قريظة والنضير، فبلغ ذلك الخزرج فأرسلوا اليهم يحذرونهم من سوء عاقبة الإشتراك في هذا النزاع،فتوقفوا، غير أنهم عادوا فعاونوا الأوس، وانضم اليهم بنو النبيت. فلما كسب الأوس الحرب، كسب بنو قريظة والنضير والنبيت غنائم من الخزرج، وخرجوا في هذا اليوم منتصرين بانتصار الأوس.

عزلة يهود عرابيا عن الخارج..
لا يمكن ان تكون عزلتهم عن بقية يهود الأقطار المذكورة سبباً كافياً في تعليل عدم شيوع اسم أحد من هؤلاء، إن قضية عزلتهم عن بقية اخوانهم في الدين، هي نفسها تحتاج إلى سند يثبت وجود تلك العزلة. فمواضعهم في أعالي الحجاز، على اتصال ببلاد الشام، وهي لا تبعد كثيراً عن مساكن اخوانهم في فلسطين.
ثم انهم كانوا على اتصال مستمر بهم بالتجارة، وقد كانوا يشترون حاصل بلاد الشام من خمور وحبوب وما شاكل ذلك، وينقلونه إلى يثرب، يذهبون اليها للتعامل والاتجار، فكيف يكون يهود جزيرة العرب في معزل عن غيرهم مع وجود الأسفار والتجارة.
كما ان احبار طبرية كانوا ياتون إلى يهود اليمن ليلقنوهم أمور الدين، ولا يستبعد ان يكون من بين اولئك الأحبار من ذهب إلى يهود يثرب أو خيبر أو تيماء.
فالقضية على ما يظهر، ليست قضية عزلة يهود جزيرة العرب عن بقية يهود وانفصالهم بذلك ثقافيأَ وعلمياً عن بني دينهم انفصالاً يؤثر في مستواهم الثقافي والعلمي، فيجعلهم دون غيرهم من اخوانهم في العلم والثقافة، انما يظهر ان هنالك جملة عوامل حالت دون نبوغ أحد فيهم.
فيهود جزيرة العرب مهما قيل عنهم وعن رقيهم وارتفاع مستواهم عن مستوى من كان في جوارهم، لم يكونوا في ثقافتهم وفي مستواهم إلاجتماعي أرقى من الفلاحين وسكان القرى وما اليها في العراق او فلسطين أو مصر، كما ان حالتهم المادية لم تكن على مستوى عالٍ بحيث يمكن ان تقاس بالأحوال المادية التي كان عليها اليهود الآخرين في الأرضين المشار اليها، أو أصحاب تلك الأرضين من غير يهود.
ثم ان عددهم مهما قيل فيه، لم يكن كبيراً. وقد رأينا ان رجالهم المحاربين لم يكونوا يتجاوزون كلهم في الحجاز كله بضعة آلاف، وفي مثل هذا العدد والظروف والأحوال لا يمكن بالطبع ان تتوفر الامكانيات المساعدة على البحث والتتبع والتعمق في العلم.

اليهود في اثريات شبه الجزيرة..
ليس في جزيرة العرب أثر مكتوب يتحدث عن ماضي اليهود فيها. وكل ما عثر عليه، نصوص معدودة، وجدت في اليمن، لا تفصح بشيء ذي بال عن اليهود واليهودية. كذلك لم يصل الينا ان أحداً من المؤلفين والكتبة العبرانيين ذكر شيئاً عن يهود العرب.
ذكر بعض المؤرخين المحدثين أن اليهود كانوا في جملة من كان في جيش (نبو نيد) يوم جاء إلى تيماء. فاًقاموا بها وبمواضع أخرى من الحجاز بلغت (يثرب). و منذ ذلك الحين أقام اليهود في تلك الأماكن، واستوطنوا وادي القرى وغيرها حتى مجيء الإسلام.
غير أن (نبونيد) لم يشر في أخباره المدونة، إلى وجود اليهود في جيشه، والى اسكانه لهم في هذه الأرضين. كما أننا لم نعثر على كتابات تتحدث عن هذا العهد أو عن العهد الذي سبقه أو الذي جاء من بعده، لذلك لا نستطيع أن نعزز هذا الكلام بنصوص وكتابات. وان كنا لا نريد نفي احتمال مجيء اليهود إلى هذه الديار في عهد (نبونيد)، أو في عهد (بخت نصر)، أو قبلهما.
وفي (الحجر) وفي مواضع أخرى من أرض (النبط)، عثر على كتابات نبطية وردت فيها أسماء عبرانية، تشير إلى أن أصحابها من اليهود. يعود بعضها إلى القرن الأول للميلاد، ويعود بعض آخر إلى زمن متأخر (307م). وكاتبها رجل اسمه (يحيى بر شمعون) اي (يحيى بن شمعون). غير أن هذه الكتابات شخصية، ولا تفصح بشيء ذي بال عن عقيدة أصحابها، ولا عن تأربخهم في هذين الأرضين.
كانت المرأة )المقلات( في الجاهلية تنذر إن عاش لها ولد أن تهوده، فتهود قوم منهم.
فلما جاء الاسلام أرادوا اكراههم عليه، فنهاهم اللّه عن ذلك، حتى يختاروا بأنفسهم الدخول في الإسلام. أو أنهم لما يقوا، على يهوديتهم، وأمر اليهود بالجلاء، وفيهم منهم، شق على آبائهم ترك أبنائهم يذهبون مع اليهود، فقالوا: يا رسول الله أبناؤنا واخواننا فيهم..، فوردت: [لا إكراه في الدين قد تبنن الرشد من الغيّ...] فقال الرسول: خيرّوا أصحابكم، فإن إختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم!.
وذكر العلماء أيضاً ان ناساً من الأنصار كانوا مسترضعين في بني قريظة وغيرهم من يهود، فتهودوا، وأن من الأنصار من رأى أن اليهودية أفضل الأديان، فهودوا أولادهم، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، أرادوا اكراه أبنائهم الذين تهودوا على الدخول فيه، فكانت الآية المذكورة.
وذكر أهل الأخبار أن [جبل بن جوال بن صفوان الثعلبي: من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان]، كان يهودياً فأسلم. فهو عربي، يظهر أنه أو أهله قبله قد تهودوا، فكان على دين يهود، وعاش مع بني قريظة. وذكروا أسماء آخرين كانوا من متهودة الجاهليين.
ويرى بعض المؤرخين اليهود: أن يهود جزيرة العرب كانوا في معزل عن بقية أبناء دينهم وانفصال، وأن اليهود الاخرين لم يكونوا يرون أن يهود العربية مثلهم في العقيدة، بل رأوا أنهم لم يكونوا يهوداً، لأنهم لم يحافظوا على الشرائع الموسوية ولم يخضعوا لأحكام التلمود. ولهذا لم يرد عن يهود جزيرة العرب شيء في أخبار المؤلفين العبرانيين.

توطن اليهود في شبه جزيرة العرابيا..
انتشر اليهود على شكل جماعات استقرت في مواضع المياه والعيون، من وادي القرى وتيماء وخيبر إلى يثرب، فبنوا فيها الآطام لحماية أنفسهم وأرضهم وزرعهم من اعتداء الأعراب عليهم. وقد أمنوا على أنفسهم بالاتفاق مع رؤساء القبائل الساكنة في جوارهم على دفع إتاوة لهم، وعلى تقديم الهدايا اليهم لاسترضائهم. وكان من شأنهم أيضاً التفريق بين الرؤساء وإثارة الشحناء بين القبائل حتى لاتصفو الأحوال فيما بينها وتلتئم، فيكون اتفاقها والتئامها خطراً يتهددهم.
كما وجد اليهود في مواضع أخرى من جزيرة العرب، منها العربية الشرقية ونجد ومواضع من العربية الجنوبية. وقد كتب (المنذر بن ساوى العبدي)، يخبر الرسول أن بأرضه يهود ومجوس، فكتب اليه الرسول: [من أقام على يهودية، أو مجوسية فعليه الجزية]. ولما ارتد (بنو وليعة) والأشعث بن قيس بن معديكرب بن معاوية الكندي، وتحصن (الأشعث) في (النجير): وهو حصن لهم، كانت فيه امرأة من يهود، عرفت بشماتتها بوفاة الرسول، اسمها (هند بنت يامين) اليهودية. وكان بالبحربن قوم من اليهود، صالحوا المسلمين مثل النصارى على دفع الجزية عن رؤوسهم.

يهود الحجاز..
لما كانت فلسطين امتداداً طبيعياً للحجاز، كان من الطبيعي اتصال سكانها بالحجاز، واتصال سكان الحجاز بفلسطين، وذهاب جاليات يهودية إلى العربية الغربية، للاتجار وللاقامة هناك، خاصة بعد فتوح الدول الكبرى لفلسطين، واستيلائها عليها، وهجرة اليهود إلى الخارج.
فكانت العربية الغربية/(الحجاز) لاتصالها بفلسطين من الأماكن الملائمة المناسبة لهجرة اليهود اليها، واقامتهم فيها، ولا سيما عند مواضع المياه وفي الأرضين الخصبة العامرة. وكانوا يسكنون في مواضع عديدة معروفة تقع ما بين فلسطين ويثرب، كما سكنوا في اليمن واليمامة والعروض. وقد تهود قوم من [الأوس والخزرج] بعد خروجهم من اليمن لمجاورتهم [يهود خيبر وقريظة والنضير]. كما تهود قوم من [بني الحارث بن كعب وقوم من غسان وقوم من جذام].
وكان يهود الحجاز قبائل وعشائر وبطوناً، منهم: بنو النضير، وبنو قريظة، وبنو قينقاع، وبنو عكرمة، وبنو محمر، وبنو زعورا، وبنو زيد، وبنو الشظية، وبنو جشم، وبنو بهدل،وبنو عوف، وبنو القصيص، وبنو ثعلبة. غير انهم لم يكونوا أعراباً، اي بدواً يتنقلون من مكان إلى مكان، بل كانوا حضراً استقروا في الأماكن التي نزلوا فيها، ومارسوا مهن أهل المدر، كل جماعة مستقلة تحمل اسماً من تلك الأسماء التي ذكرها الأخباريون.
ومنهم تجار يقيمون فى مكة وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب للاتجار واقراض المال بربا فاحش للمحتاجين اليه.
وعدم ورود شيء عن يهود الحجاز في أخبار المؤلفين العبرانيين لا يمكن ان يكون دليلاً على عزلة يهود الحجاز عن بقية اليهود. فقد أهمل غيرهم أيضاً ولم يشر اليهم، لأن التأليف والنشاط الفكري. عند العبرانيين كانا قد تركزا في هذه العهود على المستوطنات اليهودية في العراق وفلسطين، وطبريا بصورة خاصة.
ثم إن الحجاز على اتصال بفلسطين، وفلسطين جزء من الحجاز متمم له جغرافباً، وهو متصل بفلسطين منذ القدم، وفلسطين منفذه التجاري، وميناء غزة من المواضع التي كان يقصدها تجار الحجاز للاتجار،والحركة مستمرة دوماً بين فلسطين والحجاز، وقد كان تجار اليهود من أهل الحجاز يتاجرون مع بلاد الشام وفي جملتها أرض فلسطين، فلا يعقل بالطبع ان يكون يهود الحجاز في عزلة عن يهود فلسطين.
أما من ناحية الآراء الدينية والاعتقادية، فقد يكون بين اليهودين بعض الاختلاف، فقد وقع اختلاف في الآراء بين أحبار يهود العراق وبين أحبار يهود فلسطين، فلا يستبعد اذن وجود اختلاف في وجهة نظر يهود فلسطين بالنسبة ليهود الحجاز، إذ قد يكون يهود الحجاز ويهود جزيرة العرب، قد تاًثروا بالعرب الذين نزلوا بينهم، فاضطروا إلى التخفيف من التمسك يشعائر دينهم، لا سيما وان من بين يهود جزيرة العرب متهودون، كانوا في الأصل من أدوم ومن النبط ومن العرب، دخلوا في اليهودية لعوامل متعددة، فلم يكونوا لذلك على سنّة اليهود الأصيلين في المحافظة على شريعتهم محافظة شديدة تامة.

يهود مكة..
لم يكن لليهود نفوذ كبير ولا جاليات كبيرة في مكة. فلو كان لهم نفوذ فيها أو راي مسموع، لسمعنا به كما سمعنا بخبرهم في يثرب، ولكان لهم حيّ خاص بهم، ومكانة بين رجال قريش، كالذي كان عليه يهود يثرب في اتصالهم بالأوس والخزرج.
ولأشير اليهم في السور المكية، على نحو ما أشير اليهم في السور المدنية، ثم لما ضطر رجال قريش للذهاب الي يثرب مراراً، لاستشارتهم في أمر سلوكهم مع المسلمين، ولما جاء سادات يهود يثرب إلى مكة، لتحريض اهلها على مقاومة الرسول، ولعقد حلف معهم عليه.

يثرب..
يعتقد الأخباريون ان العمالقة/(العماليق): هم سكان يثرب القدماء، ومن سكان أعالي الحجاز. وكانوا أصحاب عز وباس شديد، فإرسل موسى جيشاً لمحاربتهم؛ وبعد فتكه بالعماليق استقر ذلك الجيش في يثرب. وقد استندوا في ذلك الى قصة في سفر (صموئيل الأول) من التاناك. فكان زعمهم هذا لتأكيد سكنى اليهود فيها منذ ايام موسى.
وكان منهم: بنو هف وبنو سعد وبنو الأزرق وبنو مطروق. وملكهم إذ ذاك رجل اسمه (الأرقم)، ينزل ما بين تيماء وفدك.
ويري اخرون أن ابتداء أمر اليهود في الحجاز ونزولهم وادي القرى وخيبر وتيماء ويثرب إنما كان في أيام (بخت نصر)، الذي عندما جاء إلى فلسطين، هرب قسم منهم إلى الحجاز واستقروا بها. فالأرض واحدة وهي متصلة والطرق مفتوحة مطروقة، ولا يوجد أي مانع بمنع اليهود أو غير اليهود من دخول الحجاز.
وفي رواية ان هجرة اليهود إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز، كان على أثر غزو الروم لبلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم بهم مما اضطر بعضهم إلى الفرار إلى تلك الأنحاء الامنة البعيدة عن مجالات الروم، فإنه يستند إلى أساس تأريخي صحيح. فلا يستبعد أن يكون أجداد يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين.
يثرب والاسلام..
فلم ترَ في انتشاره بين أهل يثرب ما يضيرهم شيئاً أو يلحق بهم أذى، ولذلك أظهرت استعدادها لعقد حلف سياسى معه ووقوفها موقف ود منه أو موقف حياد على الأقل، على ألا يطلب منها تغيير دينها وتبديله والدخول في الاسلام.
ولم تكن علاقات اليهود مع المسلمين سيئة في الأيام الأولى من الهجرة إلى يثرب. ثم إن الرسول تودد اليهم حين دخوله يثرب، وأمنهم على أموألهم وأنفسهم، وزارهم وطمأنهم، ثم تعاهد معهم في صحائف كتبت لهم، فيها العهد بالوفاء لما اشترط لهم، ما داموا موفين با الوعد وبالعهد وقد طلب إلى جميع المسلمين الوفاء بما جاء فيها، ومنعوا من التجاوز والتطاول على من في يثرب من يهود. وجعل لليهود نصيبأَ في المغنم إذا قاتلوا مع المسلمين كما شرط عليهم النفقة معهم في الحروب.
وقد كان في يثرب نفر من اليهود عاشوا فيها في زمن الرسول حتى بعد اجلاء: [بني النضير وبني قريظة] وبعد (غزوة خيبر). وفي رواية: أن النبي لمّا أمر أصحابه بالتهيؤ لغزوة خيبر، شقّ ذلك على من بقي بالمدينة من يهود. ولما مرض (عبدالله بن أبيّ)، كان اليهود في جملة من التفّ حول سريره في مرضه الذي هلك فيه، ثم كانوا في جملة من شيعه إلى قبره ومن نثر التراب على رأسه حزناً على فراقه.

بنو قريظة والنضير وبهدل..
وبحسب الأخباربين ان بني قريظة وبني النضير وبني بهدل، ساروا إلى الجنوب في اتجاه يثرب، فلما بلغوا موضع الغابة، وجدوه وبيّاً، فكرهوا الاقامة فيه، فبعثوا رائداً أمروه ان يلتمس، لهم منزلاً طيباً، وأرضاً عذبة، حتى إذا بلغ (العالية): وهي بطحان ومهزور: واديان من حرة على تلاع أرض عذبة. بها مياه وعيون غزيرة، رجع اليهم بأمرها، وأخبرهم بما راه منها، فقرّ رأيهم على الاقامة فيها.
فنزل بنو النضير ومن معهم على (بطحان)، ونزلت قريظة وبهدل ومن معهم على (مهزور)، فكانت لهم تلاعه وما سقي من بعاث وسموات.
ومن يهود يثرب: بنوعكرمة وبنو ثعلبة وبنومحمر وبنو زعورا وبنو قينقاع وبنو زيد وبنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل وبنو عوف وبنو القصيص وبنو ماسلة، سكن هؤلاء المدينة واطرافها، وكان يسكن معهم من غير العبرانيين بطون من العرب، منهم: بنو الحرمان -حي من اليمن-، وبنو مرثد -حي من بلَيّ-، وبنو نيف -من بلي أيضاً-، وبنو معاوية -حي من بنيُ سليم-، ثم من بني الحرث بن بهثة، وبني الشظيّة -حي من غسان-.

بنو قريظة..
وقد عرف بنو قريظة وبنو النضير من بين اليهود بـ (الكاهنين)، نسبوا ذلك إلى جدهم الذي يقال له (الكاهن) من نسل: (هارون بن عمرام). فهم على هذه النسبة من أصل رفيع ومن نسب حسيب، يميزهم عن بقية طوائف يهود. ولهذا كانوا يفتخرون بنسبهم هذا، ويرون لهم السيادة والشرف على من سواهم من اخوانهم في الدين.
ويرى (نولدكه) احتمال كون بني النضير وبني قريظة من طبقة الكهّان في الأصل. هاجروا من فسطين على أثر الحوادث التي وقعت فيها، فسكنوا في هذه الديار. وهناك جملة عشائر وأسر يهودية تفتخر بإلحاق نسبها بالكاهن هارون شقيق موسى النبي.
كذلك يرجع (أوليري) أصل بني قريظة وبني النضير إلى اليهود، ويرى انهم غادروا ديارهم وجاءوا إلى هذه المنطقة في الفترة الواقعة ما بين خراب الهيكل في عام (70م) وتنكيل (هادريان) باليهود في عام (123م).
وهناك يهود اخرون في جزيرة العرب يرجعون نسبهم إلى الكاهنين والى الأسباط العشرة. فيدعون انهم من تلك الأسباط المفقودة، وانهم من نسل قدماء اليهود.
وكانت منازل بني النضير في وادي بطحان وبموضع البوُيرة. ووادي بطحان،.هو أحد أودية يثرب الثلاثة، وهي: العقيق وبطحان وقناة. وهو واد فيه مياه غزيرة وعيون، اتخذ به اليهود الحدائق والآطام. وقد كان موضع البوُيرة عامراً كذلك، وهو من تيماء، فيه نخل وزرع وأشجار.
ومن ساداتهم: حيي بن أخطب، وأخوه ياسر بن اخطب، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، وهو ابو رافع الأعور، والربيع بن أبي الحقيق. وعمرو بن جحاش.
بنو قريظة والاسلام..
أما الذين حاربوا الإسلام من [بني قريظة]، فكانوا: (الزبير بن باطا بن وهب)، و(عزّال بن شمويل)، و(كعب بن أسد)، وهو صاحب عقد بني قريظة الذي نقض [عام الأحزاب]، و(شمويل بن زيد)، و(نافع بن أبي نافع)، و(أبو نافع)، و(عدي بن زيد)، و(الحارث بن عوف)، و(كردم بن زيد)، و(أسامة بن حبيب)، و(رافع بن رميلة)، و(جبل بن أبي قشير)، و(وهب بن يهوذا).

بنو النضير..
من بني النضير، (كعب ين الأشرف)، وكان معاصراً للرسول، وكان صاحب لسان ونفوذ. أبوه من طيء على رواية، ومن بني النضير على رواية أخرى. أما أمه فهي من بني النضير بإجماع الرواة. توفي أبوه - على رأي من يقول إنه من طيء - وهو صغير، فحملته أمه إلى أخواله، فنشأ فيهم، وقال الشعر عندهم، وساد.
ولما جاء الرسول إلى يثرب، كان كعب فيمن ناصب الرسول العداء فعلاً وقولآ، فهجا الرسول، وهجا أصحابه. وكان قد ذهب إلى مكة، فحرض قريشاً على الرسول، ولما عاد، ألب المشركين من أهل يثرب عليه. وظل هذا شأنه حتى جنى عليه لسانه، فأهدر النبي دمه. فذهب اليه نفر من المسلمين، فاقتحموا داره وقتلوه. وقد كانت له مناقضات مع حسان بن ثابت وغيره في الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج.
وكانت لبني قريظة حصون، يتحصنون بها وقت الخطر، ولهم آبار، ومنهم (محمد بن كعب القرظي). و(الزبير بن باطان بن وهب)، و(عزال بن شمويل)، و(كعب بن أسد)، و(شمويل بن زيد)، و(جبل بن عمرو بن سكينة).
بنو النضير والاسلام..
من أشهر سادات يهود الذين وقفوا موقفاً معادياً من الرسول، وعارضوه معارضة شديدة، وصمموا على الايقاع به: (حيي بن أخطب)، وأخواه: (ياسر بن أخطب) و(جُدىَّ بن أخطب)، و(سلام بن مشكم)، و(كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق)، و(سلام بن الربيع بن أبي الحقيق)، وهو: (أبو رافع الأعور) الذي قتله المسلمون بخيبر، و(الربيع بن الربيع بن أبي الحقيق)، و(عمرو بن جحاش)، و(كعب بن الأشرف)، و(الحجاح بن عمرو) و(كردم بن قيس) من حلفاء (كعب ين الأشرف)، وكل هؤلاء من [بني النضير].

بنو قينقاع..
كان بنو قينقاع أول اليهود الذين ناصبوا الرسول العداء، وكانوا يسكنون في أحياء يثرب، أغنياء على غير وفاق ووئام مع بقية أبناء قومهم بني قريظة وبني النضير، وقد اشتركوا في يوم بعُاث. ووقعت بينهم وبين بني النضير وبني قريظة معارك فتك فيها ببني قينقاع، وأصيبوا بخسائر كبيرة اضطرتهم على ما يظهر إلى الالتجاء إلى يثرب والإقامة فيها في حي واحد من المدينة. ويرى (أوليري) احتمال كون بني قينقاع من أصل عريي متهود، أو من بني أدوم.
و بعض القبائل اليهودية التي ذكرها الأخباريون، قد تكون قبائل يهودية حقاً، أي من الجماعات اليهودية التي هاجرت من فلسطين في ايام القيصر [تيتوس/Titus]، أو [هادريان/ Hadrian]، أو قبل ايامهما، أو بعدها. ولكن بعضاً آخر منها، لم يكن من أصل يهودي، انما كانت قبائل عريية دخلت في اليهودية، ولا سيما القبائل المسماة باسماء عربية أصيلة. ولبعض هذه الأسماء، صلة بالوثنية تشعر انها كانت على الوثنية قبل دخولها في دين يهود.
والظاهر انها تهودت إما بتأثير التبشير، وإما باختلاطها ودخولها في عشائر يهودية جاورتها فتأثرت بديانتها. وقد ذكر البكري ان (بنى حشنة بن عكارمة)، -وهم من بليّ-، قتلوا نفراً من بني الربعة، ثم لحقوا بتيماء، فأبت يهود ان يدخلوهم حصنهم وهم على غير دينهم، فتهودوا، فاًدخلوهم المدينة.
بنو قينقاع والاسلام..
ومن قادة المعارضين في بني قينقاع: (عبدالله بن صوري الأعور)، و(ابن صلوبا)، وهما من بني (ثعلبة بن الفطيون)، و(زيد ابن اللعيث)، و(سعد بن حنيف)، و(محمود بن سيحان)، و(عزير بن أبي عزير)، و(عبدالله بن صيف)، و(سويد بن الحارث)، و(رفاعة بن قيس)، و(فنحاص)، و(أشيع)، و(نعمان بن أضنا)، و(بحري ابن عمرو)، و(شاس بن عدي)، و(شاس بن قيس)، و(زيد بن الحارث)، و(نعمان ابن عمرو)، و(سكين بن أبي سكين)، و(عدي بن زيد)، و(نعمان بن أبي أوفى أبو أنس)، و(محمود بن دحية)، و(مالك بن الصيف)، و(كعب بن راشد)، و(عازر)، و(رافع بن أبي رافع)، و(خالد)، و(إزار بن أبي إِزار= آزر بن أبي أزر)، و(رافع بن حارثة)، و(رافع بن حريملة)، و(رافع بن خارجة)، و(مالك بن عوف)، و(رفاعة بن زيد بن التابوت)
.
بقية اليهود والاسلام..
أما من [بقية بطون يهود]، فكانوا: (لبيد بن أعصم)، وهو من يهود [بني زريق]، و(كنانة بن صورياء)، وهو من [بني حارثة]، و(فردم بن عمرو)، وهو من [يهود بني عمرو بن عوف]، و(سلسلة بن برهام)، وهو من [يهود بني النجار].
وقد بقيت اسر يهودية في وادي القرى وفي تيماء قروناً عديدة بعد صدور أمر عمر بالإجلاء، بل ورد ان عدداً منهم عاش في المدينة أيضأَ. وقد كانت اليهودية قانعة بما أوتيت، وبما كسبته من مواطن وتجارة.

الاوس والخزرج..
ظل اليهود أصحاب يثرب وسادتها، حتى جاء الأوس والخزرج، فنزلوها واستغلوا الخلافات التي كانت قد وقعت بينهم، فتغلبوا عليهم، وسيطروا على المدينة، وقسموها فيما بينهم، فلم يبق من يومئذ عليها سلطان.
وتذكر روايات أهل الأخبار أن مجيء الأوس والخزرج إلى يثرب كان بعد حادث سيل العرم. جاؤوا اليها لفقر حالهم، والتماساً لوطن صالح جديد، وأنهم حينما نزلوها لم يكن لهم حول ولا قوة. ولذلك قنعوا بالذي حصلوا عليه من أرض ضعيفة موات، ومن رزق شحيح.
مالك بن العجلان..
بقوا على ذلك أمداً حتى إذا ما ذهب (مالك بن العجلان)، وهو منهم، إلى (أبي جبيلة الغساني) رئيس غسان يومئذ، ونزل عنده، شكا لأمير غسان سوء حال قومه، وما هم عليه من بؤس وضنك. فوعد أبو جبيلة أن يأتي على رأس جيش من قومه لمساعدته، على أن يقوم بعد عودته ببناء حائر عظيم، يعلن أنه بناه لاستقبال الأمير فيه، وأن يطلب من اليهود الخروج لاستقباله والتشرف بزيارته في ذلك الحائر، فإن فعلوه، فتك بهم وأبادهم. فلما تمّ البناء، ووصل الأمير في الأجل الموقوت، ودخل المدعوون رؤساء اليهود الحائر، فتكت عساكر أبي جبيلة بهم وأهلكتهم، وتمت الغلبة من يومئذ للأوس والخزرج، وعاد أبو جبيلة الى مقر ملكه.
غير ان اليهود ظلوا مع هذه الغلبة يتهاترون مع الأوس والخزرج وبعترضونهم ويتناوبونهم، فعمد (مالك بن العجلان) الى الحيلة، فتظاهر انه يريد الصلح معهم، وانه عزم على تسوية العداوات وطمس الحزازات، وانه لذلك يدعو رؤساء يهود إلى طعام، ليتفاوضوا مع سادات قومه في أمر الصلح. فلما حضر رؤساء يهود، فتك بعشرات منهم ممن استجاب لدعوته، وفرّ أحدهم ليخبر قومه بما حدث، وحذر أصحابه الذين بقوا، فلم يأت منهم أحد.
ومن جرائه خافوا خوفاً شديداً، وجلعوا كلما هاجمهم أحد من الأوس والخزرج بشيء يكرهونه لم يمش بعضهم لبعض كما كانوا يفعلون قبل ذلك، ولكن يذهب اليهودي إلى جيرانه الذين هو بين أظهرهم، فيقول: انما نحن جيرانكم ومواليكم، فكان كل قوم من يهود لجأوا إلى بطن من الأوس والخزرج يتعززون بهم، ومنذ ذلك الزمن لم يبق لليهود على هذه الأرضين سلطان.
الفطيون..
وفي رواية أخرى ان (مالك بن عجلان)، كان من الخزرج، وكان سيد قومه يومئذ، وكان على اليهود رجل منهم اسمه (الفَطيون) ملك عليهم، واستبد يأمر الناس، وكان يهودياً من بني ثعلبة، وكان امرأ سوء فاجراً، قرر الا تدخل امرأة على زوجها إلا بعد دخوله عليها.
فاغتاظ مالك من فعل (الفَطيون) ومن استذلاله للعرب، ولما كان زفاف اخته لزوجها، وكان لا بد من ادخالها على (الفطيون) أولاً ليستمتع بها، كبر ذلك عليه، فدخل معها في زي امرأة، فلما أراد (الفطيون) الخلو بها، وثب مالك عليه وعلاه بسيفه وقتله، وخلّص قومه منه، وفرّ عندئذ إلى ابي جبيلة ملك غسان.
وتذكر الرواية ان (الفطيون) اسم عبراني، واسمه (عامر بن عامر بن ثعلبة بن حارثة)، كان تملك بيثرب. أما (مالك بن العجلان)، فقد صوره اليهود شيطاناً ملعوناً، وصوروه في بيعهم وكنائسهم ليلعنوه كلما دخلوا ورأوه، وذكروه في شعرهم في أقبح هجاء قالوه.
وذكر (ابن دريد) أن بعضاً من (بني الفطيون) قد شهد (بدراً) واستشهد بعضهم يوم اليمامة. وذكر أن نسب (الفطيون) في غسان. ومن ولد الفطيون: (ابو المقشعر) واسمه: (أسيد بن عبد الله). وقد فسّر الأخباريون كلمة (الفطيون) بـ (ملك). وقالوا إنها تقابل (النجاشي) عند الحبشة، و (خاقان) عند الترك. وذكروا نفرا ممن تلقبوا بالفطيون.

يهود خيبر..
خيبر: لفظة عبرانية، معناها الحصن. ويزعم البعض انها نسبة إلى رجل اسمه: (خيبر بن فاتيه بن مهلاييل)، سميت خيبر باسمه، لكونه أول من نزلها. وذهب [وايل/ Weil]، انها لفظة عبرانية تعنى: (مجموعة مستوطنات).
أما (دوزي) فقد أخذ بالرواية العربية، زاعما ان خيبر: كناية عن جماعة من اليهود هاجرت في أيام السبي من فلسطين الى هذا الموضع، وهي من نسل (شفطيا بن مهللئيل) من (بني فارص). وان (فاتيه): تحريف [شفطيا/ Shaftja] المذكور في سفر نحميا من أسفار التاناك. وهو ابن (مهللئيل)/، (مهلاييل). وان هجرة هذه الجماعة إلى جزيرة العرب كانت في ايام (بخت نصر).
وذهب المستشرقون ان كلمة خيبر: كلمة عبرانية الأصل: [ Kheber] معناها: الطائفة والجماعة. ويقول غيرهم ان معناها: الحصن والمعسكر. وهي من أقدم المواضع التي لجاً اليها اليهود في الحجاز.
اشتهر يهود خيبر من بين سائر يهود الحجاز بشجاعتهم. وخيبر موضع غزير المياه كثيره، وقد عرف واشتهر بزراعته وبكثرة ما به من نخيل. وعند اجلاء اليهود عن خيبر، تفرقوا فذهب بعض منهم إلى العراق، وبعض آخر إلى الشام، وبعض منهم إلى مصر. وقد بقوا في كل هذه المواضع متعصبين لوطنهم القديم (خيبر)، ينادون بشعارهم الذي كانوا ينادون به قبل الإسلام، وهو: [يا آل خيبر]
وقد اشتهرت خيبر وعرفت بالحمى. حتى نسبت اليها، فقيل لها: حمى خيبرية. وكان من أساطيرهم إذ ذاكِ، أن من أراد دخولها فعليه بالتعشير ليتخلص منها. وكان من أوابدهم فيما يزعمون أن الرجل إذا ورد أرض وباء ووضع يده خلف اذنه، فنهق عشر نهقات نهيق الحمار، ثم دخلها أمن من الوباء.
ويزعم أن يهود خيبر هم من نسل (ركاب) المذكور في التوراة. وأن [يونادب/Jonadab ]: (جندب) هو ابنه. كان تبدى مع أبنائه ومن اتبعه، وعاش عيشة تقشف وزهد وخشونة. وكان نسلهم قد هاجر بعد خراب الهيكل الأول إلى الحجاز حتى بلغوا خيبر، فاستقروا بها، واشتغلوا بزراعة النخيل والحبوب، وانهم اقاموا فيها قلاعاً وحصوناً تحميهم من غارات الأعراب عليهم.
ذكر بعض الأخباريين أنها ولاية من سبعة حصون، منها: حصن ناعم، والقموص حصن ابن أبي الحقيق وهو أقواها وأعزها وقد أقيم على مرتفع من الأرض حماه وعزز دفاعه، وحصن الشق، وحصن النطاة، وحصن السلالم، وحصن وجده، وحصن الوطيح، وحصن الكتيبة. وقد أخرجوا منها وأجلوا عنها في زمن عمر بن الخطاب.
وأقدم إشارة كتابية ورد فيها اسم خيبر، نص: حرّان اللجاة، ويرجع تأريخه إلى سنة أربع مئة وثلاث وستين من الألفية الأولى، وتقابل سنة 568 للميلاد. وقد ورد فيه: بعد مفسد خيبر بعم!. أي بعد خرب خيبر بعام. وهو يشير إلى ان غزو هذا الموضع أنزل به خسائر كبيرة، ولأهميته وفداحته في نفوس أهله أرخوا بوقوعه.
ويعود النص المذكور المدون باليونانية والعربية إلى [شرحيل بن ظلمو/ شراحيل بن ظالم]، وقد دونه لمناسبة بنائه –مرطولاً-، فأرخه بتاريخ خيبر المذكور. وهو يشير إلى غزوة قام بها أحد أمراء غسان على خيبر.
وقد وجدت كتابات بحروف المسند وكتابات نبطية في خيبر، هي أقدم عهداً من نص (حران اللجاة)، يفهم منها وجود سكن في هذه الأرضين يعود إلى ما قبل الميلاد. ولم تكتشف تربة خيبر حتى الان، وكل ما عثر عليه من عاديات فيها هو من النوع الذي وجد ظاهرأ على سطح الأرض، وليس بمستبعد أن يعثر فيها على كتابات قد تكشف عن تأريخ هذه البقعة.

تيماء..
تيماء من المواضع القديمة. وهي في موقع حسن، وملتقى طرق هامة يسلكها التجار. أقام الملك (نبونيد) البابلي زماناً فيها، حيث اتخذها عاصمة له. وقد أقام بها اليهود وجعلوها من أهم مستوطناتهم في الحجاز. عمروا ارضها وزرعوها، واستنبطوا الماء من الآبار بالإضافة إلى واحتها ذات المياه العذبة الغزيرة التي كان لها الفضل في تكوين هذا الموضع واعماره. و كان حصن السموأل بن عادياء (الأبلق الفرد) المذكور في قصص امرىء القيس الشاعر، يشرف على تيماء. وقد نعتت تيماء في بعض الأشعار بتيماء اليهود.
ويذكر ان [اليفاز التيماني/(سفر ايوب 6)] في التاناك، و[شمعون التيماني/ Simeon of Temanite] المذكور في التلمود والمدراش، هما من أهل تيماء. ولا يستبعد ان يكون من بين أهل هذه المدينة من حصل على شهرة في العلم بفقه اليهود وبأحوال دينهم. فان مركزها وموقعها يجعل من السهل على سكانها الوصول إلى فلسطين وبقية بلاد الشام وأخذ العلم من علماء تلك البلاد.
وقد عثرالرحالة [اويتنك/ Euting] على كتابة مدونة بقلم بني إرم تعود إلى عهد كان الفرس قد استولوا فيه على هذا المكان، تتحدث عن أهمية تيماء ورقيها في ذلك العهد. ولا يستبعد العثور على كتابات عديدة اذا ما قام العلماء بالتنقيب عنها في هذا الموضع.
وقد وجد (أويتنك) آثار معبد قديم، وآثار مواضع عتيقة اخرى. ووجد [جوسن/ Jaussen] و [ سافينه/.Savignac] آثار مقابر على تلال من النوع الذي يطلق عليه الاثاريون اسم [تمولي/ Tumuli]، ومرقاة مدرجة تؤدي إلى بناء مربع لعله معبد من معابد القوم بني على هذا التل.
ولا توجد اليوم بقية للابلق الفرد، الذي افتخر السموأل وآل السموأل به، وكذلك يهود تيماء. وليس بمستبعد ان يكون ذلك الحصن من بقايا قصر "نبونيد" أو من بقايا قصر رجاله، أو من بقايا أبنية غيره ممن نزل هذا المكان. وقد يكون بناء أقامه السموأل وبناه بحجر تلك الأبنية القديمة. وقد اكسب قصر السموأل، هذا الموضع شهرة، وأكسبه خبر وفاء السموأل شهرة كذلك على النحو المذكور في كتب الأدب والأخبار.

فدك..
من المواضع القديمة التي ذكرها الملك (نبونيذ) في جملة المواضع التي زارها واخضعها لحكمه في الحجاز. وسكانها مثل أغلب يهود الحجاز مزارعون عاشوا على الزراعة كما اشتغلوا بالتجارة وببعض الحرف التي تخصص فيها اليهود مثل الصياغة والحدادة والنجارة.

وادي القرى..
من المواضع التي غصت باليهود، فكان أكثر أهله منهم. ويهوده من المزارعين، حفروا به الآبار، وتحالفوا مع الآعراب، وعاشوا معهم متحالفين.

مقنا..
وكان في (مقنا) عند ظهور الإسلام قوم من اليهود اسمهم (بنوجنبة)، وقد كتب اليهم الرسول يدعوهم إلى الإسلام، أو إلى دفع الجزية. كما كتب إلى يهود اخرين منهم (بنو غاديا)، و (بنو عريض).
وكان بين أهل مقنا وأيلة قوم من اليهود، وكذلك في بقية القرى الواقعة في أعالي الحجاز وعلى ساحل البحر، وقد صالحوا الرسول على الجزية، وبذلك ضمنوا لهم البقاء في هذه الأنحاء.

الطائف..
بالطائف قوم من اليهود طردوا من اليمن ويثرب، فاًقاموا بها للتجارة. فلما صالح أهل الطائف الرسول - على ان يسلموا ويقرهم على ما في أيديهم من أموالهم وركازهم، واشترط عليهم ألا يربوا ولا يشربوا الخمر وكانوآ أصحاب ربا - وضعت الجزية على يهودها، وبقوا فيها، ومن بعضهم ابتاع معاوية أمواله بالطائف.
ويظهر انه لم تكن لليهود جاليات كبيرة في جنوب المدينة حتى اليمن، لعدم إشارة أهل الأخبار اليهم، وان كنت لا أستبعد وجود أفراد وأسر منهم في مكة وفي عدن وفي المدن التي اشتهرت بالتجارة كبعض موانىء البحر الأحمر وموانىء سواحل العربية الجنوبية. غير ان وجودهم في هذه المواضع، لم يكن له أثر واضح مهم، فلم يتجاوز محيط التجارة والاتجار.

يهود اليمامة..
ذهب اليهود إلى العربية الشرقية من العراق، وسكنوا في مواضع من سواحل الخليج، وتاجروا مع أَهلها وغيرهم في باطن الجزيرة. وقد ساعدتهم بعض الحكومات على للذهاب اليها. كما كانت ليهود العراق تجارات مع أهل الخليج، كما يفهم ذلك من التلمود.
ويرى المؤرخ اليهودي [يوسفوس فلافيوس/ Josephos Flavius] : ان اليهودية كانت قد وجدت لها سبيلاً بين العرب. وان بعض ملوك مملكة [حدياب/ Adiabene] كانوا قد دخلوا فيها. ويذكر المؤرخ [سوزومين/ Souzomenos] ان اليهود كانوا ينظرون إلى العرب الساكنين شرق الحد العربي [Limes Arabicus ] على انهم من نسل اسماعيل وابراهيم، فهم من ذوي رحمهم، وولد عمومتهم، وان لهم بهم صلة قربى. فكانوا يرجون من ذلك دخولهم في دينهم، واعتناقهم دين ابراهيم جد اليهود والعرب، ونجحوا في تهويد بعض العرب.

يهود اليمن
في هذه الأرض من جزيرة العرب ظهر اليهود فيها ظهوراً واضحأَ، وصارت اليهودية ديانة البلاد الرسمية. أما كيفية مجيئها وانتشارها هناك، ومتى كان ذلك، فليس واضحا. يزعم الأخباريون ان تبعاً، وهو (تبّان اسعد ابو كرب)، اهتدى إلى هذه الديانة عند اجتيازه بيثرب وهو عائد إلى اليمن من حرب قام بها في الشمال وفي ايران، متاًثرا ببعض الأحبار، ومنذ ذلك الحين صارت اليهودية ديانة رسمية للبلاد. ويقال ان حبرين من أحبار اليهود من بني قريظة عالمين راسخين في العلم، هما اللذان هديا التبع إلى اليهودية، وأبعداه عن عبادة الأوثان.
غير ان دخول اليهوديه إلى اليمن مردّه ايضاً إلى اتصال اليمن من عهد قديم بطرق القوافل التجارية البحرية والبرية ببلاد الشام. وفي قصة سليمان وملكة سبأ إشارة إلى تلك الصلات، والى هجرة جماعات من اليهود إلى هذا القطر عن طريق الحجاز، بعوامل متعددة، منها: التجارة والهجرة إلى الخارج،. وهروبهم من اضطهاد الرومان لهم، وعوامل أخرى جعلتهم يتجهون من الحجاز إلى اليمن، فأقاموا هناك.
وأما يهود اليمن المحدثون فإن أحبارهم ورجال العلم والفهم منهم يرجعون وجودهم في اليمن إلى أيام السبي، أي إلى ايام (بخت نصر)، وهم يزعمون أنهم بقوا في اليمن منذ ذلك الحين ولم يغادروها الا بعد التقسيم.
وقد أشار [حبر] يسمى [ربي عاقبة/ رباي عقيبة/ Rabbi Aqiba]، في حوالى سنة (130م)، إلى زبارته لملك عربي كوشي: (مليخ عرابيم)، كانت زوجته كوشية كذلك، وإلى تحدثه معه. ويراد بـ(كوش): الأحباش. غير ان بعضهم كان يقصد بها اليمن. ولا يستبعد ان يكون مراد الحبر بذلك اليمن،أو منطقة أخرى من العرابيا كان الحبش قد استولى عليها. وربما قصد منطقة افريقية ساحلية كان يحكمها ملك عربي في ذلك الوقت.
وتدل رحلة [رابي عقيبة/ R.Aqiba] هذه إلى اليمن على وجود يهود فيها، إذ لا يعقل سفره هذا إلى تلك البقعة النائية وتجشمه المشقة، لو لم تكن هناك جالية يهودية فيها. إذ كان (أوليوس غالوس) قد جاء بجمع منهم معه في حملته على اليمن، ففضّل بعضهم البقاء في اليمن والسكن فيها لطيبها ولخصب أرضها وتعبهم من السفر، بدل الرجوع وتحمل المشقات والجوع والعطش والهلاك. وقد هلك بالفعل القسم الأكير من رجال الحملة بسبب صعوبة الطريق والحر الشديد والجوع والعطش.
وقد عثر على كتابة من كتابات القبور في [بيت شعاريم/ Beth She arim] في جنوب شرقي حيفا، ورد فيها: [منحم قولن حميرن/ Mnhm Kwin hmyrn] أي: (مناحيم قيل حمير). والموضع الذي وجدت هذه الكتابة فيه، هو مقبرة من مقابر كبار الأحبار. وقد وجدت معها كتابات أخرى، تشير إلى أسماء أحبار معروفين، قبروا فيها. لذلك فإن (مناحيم: قيل حمير) هو يهودي، جاء إلى فلسطين للزيارة أو للاتصال بعلماء اليهود الذين كانوا قد تجمعوا في (بيت شيعا ريم). فمرض ومات هناك. ودفن في مقبرة هذا الموضع. ويرجع الباحثون تأريخ الكتابة المذكورة إلى حوالى سنة (200م).
واستدل بعض المستشرقين بنص دوّنه (شرحبيل يعفر بن أبي كرب اسعد) على (سد مأرب)، وردت فيه جملة (بعل سمن وارضن)، أي (رب السماء والأرض) على تهوده بحجة ان هذه العبارة تشير إلى التوحيد الخالص، والتوحيد الخالص هو عقيدة يهود.
وقد ذكر المؤرخ النصراني [فيلوستورجيوس/Philostorgius] في حوالى سنة (425 م)، ان أهل (سبأ) كانوا يتبعون الشريعة في [السبت]. ولكنه ذكر أيضاً انهم كانوا يعبدون الشمس والقمر ومعبودات أخرى، وان بعضاً منهم كان على دين يهود. وبعضهم قاوم رسالة [ثيوفيلس/ Theophilus] التي أرسلها القيصر قسطنطين [340 - 361 م] للتبشبر بين الحميريين.
وقد عثر في اليمن على نص مكتوب بالمسند، ترد فيه كلمات: [يسرائيل، ربّ يهود]. عثر عليه المستشرق كلاسر ونشره المستشرق ونكلر، ونصه: [تبرك سم رحمنن ذ بسمين (سمن) ويسر ال والهمو رب يهود. ذ هرد عبد همو وشحرم وامهوبم. وحشكهتو شمسم واولدهمو ذمم. وابشعر ومار وكل ابهه].
ومعناه بلهجتنا: [تبارك اسم الرحمان الذي في السماء، واسرائيل وإلهه رب يهود، الذي ساعد عبده (شحراً) وأمه (بم!) وزوجته (شمساً) واولاده: [ذمم، أبشعر، مئاراً] وكل أهل بيته].
واليهودية وإن ضعفت في اليمن بدخول الحبشة فيها، بقيت مع ذلك محافظة على كيانها، فلم تنهزم، ولم تجتث من أصولها، وبقيت قائمة في هذد البلاد في الإسلام كذلك فلم يجل أهلها عنها كما أجلي أهل خيبر، وظلت بقيتهم هناك إلى سُنيات قريبة حيث غادروها على أثر حوادث فلسطين.
في مواضع عدة من التلمود، يظهر ان نفراً من العرب دخلوا في اليهودية، وانهم جاءوا إلى الأحبار، وتهودوا أمامهم. ويؤكد الأخباريون ان اليهودية كانت في: [حمير، بني كنانة، بني الحارث بن كعب، وكندة، وغسان]. ويقول اليعقوبي: ان [اليمن بأسرها] قد تهودت. كان تُبّع حمل حبرين من أحبار يهود إلى اليمن، فاًبطل الأوثان، وتهود اهل اليمن.

احبار اليمن..
ولم يظهر من يهود اليمن في الإسلام ممن عرفوا برواية الإسرائيليات سوى رجلين، هما: كعب الأحبار، ووهب بن منبه. فأما كعب الأحبار، فقد ادرك زمن الرسول، غيرأنه لم يره، ولم يدخل في الإسلام إِلا في ايام أبي بكر أو عمر، وهو [أبو اسحاق كعب بن ماتع بن هيسوع]، وقد عرف بين المسلمين بكعب الأحبار وبكعب الحبر من باب التعظيم والتقدير لعلمه.
وقد حظى بهذا اللقب من علمه بالشريعة وكتب الأنبياء واخبار الماضين، وهو علم لا نستطيع أن نحكم على درجته ومقدار بعده أو قربه من العلم الذي كان منتشراً بين أحبار ذلك العهد ما لم نقف على الأقوال الصحيحة التي صدرت عن ذلك الحبر.
أما هذا المروي عنه والمذكور في تفسير الطبري وفي تاًريخه وفي كتب من كان يعنى بجمع القصص ولا سيما قصص الرسل والأنبياء، فليس في استطاعتنا التصديق بصدوره كله من فم كعب، إذ يجوز أن يكون من رواية أناس آخرين ثم حمل على كعب.
ولم ينسب أحد إلى كعب مؤلفاً، وكل ما نسب اليه فهو مما ورد عنه بالمشافهة والسماع. وهو بين صحيح بمكن أن يكون قد صدر منه، وبين مشكوك في أمره وضع عليه، وفيه ما هو اسرائيلي صحيح، أي انه مما هو وارد في التوراة أو في التلمود أو في الكتب الاسرائيلية الأخرى، ومنه ما هو قصص اسرائيلي نصراني، وما هو محض افتعال وخلط.
وبالجملة، إن هذا الوارد عنه يصلح أن يكون موضوعاً لدراسة، لمعرفة أصوله وموارده والمنابع التي أخذت منه. وعندئذ يمكن الحكم على درجة أصله ونسبه في علم بني اسرائيل، وامكان صدوره من كعب أو من غيره، ومقدار علم كعب ووقوفه على الإسرائيليات.
وأما وهب بن منبه، فيعدّ من التابعين، ويعد مرجعاً مهما في القصص الاسرائيلية ويقال انه حصل على علمه من كتب الأولين، وإن أخاً له كان يذهب إلى الشام للتجارة فيشتري له الكتب ليطالعها، وانه كان على علم غزير بأحوال الماضين، وكان ملماً بجملة لغات. وإذ كان وهب من المتأخرين وكان نشاطه في الحركة الفكرية في الإسلام لا قبله.

صلات يهودية بين اليمن وفلسطين..
وذكر المؤرخ [ثيودور لكتور/ Theodorus Lecrtor]، وهو من رجال النصف الأول للقرن السادس للميلاد، ان الحميريين كانوا في بادىء أمرهم على دين يهود، دخلوا فيه في ايام ملكة سبأ المعروفة بقصتها مع سليمان. ولكنهم عادوا إلى الوثنية، ثم دخلوا بعدئذ في النصرانية في ايام القيصر [أنستاس/ Anstasius (491- 518م)]. ولم يشر هذا المؤرخ إلى وجود اليهودية بين الحميريين، كما انه لم يشر إلى تهود ملوك حمير.
ويفهم من رسالة عن تعذيب نصارى نجران، منسوبة لـ(شمعون): [وان اليهود الكائنين في طبرية يرسلون سنة فسنة وقتاً فآخر، كهنة منهم إلى هناك لإثارة السجس بين نصارى الحميريين. فلو كان الأساقفة نصارى وليسوا بشركاء لليهود، ويودّون ان تستقيم النصرانية، لرغبوا إلى الملك وعظمائه، ليلقوا القبض على رؤساء كهنة طبرية وبقية المدن، ويلقوهم في السجن. ولا نقول هذا لنجازي سيئة بسيئة، بل ليتوثقوا منهم بكفلاء حتى لا يعودوا يرسلون رسائل
وأشخاصاً وجيهين إلى ملك الحميريين، فيصب صاعقة الأرزاء على شعب المسيح في حمير...]؛
ان يهود اليمن لم يكونوا بمعزل عن يهود فلسطين، بل كانوا على اتصال بهم. وأحبار طبرية كانوا يرسلون رجالا منهم إلى ملك اليمن وكبارها ويهودها، ومعهم أموال ووجوه، لتوثيق صلاتهم وروابطهم بهم. وقد نسب (شمعون) إلى أحبار طبربة، تحريضهم ملك حمير ويهودها، للضغط على نصارى اليمن واضطهادهم انتقاما منهم.
فطلب من الحكومة والنصارى الضغط على يهود فلسطين، وأحبار طبرية بصورة خاصة، ليكتبوا إلى يهود حمير بالكف عن التحرش بنصارى اليمن، وتهديدهم بانزال العقوبات بهم انتقاما منهم إن لم يسدوا لهم النصح. وقد كانت "نجران" من المستوطنات المهمة التي نزل بها اليهود في اليمن. وهي مكان خصب، وقد عاش اليهود فيها مع غيرهم من العرب من نصارى وعبدة أصنام.
وفي أخبار الشهداء الحميربين ورد: أن أحبارا من [طبريا/ Tiberias] الفلسطينية، جاؤوا الى أخوانهم في الدين يهود اليمن وسكنوا معهم. ومعنى هذا أن الصلات بين يهود اليمن وجهود فلسطين كانت موجودة، وأن يهود اليمن لم يكونوا بمعزل عن يهود فلسطين.
ولابد أن ذلك هو الحال عن اتصال يهود الحجاز، بيهود فلسطين وبيهود اليمن. وكيف لا يكون لهم اتصال بهم، وهم جيران فلسطين ولهم تجارات معهم، ثم إنهم على طريق اليمن وفلسطين، فإذا أراد يهود فلسطين الذهاب إلى اليمن، أو يهود اليمن الذهاب إلى فلسطين فلا بد من المرور بأرض يهود الحجاز والنزول بهم.

التبشير اليهودي بين العرب..
ان اليهودية من ناحية التبشير عند ظهور الإسلام كانت جامدة خامدة، لا يهمها نشر الدين بقدر ما تهمها المحافظة على الحياة وعلى المركز الذي توصلت اليه وعلى تجارتها التي تعود عليها بمال غزير. فكانت لهذا لا تهتم بحركة إلا إذا وجدت فيها فائدة لها، ومنفعة ترتجى منها، ولا تحارب رأياً إلا إذا وجدت انه سيكون خطراَ عليها.
فحاربت النصرانية في اليمن لمّا وجدت الروم يسيرون على سياسة معادية لليهود، وان النصرانية مهما كانت كنيستها هي فرع من شجرة واحدة هي الشجرة التي يقدسها الروم. فامتداد اي فرع منها إلى اليمن، كفيل بالحاق الأذى الذي لاقاه اخوانهم من البيزنطين بهم.
وحاربت الإسلام بعد هجرة الرسول إلى المدبنة، لمّا تبين انه لم يكن على ما ظنته حينما سمعت بدعوة الرسول وهو في مكة، من انه سيخضع لها، أو سيميل اليها، فتستفيد منه على الأقل، فلما وجدت الأمر غير ما ظنت، عندئذ خاصمته وانضمت إلى المشركين في محاربة الإسلام.
ولسنا نجد بين القبائل العربية يهوداً وفدوا اليها وأحباراً سكنوا بينها لاقناعها بمختلف الوسائل والطرق للدخول في دين يهود. نعم لم يفعل اليهود هذا كمافعله النصارى، ولهذا انحصرت سكنى اليهود عند ظهور الإسلام في هذه المواضع الخصبة وطرق المواصلات والتجارة البرية والبحرية من جزيرة العرب، وانحصر عملهم في التجارة وفي الربا وفي الزراعة وفي بعض الصناعات التي تخصصوا بها. وهي أمور جعلت لهم نفوذاً عند سادات القبائل والأمراء والملوك.

المجادلات اليهودية في الاسلام..
يقدم القرآن عدة أمثلة من أسئلة وجهها اليهود إلى الرسول لاحراجه ولإظهار فساد دعوته بزعمهم. منها..
- سألوه ان يأتي لهم بمعجزة، إِذ قالوا له: [إن الله عهد الينا ألا نؤمن لرسول حتى يؤتينا بقربان تأكله النار]، فكان الرد عليهم: [قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم، فلِمَ قتلتموهم إن كنتم صادقين]: جاءت في (كعب بن الأشرف)، و(مالك بن الصيف)، و(وهب بن يهوذا)، و(فنحاص بن عازورا). ويظهر من أقوال علماء التفسير في تفسير لفظة [الطاغوت] الواردة في القرآن، أن: (كعب بن الأشرف)، كان من أبرز سادات اليهود في أيام الرسول، يتحاكمون اليه ويأخذون برأيه، وكان المقدم عندهم وعند الأوس والخزرج، حتى أن الأنصار كانوا يتحاكمون اليه.
- جماعة أتوا النبي فقالوا: له: أتزعم أن الله أرسلك الينا، وأنه أنزل علينا كتاباً عهد الينا فيه ألا نؤمن لرسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإذا جئتنا به صدقناك! فجاءت هذه الآية: [وسألوه أن يصعد إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتاباً مكتوباً فيما يدعيه على صدقه دفعة واحدة، كما أتى موسى بالتوراة].
- وساًلوه أسئلة عن أشياء مذكورة في التوراة، وسألوه عن أشياء أخرى محرجة عديدة، وأوحوا إلى غيرهم من المشركين باسئلة مماثلة ليلقوها على الرسول لامتحانه وإحراجه. وقد جاء الوحي بالرد عليهم، وتأنيبهم على اقوالهم هذه، وبتذكيرهم بما قام به أجدادهم وأسلافهم في مقاومة أنبيائهم وعدم التصديق برسالتهم/ والطعن بهم
- كما وقع جدل بين المسلمين وبين سادات يهود، أثار نزاعاً بين الطرفين. منها: دخل أبو بكر [بيت المدراش]، فوجد من يهود ناساً كثيراً قد اجتمع إلى رجل منهم يقال له: (فنحاص) كان من علمائهم وأحبارهم ومعه حبر يقال له: (أشيع). فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فوالله انك لتعلم ان محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والانجيل. قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وانه الينا لفقير، وما نتضرع اليه، كما يتضرع الينا وإنا عنه لأغنياء. ولو كان عنا غنياً ما استقرض منا، كما يزعم صاحبكم. ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنياً عنا ما اعطانا الربا،!.. فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال:. والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك!. ووقع مثل ذلك في مناسبات أخرى، جعل اليهود يحقدون على المسلمين.
- في عهد عمر أمر بإجلاء اليهود ممن لم يكن لديهم عهد من رسول الله. أما من كان له عهد منه، فقد بقي في وطنه وعلى دينه بالشروط التي ذكرت في الصحف.


اثر اليهودية في الاسلام..
التدقيق في تفاصيل النظرية الموسوية الاسرائيلية، يكشف عن جملة افكار رئيسة تخللت الفكر الاسلامي والديانة لاسلامية. فالفكر الشيعي يرفع [عليا واسرته] –على اختلاف في العدد-، العائلة المقدسة في العالم، وأن الله خلق الكون والعالمين من اجلهم.
فكرة الاصطفاء والامتياز وتوريثهما عبر الدم والذرية البطركية: [ذرية ابراهيم واسحق ويعقوب/ ذرية فاطمة وعلي والحسين]، واعتماد مصطلح [الاسباط] و العدد [12]، واجتماع الملوكية والامامة/ الدنيوية والروحية، وافضليتهما على اولاد العوام، وما ينبغي عليهم القيام بخدمة (الذرية المصطفاة): -[انظر الابعاد الدينية لتعبير لفظة (السيد) عند الشيعة!].
فضلا عن اغلب مظاهر الثياب والسلوك والتعامل والتعويل على اللغة والدين والموروثات لتسيير حياتهم اليومية، وميلهم المفرط للتجارة وحب المال ومظاهر الترف والمتعة واعتبارها من قبيل الهبات الالهية المخصصة لهم. وما يروج في اذهان العامة، احتكارهم للجنان، واختصاصهم بالمراتب العليا من مدارجها، مما يفهم من نص (النساء 163) التوراتي.
واذا كانت العقيدة العبرانية ايديولوجيا سياسية عنصرية بامتياز، فالعقيدة الشيعية، هي النسخة الاسلامية العربية لتلك الايديولوجيا القائمة على ثالوث: [ذرية مصطفاة/(خلفة فاطمة وعلي)- ارض مقدسة/(نجف- عراق)- سلطان ديني ودنيوي/(امامة)]. ولا ينقص احدهما تكرار مزاعم (المظلومية) التاريخية الدائمة واجتناء الاخرين على حقوقهم وامتيازاتهم، وبما يسوغ لهم الحق والمعصومية والاولوية: [ظالما او مظلوما]!.
ازدواج الغرور والعنصرية ونزعة التسلط اليهودية، وجملة الاتهامات الموجهة اليهم بحبك المؤامرات واعمال السحر والطلاسم، كانت وراء تحرز الامم والممالك من تجمعات اليهود، ووقوعهم ضحية الاضطهادات والتوزع/ (الشتات) في الارض.
وفضلا عن انتشارهم في بلاد الاغريق والروم ومصر وشمال افريقيا وايران والهند، ثمة يهود في وسط افريقيا وغرب اسيا التي اعرف بشبه جويرة العرب. والواقع، انه ليس ثمة مصدر علمي تاريخي يبين كيفية وصولهم الى اليمن – تحديدا- وكيف اتيح لهم تأسيس عدة ممالك يهودية يحكمها الكهنة –كما في فصل سابق- ويتحدثون الغة العبرية ويلتزمون طقوس العبادات الموسوية.
ولابد، والحال هاته، ان الدولة اليهودية اقدم من مملكة الحبشة المسيحية/(النصرانية) التي تعود لما بعد يسوع المسيح. وهو ما يتصل بصدام مملكة اليمن اليهود مع مملكة اكسيوم المسيحية، التي كان ضحيتها مجازر مسيحية في اخدود نجران الواقعة اليوم شمال صنعاء على حدود السعودية.
وقف العرب على بعض أحكام اليهود، مثل: الرجم بالنسبة للزنا، واعتزال النساء في المحيض. فذكر العلماء ان حكم الإسلام في الحيض: اقتصاد بين افراط اليهود الاخذين في ذلك باخراجهن من البيوت، وتفريط النصارى.
وقلدوهم في صوم (عاشوراء) وأعيادهم، ومثل الصلاة وأوقاتهم عندهم.
وقد اختلف يهود عرابيا في الأمور التي حرمتها شريعتهم عليهم في مثل المأكولات، كما اختلفوا في عبادتهم وفي اعتقادهم بوجود إلهَ واحد، هو [إله اسرائيل]. وفي أمور عقائدية أخرى، واختلفوا عن سواهم في بعض العادات والمظإهر الخارجية. كما اختلفوا عن سواهم في بعض الملابس التي لم تكن مألوفة عند العرب.
وكان اليهود مثلاً يسدلون شعورهم، بينما الناس يفرقون رؤوسهم. ورد عن ابن عباس: [أن النبي كان يسدل شعره وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم فرق النبي]!.
لقد تحدث عدد من المستشرقين عن أثر اليهود في العرب، فزعموا أن لليهود أثراَ عميقاً فيهم، فالختان مثلاً هو أثر من آثار يهود في العرب، وشعائر الحج أكثرها هي من اسرائيل، فالطواف حول البيت يرجع أصله إلى بني اسرائبل، ذلك أن قدماءهم كانوا يطوفون حول خيمة الإلَه [يهوه: إله اسرائيل] اخذه ال قريش منهم واتبعوه في طوافهم بالبيت.
والاجازة بـ(عرفات) يهودي كذلك، لأن الذي كان يجيز الحجاج بعرفة يأمر الحجيج بالرمي بعد أن يلاحظ الشمس في وقت الغروب، وكان يعرف بـ(صوفة). و(صوفة) تسمية عبرانية لها علاقة وصلة بهذه الوظيفة: وظيفة مراقبة غروب الشمس وتثبيت وقته، فالإجازة اذن عبرانية الأصل.
و(منى): صنم من أصنام اسرائيل، و(وادي منى): على اسم هذا الصنم الإسرائيلي. وأسماء أيام الاسبوع أخذت من يهود. ولفظة (المدينة) التي اطلقت على (يثرب)، أطلقها اليهود على هذا الموضع قبل الإسلام، وقد أخذوها من الإرمية، لتميز هذا المكان عن (وادي القرى). وأشياء أخرى عديدة من هذا القبيل.

الأسلام واليهود..
الإسلام دين يعترف بالأنبياء، وانه دين توحيد وانه في جملة أحكامه قريب من أحكام ديانتهم وقواعدهم، وانه يناهض الأوثان. وقد أشاد بفضل بني اسرائيل وبتفوقهم على غيرهم بظهور الأنبباء من بينهم، ثم إن قبلته إلى القدس، وقد تسامح معهم فأباح للمسلمين طعام أهل الكتاب. وهو دين اعترف بأبوة ابراهيم للعرب، وجعل سنته سنة له. وقد تسامح معهم وحفظ ذممهم.
وقد أمل المسلمون ان يساعد اليهود الإسلام على الوثنية وان يقفوا منه موقف ود أو حياد، ذلك بأنهم أصحاب كتبُ منزلة ودين توحيد، والاسلام قريب منهم، وقد اعترف بالأديان السابقة له، ونزه الأنبياء والمرسلين، وهو دين توحيد كذلك.
فاتصال الرسول باليهود اتصالاً مباشراً كان في يثرب. أما في مكة، فلم يكن لليهود فيها شأن يذكر، لذلك لا تجد في الايات المكّية ما نجده في الآيات المدنية، ولا سيما المتاًخر منها، من تقربع لليهود وتوبيخ لهم، عقب نشوب الخلاف بين المهاجرين والسكان.
رفض اليهود للاسلام..
رفض اليهود الدخول في الإسلام، وأبوا تغيير دينهم، ودافعوا عن عقيدتهم وتمسكوا بها، ورفضوا التسليم بما جاء من أن الرسول نبي أرسل للعالمين كافة وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن القرآن كتاب مصدق من الله، وأن أحكامه مؤيدة لما جاء في التوراة ناسخة لبعضها.
وقد جادلوا في ذلك، وانبرى أحبارهم للدفاع عن عقيدتهم ولمجادلة من يأتي اليهم من المسلمين لاقناعهم في الدخول في الإسلام. وفي القرأن صور من جدلهم هذا ومن محاجّتهم الرسول في دعوته، كما نجد مثل ذلك في الحديث النبوي وكتب السير.
ويتبين من نتائج دراسة صور هذا الجدل والخصام الذي وقع بين اليهود والمسلمين، وهو خصام مهم خطير، أن الخصومة كانت في مرحلتها الأولى رفض لدعوة الرسول إياهم للدخول في الإسلام، وتمسكأَ شديداً بعقيدتهم وبدينهم وبما ورد عندهم من أن النبوة قد بدأت وانتهت في بني اسرائيل.
ثم تطورت واشتدت عنفاً وقوة لما تبين لهم أن الإسلام يرفض نظريتهم هذه، وأنه قد حرم أموراً ستؤثر في مستقبلهم، وقد ألف بين قلوب أهل يثرب وأوجد منهم كتلة واحدة، وأنه سيحدّ من سلطانهم لامحالة، وأن ملكهم سيزول.
فوسعوا مقاومتهم، واتصلوا بمن وجدوا فيه حقداً وبغضاً للرسول، وبمن تأثر سلطانه بدخول الإسلام في يثرب من أهلها، ثم لما وجدوا أن كل ذلك غير كاف، تراسلوا مع أعداء الرسول في خارج يثرب من قريش. لتوحيد خططهم معهم، ولجملهم على مهاجمة المسلمين في مدينتهم ومعقلهم قبل أن يستفحل أمرهم ويقوى مركزهم، فيعجزون جميعاً هم وأهل مكة عن التغلب عليهم والقضاء على الإسلام.
وهكذا بدأت خصومة اليهود للاسلام خصومة فكرية، يرفضون الاعتراف بنبوة الرسول، وباًن دعوته موجهة إليهم، ويرفضون نبوة في غير بني اسرائيل، والرسول يدعوهم إلى الايمان بالله والى الدخول في دعوته المبنية على الايمان بالله رب العالمين، رب العرب وبني اسرائيل والعجم، وعلى الايمان بنبوته وبنبوة الأنبياء السابقين، ثم تطورت هذه الخصومة إلى معارك وحروب، والحروب كما نعلم تبدأ نزاعاً في الآراء وألأفكار ثم تتحول الى صراع ونزاع وقتال.

من اسلم من اليهود..
لم يسلم من يهود في ايام الرسول غير عدد قليل من المتبينين منهم. مثل: عبدالله بن سلام، ولم يتعاون معه غير عدد قليل منهم مثل يامين بن عمير بن كعب النضري، ويامين بن يامين الاسرائيلي، ومخيريق، وكان رجلاً غنياً صاحب نخيل، وهو أحد (بني ثعلبة بن الفطيون)، حث قومه على مساعدة الرسول ومعاونته في غزوة أحد.
وكان الرسول قد طلب مساعدتهم لوجود صحيفة بينه وبينهم. فلما اعتذروا له بالسبت، خالفهم مخيريق قائلاً لهم: لا سبت لكم، وقاتل معه حتى قتل، فقال الرسول: مخيريق خير اليهود. وقد وصف بالعلم، وذكر انه كان حبراً عالماً فيهم. آمن بالرسول وجعل ماله له، وهو سبعة حوائط فجعلها الرسول صدقة.
اسلام من بني قينقاع..
عبدالله بن سلام، كان يدعى، وهو في يهوديته، الحصين بن سلام بن الحارث. وسلام اسم والده. فلما أسلم سمّاه رسول: عبدالله!، أسلم والرسول في مكة لم يهاجر بعد. ذكر انه كان شريفاً في قومه، سيداً، صاحب نسب وحسب، وانه كان حبراً عالمأَ. فلما أسلم، نبذه قومه، وتحدثوا فيه. وقد نزلت فيه بضع آيات.
وقد كان له ابنان، هما يوسف ومحمد، رويا عنه الحديث. وقد كنّي بأسم ولده يوسف، فعرف بأبي يوسف. ويعد يوسف من الصحابة، وله حديث عن الرسول، ويقال إن الرسول هو الذي سماه يوسفَ، وقيل ليست له صحبة. وقد روى عن جماعة من الصحابة.
اسلام من بني النضير..
كان اسلام يامين بن يامين الاسرائيلي، على أثر إسلام عبدالله بن سلامْ. وأما يامين بن عمير بن كعب، أبو كعب النضري. وقد ساعد اثنين من فقراء أصحاب رسول الله على تجهيزهما بشيء من التمر ليتمكنا بذلك من الالتحاق بالجيش الذي سار في السنة التاسعة من الهجرة لغزوة تبوك.
وعندما أسلم أحرز ماله من بني النضير، ولم يحرز ماله من بني النضير احد غيره، وغير (أبي سعيد بن عمرو بن وهب). وذكر أن النبي قال ليامين: ألم ترَ إلى ابن عمك (عمرو بن جحاش) وما همّ به من قتلي؟ وكان أراد أن يلقي على النبى رحى فيقتله. فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله.
اسلام من بني قريظة..
(كعب بن سليم القرظي)، وهو من سبيهم فيَ الإسلام، ويعد في الصحابة، ولكن لا تعرف له رواية، وهو والد (محمد بن كعب القرظي) المعروف بروايته عن أحداث يهود مع النبي، وعن بعض أخبار بني اسرائيل. وله روايات في حديث الرسول عن بعض الصحابة، ويعد من التابعين. يقال: انه ولد في حياة الرسول، وتوفي ما بين سنة ثمان ومئة وسنة عشرين ومئة. وقد عدّه علماء الحديث في طبقة الثقات الورعين.
وفيمن أسلم من يهود بني قريظة: (رفاعة القرظي)، وهو (رفاعة بن سموأل)، وقيل: (رفاعة بن رفاعة القرظي) من بني قريظة، وهو خال [صفية: زوجة النبي]، لأن أمها برة بنت سموأل. أما أبوها، فهو (حيى بن أخطب) من رؤساء يهود، وكان من كبار المعارضين له، وهو من بني النضير.
ويعدّ (زيد بن سَعٌية)/ (سعنة) في طبقة الصحابة، ويقال انه كان أحد أحبار اليهود الذين أسلموا، وانه كان أكثرهم علماً ومالاً، وقد شهد مع النبي مشاهد كثيرة، وتوفي في غزوة تبوك مقبلاً إلى المدينة. كما يعدّ (عطية القرظي) من الصحابة كذلك، كان صغيراً حين غزا النبي بني قريظة، ولذلك لم يقتل، فاسلم، وصحب النبي.

خلاصة..
1-
مع ما كان لليهود من قلاع واطام وقرى، عاشوا فيها متكتلين مستقلين، لم يتمكنوا من بسط نفوذهم وسلطانهم على الأرضين التي أنشأوا مستوطناتهم فيها، ولم يتمكنوا من انشاء ممالك وحكومات يحكمها حكام يهود. بل كانوا مستقلين في حماية سادات القبائل، يؤدون لهم إتاوة في كل عام مقابل حمايتهم لهم ودفاعهم عنهم ومنع الأعراب من التعدي عليهم. وقد لجأوا إلى عقد المحالفات معهم، فكان لكل زعيم يهودي حليف من الأعراب ومن رؤساء العرب المتحضرين.
وقد كان اليهود يخضعون في نظامهم السياسى والاجتماعي لرؤسائهم وساداتهم، يدفعون لهم ما هو مفروض عليهم أداؤه في كل سنة. وهؤلاء السادة هم أصحاب الآطام والحصون والأرض. ولمن يشتغل في الأرض تسديد ما عليه لصاحبها في مقابل استغلاله لها.
وقد إعتنوا عناية خاصة بزراعة النخيل. وعرفت القطعة من الأرض المزروعة نخلاً عندهم بـ (الصورين) (الصور). ولما كانت الأرضون المزروعة واسعة، كانت خارج الاطام والحصون، يحميها حراسها والمشتغلون بها أيام ثمرتها.
وأما في أيام الغزو والحروب، فقد كانت معرضة لهجوم المهاجمين. وهذا ما كان يعرض أعظم غلة اليهود للخطر، ولهذا شق عليهم كثيراً، وانهارت مقاومتهم حين أمر الرسول بقطع النخل وتحربقه، وأخذوا يلتمسون منه وقف ذلك.
واضطرت بنو قينقاع بسبب ذلك وبضغط بني النضير وبني قريظة الى الالتجاء إلى أحياء يثرب والى محالفة الخزرج، وفي مقابل ذلك تحالفت بنو النضير وبنو قريظة مع الأوس، فصاروا فرقتين: فرقة مع الخزرج، وفرقة مع الأوس.
وقد أدى التنافس بين سادات يهود إلى نشوب معارك فيما بينهم. تنابذهم واخراجهم بعضهم بعضاً من ديارهم وأسٌر بعضهم بعضاً وافتداء الأسرى كالذي وقع بين بني قينقاع وبني النضير، نزل الوحي: )وإذ أخذنا ميثاقكم، لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون انفسكم من دياركم، ثم أقررتم و أنتم تشهدون، ثم أنتم هؤلاء تقتلون انفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان. وإن يأتوكم أسرى، تفتدوهم وهو محرم عليكم اخراجهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ? فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويومَ القيامة يردّون إلى أشد العذاب، وما الله بغافلٍ عما تعملون (. أنبهم لأنهم فعلوا فعل المشركين والأعراب، مع انهم أهل دين واحد وكتاب. أما المشركون فلا لوم عليهم، لأنهم لم يكونوا على دين، وليس لهم كتاب ياْمرهم وينهاهم.
ويتولى الأحبار الأمور الدينية، يقيمون لهم الصلوات وبقية شعائر دينهم، ويعلمونهم في بيوت ا لمدارس ويشرفون على تنفيذ الأحكام والنظر فيما يحدث بين الناس من خصومات. وفي المعارك والخصومات التي تقع بين يهود، كانوا يؤدون الدية. وهي على ما يظهر من روايات أهل الأخبار مختلفة، وغير متكافئة.
فكان بنو النضير يؤدون الدية كاملة لشرفهم في يهود، أما بنو قريظة، فكانوا يؤدون نصف الدية. وفي خلاف في أداء الدية وقع بينهم، التجأوا إلى الرسول للحكم بين، فذكروا له هذا الاختلاف، فحكم بالدية متساوية. وفي هذا الحكم نزلت الاية: )سماعون للكذب، أكّالون للسحت، فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين (. ذكر علماء التفسير عن "ابن عباس" أنه قال: "كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة ودى مائة وسق من تمر،
وذكر ان (حيي بن أخطب) كان قد حكم ان للنضري ديتان وللقرظي دية، لأنه كان من النضير.
وذكر أهل الأخبار انه كان لليهود حكام يحكمون بينهم، ويقيمون حدودهم عليهم. فلما جاء الرسول إلى يثرب، صار اليهود يعترضون على عدالة حكم بعضهم، ولا يرضون بتنفيذ أحكامهم عليهم. فكان الحكام أو هم يذهبون إلى الرسول لكي يحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون وفق شريعتهم.
2-
ذهب بعض المستشرقين، استناداً إلى دراسة أسماء يهود الحجاز عند ظهور الإسلام، ان اولئك اليهود لم يكونوا يهوداً حقاً، بل كانوا عرباً متهودين، تهودوا بتأثير الدعاة اليهود.
ولكن الاستدلال من دراسة الأسماء على أصول الناس، لا يمكن ان يكون حجة للحكم على أصولهم وأجناسهم. فالفرس والروم والهنود وغيرهم ممن دخل في الإسلام، تسموا بأسماء عربية، وبعضها أسماء عربية خالصة. وتسمياتهم هذه لا تعني ان من تسمى بها كان عربي الأصل.
ثم إن كثيراً من اليهود في الغرب وفي أمريكة وفي البلاد العربية والاسلامية، سموا أنفسهم بأسماء غير عبرانية، ولكنهم كانوا وما زالوا على دين يهود. فالأسماء وحدها لا تكفي في اعطاء رأي علمي في تعيين الأصول والأجناس، ولا سيما في المواضع الكائنة على طرق التجارة والمواصلات وفي الأماكن التي يكثر فيها الاختلاط.
ويرى المستشرق (ونكلر): ان اولئك اليهود لو كانوا يهوداً حقأَ هاجروا من فسطين إلى هذه المواضع، لكانت حالتهم وأوضاعهم ومستواهم الاجتماعي على خلاف ما كان عليه هؤلاء اليهود. ولكانت حالتهم أرقى وأرفع من الحالة التي كانوا عليها، إذ لا يعقل، على رأيه، وصول جماعة إلى ذلك المستوى الاجتماعي الذي كان عليه يهود جزيرة العرب لو كانوا من بلاد مستواها الثقافي والمدني أرقى من مستوى من هو دونهم كثيراً في شؤون الحياة. ومستوى الحياة في جميع نواحيها، في فلسطين، أرقى وأرفع من مستواها في الأماكن التي وجد فيها اليهود من بلاد العرب، فهم على رأيه عرب متهودون، لا يهود مهاجرون.
غير أن رأي (ونكلر)، لا ينطبق على من ترك دياره وهاجر، واستقر في موطن جديد لأمد طويل، لأن الأوضاع المحيطة بالوطن الجديد سرعان ما تؤثر في المهاجرين، ولا سيما إذا كانوا جماعات صغيرة أو جماعات ليست ذات بأس شديد، فتجعلها تنصاع للمحيط الذي نزلت به بعض الإنصياع، فتفقد بعض خصائصها، لتكتسب خصائص المجتمع الجديد. والمهاجر الذي تقسره الظروف ليس مثل السائح او المهاجر برغبته للتجارة وتحين/ تغير ظروفه.
يذكر إن اليهود الذين نزلوا في الحجاز كانوا يختلفون مع ذلك عمن كان في جوارهم أو بينهم، إذ كانوا يشتغلون بالزراعة ويمتهنون بعض المهن التي يأنفها العربي الأصيل، كما أنهم كانوا لا يرغبون في القتال، ولا يميلون إلى الغزو والحروب، ولم يشتركوا فيها إلا قسرا واضطراراً، وهم يختلفون في هذه الناحية من الأعراب.
ويلحظ أن يهود الجزيرة لم يحافظوا على يهوديتهم وعلى خصائصهم التي يمتازون بها ويحافظون عليها محافظة شديدة، كما حافظوا عليها في الأقطار الأخرى. فأكثر أسماء القبائل والبطون والأشخاص، هي أسماء عربية، والشعر المنسوب إلى شعراء منهم، يحمل الطابع العربي، والفكر العربي. وفي حياتهم الاجتماعية والسياسية لم يكونوا يختلفون اختلافاً كبيراً عن العرب، فهم في أكثر أمورهم كالعرب. فيما سوى الدين.
وقد عاش اليهود في جزيرة العرب معيشة أهلها، فلبسوا لباسهم، وتصاهروا معهم، فتزوح اليهود عربيات، وتزوّج العرب يهوديات. ولعلّ كون بعض يهود من أصل عربي، هو الذي ساعد على تحطيم القيود التي تحول بين زواج اليهود بالعربيات وبالعكس. والفرق الوحيد الذي كان بين العرب واليهود عند ظهور الإسلام هو الاختلاف في الدين. وقد تمتع اليهود بحرية واسعة لم يحصلوا عليها في أي بلد آخر من البلاد التي كانوا بها في ذلك العهد.
ومن الأسماء التي قد تكون من أصل عبراني (زعورا)، وهو اسم عبراني متأثر بلهجة بني إرم، و (يساف)، وقد يكون من (يوسف)، و (نبتل) وقد يكون من [نفتالي/ Naftali]، وأسماء أخرى لم تتمكن من المحافظة على أصلها العبراني، فتأثرت بخواص اللسان العربي. وليس بين أسماء [البطون اليهودية الأحد عشر]، التي كانت في الحجاز في أيام ظهور الإسلام، اسم تظهر عليه الملامح العبرانية غير الاسم الذي ذكرته وهو (زعوراء).
والسؤال الذي لابد منه هنا: اين هم يهود العرابيا اليوم؟.. اين هم يهود اليمن؟.. اين هم يهود بابل وشنعار؟.. وهل اختزال العبرانيين من ديموغرافيا هاته البلدان منحها الاستقرار والرفاه والتماسك الاجتماعي الذي يحلم به كل بلد ينشد الاستقرار والتطور؟.. ام العكس تماما.. ان الشرق الاوسط يغرق في مستنقع التخلف والفوضى والنزاعات المحلية والداخلية، وتتفكك فيه المرجعيات والهويات القيم وسلطات القانون والنظام. وعما قريب، نصل الى فردوس [حارة كلمن ايدو الو]، وبعدها يأتي المارينز لضبط الامن وادارة حياتنا!..
3-
لا باس من القول، ان الغرب نجح في اقناع الطرفين: [العبرانيين والعرب] بأن الطرف الاخر هو عدوه اللدود المتربص للانقضاض عليه في اول فرصة. والطرف الثالث كان دائما حاضرا في دائرة [بني عابر]. والطرف الثالث هذا كان دائما بطل الفيلم ومخرجه وفاعل الخير الوسيط، والعرب والعبرانيين كومبارس رخيص – شبعانين ضرب/ بالتعبير المصري-!
من هاته النقطة المفصلية، المفارقة التاريخية، -كذبة ابليس واعوانه-، يجدر بنا اليوم، اعني الجيل الجديد والبصير، الاستيقاظ، ونبذ دور [السمّيعة الذليل]، والتوقف عن تناول حشيش الحقد والكراهية والانتقام، للاهتمام بقيم البناء والتعاون واحترام الانسان والحيوان والطبيعة.
وقد كان لدعوة محمد ابن عبدالله ركن قويم وعريق، في الدعوة للعودة الى [ابراهيم]= [لا يهوديا ولا نصرانيا ولا مسلما، ولكن حنيفا بارا مباركا لكلّ الامم!]، لكنه قصر تطبيقها في زاوية محددة من مجال الدين، واهمل قوامها الاجتماعي القومي. مما جعل السيوف، في وقت لاحق، في اخر سنواته وعقب موته، تنقلب الى صدور بني ابراهيم انفسهم، بدء بيهود يثرب، وليس انتهاء بالمسلمين.
وقد احتار فقهاء [الاسلام] في تفسير وتبرير وتجويز هدر الدم المسلم بيد المسلم. والنص القرآني الاصيل يعتبر كل بني ابراهيم مسلمين. سموا مقتل عثمان (فتنة)!، وبقيت الاقلام تتداولها حتى مقتبل القرن العشرين. فتنة عثمان انجبت معارك الجمل وحطين وصفين والخوارج ومذابح معاوية ويزيد والزبير والحجاج وبني العباس، حتى اليوم.
تقول لسلي هازلتون مؤلفة كتاب: [ما بعد النبي] في تعليقها على معركة الجمل: انه من نفس النقطة، نفس الجغرافيا، في جنوبي العراق، انطلقت شرارة حرب الاخوة مجددا عشية القرن الواحد والعشرين، حرب المسلم ضد المسلم. ولأنها خمنت وقوع حرب الجمل في [اكتوبر 656م]- (كتابها ص112)، فان العنف الديني في عراق الاحتلال ابتدأ ايضا في ليلة شتائية.
[كلكم راع، وكلكم مسؤول]: هذا هو قانون الاسلام، في صيانة الحياة والطبيعة وبناء الانسان والمجتمع، وليس في القتل والنهب والتدمير، والفتك بالفقراء والمستضعفين، كما حصل دائما ويحصل اليوم بايدي ادعياء الجهاد والارهاب والجريمة.
لقد ان للعقلاء والمعنيين في الشرق الاوسط، تحرير الفكر والدين من وحشية البداوة وفظاظة السلوك وقيم الدم الجاهلية. فنحن اليوم في مفترق طرق، لا رجعة ولا مناص: اما الشجاعة والخروج من حفرة الماضي والعبودية والتوحش الى نور الحياة ومعاني الاشراق والبناء، واما الاندثار بلا رثاء!.

ــــــــــــــــــــــــــــ
• بتصرف: عن الدكتور جواد علي: (المفصل في تاريخ العرب)!.
• Lesley Hazleton, After The Prophet: The Epic Story of Shia- Sunni Split, Anchor Books, NY, USA, 2009.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- دامداماران [20] يهودية عازرية ..
- دامداماران [19] يسرييل.. يزرعيل: حقل الدم..
- دامداماران [18] يوسفية موسوية..
- دامداماران [17] كنعانية يسرايلية..
- دامداماران [16] عبرانية براهمية
- دامداران [15] مجوسية زرادشتية..
- دامداماران [14] الصابئة المندائية
- دامداماران [13] الحنيفية
- دامداماران [12] في علم اجتماع الدين- 2
- دامداماران [11] اوثان واصنام..
- دامداماران [10] طمطمية عربية..
- دامداماران [9] ملائكة وشياطين
- دامداماران [8] عبادة النجوم
- دامداماران [7]
- دامداماران [6]
- دامداماران [5]
- دامداماران [4] امة.. امتان.. أم أمم..
- دامداماران [3]
- دامداماران [2]
- دامداماران [1]


المزيد.....




- قرقاش: حزب الإصلاح اليمني أعلن فك ارتباطه بـ-الإخوان-
- رئيس جامعة القاهرة: لن نحاسب الإخوان على النوايا
- بيان: الدولة الإسلامية تهدد أمريكا بعد قرار القدس
- نيتنياهو: إعلان القمة الإسلامية غير مقنع
- #القمة_الإسلامية: من حضر ومن لم يحضر؟
- حركة المقاومة الإسلامية
- نص إعلان إسطنبول الصادر عن القمة الإسلامية حول القدس
- مداهمة دار طباعة سرية تابعة للإسلاميين في موسكو
- صحف عربية: القمة الإسلامية في تركيا بين مؤيد ومعارض
- صحيفة: إغلاق قضية -رافعة الحرم- وتأييد براءة -بن لادن-


المزيد.....

- شاهد على بضعة أشهر من حكم ولى العهد السعودى:محمد بن سلمان ( ... / أحمد صبحى منصور
- الأوهام التلمودية تقود السياسة الدولية! / جواد البشيتي
- ( نشأة الدين الوهابى فى نجد وانتشاره فى مصر ) الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- الإرهاب ....... الأسباب ........ المظاهر .......... سبل التج ... / محمد الحنفي
- هل يوجد في الإسلام أوصياء على دينه ...؟ !!! / محمد الحنفي
- التوظيف الأيديولوجي للدعوة إلى تطبيق -الشريعة الإسلامية- ينا ... / محمد الحنفي
- الاجتهاد ... الديمقراطية ... أية علاقة ؟ / محمد الحنفي
- الإسلام و دموية المسلمين / محمد الحنفي
- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20090 / محمد الحنفي
- الاقتصاد الإسلامي بين الواقع والادعاء / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - دامداماران [21] يهودية عربية..