أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - العربي عقون - عائد من رحلة فاسية















المزيد.....

عائد من رحلة فاسية


العربي عقون

الحوار المتمدن-العدد: 5540 - 2017 / 6 / 3 - 10:49
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


فاس المدينة المغربية في مخيالي وتلافيف ذهني لها عشرات الصور وكل صورة ملتقطة من ذات قراءة في فقرة ما في كتاب ما من كتب التراث الكثيرة وهي مخزَّنة في "الكارد ميموري" في عقلي الباطني والظاهري منذ ما قبل الثورة الإعلامية والمعلوماتية الحديثة! فاس هي السيدة كنزة الأَوْرَبية وقصة تزويجها للعجوز إدريس الذي نجا من موت مؤكّد على يد أبناء عمومته العباسيين ، فاس هي ما سيترتب من تلك الزيجة من "استخلاص" سلالة سيكون لها أعمق الأثر في سوسيوأنتروبولوجيا الشعوب الشمال أفريقية منذ أسلمتها إلى اليوم حيث انتشرت ظاهرة "التشرّف" وعمت وأصبحت شعارا ونسبا أعلى وأرقى ... فاس هي المرينيون وبنو عمومتهم الوطاسيون هؤلاء تقول كتب التاريخ الموثَّقة أنهم بنو عمومة لأسلافنا ... فاس هي حلقة الوصل بين شرق المغرب عبر ممر تازة وغربه محمية ومحصّنة بالجبال التي تحيط بها ... وتجعل منها المكان الآمن البعيد عن المنافذ البحرية المفتوحة على الغزو والغزاة ... ومن يملك فاس يملك المغرب الشمالي في تناظر مع مراكش التي من يملكها يملك المغرب الجنوبي ... فاس مركز العائلات العريقة القوية ذات النفوذ الديني والسياسي والأدبي إنها فاس القرويين برصيدها الحضاري الزاخر في عموم الغرب الإسلامي وحاضرة الشمال الأفريقي العلمية ، إنها الأندلس الجديد ومعقل القيادات الروحية والصوفية وموطن اللغة العربية بلكنتها الأمازيغو- أندلسية المتميِّزة .
كل هذه الصور في ذهني وأنا أستعدّ لركوب قطار الرباط – فاس ذات جمعة وفي نيتي أداء صلاة الجمعة في مسجد القرويين وزيارة معالم المدينة العتيقة مع أنني تلقّيت تحذيرا ألاّ أغامر بالذهاب يوم الجمعة إليها لأنها غير آمنة في هذا اليوم حيث تكون شبه خالية بسبب توقف النشاط التجاري والحِرَفي وتكون المدينة العتيقة شبه مهجورة وهو ما يجعل المعتادين على الإجرام يترصدون للغرباء على وجه الخصوص للاعتداء عليهم لكن المكان آمن في باقي أيام الأسبوع حيث يستعيد حيويته وتدبّ فيه الحياة؛ ومع ذلك كنت مصرّا على الذهاب وتحول الموضوع عندي إلى "حج" لا يمكن التخلف عنه وليس في ذهني غير فاس وتاريخها مستحضرا بعض ما قيل فيها وفي أهليها من مديح وهجاء مع أنّ المديح هو الأوفر !
انطلق القطار ليقطع مسافة مائتي كلم مرورا بالقنيطرة ثم ينعطف شرقا ليشق سهل الغرب الفسيح ومن نافذة القطار كنت أتجول ببصري في ذلك السهل واستذكر دروس الجغرافيا عندما كنت أستاذا في التعليم الثانوي حيث كنت أيامها ولوعا برسم الخرائط والتعليق عليها ... وأقارن بين سهل الغرب والأطلس الأوسط في مخيالي وبين ما أراه عسى أن تمحو الصورة الحية التي أمامي تلك الصورة الافتراضية القديمة الباهتة ... وفي ذلك القطار شعرت أنني سجين أو مختطف لأنني لا أستطيع النزول في كل محطة للاقتراب أكثر من الطبيعة ومن الناس وخاصة الاقتراب من التاريخ القديم مجالي المفضّل في أهمّ محطّة له في كل المغرب وهي عاصمة الملك العالم الأديب الفيلسوف يوبا الثاني وُولُبيليس Volubilis المعروفة باسمها الأمازيغي : وَلِيلي ؛ الواقعة على بعد بضعة كيلومترات عبر طريق متفرعة عن الطريق الرئيسية الرباط – فاس واستغرقت الرحلة ثلاث ساعات لأجد نفسي في محطة فاس بوابة المدينة الحديثة تستقبلك بمكاتبها ومتاجرها وساحتها الفسيحة المحاطة بالمساحات الخضراء وبعد التقاط صورة تذكارية انطلقت متحررا من "سجن" القطار ومع أن المدينة سياحية إلا أنني لم أجد وكالة سياحية ربما لأنني لا أعرف المدينة لكن مثل هذه الوكالة ينبغي أن تكون بجوار بوابة المدينة ، لأنني كنت أبحث عن خريطة المدينة أو مخططها لأتمكن من الوصول إلى مبتغاي دون الاضطرار إلى السؤال أو حتى لا أكون رهينة عند سواق الطاكسي .
سرت في شارع طويل عريض على غير هدى إلا أنّه يبدو من اتساعه وانتظام أرصفته أنه الشارع الرئيسي حتى وصلت محطة سيارات الطاكسي وقلت لأول سائق بلهجة مغربية "فصيحة" : المدينة العتيقة ... عرف السائق أنني لست من فاس ولكن لم يشك في أنني لست مغربيا ... طبعا الجزائر والمغرب بلد واحد ولغتنا في بعض المناطق واحدة ... وفي دقائق كنت في مدخل فاس القديمة وعبر شارع حلزوني ضيّق منحدر يكاد يكون خاليا من المارة وكل المحلات التجارية مغلقة ... سرت وسرت والدرب لا يزال طويلا وموحشا وتبيّن لي أن التحذير المذكور في محلّه ... ولكن عند اقترابي من القرويين زاد عدد المارّة والأشخاص الذين يعمرون المكان وأخيرا وجدت نفسي في مدخل جامع القرويين ... دخلت وبعد الوضوء وركعتين ، تحية للمسجد كما هو معتاد عندنا تجولت في أنحائه ووقفت على تفاصيل عمارته ثم جئت بمصحف واخترت مكانا للجلوس غير بعيد عن المحراب في الصف الثالث أو الرابع لأنني أعرف أن الصفوف الأولى للقيّمين على المسجد ولزوارهم وكذلك كان الحال فمع اقتراب موعد الأذان دخل عدد من الأفارقة قيل أنهم من أعيان التيجانية في السنغال .
قبل الصلاة يُقرَأ حزبان قراءة جماعية والملاحظ أن الأذان يتكرر عدّة مرّات وهو بأداء مغربي لا أثر فيه للأداء المشرقي وكذا بالنسبة لخطبة الجمعة التي تخللها الدعاء لملك البلاد حسب التقليد المعمول به منذ قرون مما يجعل الإنسان يشعر أنّه خرج من زمن إلى زمان وكل شيء في المكان يعود بك إلى العصر الوسيط ... وانتهت الصلاة وتدافع المصلون للخروج ولأنّ الوقت لا يكفي ولا بد لي من العودة إلى الرباط في ذات اليوم فقد انطلقت سريعا على ذات الدرب وكلما ابتعد بي المكان عن القرويين كلما قلّ عدد المارّة حتى أصبح المكان خاليا موحشا كأول دخولي إليه .
غير بعيد عن مدخل المدينة العتيقة أوقفت سيارة أجرة للعودة على عجل إلى محطة القطار فاس – الرباط ، وما يدور في ذهني هو أنه كيف لا تجد قسم شرطة ومرافق تعمل باستمرار في مدينة عتيقة هي مقصد لزوار من كل أنحاء العالم وفي بلد سياحي لأنني قرأت في جريدة مغربية أن سائحا هولنديا كان محل اعتداء في المكان ، سألت السائق في الموضوع فأجاب أن أعوان الأمن موجودون ولكن بلباس مدني قلت ولكن في حال الاعتداء على أي شخص كيف يمكن له أن يعرف الجهة التي يمكن أن تحميه ؟
قبل التوجه إلى محطة القطار للعودة إلى الرباط قلت لا بد من تناول طعام فاسي ، دخلت مطعما وطلبت من النادل أَسَكْسُو دْيَال فاس ؛ أجابني : " أَسَكْسُو هو الطَّبَاق المُفَضَّال دْيَالْنَا فَنْهار الجمعة" خرجت من المطعم نحو محطة القطار الذي انطلق في وقته ودقيقته ووصلت الرباط بعد هذه الرحلة – المغامرة وقد استغرق السفر مني ستّ ساعات ذهابا وأيابا ، وفي الغداة قرأت في جريدة أنّ المجلس البلدي ومحافظ شرطة مدينة فاس عقدا اجتماعا للبحث في موضوع توفير الأمن في المدينة العتيقة .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,758,480
- عائد من ندوة علمية (4) بورتريه وانطباعات
- ندوة حول كتاب جاك غودي : سرقة التاريخ. أو كيف فرضت أوروبا قص ...
- أين المثقف ؟
- يوم دراسي في موضوع كفاح الشعب الجزائري / إحياء ذكرى مظاهرات ...
- عائد من مؤتمر علمي (3) ... بورتريه وانطباعات
- عائد من ملتقى (2) نوميديا ، ماسينيسا والتاريخ
- خطاب التعبئة الدينية والسوق الموازية
- الجامعة والبحث العلمي
- عودة من احتفالية ينار (1 ينار 2965 الموافق ل 13 يناير 2015)
- آخر أجل ...
- صابونة وشفرة حلاقة وعشرة دنانير
- عائد من مؤتمر علمي ... بورتريه وانطباعات
- عروض التكوين في الجامعة الجزائرية وكارثة ارتجال المناهج الدر ...
- غزة وهونغ كونغ
- تنظيم إداري أم تفتيت للبلد
- الحضر والبدو ؛ المدينة والبادية : حال البنتابوليس المزابية P ...
- علوم الاستعمار : الأنثروبولوجيا والاثنوغرافيا والاثنولوجيا - ...
- علوم الاستعمار : الأنثروبولوجيا والاثنوغرافيا والاثنولوجيا . ...
- عيد بأي حال عدت .....وتعود
- أيام العرب


المزيد.....




- أكثر من ثلاثين قتيلا بحادث سير في المدينة المنورة
- لتدمير ذخيرة خلفتها القوات لدى انسحابها… التحالف الدولي ينفذ ...
- الكشف عن رسالة ترامب لأردوغان في 9 أكتوبر: لا تكن أحمق
- أنقرة ترفض بقاء القوات الكردية في منبج "تحت العلم الروس ...
- أنقرة ترفض بقاء القوات الكردية في منبج "تحت العلم الروس ...
- فراش النوم استثمار هام يؤثر على حياتك اليومية
- تفرق دمها بين دعاتها.. مليونية بالسودان احتفاء بثورة 21 أكتو ...
- رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية القطري يشارك باجتماع أمني خل ...
- سد النهضة.. ما خيارات مصر والسودان لحل الأزمة؟
- تفاصيل جديدة في حادث -العمرة- بالمدينة المنورة 


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - العربي عقون - عائد من رحلة فاسية