أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - تامر البطراوي - نظرية الإقتصاد السياسي مُقاربة تأصيلية















المزيد.....


نظرية الإقتصاد السياسي مُقاربة تأصيلية


تامر البطراوي

الحوار المتمدن-العدد: 5532 - 2017 / 5 / 26 - 20:43
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


نظرية الإقتصاد السياسي مُقاربة تأصيلية
المُقدمة هي واجهة الشئ والجهة التي يٌمكن من خلالها التعرف عليه ، أما المدخل فهو جهة الوصول إليه ، وعليه فالمؤلفات المُقاربة لجسد العلم المُعنوَنة بِمُقدِمة العِلم هي تلك المؤلفات المعنية بتقريب موضوعه وفروعه الأساسية ، والتي بإدراكها يُمكن التمييز ما بين المعرفة المُنتسبة إلى مباحث موضوعه الأساسية عن غيرها ، أما مدخل العلم فهو جهة الوصول إليه بتناول موضوعه والتأكيد على مناهج الوصول إليه ، والمنهج هو طريقة إثبات معرفي بمنطق موضوعه ، تكتسب بموجبه المعرفة صفة العلمية ، وهي الصحة التي تتدرج من حيث درجة الثبوتية من نظرية إلى قانون ثم قاعدة ثم مبدأ ثم تعميم ثم حقيقة ، النظرية رؤية وصفية تفسيرية لكائن معنوي يقوم إثباتها على مبدأ السببية ، وبتتابع إختبار وتكرار ثبوت نفس النتائج تكتسب النظرية صفة القانون العلمي ثم المبدأ العلمي ، وهو الرؤية الذهنية لكائن معنوي شبه مُتفق على صحتها بين ذوي نفس المناطق العلمية بتغير ثقافاتهم ، ولذلك فالمبادئ والقوانين العلمية ميراث إنساني عام غير مرتبط بمجتمع أو وطن وغير موصوف إلا بالمنهجية العلمية والتخصص نفسه ، لا يصح نَسْبُه لآيديولوجيه أو فلسفة معينة كان لأحد معتنقيها سبق الكشف فهو وليد المنطق العلمي لا الأيديولوجية أو الثقافة ، بخلاف النظريات فلسفية المنهجية التي ترتبط نشأتها وتبنيها بأيديولوجيات وفلسفات معينة ، وبُناءً عليه فالمؤلفات العلمية المُعنونة بمبادئ العلم لا تُشير في مفهومها إلى تبسيط الأوليات وإنما إلى تركيز المُؤلف على تلك القوانين التي اكتسبت صفة المبدأ العلمي فاشتهر الإتفاق عليها بين أهل التخصص ، تقوم هذه المقاربات بشكل عام على الإسترسال في السرد غير مُفصل الإقتباس ثم الإحالة بنهاية جسد النص إلى جُملة المراجع التي تشمل ما تم عرضه من معلومات ، بخلاف المقاربات المُعنونة بأبحاث في العلم والتي يعتمد فيها السرد على الإلتزام المُفصل بتوثيق الإقتباسات ثم مناقشتها ، وهي الطريقة التي تم اتباعها خلال استعراض أدبيات هذا المُؤَلف ، وقد اتبع البحث منهجية استنباطية بمواضع بمناقشة بعض الأدبيات وطرح رُؤى حولها ، وبمواضع أخرى منهجية إستقراء ثانوي لبيانات قد تم إنتاجها وصياغة نتائج مُترتبة.
الإقتصاد مُصطلح يُشير إلى ذلك الكائن المعنوي الذي تتشكل بنيته من علاقات خلق وتوزيع الأموال (السلع والخدمات القابلة للبيع والشراء) لا علاقات تكوينها الطبيعي أو الصناعي أو المعنوي ، وذلك لأداء وظيفي يتحدد في إشباع الحاجات والرغبات وتحقيق الرفاهية ، يمر ذلك الكائن الإقتصادي العلائقي (سواء على مستواه الوحدي أو الجمعي) بدورة حياة تبدأ بنشأة ثم نمو فنضج ثم التجدد أو التدهور ، يرتبط خلالها أداءه الوظيفي بمرحلة نموه ، حيث ينخفض أداءه الوظيفي بمراحل نموه الأولى ويكون غير قادر على تحقيق الإشباع ، بينما بنضجه يكون قادرًا على تحقيق الرفاهية فيوصف أدائه الوظيفي بالمتقدم ، أما حالة التخلف فهو اختلال مَرَضي وتشوه ببنية الكائن العلائقي يتدهور بقدره أداءه الوظيفي ، الكائنات الإقتصادية الوَحْدية تُمثل خلايا اقتصادية بنشأة علاقة بين اثنين أو أكثر منها ينشأ كائن جمعي ، وبنشأة علاقة ما بين كائنين جمعيين بسيطين ينشأ كائن اقتصادي جمعي على مستوى أعلى وأكثر تعقيدًا وهكذا إلى أن يتشكل الكائن الإقتصادي القومي ثم العالمي داخل الكون الإقتصادي (the economic universe) هو البيئة التي تحوي نشأة وتغير وعلاقات الكائنات الإقتصادية ، والتي يبحث ماهية وجودها علم الأنطولوجيا الإقتصادية (economic ontology) أو علم الوجود الإقتصادي ، وهو العلم المعني بتحديد موضع الكون الإقتصادي بالبيئات الكونية.
الأنطولوجيا بشكل عام هي علم الوجود ، أو الفلسفة التي تبحث في أصل الوجود الكوني ، والذي ينقسم إلى بيئة طبيعية (Natural environment) تتكون من كائنات محسوسة غير عضوية (كالتربة والصخور والمعادن) ، وكائنات عضوية (كالنبات والحيوان والمترممات) ، وبيئة اجتماعية (Social environment) فوق عضوية تتكون من كائنات غير محسوسة (لا يُمكن إدراكها بالحواس الخمسة وإنما يُمكن الإستدلال عليها بمنطق حِسي) مصاحبة للكائنات العضوية (كالشخصية والجماعة) ، والتي تُمثل جسد من من الخصائص المعنوية التابعة للكائن العضوي كالشخصيه المُفردة والتي بإجتماعها مع شخصية أخرى أو اكثر وتحدث بينهما علاقة منتظمة ينشأ كائن فوق عضوي أعلى تعقيدًا كالجماعة ثم المجتمع والذي يتكون من مجموع الجماعات المستقلة المترابطة ، وتقوم على دراسة تلك البيئة العلوم الإجتماعية ، كما يُمكننا تمييز بيئة فيزيائية (Physics environment) تتكون من الكائنات فوق الغير عضوية (كالجاذبية والطرد المركزي والموجات الغير حسية) والتي تترتب على الظواهر الغير عضوية (الطبيعية) الحسية وتصاحب وجودها المادي كما ينشأ عن اجتماعها كائنات فوق غير عضوية على درجة أعلى من التعقيد كالموجات الكهرومغناطيسية التي تنشأ عن تعامد موجات مغناطيسية وموجات كهروبائية ، وأخيراً البيئة الميتافيزيقية (Metaphysical environment) والتي تنطوي على الغيبيات التي يعتقد فيها الفرد أو المجتمع وتقع داخل وعيه ، والتي تقوم على دراستها العلوم الإنسانية وتشمل دراسة الروحانيات والغيبيات والأديان والفلسفة والآداب والفنون" (جامع، علم الإجتماع الريفي والتنمية الريفية، 2010، صفحة 15).
وتتفق الأدبيات الإقتصادية على موضعة الكون الإقتصادي (the economic universe) بكون العلوم الإجتماعية (universal social science) (Shionoya, 2009, p. 4) ، والتي تختلف عن العلوم الطبيعية التي تتناول الموضوعات الحِسية ، وهي كل ما يُمكن إدراك وجوده حِسياً بواحدٍ أو أكثر من الحواس الخمسة ، أما العلوم الإجتماعية والإنسانية فتتناول الموضوعات اللاحسية أو المعنوية أو الشعورية ، وهي كل ما لا يمكن إدراك وجوده بأي من الحواس الخمسة ، ولكن يمكن أن يستدل على وجوده حِسياً بواحدٍ أو أكثر من الحواس الخمسة ويتعلق بالإنسان سواء على المستوى الفردي أو الجماعي ، سواء من خلال استقصاءات الرأي أو مشاهدات السلوك ، وهي تختلف بذلك عن الميتافيزيقا ، وهي الموضوعات التي لا يمكن إدراكها حسياً ولا الإستدلال على وجودها حِسياً ، فالعلوم الإجتماعية موضوعاتها معنوية إلا أنها مُرتبطة لِزوماً بالوجود الإنساني المادي وتنتفي خارج إطاره ، فإذا تناولنا الموضوعات المتعلقة بالجانب المعنوي للإنسان المفرد كان ذلك ضمن العلوم السيكولوجية أو النفسية ، أما إذا تناولنا الموضوعات المتعلقة بالجانب المعنوي لمجموعة من الأفراد كان ذلك ضمن مباحث علم الإجتماع والأنثروبولوجيا ، ومن هنا يظهر موضوع القيمة كموضوع إنساني وإجتماعي ، فالقيمة هي كل ما كان محل تقديراً مُثمناً ، فإذا كان تقديراً عاماً فاعلاً أصيلاً يشترك فيه أي فرد كانت قيمة إقتصادية إنسانية ، أما إن كان تقديراً خاصاً يشترك فيه مجموعة من الأفراد في زمان أو مكان محدد كانت قيمة إجتماعية.
لقد ظل ثابتًا لدى المُنظِرين الأوائل الفيزوقراط والكلاسيك وحتى الماركِسيُون اعتبار كائن المنفعة ذات القيمة الإقتصادية الموضوع بالكون الإجتماعي موصوف كعلاقات اجتماعية بين الأفراد ، على خلاف بين الفيزوقراط والكلاسيك الذين وصفوها بالإستاتيكية وبين الماركسيين الذين اعتبروها ديناميكية ، أما الحديين فرؤيتهم من منظور المنفعة قادتهم إلى اعتبار العلاقات الإقتصادية سيكولوجية بين الأفراد والأشياء وليست اجتماعية بين الأفراد والأفراد ، فهي علاقات تبدأ من شعور الفرد بالحاجة تجاه المنفعة التي يتضمنها الشئ ، أما النيوكلاسيك بريادة مارشال فقد جمعوا ما بين العلاقة الإجتماعية التقليدية وما بين العلاقة السيكولوجية ، ومن ثم تصاعد مفهوم الشخصية الإقتصادية كنمط سلوكي معين للفرد تجاه المنافع الإقتصادية ، أما روبنز فقد عكس نفس الرؤية السيكولوجية واعتبرها تبدأ من خاصية الندرة بالشئ تجاه الفرد وحاجته ، الكلاسيك كانت رؤيتهم السوسيولوجية للعلاقات الإقتصادية من جانب العرض كتدخل اجتماعي تكتسب بموجبه الموارد صفة الأموال ، بينما الحديين كانت رؤيتهم السيكولوجية للعلاقات الإقتصادية من جانب الطلب والذي يمثل دافع تلك التدخلات ، وبدمج النيوكلاسيك للمنظورين يتضح موضع تقاطع الكائن الإقتصادي بين العلاقات الإجتماعية والعلاقات الشخصية ببئية العلوم الإجتماعية.
وإذا كانت هذه الكائنات فوق العضوية غير حِسية أي لا يُمكن إدراكها بالحواس الخمسة (السمع، البصر، اللمس، التذوق، الإستنشاق) إلا أنه يُمكن الإستدلال عليها بمنطق حِسي ، فالفرد الذي يذهب إلى المصنع لأداء دور إنتاجي يربطه بتلك الوحدة علاقة عمل ، أي أن العلاقات الإقتصادية وإن كانت كائنات معنوية غير موصوفة حِسياً إلا أنه يُمكن تكوين تصور ذهني لها فيما يُعرف "بالنظرية" (theory) والتي تُقابل في مفهومها الصورة الحِسية الناتجة عن نظرة حسية لكائن مادي ، وبناءً عليه فالنظرية الإقتصادية الكُلية (Economic theory) هي نُسق علمي لجملة المعرفة العلمية الإقتصادية من نظريات وقواعد وقوانين ومبادئ ومفاهيم ، والتي تكشف في مجموعها طبيعة ظاهرة علاقات إنتاج وتوزيع الأموال النفعية (القابلة للتبادل) ، أي كيف يتم خلق المال؟ وكيف يحوزه الأفراد؟ ، فعلم "الإقتصاد السياسي" على خلاف علم المحاسبة الذي يهتم بحصر أو تقدير قيمة عوائد عوامل الإنتاج وتناسبها مع قيمة الأصل ، يهتم ببحث علاقات عوامل الإنتاج وعوائدها من حيث التغير وفقاً لسياق تطورها التاريخي ، أو علم القرار بشأن الثروة والمبني على رؤية نظرية بغرض التأثير في متغيراتها ، ومن هنا كان وصف الكلاسيك له بعلم الثروة ، باعتبار الثروة الموضوع الذي تُبحث علاقاته ، أما النيوكلاسيك فكانت رؤيتهم من منظور الغرض من تلك الثروة ، فالنشاط الإنساني الذي يهدف لخلق تلك الأموال لا يهدف لخلقها إلا لغير لغرض إشباع الحاجات وصولاً للرفاهية ، فالإقتصاد الذي لم تُحقق ثروته أو إنتاجه رفاهية سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي لايزال يتسم بالإشكال بقدر انخفاض مستوى الرفاهية المتحققة ، ويظل حينها البحث الإقتصادي منصب حول كيف يُمكن الوصل إلى تحقق تلك الرفاهية ، ومن ثم فالإقتصاد هو علم الوصول إلى ذلك الجزء من الرفاهية التي تتحقق من خلال الناتج التبادلي ، وعلى ذلك الإتجاه عرفه "بيجو" (Pigou) بأنه العلم الذي يدرس الرفاهية الاقتصادية ، باعتبارها ذلك الجزء من الرفاهية العامة الذي يمكن إيجاد علاقة مباشرة أو غير مباشرة بينه وبين مقياس النقود ، كما عرفه "أودين كانان" (Canan) في كتابه "اقتصاد الرفاهية" المنشور عام 1920 بأنه "العلم الذي يدرس الجانب المادي من السعادة الإنسانية أو الرفاهية المادية" ، إلا أن ذلك المفهوم سيتم انتقاده فيما بعد من مدخل الندرة وتقييده بالتواصل ، كما ستظهر وجة نظر جديدة مع سامويلسون بكونه علم اتجاه العلاقات البشرية لخلق وحيازة الثروة بغرض تحقيق الرفاهية.
أما مناسبة اصطلاح "الإقتصاد السياسي" لذلك المفهوم فترجع جذورها لعام 362 ق.م عندما ظهر مصطلح (إيكونوميك) لأول مرة بمؤلف الفليسوف الإغريقي زينوفون 430 – 354 ق.م (Xenophon) ، بكتابه المعنون بـ "إيكونوميك" وهو مصطلح يوناني (Οικονομικός) - (Oikonomikos) صاغه للدلالة على موضوع "إدارة المنزل" من الكلمة "أويكوس" (oikos) بمعنى العائلة ، وكلمة "نوموس" (nomos) بمعنى القواعد أو القوانين ، بحيث يشير المعنى الإجمالي للمصطلح (oikonomia) إلى قواعد أو قوانين إدارة المنزل ، لتنتقل بعد ذلك إلى الإنجليزية بصيغة (Economy) ، وبذلك فإن نشأة مصطلح (الإيكونومي) ظهر لأول مرة مع أعمال الإغريقي "زينوفون" بجانب التحليل الجزئي لعلاقات الإنتاج ، بغرض تناول واجبات الزوج والزوجة بالمنزل والمزرعة ، كمحاولة للتفريق ما بين الأعمال الفنية والدينية وغيرها من أعمال المعاش ، وفي عام 1615 ظهر مصطلح "الإقتصاد السياسي" (Political Economy) على يد الكاتب الفرنسي "أنطوان دي مونكريتيان" بكتابه "مطول في الإقتصاد السياسي" (دويدار، 2003) ، إلا أن بعض الباحثين يرجع صياغة المصطلح إلى ما قبل تلك الفترة تحديد عام 1577 من خلال الفرنسي "جان بودان" 1530-1596م (Jean Bodin) بكتابه المعنون "بالكتب الستة للجمهورية" (Les Six Livres de la République) (جالبريت، 2000، صفحة 10) ، وبالرغم من ذلك إلا أن شهرة ظهور المصطلح ترتبط بـ"دي مونكريتان" والذي قصد بمصطلح "الإقتصاد السياسي" وصف العلم الذي يهدف إلى تحديد معالم السياسة التي يجب أن تتبعها الدولة لزيادة ثرواتها بهدف استقرارها وبقاءها أو قوانين إدارة اقتصاد الدولة أو المجتمع بأكمله ، وبالرغم من أن ذلك الإصطلاح (الإقتصاد السياسي) نقل بؤرة اهتمام موضوعه من المنظور الجزئي (إدار إنتاج المنزل والمزرعة) إلى المنظور الكلي (إدارة إنتاج الدولة) ، إلا أنه لم يقطع الصلات التاريخيه لموضوعه عن التحليل الجزئي ، بل استمرت مؤلفات الإقتصاد السياسي تتناول سياق تطور ظاهرة علاقات خلق وتوزيع الثروة (الإنتاج) بالوصف والتفسير على المستويين الفردي والمجتمعي بالرغم من غلبة الرؤية الكُلية ، واستمر ذلك الوضع إلى أن حدثت أول قطيعة أبستمولوجية عام 1890 مع صدور الطبعة الأولى من كتاب "ألفريد مارشال" المعنون بـ"مبادئ علم الإقتصاد" (Principles of Economics) بحذف صفة "السياسي" (Political) وإضافة (ics) حيث يشير حرف s إلى كلمة (Science) وتسميته "بعلم الإقتصاد" (Economics) كمحاولة للتفريق بين ما هو تجريدي وبين ما هو تطبيقي ، والتأكيد على أن موضوع العلم يهتم في النهاية بالفرد وليس الدولة (دويدار، 2003) ، ومنذ ذلك الوقت وبدأ اصطلاح "الإيكونوميكس" (Economics) ينتشر في العالم الأنجلوسكسوني خاصة بداية من عشرينات القرن العشرين ، وذلك للدلالة على "علم الإقتصاد" كعلم بحت مجرد غير منحاز يتسم بالصرامة الثبوتية ، يميل إلى الإهتمام بالتحليل الوحدوي أو الجزئي (microeconomic) على حساب النظرية التجميعية الكلية (macroeconomic) والتي لم تتطور إلا بعد انتقادات كينز (الببلاوي، 1995، صفحة 126) فقد عكف النيوكلاسيك على إرساء قواعد التحليل الجزئي ، إلا أن ذلك الإصطلاح الجديد "علم الإقتصاد" بما يتضمن من مفهوم جديد يحاول عزل وتجريد العلاقات الإقتصادية عن سياقها التاريخي وحراكها السياسي من أجل الوصول إلى تعميمات موحدة قوبل بالعديد من الإنتقادات انحسر معها لصالح الإصطلاح الكلاسيكي علم "الإقتصاد السياسي" ، والذي يقوم على وصف وتفسير سمات المراحل المتتالية للحركة الدائمة للكون الإقتصادي في سياق تطوره التاريخي لفهم واقعه المعاصر والتنبؤ بمستقبله ، فيما يمكن تعريفه (الإقتصاد السياسي) بنظرية تطور قوانين الاقتصاد القومي ، باعتبارها ظاهرة تتسم بالتغير والحراك المستمر على خلاف "علم الإقتصاد" الذي يفترض لها الثبات وامكانية الوصف المجرد لعلاقات الشخصية الإقتصادية بمعزل عن سياقها التاريخي وافتراض قابلية النتائج لتعميمات ممتدة ، لقد قادت الإنتقادات التي وجهت إلى هذا الإتجاه "علم الإقتصاد" إلى انحساره مرة أخرى لصالح الإصطلاح الأرثوذكسي "الإقتصاد السياسي" والذي يقوم على دراسة الظواهر والعلاقات الاقتصادية باعتبارها ظواهر وعلاقات ذات طبيعة تاريخية واجتماعية لا يمكن فهمها خارج إطارها التاريخي والاجتماعي والسياسي ، فعلى الرغم من وجود قوانين عامة للسلوك الاقتصادي في جميع المجتمعات ، إلا أن لكل مجتمع قوانينه الخاصة التي ترتبط بسياق تاريخي خاص والتي تحدد جوهر ومحتوى السلوك الاقتصادي والعلاقات الاقتصادية.
لقد كانت تلك المواضيع التي يتناولها علم الإقتصاد السياسي من خلق وتوزيع الثروة تُدرج بالكتابات العربية الإسلامية الأولى بدءً من القرن الثامن الميلادي تحت عنوان "المال" وليس الإقتصاد أو الإقتصاد السياسي ، كما في كتاب "الإكتساب في الأرزاق" لمحمد بن الحسن الشيباني (131ه/749م – 189ه/805م) ، وكتاب "الأموال" لأبي القاسم عبيد بن سلام (157 هـ/774 م - 224 هـ/838 م) ، وكتاب "إصلاح الأموال" لأبي بكر بن أبي الدنيا (208ه/823م – 281ه/894م) ، أما ظهور نفس الموضوع تحت مصطلح (اقتصاد أو اقتصاد سياسي) بالكتابات العربية والإسلامية بتعريب مُصطلح (political economy) فيرجع تاريخه إلى الحركة العلمية في عهد محمد علي باشا والي مصر وإرساله البعثات العلمية لنقل علوم الغرب ، وحيث كان أفراد تلك البعثات من خلفيات تعليم ديني اسلامي كان الربط ما بين مصطلح (political economy) والذي يُشير مفهومه إلى علاقات وسياسات خلق وتوزيع الأموال وما بين تعريبه "بالإقتصاد السياسي" ، لإستقرار الإرتباط بالثقافة العربية والإسلامية ما بين لفظ "الإقتصاد" من القصد والترشيد وسياسة الأموال ، إلا أن أفراد تلك البعثات لم يقم منهم أحد بتأليف أو ترجمة أي كتاب حول ذلك العلم واقتصر الأمر في البداية على تطبيق تلك النظريات والمعارف في الحياة العملية والدواوين ، أي أن مُصطلح الإقتصاد السياسي العملي عُرف واستقر في مصر قبل مُصطلح الإقتصاد السياسي النظري (علم الإقتصاد السياسي) ، واستمر ذلك الوضع حتى قررت وزارة المعارف إدخاله في مدرسة الحقوق والتي تم إنشائها في عهد الخديوي إسماعيل (فترة حكمه 1863-1879م) عام 1868م وتدريسه بالإنجليزية والفرنسية من قِبل أساتذة أجانب ، وفي عهد الخديوي عباس حلمي الثاني (فترة حكمه 1892-1914م) بدأت حركة التعريب بعلم الإقتصاد بإنشاء جمعية "التعريب لترجمة الكتب الحديثة في الاجتماع والاقتصاد" عام 1893م بعضوية علي باشا أبو الفتوح ومحمد مسعود وكامل بك إبراهيم وصالح نور الدين والتي قامت بأول ترجمة لكتاب اقتصاد وهو كتاب "الإقتصاد السياسي" لجيفونز عام 1894م إلا أن الجمعية انحلت بعد ذلك العام ، وفي عام 1908 ظهر كتاب "مبادئ الإقتصاد السياسي" تأليف محمد فهمي حسين ، وفي عام 1911 أصدر محمد طلعت بك حرب كتابه "علاج مصر الإقتصادي ومشروع بنك الأمة" ، وكانت المؤلفات العربية بمجال الإقتصاد في تلك الفترة يغلب عليها الحِس الوطني والديني ، وفي عام 1913 أصدرت وزارة المعارف المصرية كتاب "الموجز في الإقتصاد" لروابوليو تعريب خليل بك مطران وحافظ بك إبراهيم من الفرنسية في خمسة أجزاء ، لتتوالى بعد ذلك الكُتب المُعربة والمُؤلفات في مجال علم الإقتصاد ويبدأ تدريس علم الإقتصاد باللغة العربية لأول مرة عام 1920م بمدرسة الحقوق ، وفي عام 1928 قام "حسين علي الرفاعي" بإصدار كتابه "خلاصة الإقتصاد السياسي" (الرفاعي، 1928).

مقدمة كتاب أبحاث في الإقتصاد السياسي

البطراوي، تامر (2017). أبحاث في الإقتصاد السياسي، مطبعة دار بيبول: الطبعة الأولى، الأسكندرية.

Facebook: Tamer Elbatrawy
Email: acms2010@yahoo.com





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,929,359
- المعجزة اليابانية - وخصائص الإدارة اليابانية
- مدخل إلى نظريات إدارة الأعمال الإقتصادية
- الثورة الصناعية الرابعة والتحديات الإقتصادية لفجوة الدخل الخ ...
- الفكر الإقتصادي اليهودي والفكر الإقتصادي المسيحي
- رأس المال التنظيمي (الهيكل التنظيمي)
- رأس المال الفكري (الهيكل الفكري) وعلاقته بالتنمية الإقتصادية
- رأس المال الثقافي (الهيكل الثقافي) وأثره على التنمية الإقتصا ...
- رأس المال الإجتماعي (الهيكل الإجتماعي)
- رأس المال النفسي ورأس المال البشري كمكونات جوهرية بعنصر العم ...
- هل العلاقة ما بين الإقتصاد (متوسط الدخل) وما بين السياسة (جو ...
- عن النفس والعلاقات الإنسانية بالمصري
- هل عملية التنمية الإقتصادية بطبيعتها سريعة أم بطيئة؟
- التنمية الإقتصادية مفاهيم وتساؤلات
- التواصل البيئي: الأرض على طاولة المناقشات مرة أخرى ولكن من م ...
- حوار التنمية بين الشمال والجنوب بالعقدين الأول والثاني
- نظرية التنمية الإقتصادية - الجزء الأول
- نظرية الثورة على التبعية للرأسمالية الإمبريالية: الإرهاصات ا ...
- قراءة أكرونولوجية للتحولات المفاهيمية للسببة التراكمية والدا ...
- روشتة مختصرة للخروج من الأزمة الإقتصادية المصرية الحالية
- ماكليلاند والدافعية للإنجاز.. دفع الهمم نحو التميز والتفوق و ...


المزيد.....




- فرخ حمام سعره يعادل قيمة سيارة فارهة.. فكم ثمنه؟
- مسؤول روسي رفيع يبحث مع الرئيس السوري التعاون الاقتصادي بين ...
- شركات الطيران تعتزم رفع أسعار التذاكر هذا الصيف.. فما علافة ...
- الكرملين تعليقا على تقرير مولر: على دافعي الضرائب الأمريكيين ...
- بعد -اقتلاع البشير-... كيف تغير الجنيه السوداني أمام الدولار ...
- بلومبرغ تنشر مؤشر البؤس الاقتصادي
- مؤشر البؤس الاقتصادي
- تتعلق بحجز أموال وسعر الصرف.. قرارات للمجلس العسكري بالسودان ...
- ماذا حققت مشاركة سوريا في منتدى يالطا الاقتصادي
- قفزة كبيرة في الاستثمارات الأجنبية بروسيا رغم العقوبات


المزيد.....

- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني
- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - تامر البطراوي - نظرية الإقتصاد السياسي مُقاربة تأصيلية