أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد الأزرقي - العواقب: مذكرات محقق أمريكي















المزيد.....



العواقب: مذكرات محقق أمريكي


محمد الأزرقي

الحوار المتمدن-العدد: 5534 - 2017 / 5 / 29 - 01:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العواقب: مذكرات محقق أمريكي في العراق
محمد الأزرقي
الكتاب من تأليف أرِك فير Eric Fair ونشر دار هنري هولت في نيويورك. ظهر في ربيع عام 2016 وهو يقع في مقدمة وثلاثة عشر فصلا. ينقل الكتاب قصة رجل روى كيف تصنع العسكرتاريا الأمريكيّة رجال ماكنتها الطاحنة. في مدرسة المظلات علموه القفز خلف صفوف الأعداء ونصب الأفخاخ لأسر البعض منهم وتعذيبهم نفسيّا وجسميّا لاستحصال المعلومات التي يبغونها منهم. في أكاديميّة الشرطة علّموه كيف يكره النّاس، خاصّة المواطنين الذين يسكنون مناطق معيّنة أو لهم سمات مختلفة، واختلاق المبرّرات لممارسة صنوف التمييز ضدّهم. في وكالة المخابرات المركزيّة علموه على الكذب واختلاق الأعذار.
يعرف العالم أجمع أنّ مهندسَي تشريع جرائم التّعذيب وتبريرها قانونيّا خلال حقبة بُش- چيني السّيئة الصّيت، هما المدّعي العام البرتو گونزالز (من أسرة مكسيكيّة الأصل)، ومستشار الرّئيس للشؤون القانونيّة، جون يو (من أسرة صينيّة الأصل). كتب جون يو حديثا، أنّ بإمكان رئيس الدّولة أن يعذب حتّى الأطفال دون عواقب قانونيّة. [ https://theintercept.com/2017/02/06/john-yoo-thinks-presidents-can-legally-torture-children-even-he-has-grave-concerns-about-donald-trump]/. التّبريرات التي ساقها صاحبنا هذا، هي جزء ممّا اعتمده أرِك فَير حين عذب المعتقلين العراقيين في (أبو غريب) والفلوجة وفي بغداد.
كتب فَير مقالة في صحيفة واشنطن پوست قال عنها، "كلّ كلمة وعبارة وجملة، قد صيغت بطريقة لتبرئة نفسي من كلّ شيء يدلّ على ارتكاب الجّريمة. لم اذكر أيّة أسماء أو تواريخ محدّدة ولا مواقع معيّنة. الأساليب التي أشرت إليها كانت منقولة حرفيّا من كتاب دليل الجّيش لإجراء التّحقيقات الميدانية، ومن قائمة (أساليب التّحقيقات المعزّزة)، التي تمّت المصادقة عليها من قبل الجّهات العليا."
هذا وكانت وكالة روتيرز للأنباء قد أوردت خبرا مفاده أنّ قاضيا إتحاديّا في نيويورك أصدر حكما بإلزام وزارة الدّفاع الأمریكيّة إظهار مجموعة من الصّور تبيّن كيف عامل أفراد الجّيش الأمريكي المعتقلين في سجن (أبو غريب) ومواقع أخرى في العراق وأفغانستان. وقال القاضي الأمريكي ألفن هيلرستن في مانهاتن إنّ من الملائم إظهار الصّور لأنّ وزير الدّفاع في إدارة أوباما آشتن كارتر لم يثبت كيف سيعرض نشرها حياة الأمريكيّين في الخارج للخطر. ويُعتبر قرار هيلرستن انتصارا لاتحاد الحرّيّات المدنيّة الأمريكي وغيره [http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN1530BU?pageNumber=2&virtualBrandChannel=0] من الجّماعات المدافعة عن حقوق المحاربين القدامى، التي رفعت دعوى قضائيّة عام 2004 تطالب بإظهار الصّور بموجب قانون حريّة المعلومات الاتّحادي.
من المعروف أنّ صورا تكشف سوء المعاملة في (أبو غريب) بدأت بالظهور عام 2004، وقال بعض المعتقلين إنّهم تعرضوا لانتهاكات بدنيّة وجنسيّة وصعْق بالكهرباء وعمليات إعدام وهميّة. لم يتمّ الكشف عن عدد الصّور المطلوب إظهارها في الدّعوى لكنّه يُقدّر بنحو ألفي صورة، بحسب إرشيف الكونگرس ووثائق المحكمة.

قال المحامي لورانس لاستبرگ "تلك الصّور، التي تمثل حلقة حزينة في تاريخنا، أمر مثار اهتمام عامّ بشكل كبير ولها أهمية تاريخيّة يجب في ديمقراطيّة مثل ديمقراطيتنا عدم حجبها عن الرأي العام." وأضاف، "المحكمة أكّدت بحكمة التزام أمّتنا بوجود حكومة منفتحة." ورفض متحدّث باسم المدّعي العام الأمریكي في مانهاتن برت بهارارا، الذي دافع مكتبه عن قرار كارتر، التّعليق على الموضوع. وبعد أن أمر هيلرستن في مارس 2015 بإظهار مزيد من الصّور، سمح كارتر بإظهار 198 صورة لكنّه احتفظ بالبقيّة في طيّ الكتمان مشيرا إلى قيام أربعة قادة عسكريّين رفيعي المستوى بمراجعة "عينة تمثيليّة". وفي قراره، قال هيلرستن إنّ وجود القوّات الأمريكيّة في العراق انخفض من مئة ألف جندي إلى نحو خمسة آلاف منذ تولي إدارة أوباما وإنّ أولئك الباقين يعملون حاليا كمستشارين أكثر من انخراطهم في القتال.

قال القاضي إنه لا تزال هناك مخاطر تتضمّن تلك المناطق العراقيّة التي اجتاحها تنظيم الدّولة الإسلاميّة، لكنّ هذا لا يعني أن يقبل بلا تبصّر حجب باقي الصّور. وكتب "إنني لأقدّر مستوى الاحترام الذي تتمتع به السّلطة التّنفيذيّة فيما يتعلق بصنع قرار الأمن الوطني. شكواي هي أنّ السّلطة التنفيذيّة لم توضّح الأسباب الدّاعمة لما خلصت إليه من أنّ نشر الصّور سيعرّض حياة الأمريكيّين في الخارج للخطر." وأمر هيلرستن لأوّل مرّة بإظهار الصّور عام 2005 لكنّ الكونگرس أذِن بعد ذلك بحجب صور قد يعرّض إظهارها حياة الأمریكيّين للخطر.

التّفاصيل التي يكشفها صاحبنا كمشاهد ومساهم تعطي الصّورة الحقيقية وتكشف الأهداف البغيضة للغزاة التّواقين للتّدمير للقتل والدّم. والأمور لا تبشّر بالخير في ظل الإدارات الأمريكيّة المتعاقبة. عزّز الرّئيس الأمريكي دونالد ترامپ عهده الجديد بتعيين الجّنرال المتقاعد جيمس ماتيس وزيرا للدّفاع. ماتيس العنصريّ في تصريحاته ومواقفه، يجمعه العداء لإيران وغيرها مع زملائه في الحكومة الأمريكيّة المُقبلة. ووفق المزايا التي يتمنّاها ترامپ لـ "أمريكا عظمى ثانية" أنّه عيّن الجّنرال مايكل فلِن مستشارا للأمن القومي، ومايك بومبيو رئيسا للإستخبارات المركزيّة، وهما من "صقور المُحافظين" الذين لا يُخفون عداءهم للإسلام، وحنقهم على حقبة الرئيس باراك اوباما، باعتبارها تقاعست عن أداء دورها في مُواجهة تنظيم داعش في العراق وسوريا. وهو الأمر الذي استغلّته إيران للتّمدّد في الشّرق الأوسط من العراق الى سوريا ولبنان واليمن.

"الكلب المسعور" و"المُحارب الرّاهب"، صفتان لم يكتسبهما الجّنرال ماتيس عن عبث. فهو قائد عسكريّ يوصف بأنّه صلب وشرس، خدم أكثر من أربعة عقود في قوّات مُشاة البحريّة، وذو المشية المُختالة واللغة الفذّة التي يشتهر بها عناصر المارينز الأمريكيّون، كما أنه العازب المُتعطّش للقراءة ودراسة التّاريخ العسكريّ. يوصف الجّنرال السّتيني المولود عام 1950، بأنّه مولع بالحروب. قاد كتيبة هجوميّة خلال حرب الخليج الأولى في العام 1991، كما كان قائداً لقوّة خاصّة عملت في جنوب أفغانستان في العام 2001، وشارك أيضاً في غزو العراق في العام 2003، ولعب دورا رئيسيا بعد ذلك بعام في معركة الفلوجة، ليتولّى قيادة القيادة المركزيّة الأمريكيّة الوسطى في العام 2010. وهو منصب جعله مسؤولاً عن جميع القوّات الأمريكيّة في الشّرق الأوسط حتى عام 2013.

يُعتبر ماتيس من القادة أصحاب الشّعبية لدى قوّات مشاة البحريّة والقوّات العسكريّة الأمريكيّة عامة. ويحفظ له محبّوه بعض العبارات القاسية مثل، "كونوا مُهذّبين ومهنيّين، ولكن كونوا مستعدين دوما لإطلاق النّار على كلّ من تلتقونه." هو مُتعطّش للدّماء ويستمتع بإطلاق النّار على بعض النّاس، كما يُروى عنه. هو [http://assafir.com/Article/1/519280] المسؤول عن مقتل 42 شخصاً في حفل زفاف في قرية مقرّ الذيب في مُحيط مدينة القائم في العام 2004، من مُنطلق أنّه "كلما وجّهت سلاحك إلى مدني عراقي، تدقّ اسفينا في قبر القاعدة." وفي حلقة نقاش مع بعض الجّنود في سان دييگو حول حركة طالبان في العام 2005، قال، "عندما تذهبون إلى أفغانستان تجدون رجالا يضربون النّساء على مدى خمس سنوات، لأنهنّ لم يلبسن الحجاب. إنّ رجالا كهؤلاء لم تعد لديهم رجولة على أيّة حال، ولذلك فإنّه من الممتع جدا أن تطلقوا النّار عليهم."

سمة الزهو الوطني والقومي تسود هذه البلاد، حيث يظن المواطن أنّ نظامه بلغ الكمال، وأنّ التاريخ انتهى عند عتبة باب البيت الأبيض، وأنّ الحريّة لا يمكنها أن تزداد أكثر. وعصر "محاربة الإرهاب" قلّص من الحريّات وزاد من سطوة الدّولة التي باتت تحكم العالم أجمع، أو هكذا تتصوّر. لكنّ حملة شعبيّة غير واردة، لتقديم تعديلات دستوريّة من أجل كسر احتكار الحزبيْن وإتاحة المجال أمام أحزاب إصلاحيّة جديدة يمكنها أن تُحدث تغييراً. لكن لا الحزبان في وارد التّغيير، والشعب شرب الخوف من التّغيير مع حليب الأم. ولهذا فإنّ هذا النظام مُقدم على فساد متعاظم، وهذا الفساد هو الذي أنتج ظاهرة ترامپ على اليمين، وكلنتن على اليسار. ولكنْ حين يصل أحدهما إلى الحكم، وقد وصل ترامپ فعلا، فإنّ سقفه وحدوده ستظلّ هي هي، كما كانت عند رؤساء سابقين، أي أنّ الديمقراطيّة الأمريكيّة تتجه إلى مزيد من الإغلاق والانغلاق، ومزيد من الفساد ومزيد من لوم الغريب والمهاجر والملوّن.

نعود للكتاب، حيث يحدثنا المؤلف عن رغبته للإنضمام الى سلك الشّرطة وكيف أخبروه أنّه يجب أن يخدم في الجّيش اوّلا. عمل بالنّصيحة وبعد انقضاء فترة التّدريب الأساسي التحق بمدرسة المظليّين، ثم اختار الخدمة في المخابرات فرشّحوه لتعلم العربيّة. تحدّث عن تجربته في معهد الجيش لتعليم اللغات DLI في كاليفورنيا. قال إنّ الطلبة استبدلوا كلمة "لغات" في إسم المعهد بكلمة "غراميات". نحتوا إسما جديدا للمعهد وسمّوه معهد الجيّش الأمريكي للعلاقات الغرامية. ولذلك طبعا أسباب. فالجّنود المنتسبون للمعهد من الرّجال والنّساء يسكنون في نفس الطابق وأمضوا معا مدة سنة كاملة تقريبا. "كنّا نتمتع بلياقة بدنيّة ممتازة لكنّنا كنّا تحت ضغط كبير، وهو الأمر الذي دفعنا لشرب المزيد من الكحول. بدأت الشرب كالآخرين في أمسيات السّبت."
غير أنّه الآن جنديّ والكحول يخفف من توتّره النّفسي بعد يوم طويل شاقّ في تعلم العربيّة. وعليه أصبح تناول الكحول جزء من برنامجه اليومي. وكلما ازداد تعلم العربيّة تعقيدا كلما ازدادت الكمّية التي استهلكها، لدرجة وصل فيها شعوره بعدم الرّاحة للذهاب الى الكنيسة. ثمّ قابل جنديّة كانت تتمتّع بقوام ممشوق رائع، وهي مثله تعاني من الضّغط النّفسي بسبب تعلم العربيّة فلجأتْ هي الأخرى الى الشّرب. "كانت جميلة للغاية، وكنّا نذهب معا للعشاء. كانت تتسلل الى غرفتي اثناء الليل وتجعلني أشعر باشياء جميلة ما خبرتها في حياتي من قبل. تجاوزتُ ما كنت أشعر به في موقف سيّارات الكنيسة وأنا شابا. .... كان الوقت يمضي بسعادة وأنا بصحبة تلك الجّندية الجّميلة التي كانت تلهب الليالي فتزيدها حرارة واشتعالا! وعليه لم أشعر بالنّقاء أو الحاجة للذهاب الى الكنيسة."
ذكر المؤلف انّه أرسِل بعد إكماله برنامج اللغة العربيّة ليعمل مع الوحدة الأمريكيّة في سيناء. أمضى ستة أشهر في مصر أغلبها في منطقة طابا. وهي مدينة صغيرة تقع على الحدود المصريّة الإسرائيليّة عند خليج العقبة. كان يقضي وقت الصّباح في عمله كمترجم بين مندوبي الوحدة والضّباط المصريّين لتنسيق النّشاطات. جرى ذلك في فندق هِلتُن في طابا. وعند حلول العصر كان يعبر الى الجّانب الإسرائيلي من المدينة حيث يوجد ضبّاط يتحدّثون لغات أجنبيّة عديدة بكفاءة عالية. طلب في بعض المرّات أن يأتي أحدهم معه الى فندق هِلتُن، ليترجم ما يقوله الضّباط المصريّون.
تنقل في انحاء سيناء بصحبة ضابط مصري وتدّخل لحلّ النّزاعات والخصومات بين الجّنود الأمريكيّين والمدنيين المصريّين. حين صدمت عربة أمريكيّة جملا، طلِب منّه أن يذهب لمرابض القبيلة ويدفع تعويضا ماليا عن ذلك الجّمل. وحين اتّهِم أحد الجّنود الأمريكيّين بسرقة قلادة من متجر في مدينة شرم الشّيخ، ذهب للحديث مع صاحب المتجر ودفع له تعويضات عن كلفة المسروقات التي يدّعيها. "أذكر مرّة أن عربة أمريكيّة تحمل خزّانا للكلور لأحد المواقع الأمريكيّة اصابها عطل فتوقفت فانفجر الخزّان بسبب ارتفاع درجة الحرارة. ذهبت الى المستشفى لزيارة المصريّين الذين قالوا انّهم مرضوا بسبب انفجار خزّان الكلور، ووزّعت عليهم أكواب شرب القهوة من نوع MFO وبعض القمصان الرّياضيّة. وحين قتِل جندي امريكيّ في حادث اصطدام سيّارة، عبرت الى الجّانب الإسرائيلي وتوليت عملية نقل الجّثمان عبر الحدود ليكون في حوزة الجّيش الأمريكي الذي نقله الى أرض الوطن. حضر الضّباط المصريّون لتقديم التّعزية وصافحوني وقبّلوني على خدّي تعبيرا عن مواساتهم لي. بدأت لغتي العربيّة تتحسّن."
عاد صاحبنا لأرض الوطن فقضى فترة تدريبات قتاليّة مع عدو وهمي في مستنقعات ولاية لويزيانا، كما تعرّض للتّعذيب حين التحق بوحدة معاملة اسرى الحرب. كتب يقول إنّ المرحلة الأخيرة من التّدريب على فنون SERE ركّزت على وجوب تحاشي الوقوع في الأسر. كان على الجّنود أن يزحفوا في الغابة ويبنوا مواقع يختبأون بها، تحت مراقبة أحد المسؤولين. وحين يتحاشىون الوقوع في الأفخاخ المنصوبة لهم عدّة مرّات، كان ذلك المرافق يبعث رسائل عن طريق الراديو للإبلاغ عن أماكن تواجدهم. تصل مجموعة من افراد العدوّ الوهمي وتجبرهم على الإستسلام وإلقاء السّلاح. وحين يُلقى القبض عليهم، يُنقلون الى أماكن الإحتجاز حيث تبدأ عمليّات الإستجواب على يد العدوّ الوهمي. طبعا لديهم سجلات كاملة ويعرفون كلّ شيء عنهم. كانوا يهدّدونهم بالأسم ويهدّدون أسرهم. كانوا أثناء الليل يتركون الموسيقى تصدح بصوت عال كي يحرموهم من النّوم. "جلب أحد الحرّاس تسجيلا لصوت ابنه وهو يبكي أثناء الليل. شُغِّل التّسجيل وأعيد عدّة مرّات لنسمعه فحُرِمنا من النّوم. طلبوا منّا في مرّات أخرى أن نخلع ملابسنا ونقف في الصّفّ عراة تحت قسوة البرد. حضر أطباء عسكريّون لفحص نبضات قلب كلّ منّا. وعدونا خلال التحقيقات باعطائنا وجبات غذاء حارّة وأفرشة وأغطية دافئة إذا تعاوّنا معهم. كانوا يدفعوننا ويصفعوننا، وقالوا لنا إنّ أيّ شخص مهما كان ينهار في النّهاية تحت الإكراه والتّهديد. قالوا إنّ التّعذيب يؤدي الى الّنتائج المطلوبة. كان ذلك في الماضي، وسيظلّ حقيقة ثابتة في المستقبل. المسألة مسألة وقت."
في شهر حزيران من عام 2002 تخرّج في أكاديميّة الشّرطة وبدأ فترة ضابط شرطة تحت التّجربة في مدينته، بيت لحم. صاحب ضبّاط تدريب وأدرك أنّه يوجد منهم نوعان. الأوّل مثل الذي يتصرّف بهدوء وفي منتهى المهنيّة. وسرعان ما تفعل كلماته الودودة الصّادقة فعلها فتهدّأ المواقف الصّعبة والمستحيلة، لأنّه يحظى بثقة الموجودين وينالها منهم وهم في أشدّ ساعات الخوف أو الغضب. ولكن يوجد صنف آخر من ضبّاط التدريب، وهم الذين حاولوا تدريبه على كيفية تحاشي الدّخول في أيّ موقف. أخبروه أنّه من الصّعب عليّه أن يقوم بمهمّته لفترة طويلة ما لم يتقدم نحو ما يُطلب منّه خطوة خطوة وبشكل تدريجيّ وبدم بارد. أخبروه أنّه سيتعلم تدريجيّا كره المواطنين، خاصّة السّاكنين منهم في مناطق معيّنة.
في مقابلة له عند التّقديم لوكالة المخابرات المركزيّة، أخبره المسؤول أن يعود لإجراء مقابلات أخرى من أجل الّتقييم، وعليّه أن يحضر ويمكث يوما بكامله معهم لإداء اختبار الكفاءة في اللغة. قال صاحبنا له إنّه يصعب عليّه أن يجد الوقت لذلك لأنّه يعمل ضابط شرطة. ردّ المسؤول،"هذه فرصتك الأولى لتمارس مهارتك الجّديدة. ليس عليك إلا أن تكذب وتختلق الأعذار."
ذكر المؤلف قصة القاء القبض على شخص تبيّن انّه من زملائه في المرحلة الثانويّة. جلس الرّجل في المقعد الخلفي متهاويا. سأله عن بعض المعلومات الشخصيّة، ففاجأه وهو يسأل، "أنت لا تعرفني، أليس كذلك؟ لقد كنّا زميلين في مدرسة لِبرتي الثانويّة.". تحدّث صاحبنا عن تجربته في الخدمة العسكريّة، وتحدّث المعتقل عن حياته في جامعة بلومزبرگ. تحدّث عن صديقته التي تزوّجها فيما بعد، إلّا أنّها طلقته فلجأ الى المخدّرات وفعل فيه الهروِن فعله. فقد وظيفته وخسر 50 رطلا من وزنه وخسِر أيضا بيته الجّميل الواقع في شارع بَونس هِل. لقد كسر زجاج الشبّاك واستمرّ يسكن هناك لأنّ ذلك يذكّره بزوجته. أخرجه بالقوّة من ذلك البيت ونقله الى التوقيف بانتظار المحاكمة.
أخبر زوجته كرِن بقصّة زميله في مدرسة لِبرتي الثانويّة، فتذكّرته هي أيضا. أخبرها كيف وضع ركبته على جانب وجهه واقتاده الى السيّارة ومن ثمّ زنزانة التوقيف. جفلت من كلامه وبانت على وجهها تعبيرات تنمّ عن أنّه آلم أحدا. عذره انّه قام بواجبه على أكمل وجه داخل ذلك البيت الذي ليس لصديقه حقّ قانوني في دخوله، وأنّه اختفى في الخزانة حين سمع بوجود الشّرطة وقاوم محاولة اعتقاله ولم يستمع للأوامر التي أصدِرت إليه. وهذا في رأيه يبرّر إستعمال القوّة معه. غير أنّ النظرة التي اكتسى بها وجه الزّوجة "قد جعلت من المستحيل عليّ أن اشعر وكأنّني حميته كمواطن."
إكتشف المؤلف عن طريق الصّدفة مشكلة صحيّة تتعلق بقلبه المصاب بعجز في صمّام الأذين الأيمن. أصيب بصدمة أثّرت على علاقته بالكنيسة والإيمان وصديقه القس دون. تقرر أنّه لا يمكنه الإستمرار في عمله كضابط شرطة. جرى قبل وقت قصير من ذلك، احتلال العراق فوجد أنّها فرصته للمشاركة في المجهود الحربي ولكن بصفة مدنيّة. إنضمّ الى وكالة الأمن القومي وعمل فيها أياما قلائل ثم أصبح مستخدما لدى شركة كاكي CACI ليعمل كمحقق متعاقد في خدمة الجّيش الأمريكي في العراق.
يروي شيئا لابدّ من تذكرّه ويتعلق بفترة تدريبه على العمل في وكالة الأمن القومي. كتب يقول إنّه كان بينهم بعض الأفراد الذين سيعملون مع الوكالة باعتبارهم متعاقدين حكوميين. أغلب هؤلاء موظفون سابقون في وكالة الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزيّة. وفي الوقت الذي بداتْ فيه وكالة الأمن القومي بالتوّسع إثر هجمات سبتمبير 11، فإنّها اصبحت تعاني من عجز في عدد العاملين فيها بسبب الذين يطالبون بالإحالة على التقاعد، لكي توظفهم الوكالة مجدّدا كمتعاقدين حكوميين يقومون بنفس أعمالهم السابقة ولكن براتب أعلى ومسؤولية أقلّ. جلس قرب شخص يكبره سنّا كان قد عمل متعاقدا مع عدد من الشركات المختلفة. أخبره أنّ هدفه هو العمل في العراق. فسأله الرّجل عن خبراته ومؤهلاته. قال له إنّه عمل في السّابق مع شركة تبحث الآن عن أناس لهم خبرة صاحبنا ومؤهلاته. أضاف، "أنّهم سيوظفونك في الحال." أعطاه نسخة من استمارة تقديم للعمل في شركة CACI العالمية، التي مقرها آرلنگتن في ولاية فرجينيا.
إتّصل ذلك المساء بمدير التّوظيف في الشّركة المذكورة، التي كانت بحاجة الى محللي معلومات ممّن يرغبون العمل في العراق. أخبره انّه قد بدأ العمل في وكالة الأمن القومي منذ أيام قليلة فقط، فأجاب، "هذا لا يهمّ. نحن نحتاج الى التصريح الأمني Security Clearance." وطبعا، يتمتع مستخدمو وكالة الأمن القومي بهذه الميزة باعتبارها شرطا أساسيّا وهامّا تتشدّد على توافره لمن يرغب العمل فيها، مقارنة بمستخدمي المؤسسات المخابراتيّة الأخرى. ومن الطبيعي أنّ شركات التعاقد ليست لديها الإمكانات ولا تريد تحمّل تكلفة استحصال تلك التّصريحات، وتفضّل أنّ يكون المتقدمون للعمل لديها يحملون تلك التّصريحات أصلا. وهذا يعني أنّهم يوظفون منتسبي وكالة الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزيّة لكي تتحمّلا تكلفة هذا المتطلب نيابة عنها. ثمّ تقوم بتوظيفهم لديها وتتعاقد مع الحكومة المركزيّة وفق عقود بالغة الكلفة لاستخدام موظفيها السابقين لأداء نفس الأعمال التي تحتاجها وكالتا الأمن القومي والمخابرات المركزيّة. بعبارة أخرى هي تأخذ المستخدمين وتتعاقد مع الوكالتين وفق عقود عالية الثمن لكي يقوم هؤلاء بنفس الواجبات التي تحتاجها الوكالتان الآن. وهكذا تحوّل العديد من منتسبي الوكالتين الى متعاقدين خصوصيين مع شركة كاكي المتعاقدة مع الحكومة المركزيّة لتنفيذ مهام خارج حدود الولايات المتّحدة.
وكما هو مدوّن على الورق فإنّ خبرته العسكريّة في دورات SERE وعمله كضابط شرطة في بيت لحم، جعلاه مؤهلا للوظيفة المقترحة. لكنّ الواقع هو أنّه لا يعرف شيئا عن التّحقيق مع أسرى الحرب العراقيّين. وحين تدقق النّظر في الموضوع، لا أحد يمتلك تلك الخبرة. فالقوّات المسلحة ليس لديها عدد كبير من المحققين ممن لهم خبرة عمليّة على المستوى العالمي. ثمّ هناك القليل جدّا ممّن يتكلمون العربيّة. أضف إليه، أنّ أولئك الذين أمضوا حياتهم المهنيّة يقاتلون معارك وهميّة في مستنقعات لويزيانا لهم خبرة محدودة جدّا من خلال مشاركتهم في برنامج التّحقيق مع سجناء العدو JRTC من أتباع جبهة تحرير كورتينا الوهميّة. كما أنّ بعض المؤسسات مثل وكالة المخابرات المركزيّة ومكتب التحقيقات الفدرالي قد تكون لديهما خبرة في طرح الأسئلة على من يُشتبه بكونهم إرهابييّن. لكنّ عمليّة التّحقيق مع آلاف من المعتقلين الذين يتحدّثون العربيّة فقط في فترة الحرب شيء مختلف تماما. فمن جهة، تبدو وكأنّها عملية فرض للمحافظة على القوانين. يعترف المؤلف أنّه خلال حديثه مع مسؤول التعيين في شركة كاكي، سمح لنفسه بأن يدع ذلك المسؤول يقنعه بأنّه مهيأ وكفوء لإداء مسؤولية محقق. تمّ تعيينه براتب سنوي مقداره 120000 دولارا. وهذا لا شكّ مبلغ كبير يعادل تقريبا راتب الأستاذ الجامعي حين يوشك على التّقاعد. الله وحده يعلم كم مقدار المبلغ الذي تتسلمه الشّركة المذكورة من وزارة الدفاع لقاء خدمات "محققها" هذا وغيره من المتعاقدين.
في الوقت الذي كانت فيه بعض معالم بغداد تتهاوى تحت القصف الوحشي، وتخرج الشّعوب الى شوارع عواصمها ترفع لافتات ضدّ الحروب الهمجيّة ودوافعها الأصليّة للتّحكم بمصائر الشّعوب وسرقة ثرواتها الطبيعيّة، كانت غالبيّة الشّعب الأمريكي في حالة إغفاءة وخدر لذيذ. يقول المؤلف، " يبدو أنّ البلاد مقبلة على حرب، ولكن لا أحد يريد خوضها." ثم أضاف القول، "حين اقترب موعد مغادرتي، كنّا أنا وكرِن نتكلم أكثر عن التّحويل المباشر والكاميرا الجّديدة. كان والدي ووالدتي يتحدّثان عن تقاعدهما من الخدمة، وتحدّثت أختي عن أفضل الطرق لحلّ مشكلة أجهزة الكشف التي وُضِعت حديثا في المطارات. أمّا اصدقائي فقد كانوا يتحدثون عن فريق نسور فيلادلفيا للعبة البيسبول، وعن سلسلة المباريات التّسعة التي فاز بها الفريق لحدّ الآن." لا أحد يتحدّث عن الحرب ومبرّراتها وعواقبها.
يكشف المؤلف الفوضى التي سادت الموقف في فترة اعداد المتعاقدين فيقول إنّه، بعد مرور اسبوع على وجوده في القاعدة أصبح لديه أربعة أصدقاء ممّن سيعملون في العراق. كان اثنان منهما كفوئين لإداء مهامهما. أمّا الثلاثة الآخرون، وهو أحدهم، فيفتقدون لتلك الكفاءة. ممثلة شركة التعاقد كاكي تحاشتهم خلال وجودها النادر في القاعدة، كما أنّ بعض الوعود التي قطعتها الشّركة لهم قد تمّ الإخلال بها حتى قبل سفرهم. إنّهم محاطون بمتعاقدين آخرين ممّن يعرفون القليل جدّا عمّا يُتوقع منهم أن يفعلوا في العراق. "يبدو أنّ الجّيش لا يعير اهتماما بكفاءة من يدفع بهم من هؤلاء المتعاقدين لساحة الحرب ولا بخبراتهم. كما أنّ الجّيش يتغاضى عن النّقص في وثائق هؤلاء، ويخالف القواعد لتسهيل مهمّة زجّهم بميدان الحرب والذهاب للعراق بأسرع وقت ممكن."
يشرح صاحبنا مبرراته للذهاب للحرب في العراق، رغم أنّه ليس للعراق ناقة ولا جمل بهجمات سبتمبر 11، وأمريكا وماكنتها العسكريّة تعرف ذلك جيدا، بل تعرف من هو المسؤول الأوّل عن تلك الجرائم ومن موّلها ووفّر لها الغطاء الفكري الملون بتخبّطات الوهابيّة السّقيمة. غير أنّ عملية غسل ادمغة الشّعب الأمريكي ماضية على قدم وساق. والدّليل على ذلك ما كتب حين قال، " أريد أن أذهب للعراق لأنّني اشعر بأنّه يجب أن أؤدي واجبي وأخدم جنبا الى جنب مع رفاقي، وأن أساهم في المجهود الحربي لبلدي. أضف الى ذلك أيضا، أريد الذهاب لأنّه الطريقة التي ستجعل الآخرين يعيدون النظر في تقييم شخصيّتي. لقد أغلقت مشكلة قلبي بابا، لكنّ العراق سيفتح لي ذك الباب."
ثمّ يمضي للقول بأنّ هناك معرفة محدودة عن الدور الذي سيلعبه المتعاقدون في الحرب داخل العراق. لا يعرف الشّعب الأمريكي شيئا إطلاقا عن شركات كاكي وكبر وبلاكووتر. ويعرف القليل منهم شيئا عن أماكن مثل الفلوجة والموصل وتكريت، أو لم يسمعوا بها من قبل. ومن المؤكّد أن لا أحد إطلاقا قد سمع بسجن (أبو غريب). في عام 2003 بدا العمل له كمحقق في العراق وكأنّه مشاركة في عملية فرض القانون. "لديّ شكوك حول شركة كاكي، لكنّ تلك الشّكوك قد غطّت عليها رغبتي في البحث عن اهدافي مرة أخرى. غرضي هو أن أحمي مواطني بلدي، لكنّي فقدت تركيزي على هذا الهدف. أنا ذاهب للعراق لأحمي نفسي."
يفضح المؤلف عملية إنتقاله وزملائه من الكويت الى بغداد ومن ثمّ الى (أبو غريب) ويصفها بأنّها تميّزت بالفوضى وغياب المهنيّة. كما أنّها كانت أيضا محفوفة بالمخاطر وعدم المسؤوليّة. وباعتبارهم جنودا سابقين في الجيش ومشاة البحريّة، فإنّهم لم يشعروا بالرّاحة لعدم وجود تخطيط وغياب للإسناد وعدم توفر المعدّات المطلوبة. وهم في وضعهم هذا، ليس لديهم أسلحة ولا أجهزة اتّصالات ولا خرائط ولا شيء للإسعافات الأوليّة. إنّهم يتوقعون حدوث شيء فضيع لا محالة. يضيف قائلا، "ما كنّا نراه غير معقول في قاعدة بلِس اصبح هوالشيء المقبول في العراق. تحدّثنا جميعا عن تقديم استقالاتنا، ولكن لا أحد يريد أن يكون هو البادئ." وطبعا هذا كلام فارغ! كان باستطاعتهم تقديم استقالات جماعيّة في آن واحد. غير أنّ التّلذذ في ممارسة القوّة والسّيطرة والشعور بالأهمية واستلام الرّواتب المغرية جدّا، كانت الدّوافع وراء عدم تقديم تلك الإستقالات.
يصارحنا المؤلف بوضع هزلي ومأساوي في نفس الوقت داخل غرف التّحقيق فيقول، "كان المترجم السّوداني يجاهد ليفهم لغتي الإنگليزيّة، والمعتقل العراقي يُجاهد لفهم لهجة المترجم السّوداني، والمترجم يُجاهد لفهم لهجة المُعتقل العراقي، وأنا أجاهد لفهم إنگليزيّة المُترجم السّوداني. لقد تطلب الوضع حوالي ساعتين لجمع معلومات كافية لكي أكتب تقريرا قلت فيه أنّه يبدو أنّ المُعتقل لم يفهم الأسئلة عن الأسلحة الكيمياويّة."
يباغتنا المؤلف حين يكشف للقارئ أمرا عجيبا غريبا لم يُسمَع به أو تطرّق الإعلام اليه، وهو صنف من المتاجرة. كتب يقول أنّه ذهب مع صديق جديد إسمه فردناند ضمن رتل متوجّه الى بغداد وكان سعيدا بوجوده معه في السّيّارة التي قادها. اتّجها صوب الطرق التي لا تسلكها العربات العسكريّة، لأنّها اصبحت أهدافا للمتفجّرات التي يزرعها المتمرّدون على جوانب الطرق IEDs. إشتريا المشروبات الكحوليّة من حانوت مطار بغداد الدولي، الذي يبيعها بأسعار مخفضة، وهرّباها بسيّارتهما للجّنود العاملين في (أبو غريب) لدى عودتهما. "دفع الجّنود ثمن الكحول باعطاء عدد من البنادق والأسلحة الأجنبيّة الصّنع التي صادروها من العراقيين." طبعا، تُعتبر عمليّة التّبادل هذه في رأيي غير قانونيّة ومخالفة لتعليمات الجّيش، ولكن لا أحد يعنيه الأمر. "لم يُعبّر أحد عن امتعاضه منها، لأنّها تبدو عملية مقايضة عادلة لكلّ الأطراف المعنيّة. يعرف فردناند الكثير عن الأسلحة الأجنبيّة الصّنع ويختار أفضلها." ينطلقان أحيانا مع متعاقدين آخرين في الطرق الخلفيّة ويتوقفون جميعا في مكان ما، ويبدأون تجريب الرّماية باستخدام تلك الأسلحة. لم يُفصح المؤلف عمّا فعلوه بتلك الأسلحة، وهل باعوها لأحد. وإذا كان الأمر كذلك، فمن هي الجّهة التي دفعت الثمن المطلوب ووضعت يدها على تلك الأسلحة في النّهاية. أثرت هذه الأسئلة مع المؤلف، فأجاب باقتضاب أنّه سلم سلاحه للشّخص الذي حلّ محله، وكأني سألته عن مصير سلاحه! كما لا نعلم مقدار ما يُستهلك من ذلك الكحول خلال "حفلات" التّعذيب التي تجري تحت جنح الظلام.
ثمّ يمضي المؤلف ليكشف لنا سرّا حول الإستفادة من أساليب النازيين ويهود أوروپا الشّرقية في التّحقيق. ذكر عريف في (أبو غريب) للمحققين شيئا عن هانز شارف. كان هذا محققا المانيّا مبدعا خلال الحرب العالميّة الثانيّة، مهمّته التّحقيق مع الطيارين الأمريكيّين الذين أسقطت طائراتهم. كان يتحدّث الأنگليزيّة بطلاقة، واصطحب المعتقلين في جولات طويلة في الغابات وأصبح صديقا لهم ونال ثقتهم، وبالتالي المعلومات التي أرادها منهم. بعد انتهاء الحرب، دعاه السّجناء السّابقون لقضاء عطلة أعياد الميلاد والسّنة الجّديدة في الولايات المتّحدة. ثمّ أصبح مواطنا أمريكيّا، وأنيطت به مهمة تعليم أساليب التّحقيق وطرائقه المختلفة لمنتسبي القوّات المسلحة الأمريكيّة. قال لهم العريف الأوّل إنّ كلّ محقق منهم يجب أن يُقلد هانز شارف. ثمّ قام بتقديم أحد المُحققين المدنيّين، الذي حقق نتائج بارعة، وقال إنّه يجب الإحتذاء بالأشخاص الذين يجيدون المهنة والتّعلم منهم. كان اسمه ستيفن ستيفنوفچ.
يعترف المؤلف بانّه تعلم اساليب التّعذيب على يد ستيفانوفچ هذا، ومارسها مع المعتقلين بمن فيهم صبيّ عُثر عليه داخل سيارة كان فيها عدد من بطاريات السّيّارات التي تُستعمَل في صنع المتفجّرات التي توضع على الطرق لاصطياد المدرّعات الأمريكيّة. وحين تمّ فضح أساليب التّعذيب المشينة من قبل عريف في الإنضباط العسكري أسمه جوزف داربي، ارسلت وزارة الدفاع فريقا من محققي الإستجوابات العسكريّة الجنائيّة. وزّع الفريق استمارات فيها قائمة المخالفات وطلب من الأفراد العاملين أن يؤشروا على كلّ ما فعلوه أو شاهدوه أو سمعوه عن المخالفات وأسماء الأشخاص الذين مارسوها. ورغم أنّ الأمر مضحك من ناحية أنّ الجّيش يحقق في مخالفات الجّيش، فإنّ صاحبنا لم يفصح في حينها عن نشاطه هذا عندما ملأ الإستمارة عن أساليب التعذيب في (أبو غريب). وبعد مرور ثلاث سنوات كتب مقالة شرح فيها دوره في تلك الممارسات. كتب يقول إنّه أتيحت له الفرصة ليرى إستمارته التي وقع عليها من قبل. سأله مدّع في وزارة العدل بحضور إثنين من مكتب التّحقيقات العسكريّة الجّنائية عن مقالة نشرها في صحيفة واشنطن پوست، وتناول فيها بعض الأساليب التي مارسها مع المُعتقلين في (أبو غريب). سحب أحد المحققين الإستمارة من حقيبته ولوّح بها مُستفسرا، "هل تتذكّر هذه؟" سأله لماذا لم يذكر أو يُسمّ في حينها تلك الممارسات المُشينة. أجابه بكلّ وقاحة، "أنا لا أشعر بالفخر لتقصيري في ذلك."
جدير بالذكر أنّه في شهر يناير من عام 2004، سلم جوزف داربي قرصين محملين بالصّور للمحقق الخاصّ تيلر پيرون من فريق التّحقيقات الجنائيّة العسكريّة في (أبو غريب)، وهی الصّور التی أظهرت تورّط بعض الجّنود في مخالفة بنود معاهدة جنيف. ينتمي هؤلاء الجّنود المتّهمون الى وحدة الإنضباط العسكري رقم 372. طلب داربي أصلا ألّا يُكشف عن هويته، غير أنّه كُشف عنها بواسطة مجلة نيويوركر، ومن ثمّ وزير الدّفاع، رامسفيلد نفسه. لقد حاول داربي أن يبقي الأمر سرّا لمدة شهر، الّا أنّه قرّر في النّهاية الكشف عن هويّة رفاقه الذين ساهموا في عمليات التّعذيب، لأنّها "تخالف كلّ مبدأ أْؤمن به وبكلّ ما تعلمته عن قوانين الحرب." ثمّ أضاف يقول إنّه تسلم الصّور من جنديّ آخر إسمه چالس گارنر. ولسوء الحظّ، قوبل موقف داربي بالإستهجان في المنطقة التي يسكن فيها مع زوجته في مريلاند. إتّهمه البعض بانّه حقير وضيع وقاطعهما الأصدقاء والجيّران وتعرض منزلهما لمحاولة إحراق متعمّد. وهو الأمر الذي دفع الحكومة لإسكانهما في مكان سرّيّ. غير أنّ پيتر جننگ مقدّم الأخبار في محطة تلفزيزن أي بي سي اعتبره "رجل الأسبوع". وبتاريخ ديسمبر 10 من عام 2006 أجرى معه برنامج "60 دقيقة" في محطة سي بي أس مقابلة أعيد بثها بتاريخ حزيران 24 من عام 2007. وقبلها وبتاريخ مايو 16 من عام 2005 مُنح داربي وسام جون كندي للشّجاعة تثمينا لدوره في كشف فضيحة (أبو غريب). كان حينها برتبة عريف ودامت خدمته العسكريّة سبع سنوات بين 1998- 2005. [https://en.wikipedia.org/wiki/Joe_Darby]
كشف المؤلف في الفصل السّادس سرّا حول أداة للتّعذيب إسمها "الكرسي الفلسطيني". ذكر أنّ الإسرائيليّين علموا المحققين الأمريكيّين كيف يصنعونه ويستعملونه، وذلك خلال التّدريبات المشتركة بين الجّيشين، الأمريكي والإسرائيلي. شرح كيفيّة استعمال الكرسي خلال التّحقيقات لأنّه مفيد للغاية ويعطي ننتائج مضمونة بعد جلوس المُعتقل فيه لدقائق. يدفع الكرسيّ بالشّخص أن يلقي بكافة وزنه على عضلات فخذيه لكي يحافظ على توازنه ولا يسقط على الأرض. وحين تضعف مقاومة تلك العضلات يبدأ الفرد الشّعور بالإختناق. قال إنّه لا يستطيع تحمّل الألم والعذاب وسيُخبرك بكلّ ما تحبّ أن تسمع.
كما كشف أنّه بالرغم من افتضاح الممارسات المشينة والتّعذيب في (أبو غريب) فإنّ الجّيش ممثلا بالكاپتن دِنت ذكرت للمحققين أنّ قائد الفرقة رقم 82 المحمولة يريد "نتائج أفضل" في التّحقيقات الجارية في الفلوجة. وليس بخاف أنّ ذلك يعني اللجوء الى استعمال أساليب الإستجوابات المعزّزة. غير انّ المؤلف شكّك بأقوالها. "ربّما لم يكن الضّابط الرفيع المستوى قد قال ما نُسب إليه زورا، من قبل الضّابطة ذات الرتبة الواطئة. غير أنّ هذه الطريقة غالبا ما تؤتي بثمارها." تعرفُ دِنت جيّدا ما يجري داخل غرف الإستجواب في الفلوجة، وتعرف عن وضع المعتقلين بأوضاع غير مريحة. وتعرف أنّ بعضهم يُصفع وهي تعلم عن استخدام الكرسي الفلسطيني، وهي تقول للمؤلف وزميله فردناند الآن إنّ المزيد متوقع من جانبهما.
لاحظت تحوّلا في لغة المؤلف، فهو يُطلق لأوّل مرّة كلمة "مسلخ" على جناح الإستجوابات، وينعت تينر زميله في الإستجوابات في الفلوجة بانّه "مجرم حرب". وكما يبدو، فإنّ حركة احتجاجات بين صفوف متعاقدي كاكي ضدّ الممارسات المشينة للقوّات الأمريكيّة في العراق بدأت تظهر. ذكر المؤلف أنّ فردناند وبرِنت وهَنسن قدموا من الفلوجة في مهمّة لنقل مايكل باگداساروف الى معسكر النّصر. كان باگداساروف قد حلّ محله في الفلوجة حين نُقِل صاحبنا الى بغداد. أصبح معتقل (أبو غريب) مكانا صعبا على باگداساروف لكي يستمر العمل فيه. غير انّه وجد الفلوجة أصعب. أخبره فردناند أنّ معنويّات باگداساروف قد تدنّت بسرعة، وأخذ يحاجج الكاپتن دِنت حول اعتراضاتها على استمارات إطلاق سراح المعتقلين. ثمّ اعترض على قرارها أن يعمل خلال الوجبة المسائيّة. كما أنّه اعترض على استعمال زميله تينر للكرسي الفلسطيني قائلا إنّه عمل غير قانوني. وأخيرا تصادم مع ضابط في مشاة البحرية الأمريكيّة في المقصف، فأمر هذا بإبعاده من قاعدة الفلوجة.
كما أنّ متعاقدا آخر من المجموعة وهو جون بلي قد ترك العمل احتجاجا على فضاعات التّحقيق في الموصل. أخبر أصدقائه قصصا مرعبة عمّا يجري هناك. وهي تدور عن اشخاص يقومون بأعمال لا مهنيّة ولا أخلاقية ولا قانونيّة. ذكر انّ البعض يستعملون الماء لتعذيب السّجناء، إشارة الى استعمال عمليات الإغراق الوهمي. حين أخبره المؤلف عن حرمان المعتقلين من النّوم في الفلوجة، نظر إليه نظرة إشفاق وتساءل، "حرمان من النوم؟ هل ذلك فقط؟ هل أنت جادّ؟" كان بلي من أشدّ افراد المجموعة تفاؤلا، لكنّ العمل في الموصل قد غيّره الى العكس. إنّه الآن غاضب ومنزعج للغاية. قال إنّ ما يجري هناك يفوق طاقة تحمّله، ولذلك فهو لا يريد الإستمرار، وأنّ قراره لا رجعة عنه. سألتُ المؤلف إن كان بلي يتحدّث عن الفترة التي تولى فيها الجّنرال پترايَس شؤون القيادة العسكريّة في الموصل، فأحجم عن إعطاء الجّواب.
في آخر عمليّة استجواب أجراها المؤلف في العراق، ذكر انّه تخلى عن كافة أساليبه. كتب ما يلي، "أمضيت نهاري في توجيه الأسئلة لكلّ منهم (المعتقلين) على انفراد، وطبعا لم يكن هناك ضغط أو تعذيب. صرخت في بعضهم، ولم أكرّر سؤالي أكثر من مرّة أو أعيد صياغته. لم أتظاهر بأنّي أعرف كلّ شيء يقولونه. لم أغطَ عيونهم ولم أربط أيديهم الى الأرض. لم أحاول أن أكشف لهم الثقوب (أي الأكاذيب) في قصصهم، ولم أحاول أن أربكهم أو أخيفهم أو أخدعهم. لم أحاول إطلاقا أن أواجههم بأكاذيبهم ولم أحاول أن أرعب أو أهدّد أيّا منهم." وهذا اعتراف جليّ بأنّ تلك جميعا كانت هي الأساليب التي مارسها من قبل.
قدّم المؤلف وصديقيه باگداساروف وفردناند استقالاتهم وغادروا العراق، الى الكويت ومن ثمّ الى تكسَس. لم يخبر زوجته بذلك. يقول إنّه "كان بإمكاني الرّجوع الى بيت لحم وتناول العشاء معها ذلك المساء، إلّا أنّني لم أكن مستعدا للذهاب للبيت، وبدلا من ذلك بعثت لها رسالة الكترونية أخبرتها أنّني ساستقل القطار، وبرّرت ذلك بأّنّي كنت أرغب بذلك وأنا صغير. ستستغرق الرحلة ثلاثة أيام." الحقيقة أنه عرّج لزيارة عمته في مدينة البكركي في ولاية نيو مكسيكو وأمضى مدّة اسبوع، ثمّ استقلّ القطار من هناك في رحلة استغرقت أربعة أيام بصحبة والده، الذي حضر لمرافقته. لقد امضيا الوقت في القطار دون أن يتحدّثا عن العراق. لم تكن هناك اتّهامات أو إعتذارات أو استعادة لما جرى. لم يسأله والده سؤالا واحدا. كان منظر المناطق التي اجتازها القطار مملا ومتكرّرا جعله يشعر بالضّيق. "تأخّر القطار عن موعده المقرّر فوصلنا لبيت لحم متأخرين يوما كاملا. لكنّني لم أشعر لحظة باستعجال الوقت. وما ضرّني لو تأخّر القطار أكثر."
حاول صاحبنا في الأيام التّالية أن يقوم بأعمال ونشاطات تبدو وكأنّه يتأقلم لحياته في بيته ثانية. ثمّ يعترف، "إلاّ أنّ العراق يعود ليزورني أثناء الليل. كنت أصرخ وارتعش غضبا واتصبّب عرقا لخوفي حين أعيش الكوابيس في ظلمة الغرفة. ثمّ بدأت أشرب المزيد ثمّ المزيد من الوسكي. أشعر بالذنب، وكأنّني فعلت شيئا لم أعد قادرا على الهروب ممّا نجم عنه. كان لدّي وقت قصير لأستوعب ما حدث في العراق. إنّني أعرف أنّني عذبت أناسا لا أعرفهم. وفجأة تحوّل كلّ شيء محتمل الى قضيّة لا أستطيع الفكاك منها."
صارح صاحبنا جدّته حين زارها في نزل المتقاعدين بأنّه عازم على العودة للعراق لكي يُنقذ نفسه. ذكر لها، "ذهبت للعراق في المرّة الأولى لأستعيد هويّتي، والآن أريد العودة لأهرب من الشّخص الذي أصبحت عليه." أعاد تقديم طلبه الى وكالة الأمن القومي وأخبر زوجته أنّه بحاجة الى عمل ليشغل نفسه، لأنّه لا يستطيع البقاء في البيت يفكّر بما جرى في العراق. كما ردّد على مسامعها نفس الكذبة القديمة حول الإلتحاق بكليّة اللاهوت في الوقت الملائم. ثمّ يصارحنا، "لديّ دافع أن أقنع الوكالة لإرسالي للعراق، لكنّني لم أخبر كرِن بهذه الفكرة. وكالعادة، هي لا تحبّ أن تجادل، وهي قطعا لا تريد أن تخبرني بماذا يجب عليّ أن أفعل."
يخبرنا المؤلف في نهاية الفصل الثامن عن براءة زوجته التي تصل حدّ البلادة. فهذه امرأة صدّقت ما سمعته في الرّاديو من أنّ اشجار القبقب تتفجّر في ولاية فرمونت. وحين أخبرها أنّه "ذاهب للعراق لأسباب وجيهة،" صدّقت ذلك أيضا. قال عنها، " تمتاز كرِن بالبراءة والأمانة، وهي تعتقد أنّ النّاس جميعا مثلها. وعليه فإنّه إذا جاء في اخبار محطة الإذاعة الوطنيّة أنّ أشجار القبقب تتفجّر في ولاية فرمونت، فلا بُدّ أن يكون الأمر حقيقة."
من المعروف أن السّلطات الأمريكيّة قد وضعت صدام حسين قيد الأعتقال في معسكرها الذي جعلته قاعدة لها قرب مطار بغداد. يبدو من خلال النّص أنّ صاحبنا قد انتدب للتّحقيق معه. لم يذكره بالأسم بل قال ما يلي، "ليس هناك شكّ حول جرم هذا الشّخص. لم تتمّ مشاهدته وهو يهرب من موقع الإنفجار، وليس مشكوكا فيه لقيامه بنشاطات معادية لقوّات التّحالف. لم يَشِ الجيران به لضغينة قديمة بينه وبينهم، ولا يهمّ إن كان سنيّا أم شيعيّا. لقد قام بأعمال رهيبة ضدّ مواطنيه، كما قام باشياء فضيعة ضدّ الجّنود الأمريكيّين. وهناك أدلة لا يرقاها الشّكّ لإثبات ذلك. ......... المطلوب استحصال معلومات هامة من رجل يتمتع بقوّة كبيرة وارتكب أعمالا فضيعة في شوارع العراق." وكما يلاحظ القارئ أنّ العديد من الكلمات والعبارات والمقاطع والصفحات قد غطّاها رقيب الأمن الأمريكي، خاصّة في الفصل التاسع. وليس من اللائق مهنيّا أن أسأل المؤلف عمّا ورد فيها، ولم أعتقد أنّه سيعطيني جوابا.
جاءت عباراته في نهاية الفصل وكأنّه يهذي نتيجة حُمّى عالية فيقول، " شعرت بالغثيان وأنا أجلس في المرحاض المنقول، بعد أن طلبت من الإنضباط العسكري أن يخبر God الأله أن ينتظر خارج الغرفة. " أو "يبدو أنّه لا خلاص لي من محنة العراق." ثمّ يستمر للقول، "لم أعد قادرا على النّوم، ولم أعد قادرا على الإستمتاع بحياتي." و"شعرت بالإشمئزاز لأنّني استمتعت بممارسة السّطوة والسّلطة والقوّة. لم أتبع في العراق الطريق الخاطئ فقط، بل أنّني أسير في الإتّجاه المعاكس." حانت لحظة طلب الخلاص، فذهب لكنيسة المعسكر واستمع للكاهن خلال الموعظة يقتبس قصيدة معروفة عن آثار الأقدام على الرّمل. ذكر أنّه يوجد نوعان من آثار الأقدام، أحدهما للخالق والآخر للشّخص المؤمن. يختفي أحد الأثرين أحيانا، ويشير هذا الى أنّ الخالق يحملنا بذراعيه. فكّر صاحبنا في كافة انواع الآثار التي تركها عند دخوله الى مبنى التحقيق. فكّر، "أنّ الخالق يقيم في السّجن مع المعتقلين، والآثار التي تقود الى الداخل هي آثار قدميّ وأنا أسير بمفردي."
شكا المؤلف بمرارة في مقالة كتبها لإحدى الصّحف قائلا، "لا توجد طريقة تغيّر ما فعله العراق بي." ليته سأل نفسه ماذا فعل هو وزمرته بالعراقيّين؟ لم يفعل ذلك ولم يذكر التّحقيقات ولا التّعذيب في (أبو غريب) ولا الفلوجة ولا بغداد، لكنّه اعترف لاحقا أنّه حوّر البعض من القصص لكي يحظى بإعجاب من اطلعوا على المقالة. أضاف قائلا، " لم أكتب شيئا في المقالة خلافا للحقيقة، لكنّ الصّورة التي اعطيتها كانت ملفقة تماما. لم أمتلك بعد الشّجاعة لكي أعترف، ولذلك أختفيت خلف قصة كُتِبت لتثير الإعجاب."
ثمّ عاد فكتب مقالة أخرى نُشرت بتاريخ 9 فبراير من عام 2007 في صحيفة واشنطن پوست. ولكن رغم كلّ التأييد والإنتباه، کان یعرف جيّدا أنّ نشر المقالة لم يكن عملا شجاعا. بالأحرى، كان عملا جبانا. "كلّ كلمة وعبارة وجملة قد صيغت بطريقة لتبرئة نفسي من كلّ شيء يدلّ على ارتكاب الجّريمة. لم اذكر أيّة أسماء أو تواريخ محدّدة ولا مواقع معيّنة. الأساليب التي اشرت إليها كانت منقولة حرفيّا من كتاب الدّليل الميداني لإجراء التّحقيقات، أو من قائمة (أساليب التّحقيقات المعزّزة) التي تمّت المصادقة عليها من قبل الجّهات العليا. ورغم أنّي أتساءل عن أخلاقيّة سلوكي، فإنّني لم أطالب بأن أساق للمحاكم. فحسب ما ورد في تلك المقالة، فإنّي لم أقم بأيّ عمل مخالف للقانون."
أثارت المقالة انتباه مكتب التّحقيقات الجّنائيّة العسكريّة ووزارة العدل. تمّت مقابلته أوّلا في بيت لحم ثمّ طُلِب منه الحضور الى واشنطن لمقابلة المدّعي العام في وزارة العدل للمنطقة الرّابعة وممثلي المكتب العسكري للتّحقيقات الجنائيّة. إستحصل له مكتب المحاماة على حصانة بألا يُستعمل أيّ شيء يفضي به ضدّه في أيّة محكمة الآن ولا في المستقبل. ذهب برفقة محامّيين وكتب يقول، " كشفت كلّ شيء. أعطيتهم صورا ورسائل وأسماء وشهادات مباشرة عن اساليب مورست خلال التّحقيقات وأماكن تلك التّحقيقات. تحدّثت عن راندي كوچر ومايك هِنسن وجون بلي ومايكل باگداساروف. تحدّثت أيضا عن برِنت وجِم وتَينر وهوگي. كما تحدّثت عن دِنت وفردناند. تطرّقت في حديثي الى جناح التّحقيقات المتشدّدة في (أبو غريب) ومبنى التّحقيقات في الفلوجة. ذكرت ما قمت به وما شاهدته وما علمته وما سمعته."
يبدو لي انّ استجوابه من قبل الهيئتين القانونيّتين كان شكليّا، في أحسن الأحوال، وانتهى الأمر عند ذلك. وبناء عليه، "لم تتمّ إحالتي الى المحاكمة، كما لم يُحال أيّ من منتسبي شركة التعاقد كاكي. لاشيء ممّا فعلناه في العراق مخالفا للقانون. لقد عذبنا النّاس بالطريقة الصّحيحة واتّبعنا الأساليب المسموح بها، التي أقرّتها الحكومة وصادقت عليها الجّهات العليا. وعليه، فلن تكون هناك عواقب قانونيّة. ركبت القطار عائدا الى پرنستن، وبدأت اشرب الكحول أكثر من السّابق."
تجدر الإشارة هنا الى ما يلي:
1. إستمرت عمليات التعذيب وإساءة معاملة المعتقلين في كافة السّجون الأمريكيّة في العراق، ومنها الفلوجة والموصل وبغداد والبصرة، رغم افتضاح قضية (أبو غريب). إستمرّت تلك الممارسات الخسيسة في گوانتنامو وأفغانستان وفي "السّجون السّريّة" لوكالة المخابرات الأمريكيّة، التي لم يوجد فيها سجل لمن يدخل ومن يغادر ومن يموت تحت التّعذيب. كانت السّجون السّريّة موجودة في بلدان أوروپا الشّرقية مثل پولندا ورومانيا وبلغاريا وألبانيا، وفي بلاد العرب في المغرب ومصر والأردّن وسورية. هل تصدّقون؟ في سورية!
2. لم يقدّم أحد من العسكريّين أو المدنيّين الذين ساهموا في تلك العمليات في السجّون المشار إليها الى المحاكم.
3. إنحدرت حريم گارنر من أوكلاهوما وألاباما وجورجا، وهي جميعا ولايات من الجّنوب الأمريكي.
4. تمّ تجاهل التّوصيات التي قدّمها اللواء أنتونيو تاگوبا، الذي انتدِب للتّحقيق في فضيحة (أبو غريب) وفي التّجاوزات في افغانستان.
5. اقتصرت المحاكمة على العسكريّين في (أبو غريب) فقط. ضمّت قائمة هؤلاء ما يلي:
1. مَيگن أمبول.
اعترفت بالذنب لاتهام واحد فقط. فصِلت من الجّيش ولم تقضِ أيّة محكوميّة في السّجن. كانت واحدة من حريم گارنر، وتزوّجها بعد إطلاق سراحه.
2. العريف جَفال ديفز.
إعترف بالذنب ضمن تسوية قبل الظهور أمام المحكمة. حُكِم عليه بالسّجن لمدة ستة أشهر قضى منها ثلاثة أشهر تقريبا في السّجن العسكريّ.
3. لندي انگلاند.
حوكمت مرّتين ووجدت مذنبة وفق أربع مخالفات حُكم عليها بالسّجن 36 شهرا والفصل من الخدمة. أطلق سراحها بعد انقضاء نصف من مدة محكوميّتها. وهي واحدة من الحريم المحيط بالمجرم گارنر، وکانت تبدو حاملا وقت المحاكمة.
4. نائب الضابط إيفان فردرك الثاني.
حكم عليه بالسّجن 8 سنوات والفصل من الخدمة مع تخفيض الرّتبة. أطلِق سراحه بعد أن أمضى ثلاث سنوات في سجن عسكريّ.
5. چالز گارنر.
وجد مذنبا وفق 9 من أصل 10 تهم. حُكِم عليه بالسّجن لمدة 10 سنوات وتخفيض رتبته الى جندي وحرمانه من التّقاعد والفصل من الخدمة العسكريّة. قضى في السّجن 6 سنوات تقريبا من محكوميته. كان هذا من اقسى المعذبين وأحاط نفسه بحريم من المجندّات الأمريكيّات.عمل قبل التحاقه بالجّيش حارسا في أحد السّجون المدنيّة، وعرُف عنه ساديّته وعنصريّته المكشوفة.
6. سبرينا هارمن.
وُجدت مذنبة وفق 6 من اصل 7 تهم. حُكِم عليها بالسّجن 6 أشهر وتخفيض رتبتها الى جنديّة وفصلها من الجّيش بعد انقضاء مدة محكوميتها. وهذه واحدة اخرى من حريم گارنر.
7. الرئيس ستيفن جوردن.
هو الضّابط الوحيد الذي اتّهم بإساءة معاملة المعتقلين. لم تثبت عليه التّهم الثمانية، لكنّه اتّهم بمخالفة التّعليمات حول عدم الحديث عن مجريات التّحقيق ووبّخ لذلك. تمّ في عام 2008 تبرئة ذمته ورُفعت كافة الإتّهامات والتّوبيخ من ملفه.
8. العميدة جنِس كارپنسكي.
خفّضت رتبتها الى عقيد بأمر من الرئيس بُش نفسه. وُجّهت اليها اربع اتهامات ووجدتها لجنة التّحقيق مذنبة في تهمتين من أصل أربع تهم تتعلق بالتّحايل على اللجنة والسّرقة من أحد المتاجر!
9. العقيد تومَس پَپاس
وُبّخ وغُرّم وأزيح عن القيادة لاستعمال الكلاب داخل غرف التّحقيق.
10. الرئيس جَري فِلبوم
وُبّخ وأزيح عن قيادة وحدة الإنضباط العسكري رقم 32 لدورها في الفضيحة.
11. جرمي سفيتز
أقرّ بذنبه وفق اتفاق مسبق جرى مقابل عدم احالته للمحاكمة، شرط أن يشهد ضدّ العسكريّين الآخرين المتّهمين بالفضيحة. حُكم عليه بعدم مغادرة مبنى وحدته لمدة سنة وفُصِل بعدها من الجّيش لسوء سلوكه وخُفّضت رتبته العسكريّة.
[http://www.cnn.com/2013/10/30/world/meast/iraq-prison-abuse-scandal-fast-]
وماذا عن ستيفن ستيفانوفچ، الذي تدرّب المؤلف على يديه وتعلم منه أساليب التّحقيق/التّعذيب وأجاد فيها باعترافه؟ أوصى اللواء أنتونيو تاگوبا، الذي انتدِب للتّحقيق في فضيحة (أبو غريب) وفي التّجاوزات في افغانستان، بتوبيخ ستيفانوفچ وسحب بطاقة الأمن منه وانهاء عقد عمله. غير أنّ توصيات اللواء المذكور قد وُضِعت جانبا من قبل إدارة بُش - چيني- رامسفيلد، واستمر هذا الشّخص بعمله حتى تاريخ 26 أبريل من عام 2004. لم تتمّ إحالته الى محكمة عسكريّة باعتباره مدنيّا متعاقدا مع شركة كاكي. وانسحب الأمر على كافة متعاقدي الشّركة المذكورة. [HTTPS://EN.WIKIPEDIA.ORG/WIKI/STEVEN_STEFANOWICZ]

من الأشياء الحميدة التي لفتت انتباهي هو ما ذكره المؤلف عن جهود قامت بها جامعة نيويورك. لقد أعدّت هذه الجامعة دورة تدريبيّة حول أصول الكتابة وفنونها وفتحتها أمام العسكريّين الذين خدموا في أفغانستان والعراق. ظاهر الأمر هو تعليم أصول المهنة، لكنّ الهدف الأنبل منه هو تشجيع أولئك العسكريّين على الكتابة عن تجاربهم التي خاضوها. ويُعتبر هذا متنفّسا لهم، لكنّه في ذات الوقت توثيق للجّرائم والمخالفات، بكلمة أخرى فضح الحروب وإدانتها. إنضمّ صاحبنا الى هذا البرنامج.
يختتم المؤلف كتابه في الفصل الثالث عشر، الذي اختصر فيه مدة ثماني سنوات من حياته وتناول فيه قضيتين. لعلّ أهمّها هو حصوله على قلب جديد زُرِع في صدره في غرفة العمليّات في مستشفى جامعة پنسلفينيا الشّهير في مدينة فيلادلفيا. کتب یقول، "حين بدأت استعيد وعيّ، كانت الفلوجّة أوّل شيء خطر بذهني. فكّرت وكأنّني هناك فاعتراني الخوف. سمعت أصواتا ولمحت ظلالا تتحرّك في الغرفة. سمعت أحدهم يخبرني بأن أحافظ على هدوئي. منعني الأنبوب الذي وضعوه داخل حنجرتي من الكلام لكي أسأل عن فردناند. بدأت بالبكاء. أخبرني صوتٌ أنّني في حجرة الطوارئ لاستعادة الوعي بعد عمليّة أجريت لي في المستشفى جامعة پنسلفينيا. لقد زرعوا لي قلبا، وأحتاج أن أسترخي وأهدأ."
الموضوع الآخر هو مسألة الإنتحار. كتب المؤلف يقول، "كان عمر إبني يومين فقط، حين خطرت في ذهني فكرة الإنتحار." وهذا موضوع حظي باهتمام الصّحافة العالمية والداخلية نظرا لتزايد أعداد المنتحرين. فمثلا نشرت صحيفة الگارديان البريطانية عام 2013 إحصائيات دقيقة وتفصيليّة عن معدلات انتحار الجّنود الأمريكيّين وذلك بعد تقرير صدر عن وزارة الدّفاع الأمريكيّة عن تزايد هذه الظاهرة بين جنودها خلال العام السّابق، التي سجلت رقما قياسيّا وصل إلى 349 حالة، متجاوزا عدد المنتحرين عام 2011 الذي بلغ 301 منتحرا. بدأت الحكومة الأمريكيّة تتبع حالات الانتحار عن كثب منذ عام 2001 وخصّصت الوزارة تقارير خاصة بالانتحار بين جنودها. بلغت ذروة انتحار الجّنود الأمريكيّين في عام 2012 ، إذ بلغ عدد المنتحرين 349 جندياً. وشهد الجّيش الأمريكي أعلى معدلات انتحار بنسبة 22.9% وبواقع 182 جندياً. أمّا القوّات البحريّة فكان معدل الانتحار بين جنودها 14.98% بواقع 60 جندياً، وفي سلاح الجّو بلغت النّسبة 14.87% بواقع 59 جندياً، وجاء معدل الانتحار في قوات المارينز بنسبة 13.27% بواقع 48 جندياً.
كثر الانتحار بين الجّنود البيض وبنسبة 19.69%، أما معدل الانتحار بين الأفارقة السود فبلغ 13.41%. وفي مقارنة بين معدلات انتحار الجّنود ومعدلات الانتحار العامة في أمريكا، فقد فاق معدل انتحار الجّنود معدل انتحار العامة بكثير. في عام 2012، بلغ معدل انتحار الجّنود 24.53% من بين كلّ مائة ألف مواطن أمريكي.
إنتمى معظم المنتحرين إلى فئة العشرينات من العمر وخصوصاً ما بين 25-30 سنة وبنسبة 22.79%، في حين قلّ معدّل الانتحار ما بين 30-34 سنة وبنسبة 12.52%. أما من ناحية الرّتب العسكريّة فمعظم [http://www.alsharq.net.sa/2013/02/03/704306] المنتحرين كانوا برتبة عريف ويليهم من هم برتبة نقيب وأخيرا رتبة الضّباط. أمّا إذا أخذنا بنظر الإعتبار عاملي التحصيل الدّراسي والحالة الاجتماعية، فإنّ معدلات الانتحار تزايدت بين المتعلمين وبنسبة 42.51%، والمطلقين بنسبة 27.65% وانخفضت بين الجّنود الذين لم يُسبق لهم الزّواج.
أمّا صاحبنا فقد أوهمنا أنّه أقبل على الإنتحار وتعميد نفسه بدمه ورسم الصّورة وكأنّنا أمام دراما تستوجب التّعاطف، لكنّه تراجع في آخر لحظة. كتب يقول إنّه نزل في النّهر لحد وصل فيه الماء الى وسطه، وفي يده مسدس من نوع پارا من عيار 45.، وهذا مسدّس كندي الصّنع يُعتبر منسوخا من مسدّس براوننگ الأمريكي لعام 1911. "كانت فيه إطلاقة واحدة، وسيغسل النّهر الدّم ويحول دون استخدام المسدّس لإيذاء شخص آخر قد يعثر على جثتي. كان الوقت متأخّرا وأطفِئت الأنوار فغرق مبنى مصنع الفولاذ في ظلام دامس. كان الماء باردا، وفكّرت في القلب الذي ينبض في داخلي والذي يعود ولا يعود لي. خطرت في ذهني فكرة تعميد الشّخص ثانية حين يبلغ سنّ الرّشد."
تعوّد صديقه القسّ دون هاكِت أن يخبره أنّ أفضل طريقة لسماع صوت الرّبّ هي أن يحافظ الإنسان على صمته. ولكن بالنّسبة الى أرك فَير "توجد الآن أصوات عديدة أخرى. فهناك صوت الجّنرال القادم من غرفة الّتّحقيق المريحة، والأصوات التي تنبعث من قسم التّحقيقات المُتشدّدة، وصوت النحيب الصّادر عن رجل أجلِس كرها على الكرسي الفلسطيني، والصّوت الذي أحدثه ارتطام رأس رجل كبير السّنّ بجدار غرفة التّحقيق (ربّما حدث له ارتجاج دماغي ومات، لكنّ المؤلف لم يفصح عن نتيجة العنف الذي مارسه مع ذلك السّجين). إنّه من المستحيل أن تُسكِت هذا الأصوات، رغم أنّي أعرف أنّه يجب إسكاتها." إنّها لعنة العراق يا هذا، وقبلها فيتنام ولاوس وقبلها كوريّا وقبلها إلقاء القنبلتين الذرّيّتين على هيروشيما وناگازاكي وقبلها محوّ المدن الألمانيّة بواسطة القصف المُكثف الذي لم يترك شيئا إلا ودمّره بالكامل carpet bombing، كما حدث لبعض المدن الألمانيّة مثل درسدن وكولن، وغيرهما. والقصّة لم تنتهِ بعد حتى بعد أن اكتمل تدمير العراق وبنيته التّحتيّة.
إختتم المؤلف الكتاب بالقول، "لم أعد ثانية إلى نهر ليهي وأنا أحمل مسدّسا في يدي. آمل ألّا أفعل ذلك. ولكن هناك بعض الليالي، واستميح القارئ عذرا، أنّني أشعر فيها كطفل من البشر، وليس ملاكا." إذنْ إعترف الرّجل بذنبه وانتهى الأمر، كما حدث للبيض من مواطني أفريقيا الجنوبيّة. إنّه يعاني عذاب الضّمير، ويجب ألّا نزعجه بإثارة الذكريات. لكنّ البعض يعترض على ذلك ويعتبره عذرا رخيصا. لقد حصل على الشّهرة والمال، ولم يقل لنا موقفه من حروب أمريكا السّابقة واللاحقة. سألته إنْ كان سينضمّ للخدمة إذا ما قرّر الرّئيس الجّديد أن يُشعل حربا، على الأغلب في الشّرق الأوسط. لم يُعطِني جوابا. سألته عن رأيه في سياسة الحكومة الأمريكيّة فامتنع عن الإجابة بالقول، "الكتاب يخصّني وحدي. تحدثت عن قصتي والأعمال التي لا أفتخر بها." سألته إن كان لاحظ وجود متعاقدين إسرائيليّين في الأمن أو في التّحقيقات، فنفى أيّ وجود لهم. في الحقيقة أنكر حتى ما قاله عن "الكرسي الفلسطيني" الذي تعلم الأمريكيّون صنعه واستخدموه في التّعذيب كما نصحهم بذلك الجّنود الإسرائيليّون خلال عمليات التّدريب المشتركة، كما ورد في الكتاب مرارا وتكرارا. طلبت منه أن يزوّدني بالأسماء الكاملة لبعض من ساهموا في عمليات التّعذيب من العسكريّين. كنت أنوي أن أقوم بالبحث عن معلومات عنهم، فامتنع بحجّة انّه لا يعرفها، لأنّهم عادة يستعملون الرتبة العسكريّة مع اسم العائلة مثل العريف فَير وليس العريف أرِك فّير. سألته كيف يستطيع شخص مثل جِم فِسك، الذي يمتلك الشّهادة الثانويّة وخدم في الجّيش الأمريكي أربع سنوات فقط، أن يخدع كلّ من حوله بما فيهم عقيد يحمل إضافة الى شهادته العسكريّة شهادة عليا من كليّة دارتمث، فيحصل على التّرقيات ويُصبح خبيرا موثوقا به يستأنس الضّباط الكبار برأيه. أعطيته مثالا آخر هو راندي كـُچر، وأيّ انطباع تترك فيه مثل هذه الإختلالات عن صورة الجّيش الأمريكي. خلد الى الصّمت ولم يقل شيئا. سألته إن كان حقق مع صدام حسين حين جاء للعراق ثانية وعمل في معسكر النّصر في المطار. أشار الى ما سمّاه God، وكيف جعله ينتظر لبعض الوقت أمام باب غرفة التّحقيق. إمتنع عن الإجابة عن هذا السؤال أيضا. سألته إن كان عرف بنوع التّحقيق والتّعذيب في معسكر بوكو قرب البصرة، وإن كان المعتقلون قد شكّلوا الخلايا الأولى لتنظيم داعش هناك. تملص ولم يعطِ جوابا، رغم ما هو معروف عن أنّ ( أبو بكر البغدادي) قد حظي برعاية خاصّة واصبح إماما في المعتقل يقود الصّلاة ويعقد حلقات التّثقيف والتّوعية للمعتقلين أمام أنظار الحرس الأمريكيّين.
في المقابلة الصّحفية اتي أجراها راها والاه، المحامي في منظمة حقوق الإنسان، مع المؤلف، أطنب الأخير[https://www.c-span.org/video/?408141-1/words-eric-fair] في الحديث عن نشأته وتربيته في كنف عائلة صالحة مشبّعة بمبادئ الكنيسة المشيخيّة وأخلاقيّاتها. ثمّ مضى وعقد مقارنة بين الكنيسة كمؤسسة مع المؤسسة العسكريّة، وعن وجود تشابه بينهما. " نشأت وأنا استمع الى قصص جدّتي وتربّيت وأنا أتعلم تدريجيّا أنّني من عائلة مرتبطة بالكنيسة منذ زمن طويل، ومن بين الذين يفتخرون كثيرا بعقيدتهم وانخراطهم للمشاركة في الحروب." والسؤال هو لماذا انخرط هذا الرّجل الورع، رغم اعتزازه بالجّيش، في مخالفة تعاليم كنيسته وكتابها، واتّبع تعليمات أعدّها محامو إدارة بُش- چيني، التي أباحت له ولأمثاله من استعمالها حجّة لارتكاب أشنع الممارسات ضدّ حقوق الإنسان. وجد هذا الرّجل الآن السّطوة والقوّة في متناوله بعدما أمضى في شبابه، "وقتا طويلا خلال تلك السّنة في مكتب المرشد النفسي لأنّني كنت أبكي كثيرا." كان يعاني من تنمّر بعض الطلبة عليه في مرحلتي الدّراسة المتوسّطة والثانويّة. هل ثمّة علاقة بشعور النّقص، وتمكّن الضّعيف الجّبان؟
توضح الحقائق المسكوت عنها في تاريخ المستعمِر الأوروپي أنّ أسباب انتفاضات البشر ليس دياناتهم وإنّما الظلم الواقع عليهم. لذا فإنّ قرار الرّئيس الأمريكي الجّديد عن الهجرة والمهاجرين لا أساس له سوى انطلاقه من الأيديولوجيا بدلا من مواجهة الحقائق، التي تقول إنّ إدارة الرّئيس كارتر في آخر سنة لها ومن بعده ريگن هما من خلقتا القاعدة وتيار الجهاد لمحاربة الإتحاد السّوفياتي في أفغانستان. والحقائق تقول أيضاً إنّ سياسات إدارة بوش الإجراميّة بحق المنطقة وغزوها العراق وتدميره، ناهيك عن ملايين القتلى والمهجّرين، هي التي أجّجت التّيارات المذهبيّة المتطرفة في المنطقة. كما أنّ إدارة أوباما المماثلة لسابقاتها بالمشاركة مع هلاري كلنتن، هي التي خلقت نواة داعش في معسكر بوكو في العراق، وهي التي قادت اتباعها وموّلتهم ووضعت إمكاناتها بتصرفهم، بالتّعاون مع دول الخليج وتركيا. وهي من نقلتهم من بعد إلى ليبيا وسهلت انتقالهم إلى سوريّة، انسجاماً مع سياستها الهادفة إلى تأجيج الصّراع الطائفي في المنطقة بحجّة مواجهة الإسلام الشّيعي، ممّا يسهل من تقسيمها، بعد تدميرها. الهدف هو الهيمنة على سوراقيا، التي تعدّها جزء من العالم المسيحي الغربي، وليس الشّرقي الأرثوذكسي، وأرض التّوراة ومهد المسيحيّة، وأنّ العرب المسلمين دخلاء وغزاة يجب طردهم وإعادتهم إلى صحاريهم.
يعلمنا التّاريخ أنّ عدوان الغرب الإستعماري هو سبب كثير من الحرائق في بلادنا العربيّة، ويجب بالتّالي التّصدي له ولأدواته الإرهابيّة التي خلقها ويدعمها. [http://www.al-akhbar.com/node/2726] هل سمعتم وقرأتم اليوم أنّ نتنياهو بحث مع ترمپ ضمّ هضبة الجّولان السّوريّة للكيان الصّهيوني في فلسطين المحتلة؟ ورأيي أنّه سيحصل على ما يريد، ضمن حلّ إقليمي يشارك فيه أصدقاء إسرائيل من العربان الأمجاد! شاهدته بالأمس عبر شاشة التّلفزيون وهو في البيت الأبيض، وسمعته يقول، "للمرّة الأولى في التّاريخ لم تعُد الدّول العربيّة تنظر إلينا كعدو بل كحليف وواشنطن تُجري محادثات مع حلفائها العرب لتشكيل حلف عسكريّ مع إسرائيل."
لكأنّ زمر الأشرار التي تتوالى على إدارة البيت الأبيض قد نذرت نفسها وتتسابق لخدمة الكيان الصّهيوني منذ تأسيسه. وقد وصل الحماس حدّ أن أعلن بعضهم على رؤوس الأشهاد إنّه صهيونيّ. أقصد بذلك نائب الرّئيس الأمريكي السّابق جو بايدن ومن قبله رئيس مجلس الشّعب نوتن لِروي گنگرچ. ولعل السّاكن الحالي أشدّهم طواعية للعمل بأفكار تل أبيب وطروحاتها. فهو الذي صرّح أنّه من أشد أنصار الكيان الصّهيوني، وله بنت وثلاثة أحفاد يهود، حسب قوله. هذا هو البلد الوحيد في العالم الذي يقبل بشروط إسرائيل أن يكون سفير الولايات المتّحدة المعتمد لديها يهوديّا أوّلا. راقبت قبل أيّام حفل استقبال نتنياهو في البيت الأبيض وبدا الموقف وكأنّه حفل لقاء عائلي يخاطب فيه بيبي ورون وأيفانكا ومريم وايزمن، التي غيّرت إسمها الى ساره بعد زواجها من المهاجر القادم من فيلادلفيا، كما جارِد كوشنر بعضهم البعض بكلّ المحبّة والودّ، دون رسميّات، كما يُقال. أمّا نحن، العرب والمسلمون، فلم نكن هناك. نحن نقف أيتاما يبحثون عن إرثهم الضّائع، فبلادنا مقبلة على الانتحار بتقسيم يهدّدها من الجّهات الأربع، "وأصحاب الثياب السّود، وبقية كائنات الموت، يتربّصون ببقية النّاس فيها، يوقظونهم من وهم الاعتراض بالتّظاهر، وساسة لا تنطبق عليهم أوصاف السّياسة. كلٌّ منهم يحمل تحت إبطه ملفاً من الخراب. وللخراب حماته، من خارج الحدود، بمسلحين لا تعرف الى أيّ عصر ينتمون، لا على ألسنتهم ولا في أفئدتهم ذرّة من هذه البلاد، بعد أن غُسِلت أدمغتهم في مدارس التّوبة والتّوابين وورش الإرهاب." [http://middle-east-online.com/?id=242828]
سألت صاحب العواقب إن كان سيساهم في أيّ مجهود حربي، فالحرب قادمة لا شكّ في فترة الرّئيس الجّديد، عملا بواجبه الوطني والأخلاقي، كما أدّعى حين قدم للعراق للثأر من تفجيرات 11 سبتمبر، والعراق لا ناقة له ولا جمل في تلك الهجمات الإرهابيّة. وكما هو متوقع، لم يكلف نفسه بالرّدّ. ومع ذلك، يظل سؤال الأمّ الرّيفية من ولاية كنزس قائما، حين قالت تخاطب المؤسّسة العسكريّة الأمريكيّة، "أعطيتكم ولدا لطيفا طيّبا فأعدتموه لي قاتلا مختلأ. ماذا فعلتم بابني؟"
د. محمد جياد الأزرقي
أستاذ متمرس، كلية ماونت هوليوك
قرية مونگيو، ماسَچوست
الولايات المتحدة
March 1, 2017
mjiyad@mtholyoke.edu





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,545,532
- قتل أسامة بن لادن ومسالك الجرذان في سوريا
- قراءة في كتاب تفعيل الديمقراطية لمعالجة ازمات الرأسمالية
- قراءة في كتاب عصر التنمية المستدامة
- لورنس الآخر
- ألسباق للفوز بما تبقي من المصادر الطبيعيّة
- دور حكايا الساحرات الخيالية في النمو النفسي والعقلي للأطفال
- قراءة في كتاب ألمسألة ألأخلاقيّة وأسلحة الدّمار الشّامل مقار ...
- غرباء مألوفون
- التملص من جرائم التعذيب في السجون الأمريكية
- الأمل الوهم - أوباما والصراع العربي الصهيوني (الحلقة الثالثة ...
- الأمل الوهم - أوباما والصراع العربي الصهيوني (الحلقة الثانية ...
- الأمل الوهم - أوباما والصراع العربي الأسرائيلي (الحلقة الأول ...
- الأمبراطورية الصهيونية الأمريکية- الحلقة الرابعة
- الأمبراطورية الصهيونية الأمريکية - الحلقة الثالثة
- المرأة في الدخيل الجائر من التراث - الحلقة الأولی
- الأمبراطورية الصهيونية الأمريکية
- ألأمبراطورية الصهيونية الأمريکية
- المرأة في الدخيل الجائر من التراث -الحلقة الرابعة
- 3-ألمرأة في الدخيل الجائر من التراث
- المرأة في الدخيل الجائر من التراث - الحلقة الثانية


المزيد.....




- دول جوار ليبيا تؤكد من الجزائر رفضها كل تدخل أجنبي في ليبيا ...
- تعرف على Pajero الجديدة كليا
- نساء يمسكن بمقاليد الحكم في دول الاتحاد الأوروبي
- ارتفاع حصيلة الوفيات والإصابات جراء فيروس كورونا الجديد في ا ...
- صحف بريطانية تناقش خلافة خامنئي و-الجيش السعودي الإلكتروني- ...
- ما حكاية الكاهن الذي أعلن عن مثليته في عمر الـ 91؟
- نساء يمسكن بمقاليد الحكم في دول الاتحاد الأوروبي
- مقابلة مع الجزيرة نت.. مستشار أردوغان: 10% من سكان تركيا عرب ...
- بالفيديو... مقدمة تضع وزير الخارجية اللبناني السابق في مواقف ...
- الحرس الثوري يكشف عن صفعات جديدة وجهها لأمريكا


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد الأزرقي - العواقب: مذكرات محقق أمريكي