أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام الدين مصطفى - 11 سبتمبر







المزيد.....

11 سبتمبر


حسام الدين مصطفى

الحوار المتمدن-العدد: 5540 - 2017 / 6 / 3 - 14:07
المحور: الادب والفن
    


جلس يستمع، وقرآن يتلى، وأفكار تذهب وﻻتجيء.
في صبيحة ذلك الْيَوْم الحار من شهر سبتمبر، كان يعيش هو إحساساً لم يلمسه من قبل.
أهو ذلك الصبي، نعم هو، يعرفه مُذ كان طفلا تحضره أمه فرح إلى العيادة.
فرح وآه من فرح، يقولها في نفسه متنهدا. متذكرًا ذراعيها البضتين. أول مرة رآها كان في الحادي عشر من سبتمبر، وهو تاريخ ميلاده بالمناسبة.
يتحرك في جسده إحساس دافئ، وهو يستعيد الذكرى. يغيب عن الآيات والشيخ والمعزين. و يراها بعيني خياله تتهادى إلى غرفته، وطفلها هذا نائم على كتفها.
في لهفة أم قلقة، طلبت منه أن ينجد صغيرها الذي ارتفعت درجة حرارته وهي لاتعرف السبب.
التهمتها عيناه بسرعة. كانت ترتدي فستانا صيفيّا طويلا، يضيق من عند الصدر والأكمام. ويرتفع ليغطي مفرق صدرها، بفتحة لها أزرار تركت بعضها مفتوحا. في حين ارتدت على رأسها بونيه لم يخف الكثير من شعرها.
لم يدر وقتها لم تبسط معها، فليس من عادته، وهو الطبيب الشهير، أن يقوم من خلف مكتبه، ويحمل عنها الصبي. أنوثتها المغطاة بعثت في جسده حرارة لا تخفى. وعندما ردت على سؤاله، حول طعام طفلها ليلة أمس. كان صوتها متهدجا، يحمل نبرة يعرفها جيدا.
حنونة هي، محبة متدفقة. مشاعرها صادقة على الدوام. لاتخفي إذا أرادت، وتفعل ماتراه صوابا.
وهذا الصبي سكر، لماذا يحدجه بهذه النظرات، وهو يجلس بين أعمامه.
أنت يافتى، أنا أعرف عنك أكثر ما يعرفون. لقد رأيت مراحل حياتك. أنا طبيبك مُذ كنت طفلا يحبو. أما هؤلاء فلا يعرفون عنك إلا اسمك، رغم صلة الدم بينكم.
يود أن يسمعه حديث نفسه هذا، ولا يستطيع. فهذا العم الذي يجلس على الطرف، تتدلى بطنه الكبير بين فخذيه، أكل حق أخيه الراحل في تجارة بينهما. وكان الإثنان الآخران شاهدي زور عليها. فرح أخبرته بكل هذا وأكثر. كان يحب أن يسمع منها، ويحكي لها.
أخبرها بأسرار حياته. علاقاته الأسرية المرتبكة. عزوفه عن الزواج والأسئلة التي تطارده بسبب هذا.
في صبيحة الحادي عشر من سبتمبر، أحد أعياد ميلاده الثالث بعد تعارفهما أو الرابع لايذكر، كانت بداية تعارفه مع زوجها. نوبة قلبية مفاجئة ألمت بوالد سكر، ودفعت فرح للاتصال به لينقذ زوجها. على الفور استطاع تصنيف مشاعر فرح بعد تعامله مع زوجها. وبعد أن تماثل الزوج للشفاء، تلقى دعوة منه على العشاء في بيته ليشكره فيها.
وقتها كان سكر في السادسة من العمر، وكان الأبوان يستعدان لإرساله إلى المدرسة.
توقف القارئ عن التلاوة، وقف المعزون يصافحون أهل المتوفى. وقف هو بينهم حتى ينصرف.
سكر يتجه نحوه، يصافحه ببرود واضح، ثم يسأله إن كان يرغب في السلام على فرح قبل الرحيل. شيء ما في نظرة الصبي وحديثه لم يعجبه. ولكنه قدر أنه متأثر بوفاة أبيه.
هز رأسه موافقا، وسار خلف سكر إلى داخل المنزل.
على أريكة وثيرة أجلسه، ثم عاد وهو يحمل كوبا من العصير.
عصير في عزاء؟!
يبدو أن الصبي قرأ أفكاره، لأنه رد بأنها كانت رغبة والده، أن يشرب المعزون العصير.
طعم العصير غاية في الغرابة. يشبه الفواكه الفاسدة، مع نكهة حديدية صدئة.
وضع نصف الكوب الممتلئ على الطاولة أمامه. ولكن الصبي الذي يقف منذ البداية طالبه بإنهاء المشروب، وطمأنه بأن أمه قادمة لوداعه.
---------------------------------
جلس يستمع، وقرآن يتلى، وأفكار تذهب ولا تجيء.
في صبيحة هذا الْيَوم الحار من شهر سبتمبر، الذي يوافق يوم ميلاده، كان يعيش إحساسا لم يره من قبل.
بالطبع، فليس من المعتاد أن يفقد الإنسان أبا.
بكى سكر كثيرا أمام جثمان والده، و أمام قبره. بكى وهو يتذكر لحظات أبيه الأخيرة، وهو يسمع منه قصة شكوكه في أمه فرح. وكيف أنه لم يصل إلى يقين بشأنها حتى ساعته.
وهاهو الطبيب يصل إلى العزاء. مغرور هو كعادته، يصافح الجميع بأطراف أصابعه. يمشي في تلكؤ متعمد حتى يصل إلى الكرسي. يتصنع الوقار قبل الجلوس، وهو ينظر إلى ساعته على محموله الحديث.
كان من الممكن أن يحبه. لقد عرفه وهو بعد يحبو.
ولكن كل زيارة له كانت تنتج عددا كريها من الأدوية. وكان أبوه الراحل شديد القلق في كل ما يتعلق به، خاصة الأدوية. كان يعطيه الدواء بنفسه. وعندما كبر قليلا وتعلم المشي والهروب، كان يطارده بملعقة الدواء.
الاعتياد يقتل المشاعر. الحب والكراهية والخوف مشاعر، وكذلك الطعم أيضا.
علميا أنت لاتشعر بطعم جيد أو سيّء. عقلك هو الذي يقنعك بأن هذا جيد أو كريه.
الاعتياد وقبول الأمر الواقع ساعدت سكر على استساغة طعم الأدوية. بدأ يفرق بين نوع دواء وآخر بتذوقه.
القراءة أيضا ساعدته على الفهم. ليست قراءة القصص المصورة مثل أقرانه، بل القراءة المتخصصة في الدواء.
فمنذ تجاوز العاشرة من عمره، تعلم استخدام الكمبيوتر والبحث عن المعلومات عبر الإنترنت. قرأ الكثير عن الأدوية وصناعتها، والتجارب المعملية التي يمكن أن تستخدم فيها.
بسبب هذه القراءة ماتت حيوانات كثيرة. كلها شربت أدويته بتركيبات مختلفة من ابتكاره.
الشيخ ينهي التلاوة، يقف المعزون استعدادا للانصراف، ويقف الطبيب بينهم. في عقله دارت الأفكار وهو يقترب من الطبيب.
الأفكار في عقله تدور أسرع وأقوى، مثل قطرات مياه تدور في دوامة وتقترب من مركزها، ثم تغوص في قلب المركز المظلم، لتتراص مكونة مشهدا قاسيا يعجز عن نسيانه. رأى نفسه طفلا في الثامنة من العمر، يخرج من مكتب الطبيب تاركا أمه بالداخل ليكشف عليها الطبيب كما أخبرته.
تقترب منه إحدى العاملات بالعيادة، على وجهها ابتسامة لم يفهم أبدا معناها. تسأله "هل ستبقى أمك بالداخل طويلا". يهز كتفيه دون أن يجيب. فيبادره عامل آخر يقف بجوارها "أتعرف ما اسم الشخص الذي يحضر أمه لشخص آخر حتى …..، إسمه يكون ……". أطلق الأوصاف البذيئة في وجهه.
لم يكن يدري وقتها ماذا يفعل؟، كيف يتصرف في هذا الموقف مع شخص يطعن في شرف أمه؟. ظلت كلمات الرجل القاسية تتردد في أذنيه. لم يتحدث بها لأحد، ظلت حبيسة عقله وحده. ظلت نارا تكويه وهو حتى لا يستطيع الصراخ.
والآن جاء الطبيب، وحانت اللحظة التي حلم بها كثيرا. اللحظة التي تمناها مع كل زجاجة دواء خبأها من أبيه تحت السرير. رفع مرتبة الفراش بذراع ملهوف، و قلبه يخفق في سعادة. يتطلع إلى زجاجات الأدوية التي تجاوزت المائة في مخبئها السري. يجذب الكوب ويفرغ فيه منها بمقادير خاصة.
الطبيب ينتظر في الصالون، وهو يدخل إليه بكوب يزعم أنه عصير أوصى أبوه أن يشرب في عزائه.
ويفرغ الطبيب الكوب في أحشائه.
--------------------------------------
جلست تستمع، وقرآن يتلى، وأفكار تذهب ولا تجيء.
في صبيحة هذا اليوم الحار من شهر سبتمبر، الذي يوافق يوم ميلادها أيضا، طرحت فرح على نفسها السؤال. كررته آلاف المرات، دون أن تجرؤ على الإجابة. هل خرجت من قيدها حقا؟. هل كان زوجها المتوفى سجنا لها، أم ساترا يحميها؟.
وهذا الصبي ابنها، هل هو ابنها فعلا أم ابنه. صحيح أنها اختارت له اسمه على اسم جدها الراحل. ولكنه ليس ابنها. هي أصلا لا تنجب، وربما هذا هو سبب زواجها من أبيه. تعيد ترتيب الأوراق في عقلها. تتذكر الطلب الوحيد لزوجها الراحل، ألا يأتي يوم يعرف فيه سكر أنها ليست أمه. لماذا؟ لأن ابنة عمه الحامل منه في شهرها السابع أدمنت عددا كبيرا من الأدوية على مدار سنوات الزواج، آخرها كان الترامادول. حاول معها كل مايستطيع دون جدوى. أخبرها أنه ينوي طلاقها بعد أن تنجب، والاستحواذ على المولود وإبعادها عنه.
لماذا وافقت وقتها على خطة تراها الآن شريرة؟ أهو ضغط الأسرة من أجل الزواج بعد أن قارب سنها الثلاثين؟ أم هو الثراء الواضح للعريس المنتظر؟. حاولت أن تبرر لنفسها بأسباب كثيرة. وكل التبريرات كانت تصل بها إلى نفس النتيجة.
نعم أنت أيضا مذنبة، تقولها لنفسها. أنت وافقت على الزواج منه وامرأته الأولى لاتزال على ذمته. أنت أيضا قبلت بحرمان أم -حتى لو كانت مدمنة- من وليدها. لا تنكري سعادتك و أنت تتلقفين الوليد، بعد أن أصيبت أمه بجلطة دماغية أدت إلى غيبوبتها ثم وفاتها. لا تنكري فرحة الأمومة التي نمت داخلك وسكر ينموا، يتعلم الكلمات، يخطوا ويتعثر.
تسأل نفسها، هل كان هذا كافيا لتتحمل التبعات؟ الفحوصات الطبية التي أجريت للصبي، أكدت أنه يعاني من نشاط كهربائي زائد في المخ. وتوقع الأطباء ألا يصبح الطفل سويا.
ورغم علمها بهذا، إلا أنها كثيرا ماكانت تستهجن اهتمام زوجها الزائد بسكر.
حتى الزيارة الأولى التي قامت بها للطبيب، كانت بضغط منه. حرارة الطفل مرتفعة للغاية، وأطباء المخ والأعصاب حذروهم بأن الحرارة يمكن أن تؤثر سلبا على حالته العقلية. تعترف أن إحساس الأمومة بداخلها تحرك تجاه سكر كثيرا. كانت خائفة وقلقة، عندما زارت الطبيب لأول مرة.
قرأت وسمعت عنه الكثير قبل زيارته . عرفت تخصصه الدقيق في حالات الأطفال المشابهة لسكر. ولهذا داومت على زيارة العيادة طيلة السنوات الماضية، وحرصت على فهم أبعاد الحالة وتطوراتها بعد كل جلسة. خاصة مع نمو سكر وبداية تكوين شخصيته.
أرعبتها تطوراته الشخصية. صبي في السادسة، شديد الذكاء بدرجة مدهشة. ورغم ذكائه، أو ربما بسبب هذا الذكاء، فإنه يختلق الأوهام ويصدقها. حالة هوس شخصي ترتبط باضطراب وهامي حاد. كان هذا هو تشخيص الطبيب، الذي آثر أن يتابع الحالة عن قرب.
الطبيب وآه من هذا الطبيب. لاتنكر أنه بالنسبة لها نموذج للرجل الكامل. لا تنكر أيضا أنه حاول التقرب منها بشكل شخصي. لم يستطع أن ينال منها شيئا، فلا أحد يستطيع دفع امرأة لفعل مالا ترغب.
ولكنها أيضا تريده.
حتى الأمس لم تكن تعرف كيف، ولكن فرصتها اليوم سانحة. هو أعزب وسيم، يتمناها كما تمنته. كما أنه لن يمانع أن يعالج سكر بعد أن يصبح في منزلة أبيه.
انتهى الشيخ من القراءة، وقفت النساء للتحية والانصراف. كانت تصافح وتتقبل العزاء، وعقلها يرسم الأحلام والخطط، حول المستقبل الذي اقترب.
دون أن تعلم أن المستقبل الآن في طريقه لأن يصبح ماضيا، بعد أن شرب الطبيب التركيبة كاملة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,374,667
- أسئلة جسدية !!
- أوهام النبوة
- كائن افتراضي


المزيد.....




- أول تعليق للفنان محمد رمضان بعد واقعة سحب رخصة طيار بسببه
- المغرب ينضم إلى الشبكة الدولية لهيئات مكافحة الفساد
- الفنانة اللبنانية نادين الراسي تنفجر غضبا في شوارع بيروت
- العربية: احتراق مبنى دار الأوبرا في وسط بيروت جراء الاشتباكا ...
- الشوباني يعلق أشغال دورة مجلس جهة درعة بسبب تجدد الخلافات
- الموت يفجع الفنان المصري أحمد مكي
- بالفيديو... لحظة سقوط الليدي غاغا عن المسرح
- أنباء وفاة كاظم الساهر تصدم الجمهور... وفريق العمل ينشر توضي ...
- قائد الطائرة يتلقى “عقوبة رادعة” بسبب الممثل محمد رمضان !
- لبنان...فنانون وإعلاميون يتركون المنصات وينزلون للشارع


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام الدين مصطفى - 11 سبتمبر