أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد السلام أديب - تمخض الجبل فولد فأرا















المزيد.....

تمخض الجبل فولد فأرا


عبد السلام أديب
الحوار المتمدن-العدد: 5526 - 2017 / 5 / 20 - 04:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مسيرة الريف الشامخ ليوم الخميس 18 مايو 2017 بمدينة الحسيمة للتنديد بالحصار والتخوين والتهميش وابداء النية بقمع واضطهاد شرفاء الريف الأحرار كانت رائعة؛

كما أن شعارات التضامن والوحدة مع كافة الجماهير الشعبية المسحوقة في كافة جهات البلاد والتنديد بالدكاكين السياسية الانتهازية ومؤامراتها لتعميق معاناة جماهير الريف المناضلة ودور التحالف الطبقي المسيطر في تأبيد عسكرة المنطقة وبيع سكانها الاوهام كانت جد واضحة؛

لكن مع الاسف لم يخل اللجوء الى الاستغلال الديني خلال المهرجان الخطابي، من خلفيات سياسوية مبيته لتأبيد تخدير الجماهير الريفية، لأن الدين له جاذبيته عند البسطاء من الناس ويستهدف ترهيب العصاة المتمردون وفرض الوصايا الاخلاقية والأوامر.

فالدور السياسي لإقحام الدين اقحاما في الحراك الشعبي بالريف يستهدف دفع "المؤمن" الى السكينة والهدوء والقناعة والصبر على المكاره والرضى بقدر الله خيره وشره، أملا في ايجاد التعويض ونيل النعيم الأخروي.

أعتقد إذن ان اقحام واستعمال شحنة قوية من الادعية الدينية خلال المهرحان الخطابي كان محضر له سلفا بنية مبيتة، غرضه مناقض تماما للحراك الشعبي الثوري ضد الاستبداد والاضطهاد والاستغلال والتهميش القائم بمناطق الريف وهي القضايا التي ناضل من أجلها كل من الشهيد الشريف محمد أمزيان (1909-1912) ومحمد بن عبد الكريم الخطابي (1921-1926) ومحمد امزيان (1958-1959) فهؤلاء الثوار الاشاوس رغم تدينهم آنذاك إلا أن مضمونهم الديني يختلف تماما عن المضامين السياسية التخديرية للإسلام السياسي اليوم.

فالدين السياسي اليوم كمنظومة فكرية واعتقادية ليس لا تعترض على الانقسام الطبقي القائم ببلادنا اليوم، بل أصبح يشكل أداة لتكريس هذا الانقسام، علما أن مختلف النصوص الدينية ليس لها اعتراض على الفقر أو الغنى أو الملكية الخاصة وهو الشيء الشائع بمنطقة الريف منذ قرن من الزمن رغم هيمنة الدين وسط الاسر الريفية.

كما لا نجد أي اعتراض من النصوص الدينية على نوعية نظام الحكم القائم ما دامت مختلف مؤسسات النظام تدعي التدين بالإسلام سواء خلال الاستعمار المباشر أو غير المباشر الحالي.

إن أنظمة الحكم الملكية والدكتاتورية تجد في الدين اليوم ضالتها المنشودة حيث تلتقي مصالحها في السيطرة على الجموع الغفيرة من الناس، عن طريق تعظيم عنصر الخوف في نفوسهم.

كما أن التزاوج بين الدين والدولة يقوم على أساس أن كلاهما يرتبط وجوده بأن يكون فوق الجماهير، ومسيطر على الجماهير. فالدين يخضع الجماهير بالخوف والترهيب من الآلهة في الحياة ومن عقابها بعد الموت. ووسيلة زرع الأمل والترغيب لدى الجماهير في حياة فاضلة بعد الموت في الجنة.

وتكمن وظيفة فرض الاعتقاد بالدين بالقوة والقانون وشحن العقول شحنا، في خلق مجموعة من المطيعين لأولي الأمر والمسالمين والقانعين والمؤمنين بالقضاء والقدر خيره وشره، وأن الحياة معبر معبر فقط، فلا تطمع في مال غيرك، وأن "لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض" (سورة النساء - 32)، فهو حسد، وعليك بالأعمال الصالحة وطاعة الوصايا الدينية لأنها هي الطريق الى الجنة حيث "حور العين والغلمان المخلدون وما لد وطاب من النعم".

أما الدولة (كأداة سياسية لفرض هيمنة التحالف الطبقي الحاكم) فتقوم مصالحها على السيطرة على الشعب، الجماهير الغفيرة من الناس، وذلك عن طريق زرع المفاهيم التي تجعل وجودها الفوقي المهيمن بهذا الشكل الدائم، وقمع أي تمرد عليها بكافة الوسائل. فالعنف مرتبط بالدولة منذ ظهورها في التاريخ. وقد قامت الدولة اما لإدارة الحروب التي تشنها التحالفات الطبقية المهيمنة، أو لإخضاع الجماهير الشعبية المسحوقة لسلطتها.

إذن فالحراك الشعبي بالريف الشامخ ليلة الخميس 18 مايو رغم سلميته ومطالبه الاجتماعية المحضة، كان محاصرا من جهة خارجيا بتلك الجحافل من القوى القمعية من كافة الانواع والتي كانت مستعدة للتدخل في اية لحظة لارتكاب مجازر مرعبة في حق الريفيين وهو ما سيحدث بمدينة الناضور في الغد يوم الجمعة.

كما ظل هذا الحراك محاصرا من جهة أخرى من داخله بالاستعمال المكثف ل"مخدر الدين"، ونظرا لاقحام تعسفي للمطالب الشعبية البسيطة لاحرار الريف بشحنة كثيفة من "مخدر الدين"، فان القوى القمعية لم تتدخل وتركت لهذا المخدر الأخير ان يحدث مفعوله، فحتى تلك المطالب البسيطة ذات الصيغة البرجوازية الصغرى لن تجد طريقها للتحقيق، لان ضبابية الدين والاغتراب الديني ستدفع الجميع للاستسلام مع مرور الأيام، وسيتلاشى الحراك آجلا أم عاجلا.

اسمحوا لي رفاقي القاعديين لان خطابي هذا موجه لكم لا لغيركم، نظرا لما أكنه لكم من تقدير، "فلقد تمخض جبل الحراك الجماهيري الريفي فولد فأرا"، فلقد بدل فعلا مجهود نضالي كبير ورائع في ظروف جد معقدة منذ استشهاد محسن فكري، لكنه هذا المجهود ظلت تنخره "سوسة الدين" و"المطالب الاصلاحية البرجوازية الصغرى" وتهيمن عليه العفوية دون أدنى تدخل منكم، علما ان الحراك بكامله كان عفويا منذ بدايته في 28 أكتوبر 2016 وقد استطاع رجل واحد منذ البداية تأطيره بشكل فوضوي وتطور على اساس تجميع مطالب حقوقية من هنا وهناك تلتقي مع تفتقده ساكنة المنطقة في ظل تهميشها الكامل فخلق الوهم لدى الجميع انه بمجرد تحقيق تلك المطالب البسيطة ستتغير أحوال الجماهير المسحوقة .

ان ترك الحراك الشعبي الريفي ضحية للعفوية ولنزوات وتطلعات شخص واحد (مع كامل الاحترام لمبادرات هذا الشخص العفوية والتي ظلت وحدها تشحن رمزيا نفوس الجماهير المتعطشة للتغيير)، وضحية لتأطير التيارات الظلامية والشوفينية المتعددة المشارب مما سيشكل في مرحلة لاحقة عوامل تشويه المسيرة الثورية لمساهمة جماهير الريف في تطلعات الشعب المغربي قاطبة نحو التحرر الوطني والاجتماعي، ومنفذا لتفشي عدم الثقة في المبادئ والافكار الثورية ذات التوجه الفعلي للتغيير.

وبالمقابل ستغرق الطبقات الشعبية بهذه المنطقة في الحلول المستوحاة من الميراث الديني المقدس، والجنوح الى الانغماس في الشيئية والمصلحية والأنانية في تقييم ليس الأحداث الجارية، بل الأهداف المرجوة والطموحات المستقبلية التي تشمل المجتمع ككل.

ان هذا المناخ غير الطبيعي الذي يهيء له، سيغرق المنطقة في حالة من الضبابية والميوعة الفكرية، ويضع الحراك الاجتماعي للريف في الطريق الخطأ، مما سيعكس عدم القدرة على التفريق بين أوهام الحلول التي يطرحها موظفو الميراث المقدس، وبين الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يحتاج لحلول ثورية عصرية، لها القدرة على تغيير البنى الفوقية والتحتية في المجتمع المغربي.

ان حدوث مثل هذا الانحراف قد يحتاج الى جيل أو جيلين من المعاناة للخروج من حالة فقدان الاتجاه، وحتى تعرف الاجيال اللاحقة أن الطريق التي سلكتها الاجيال السابقة لن يخرجها من مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية المتأصلة لعقود خلت.

الاجيال اللاحقة ستحتاج الى التعرف على الطريق الثوري الحقيقي القائم على العلم والمعرفة المادية الديالكتيكية، طريق المنهج الثوري للتغيير لكي تتخلص من أوهام الحلول التي يغلب عليها المخدر الديني، حتى تستطيع عادة عربة الحراك الاجتماعي الى المسار الثوري الحقيقي. قد تحتاج الأجيال اللاحقة الى عقود من المعاناة لتكتشف الحقيقة، حقيقة الهوة التي وقعت فيها بسبب التحالف القائم بين الاسلام السياسي والامبريالية العالمية ومختلف القوى الرجعية الكومبرادورية. ولكي تدرك أنه لا مفر من التوجه نحو المنهج الثوري الاجتماعي للتغيير.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الحركة العمالية العالمية في ظل الذكرى المئوية لثورة أكتوبر
- في ذكرى اندلاع ثورة أكتوبر البلشفية
- المادية التاريخية
- المادية الديالكتيكية 2
- المادية الديالكتيكية (1)
- في ذكرى رحيل كارل ماركس
- البروليتاريا النسائية وقضايا تحررها وانعتاقها!
- الحرب الأهلية في المغرب
- هجوم أيديولوجي ظلامي طبقي على الشباب المغربي المتعلم
- الصراع الطبقي في سياق أزمة امبريالية متعددة الأطراف
- الأزمة العامة للنظام الامبريالي العالمي
- حول ما ميز الشبكة الديموقراطية لمواكبة كوب 22
- لماذا يحارب التحالف الطبقي الحاكم التعليم العمومي الشعبي في ...
- لا حلول لحماية البيئة من دون اسقاط نمط الإنتاج الرأسمالي
- رسالة إلى السيد يوسف وهبي
- السياسة الفلاحية والاستمطار
- رد على ادعاءات -يوسف وهبي- أحد كوادر حزب -البديل الجذري-
- قراءة سريعة في حجم المقاطعة الجماهيرية لمهزلة انتخابات 7 أكت ...
- التغيير لن يأتي الا عن طريق المقاطعة الجماهيرية الحاسمة لانت ...
- فصل جديد من الصراع الطبقي بين الشغيلة والكومبرادور


المزيد.....




- السيسي يصادق على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية
- الأمطار حين تفاجئ الرؤساء!
- هجوم سيبراني يقيد حركة نواب البرلمان البريطاني
- السيسي يصدق على اتفاقية -تيران وصنافير-
- هلال شوال في الأردن يظهر بالتصوير الفلكي
- قتلى مدنيون في غارات التحالف على الرقة
- قطر ودول المقاطعة تتفق على هلال شوال
- أبو ظبي تتهم الدوحة بتقويض أمن دول الخليج
- طائرات إسرائيلية تقصف مواقع في سورية
- السيسي يصادق على اتفاقية تيران وصنافير


المزيد.....

- رواية / مزرعة الجنرالات / عبدالنبي فرج
- رأس المال التنظيمي - بحث في إدارة الأعمال ودراسات الجدوى بال ... / تامر البطراوي
- الأوضاع الاجتماعية (الطبقية) في الضفة الغربية وقطاع غزة (199 ... / غازي الصوراني
- حول الإمبريالية وروسيا الإمبريالية 2-2 / سلامة كيلة
- فى ذكرى حرب العاشر من رمضان ( ملاحظات حول حرب أكتوبر 1973) / سعيد العليمى
- هل تصلح الرأسمالية الأمريكية .... نموذجا يحتذى .....؟؟ / علي الأسدي
- النجم الاحمر فوق الصين / بقلم ادغار سنو / الصوت الشيوعي
- العواقب: مذكرات محقق أمريكي / محمد الأزرقي
- في الترجمة ووحدة الوعي الإنساني / شاهر أحمد نصر
- ثمن الخيانة العظمى و تفكك الاتحاد السوفيتي / نجم الدليمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد السلام أديب - تمخض الجبل فولد فأرا