أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم حبيب - واقع وعواقب السياسيات الطائفية والشوفينية على هجرة مسيحيي العراق















المزيد.....



واقع وعواقب السياسيات الطائفية والشوفينية على هجرة مسيحيي العراق


كاظم حبيب
الحوار المتمدن-العدد: 5503 - 2017 / 4 / 26 - 16:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"بمناسبة انعقاد المؤتمر الثاني للمنتدى العراقي لحقوق الإنسان والمؤتمر الثاني لهيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب في العراق في أربيل في الفترة 29-30/4م2017 و1-2/5/2017 على التوالي أنشر هذا المقال للتضامن مع أتباع المكونات الدينية والمذهبية الصغيرة بالعراق التي عانت وما تزال تعاني الأمرين على ايدي القوى الطائفية والقوى الإرهابية العراقية والإقليمية والدولية، وعلى ايدي المليشيات الطائفية المسلحة." كاظم حبيب 26/4/2017
بدأت هجرة العراقيات والعراقيين المسيحيين منذ العهد الملكي وارتبطت بالموقف من الآشوريين في الأحداث المفجعة لمجزرتي سميل وديرابون 1933، وبعد معاناتهم المريرة قبل ذاك حيث تعرضوا للاضطهاد والقتل والتشريد في الدولة العثمانية في فترة الحرب العالمية الأولى، أولاً، وهجرة مجموعة غير قليلة من الأرمن الذين استطاعوا النجاة من الإبادة الجماعية التي نفذتها الدولة العثمانية في أعوام 1915م1916 بحقهم ووصول مجاميع منهم إلى العراق، بسبب ظروف العيش الصعبة حينذاك، رغم ما حصلوا عليه من دعم من أقرانهم الأرمن الذين كانوا قبل ذاك بالعراق ثانياً. ولم يحصل للمسيحيين في فترة الحكم الملكي بعد مجزرة سميل ما حصل لليهود في عام 1941، والذي عرف بفاجعة الفرهود ببغداد والبصرة، ومن ثم التهجير الجماعي لهم في الفترة بين عام 1950-1952 والتي بلغ عددها أكثر من 120 ألف مواطنة ومواطن عراقي من أتباع الديانة اليهودية.
ثم كان نزوح وهجرة مسيحيي العراق في عام 1959 بعد قيام الجمهورية العراقية الأولى عام 1958، أي بعد أحداث الموصل وإفشال المحاولة الانقلابية للعقيد عبد الوهاب الشواف التي تمت بالتنسيق مع القوميين الناصريين والبعثيين وبدعم من الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) حينذاك، حيث أجبر المئات من العائلات المسيحية ترك الموصل والهجرة إلى بغداد والبصرة للنجاة من التهديد بالقتل والنهب والسلب لهم من تلك القوى السياسية القومية والبعثية والرجعية، وبعد أن وضعت إشارة حمراء على دورهم لتمييزها عن الدور الأخرى لمهاجمتها وإلحاق الأذى بهم.
ثم جاء النزوح الأكبر والهجرة الواسعة في أعقاب انقلاب شباط عام 1963 حيث تعرضت العائلات المسيحية بالعراق عموماً للتهديد والتشريد والقتل وكان منهم من وضع في قطار الموت في العام ذاته، منهم على سبيل المثال لا الحصر الشخصية الشيوعية والوطنية المميزة والشاعر والكاتب الفريد سمعان. وفي فترة حكم عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن محمد عارف بعد انقلابهم على حلفائهم البعثيين في تشرين الثاني 1963 حيث تواصلت هجرة المسيحيين، إذ كانت المضايقات على العائلات المسيحية مستمرة، رغم تقلصها النسبي في فترة حكم عبد الرحمن محمد عارف بالمقارنة مع فترة حكم عبد السلام محمد عارف.
وفي فترة حكم البعث الثانية لم يعلن النظام عن عداءٍ مباشر للمسيحيين، خاصة وأن مجموعة من قادة ومؤسسي حزب البعث كانوا من المسيحيين. ولكن الممارسة العملية كانت تشير إلى عداءٍ مبطن للمسيحيين لعوامل عديدة بما في ذلك قناعة البعثيين والقوميين الناصريين بأن المسيحين وقفوا إلى جانب الشيوعيين وعبد الكريم قاسم وضد البعثيين والقوميين في محاولتهم الانقلابة في عام 1959 بقيادة العقيد عبد الوهاب الشواف، إضافة إلى قناعتهم بأن الإسلام والعروبة صنوان لا يفترقان، وبالتالي فأن أي دين آخر يعتبر مزاحماً للدين الإسلامي، كما إن أي فكر آخر غير الفكر القومي البعثي لا يمكن إلا أن يكون منافساً ومزاحماً وعدواً للعروبة ولحزب البعث والفكر القومي! وهذا التقدير الخاطئ والمقصود يسري على العراقيين والعرب الشيعة أيضاً. ومن هنا كانت هجرة العائلات المسيحية بطيئة وهادئة في البداية، ثم تنامت حين بدأ البعث بالهجوم على القوى الديمقراطية والحزب الشيوعي العراقي، وحين بدأت الحرب ضد الكرد واعتقاد البعث بأن المسيحيين يقفون إلى جانب الكرد في صراعهم ضد حزب البعث، ثم تفاقمت الهجرة في فترة الحرب ضد الشعب الكردي وبقية المكونات القومية بالإقليم، والحروب الخارجية التي بدأت في العام 1980 ضد إيران ومن ثم احتلال الكويت في عام 1990، فحرب الخليج الثانية في عام 1991 وفرض الحصار الاقتصادي الدولي على العراق لمدة 13 سنة من السنين العجاف والمدمرة لوضع الشعب المعيشي والاجتماعي والنفسي.
على امتداد سنوات العقد الثامن عمل صدام حسين بكل السبل غير المشروعة على توفير مستلزمات فرض الحكم الفردي المطلق بالبلاد وإبعاد كل المنافسين له في الحكم. وقد با هذا واضحاً من تخريبه الكامل للعلاقة التحالفية مع الحزب الشيوعي العراقي أولاً، وقبل ذاك مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني، ومن ثم في تنظيم مجزرة جماعية بشعة لرفاقه القياديين والكوادر المتقدمة في حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم أو زج بهم في سراديب السجون الرطبة التي لا ترى الشمس ليخيسوا، على حد تعبير البعثيين أنفسهم. وفي هذه الفترة توفرت كل العوامل الطاردة للمواطنات والمواطنين المعارضين للنظام أو المختلفين معه من وطنهم والهجرة إلى بلد يمكن أن يوفر لهم الحرية والعمل والعيش الكريم والكرامة الشخصية. ولم يمس هذا الموقف المسيحيين وحدهم، بل شمل جميع فئات الشعب وأتباع دياناتها ومذاهبها. لقد أصبح العراق في ظل حكم البعث وصدام حسين تحت وطأة نظام استبدادي شرس وفاشي الأساليب والأدوات، في دولة أمنية بوليسية تمارس أساليب وأدوات عمل فاشية لفرض نفسها على الشعب، وحالة حرب وتجنيد وموت مستمر على جبهات القتال وفي سجون النظام العلنية منها والسرية، وحالة حصار اقتصادي انعدمت فيها سبل العمل والعيش وتفاقمت البطالة والحرمان حتى بدأ الناس ببيع مكتباتهم الخاصة ودور سكناهم ليقتاتوا منها. وكان المسيحيون ضمن من أُجبر تحت وطأة هذه الظروف الاستثنائية للهجرة إلى الولايات المتحدة وأوروبا. وإذا كان العراق بطبيعة النظم السياسية وسياساتها وإجراءاتها وما زال طارداً للمواطنات والمواطنين، فأن هناك دولاً غربية، لاسيما الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا ودول الاتحاد الأوربي الغربية، كانت وما تزال جاذبة لهم بسبب الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان وإيجاد فرص عمل وحماية الكرامة الإنسانية.
وفي الفترة التي شن النظام البعثي العدوان على إقليم كردستان والتي أطلق عليها بحملات الأنفال السيئة الصيت واستخدام الكيمياوي في حلبجة وفي غيرها في العام 1988 وعلى مدى تسعة شهور، وهي حملات تميزت بطابع الإبادة الجماعية الفعلية، حيث أجبر الكثير من المواطنات والمواطنين الكرد، وكذلك جماهير واسعة من المسيحيين والإيزيديين وغيرهم على ترك العراق والهجرة إلى الدول الغربية.
إن الأقسى والأكثر إيجاعاً لأي إنسان عاقل في أي دولة بالعالم ينشأ عند الإساءة لكرامته من خلال ممارسة التمييز إزاءه، إذ يتحول عندها إلى مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة، عندها يشعر بأنه لا يعيش في وطنه وبين مواطنات ومواطنين لا يختلفون عنه إلا بالدين أو المذهب أو القومية. وأغلب من غادر العراق من المسيحيين قد تعرضوا لهذا التمييز المجحف واللاإنساني واللاأخلاقي في آن واحد. لقد تعرضوا للبطالة كغيرهم من المواطنين، وتعرضوا للسجن في نضالاتهم مع الشعب، وتعرضوا للتعذيب والقتل كغيرهم من المواطنين، ولم يدفع بهم إلى الهجرة. ولكن حين لا يبدأ التمييز فحسب، بل والمضايقة والإساءة المستمرة، ثم التهديد بالقتل والتشريد من مناطق السكن، عندها يبدأ المواطن بالتفكير بالهجرة والخلاص من الجحيم الذي يعيش فيه. فالتمييز لا يقتصر على النظرة غير السوية إزاء الآخر من دين أو مذهب أو قومية أخرى فحسب، بل يسري على مجالات التوظيف وإبعادهم عن السلك الدبلوماسي ووزارة الخارجية والداخلية والتعليم والمواقع المهمة في القوات المسلحة وفي القضاء...الخ، وحين يصبح التهديد بالقتل والقتل الفعلي على الهوية لا للشخص وحده، بل ولأفراد عائلته وعيشه ودار سكنه ومحل عمله، عندها لا يجد أي مبرر لبقائه في الوطن الذي ولد فيه وترعرع، كما كان وطناً لأجداده منذ قرون كثيرة.
إن معاناة المسيحيين لم تكن قليلة في ظل حكم البعث الثاني، ولهذا أجبر عشرات الألوف منهم على الهجرة إلى الدول الغربية، ولكن ما حصل في ظل النظام الطائفي المقيت فاق كل الفترات السابقة بنسب كثيرة مضاعفة. وهي التي اقترنت بثلاثة عوامل أساسية:
1. سياسات التمييز إزاء المسيحيات والمسيحيين من منطلق ديني متشدد تمارسه الدولة وسلطاتها الثلاث ومؤسساتها المختلفة.
2. الإجراءات العدوانية التي مارستها الميليشيات الطائفية المسلحة بمدن الجنوب والوسط، لاسيما بغداد، وفي شمال العراق، بما تعرضوا له من ملاحقة وتهديد وتشريد وقتل وحرق للكنائس ومصادرة للبيوت ومحلات العمل، إضافة إلى النهب والسلب، كما تعرضوا للتغيير الديمغرافي في شمال العراق وبإقليم كردستان العراق. ويمكن إيراد النموذج الآتي ليعبر عن عشرات بل مئات الحالات الأخرى المماثلة أو بصيغ أخرى لمصادرة دور المسيحيين ببغداد وبمناطق أخرى من العراق. فقد نشر الكاتب والصحفي أمير العبيدي مقالاً بعنوان: "العراق ... حيل قانونية للاستيلاء على عقارات المسيحيين"
" يشخص الأطباء حالة المغترب العراقي يونادم ألبير(57 عاماً)، على أنها جلطة دماغية نتج عنها شلل نصفي في الجانب الأيمن من الجسم، فيما يؤكد ولده أن خبر الاستيلاء على بيتهم في ضاحية الكرادة في العاصمة بغداد وبيعه باستخدام أوراق مزورة هو السبب الذي أدى الى شلل والده وإصابته، بحالة نفسية حادة يرفض معها الكلام لأي شخص، وحتى المختص النفسي، الذي يزورهم باستمرار في شقتهم الصغيرة التي استقروا فيها، بعد وصولهم في الصيف الماضي الى مدينة مالمو السويدية.
أجبرت التهديدات الأمنية اليومية واستهداف العراقيين المسيحيين، بعد الغزو الأمريكي في عام 2003، ألبير على ترك منزله الفخم في العاصمة العراقية والتوجه إلى الأردن، حيث استقر مؤقتاً، مدة ثلاثة أعوام، بينما تم تسجيله وعائلته في برنامج إعادة التوطين الخاص بمملكة السويد التي وصلها قبل 9 سنوات. فادي ألبير، الابن الأكبر للمغترب العراقي المريض، يروي لـ"العربي الجديد" تفاصيل ما وقع معهم "أغلقنا المنزل في حي الوحدة بمنطقة الكرادة بالعاصمة العراقية والبالغ مساحته 1000 متر مربع، سلمنا مفاتيحه إلى إحدى العوائل التي تسكن بجوارنا، منذ فترة طويلة، فوجئنا باتصال منهم أخيراً، بوجود أعمال ترميم وصيانة وتأثيث تجري في بيتهم، وأن المهندس المشرف على الأعمال قدم لهم سند تحويل ملكية جديد صادر باسم المالك الجديد الذي لا يعرفه، أي شخص من سكان المنطقة".
يوضح ألبير الابن لــ "العربي الجديد": أنه وبمجرد تلقيه الأخبار السيئة من بغداد قام وبمساعدة بعض الأصدقاء بتوكيل محام متخصص بشؤون نزاعات ملكية العقارات وأرسل له بالبريد الجوي كافة المستمسكات التي تثبت عائدية المنزل لهم، وأرفق معها مجموعة من الصور الفوتوغرافية العائلية لهم في غرف وحديقة المنزل، ولكن حالة الإحباط تضاعفت لديهم بعد الجلسة الأولى في المحكمة لأن المحامي اعتذر عن متابعة القضية، بكلمات فهم منها ألبير أنه "تعرض لتهديد شديد جعله يرفض الاستمرار فيها على الرغم من كل المغريات المالية التي عرضتها العائلة المغتربة". (أنظر/ أمير العبيدي، العراق ... حيل قانونية للاستيلاء على عقارات المسيحيين، موقع العربي الجديد، 14 آب/أغسطس 2015).

وعلينا هنا ألا ننسى ما لحق بالمسيحيين والمندائيين في وسط وجنوب العراق من اضطهاد وملاحقة وتهديد بالقتل والتشريد واغتصاب الدور ومحلات العمل وحرق الكنائس وقتل المصلين فيها، وإجبارهم على النزوح إلى إقليم كردستان وكذلك الهجرة على الدول الغربية. وحصل هذا الأمر بالنسبة للإيزيديين في المدن التابعة إدارياً للموصل حيث قتل الكثير من العمال والمواطنين بعمليات إرهابية جبانة.
وقد فتحت الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية أبوابها لوصول المسيحيين، وكذلك الكنائس والجمعيات الخيرية المسيحية. وهو أمر فيه جانب سلبي، إذ يشجع على الهجرة من العراق، وهي خسارة فادحة، إذ لمن يعود إلى العراق من يهاجر الآن، والثاني إيجابي يعبر عن روح التضامن والاحتضان وإنقاذ الناس من الحرمان العذاب والقتل المحتمل.  
اجتياح الموصل وعواقبه المدمرة على العراقيين المسيحيين


في يوم الثلاثاء العاشر من شهر حزيران/يونيو 2014 توجهت مجموعة لا يزيد عدده أفرادها عن 800 مسلح من عصابات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) وعبرت الحدود السورية باتجاه الموصل. واستطاعت أن تجتاح الموصل بسرعة فائقة، إذ لم تواجه مقاومة من الجيش العراقي المعسكر بالموصل ولا قوات الشرطة والأمن العراقي ولا من سكان الموصل. ووجد في ذلك اليوم بالموصل 75 ألف عسكري وأمني عراقي، أي ما يزيد عن أرفع فرق أمنة وعسكرية مزودة بأحدث وأفضل الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة وبتجهيزات هائلة تفوق حاجة هذه القوات لأغراض الدفاع عن محافظة نينوى، بل فيها أسلحة ذات طبيعة هجومية ودفاعية، بما في ذلك * عربات مدرعة و * عربات من طراز "همفي" الأميركية و* دبابات "ابرامز 16" من معسكر الغزلان بالموصل. وكان قبل ذاك قد استولى داعش على قطع سلاح نوعية كبنادق أميركية متطورة بعد هروب قطاعات عراقية من المجمع الحكومي وقتها في الرمادي مع عتادها، إضافة إلى حصول التنظيم على مناظير عسكرية متطورة.1 والمعلومات الموثقة تشير إلى وصول "كل من قائد القوات المشتركة للجيش العراقي الفريق أول ركن عبود قنبر وقائد القوات البرية الفريق الركن علي غيدان إلى الموصل للإشراف على الخطط الأمنية في المحافظة بعد ورود أنباء عن ظهور المسلحين فيه، إضافة إلى الفريق مهدي العراوي، قائد عمليات نينوى إلى الموصل في اليوم الذي سبق الاجتياح، أي في يوم الاثنين المصادف 9 حزيران/يونيو 2014. 2
لقد انسحبت القوات العراقية الأمنية والعسكرية كلها مع قياداتها التي كانت بالموصل والقائد العام للقوات المشتركة وقائد القوات البرية وقائد عمليات نينوى وبقية القيادات من الموصل هاربة وسلم القادة أنفسهم على الپیشمرگة لحمايتهم من داعش حتى أن يخوضوا قتالاً ولو ليوم واحد. وتواجه الباحث العديد من الأسئلة عن العوامل التي أدَّت إلى هذا الانسحاب الانهزامي الهروبي من جانب القوات المسلحة العراقية؟ ولماذا لم يقاوم سكان الموصل هذا الاجتياح العدواني على مدينتهم؟ ولماذا تركوا مدينتهم يجتاحها الطاعون الإسلامي المتطرف ليستبيحها ويستبيح من فيها من إيزيديين ومسيحيين وشبك وتركمان؟ وما هي العواقب التي ترتبت على ذلك؟ ثم من كان المسؤول عن قرار الانسحاب الكامل أمام قوات الغزو الوحشي الداعشي؟
كان نوري المالكي، رئيس الوزراء في دورته الثانية والقائد العام للقوات المسلحة العراقية، قد مارس سياسات اتسمت بالطائفية المتشددة والمناهضة للسنة العرب في كل أنحاء العراق، وتجلت في ما حصل قبل غزو الموصل بالأنبار، وخاصة بالفلوجة والرمادي وأنحاء من بعقوبة، من نهج عسكري عدواني لإخضاع السنة لإرادته والتي فسحت في المجال لقوات القاعدة ومن ثم داعش الهيمنة على الفلوجة ومناطق واسعة من الأنبار. هذه السياسة ذاتها مارسها بالموصل، حيث وجه قوات مسلحة وقوات أمنية شيعية وقادة عسكريين شيعة وفاسدين إلى الموصل حيث مارست عمليات تقترب من محاولة تركيع الموصل لإرادته وسياساته، والتي رفضها نساء ورجال الموصل الذين يعتزون كباقي سكان العراق بكرامتهم. ونشأت عن ذلك أوضاعاً استثنائية مناهضة للنظام العراقي وللقوات المسلحة التي تسعت للحط من كرامة الناس وعزتهم وفرض مختلف صيغ الفساد عليهم. كما إن هذا التكديس الكبير للقوات الأمنية والمسلحة جاءت نتيجة هاجسه الشوفيني والطائفي المناهض للكرد رغبته الجامحة بتوجيه ضربة للقيادة الكردية وقوات الپیشمرگة متى سنحت الفرصة وتحركت القيادة الكردية بالاتجاه المضاد له. وبالتالي لم يكن وجود القوات المسلحة بالموصل لحماية الموصل من عدو خارجي، بل كانت موجهة ضد "عدو" متخيل بجموح، هم أهل الموصل والأنبار وصلاح الدين من جهة والكرد من جهة أخرى. ولهذا لم تكن قوات الجيش والقوات الأمنية مهيأة لأي معركة مع الخارج لأنها فاسدة وكانت منشغلة بجمع الأموال وبيع الأسلحة المتاحة في السوق السوداء.
هذا الواقع يجيب عن السؤال الآخر، حين لم يجد أهل الموصل من النظام العراقي ما يدفعهم للدفاع عنه، وبعد أن مارس معهم سياسة التمييز والتهميش والإهمال والإقصاء لأبشع الأساليب المتوفرة لرئيس الحكومة، مما اعتقد الكثير منهم بأن هذه "العصابات" الإجرامية ربما ستساعد في خلاصهم من المليشيات الطائفية المسلحة التي كانت موجودة بالموصل ضمن القوات المسلحة والقوات الأمنية العراقية وتمارس اضطهادهم. حتى إن البعض قد أعلن عن فرحته بوصول عصابات داعش المتوحشة إلى الموصل، باعتبارها قوة إنقاذ لهم من نهج وسياسات نوري المالكي الظالمة بحقهم والموغلة بعدائها لأتباع الديانات والمذاهب الأخرى والمسيئة لكرامتهم.
كما إن قوات الپیشمرگة هي الأخرى لم تقف بوجه عصابات داعش المسلحة حين اجتاحت سنجار وسمّار وغيرها في الشهر الثامن من عام 2014 وانسحبت أمامها دون أن تقاومها وتدافع عن سكان هذه المدن المكتظة بالإيزيديين بشكل خاص وكذلك عن مناطق أخرى في سهل نينوى وتلعفر...الخ، مما تسبب بوقوع كوارث إضافية هائلة للإيزيديين في المنطقة ولاسيما سنجار. والجميع ما يزال يتذكر مأساة جبل سنجار في عامي 2014 و2015.
لقد كانت هناك خلايا نائمة ومتحركة في آن واحد بالموصل قبل اجتياحها، وهي تابعة لداعش، ولم تكن هناك مقاومة وتصدي لها من جانب القوات المسلحة والقوات الأمنية ولا من جانب السلطات المحلية بالموصل. وحين بدأ الاجتياح برزت قبل يوم من ذلك تلك الجماعات المسلحة وتحركت لتستقبل عصابات الاجتياح وتشاركها استباحة الموصل وشعبها.
العواقب الرقمية لاجتياح الموصل
** في عام 1980 كان هناك مليون و600 ألف مسيحي في العراق.
** قبل عام 2003 كان هناك 850 ألف مسيحي في العراق.
** عدد النازحين والمهجرين من المسيحيين بعد منتصف 2014 في كل العراق = 200 ألف نازح، و40% منهم غادروا الوطن. ثم تفاقم النزوح ليتراجع عدد السكان المسيحيين إذ:
** يتراوح عدد المسيحيين بين (250 - 300) ألف نسمة.
** عدد الشهداء من عام 2003 ولغاية نهاية عام 2016 قد بلغ = 1214 شهيد.
** عدد الكنائس والمزارات التي فجرت بعد منتصف 2014 في كل العراق = 35
** عدد القتلى المسيحيين الذين استشهدوا بعد 2014 في كل العراق = 107
** عدد الكنائس والمزارات والأديرة الذي تعرض للتخريب والتدمير والحرق منذ سقوط الدكتاتورية في عام 2003 ولغاية نهاية عام 2016 بلغ 149 كنيسة ومزار ودير.3
وفي 28/أذار/مارس 2017 ذكر أمين عام الإحصائيين العرب غازي رحو في لقاء صحفي مع محمد الغزي عن موقع إيلاف بشأن الكنائس المدمرة ما يلي:
" لم تبق كنيسة في الموصل الا وهدمت ودمرت، وكذلك الأديرة دمرت عن بكرة أبيها، وما نهب منها من وثائق وموجودات لا تقدر بقيمة مطلقا، فهناك مخطوطات نادرة تعود الى مئات السنين سرقت وهربت ونهبت، لم يبق سوى دير واحد وهو دير مار متى لأنه على جبل جدا مرتفع وفي منطقة لم يستطع تنظيم داعش في الموصل"،4 الوصول إليه. كم أشار بما يلي: "ومؤخرا، فوجئنا انه وبعد تحرير مناطق في سهل نينوى ان هناك تدميرا لدور المسيحيين من قبل جهات غير معروفة، الجيش يحرر المنطقة ويتقدم، السؤال من دخل هذه المناطق ودمر هذه البيوت."5
وفي ضوء هذه المعلومات يلاحظ المتتبع إن عدد شهداء المسيحيين بين 2004 حتى منتصف عام 2014 بلغ ما يقرب من تسعة أضعاف الذين استشهدوا على ايدي عصابات الجريمة الفاشية داعش، وإن عدد الكناس التي دمرت واعتدي عليها بلغت أكثر من ثلاثة أضعاف الكنائس التي دمرت على أيدي عصابات الجريمة الفاشية داعش. أما عدد النازحين فقد بلغ.
لقد كان وما يزال النظام الطائفي المحاصصي شراً ووبالاً على أتباع الديانات الأخرى، لاسيما على المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين، وعلى الشبك بكل خاص بعد اجتياح الموصل. إذ إن المسيحيين يواجهون كارثة الهجرة المتسارعة صوب الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا للخلاص من احتمال الموت على أيدي الدواعش أو على ايدي المليشيات الطائفية المسلحة وقوى الجريمة المنظمة بالبلاد. فانحسار عددهم من 1600000 نسمة في عام 1980 إلى حدود 300000 ألف نسمة في عام 2016 يعني تقلصهم بنسبة قدرها 81,25% وما تبقى منهم هو 18,75% فقط، وهذه النسبة في تقلص مستمر برز مع بدية عام 2017 حيث سجل استمرارا في الهجرة وتقلصاً في عدد الموجود منهم بالعراق.
وجاء في تقرير الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية عن النزوح الفعلي من مدن العراق لاسيما بغداد والبصرة والموصل وكركوك قبل اجتياح عصابات داعش للموصل ما يلي:
"من خلال التجاوز على رجال الدين والاعتداء على (114) كنيسة ودير الى جانب عمليات الخطف والابتزاز والقتل من قبل جهات متطرفة متنفذة وعصابات منفلتة وبخطط محكمة واهمال حكومي واضح اضطر المسيحيون الذين اصبحوا مسلوبي الارادة في مدن البصرة وبغداد وكركوك والموصل الى مغادرة مناطقهم الى اخرى آمنة ومن ثم الى خارج العراق، فكان في البصرة قبل عام 2003 ( 1600 ) عائلة اليوم لا تتجاوز (250) عائلة، وفي مدينة الدورة ببغداد كان يوجد ( 30 ) ألف عائلة اليوم لا يتجاوزن ألف عائلة مع إفراغ شبة كامل في مناطق " الميكانيك والكرادة وبغداد الجديدة والمشتل والنعيرية والغدير وكمپ سارة وشارع الصناعة والنضال و52 وكمپ الگيلاني والبتاوين والسنك ومناطق اخرى متفرقة من العاصمة " والعمل بكل مهنية من اجل سرقة أملاكهم في بغداد والتي بلغت (500) عقار، وفي كركوك كانوا (2000) عائلة اليوم لا تتجاوز (300) عائلة، وفي مدينة الموصل كان هناك ( 13) الف مواطن مسيحي قبل دخول تنظيم داعش الارهابي اليوم افرغت بالكامل ناهيك عن تشريد (120) الف نسمة من مدن سهل نينوى."6
يشير التقرير السنوي الصادر عن منظمة شلومو للتوثيق عن حقائق مذهلة بشأن الإبادة الجماعية التي تعرضت لها العائلات المسيحية وحجم الانتهاكات المريرة. فقد صدر "عهد الذمة عن "دائرة القضاء" في "ولاية الموصل" عن "الدولة الإسلامية" الذي ورد فيه الموقف من وجود المسيحيين بالموصل والذي تضمن ما يلي:

وقد أدى ذلك إلى هروب كل العائلات المسيحية التي تسنى لها الهروب والوصول إلى منطقة آمنة نسبياً، ولكنها لم تنج من ذلك أيضاً، إذ تعرضت 560 عائلة إلى حملة إبادة جماعية ثانية حين هربت من الموصل إلى سهل نينوى ولتهرب مرة أخرى وتتحمل خسائر فادحة في الأرواح وما تملك بعد أن أجبرت على الهرب من سهل نينوى أيضاً نتيجة ملاحقة واحتلال المنطقة من قبل "عصابات داعش الإسلامية".
ويشير التقرير إلى تعرض 11135 عائلة مسيحية إلى الانتهاك كما يرد في الجدول التالي:

المحافظة أو البلدة
الانتهاكات التي تم توثيقها
عدد العوائل عدد الأفراد
الموصل 1826 6834
بغداد 294 1094
بغديدا – قره قوش 4823 11301
كرمليس 536 1968
برطلة 1548 3249
بعشيقة وبحزانى 683 2022
باطنايا 316 1355
تللسقف 481 1094
تلكيف 368 1584
باقوفا 26 140
الانبار 12 50
شنكال (سنجار) 13 57
الأرمن 111 335
متفرقة 98 411
المجموع الكلي 11135 31494





المصدر: تقرير منظمة شلومو للتوثيق في 10 حزيران/يونيو 2016. أربيل، عنكاوا، مجمع
كرمليس للنازحين. ص 3.

وإذا كان هذا مجموع ما تعرض له المسيحيون بالعراق، فأن ما حصل على ايدي عصابات التوحش الداعشية فقد بلغت على النحو الوارد في الجدول التالي:
مرتكب الانتهاك قتل تعذيب اختطاف نقل أطفال استعباد سبي عنف جنسي اجبار على تغيير دين ترحيل طرد تهديد
داعش 115 91 161 1 49 19 30501 30501 2188
المصدر: تقرير منظمة شلومو للتوثيق في 10 حزيران/يونيو 2016. أربيل، عنكاوا، مجمع كرمليس للنازحين. ص 6.

وإلى جانب هذه الوحشية أصدرت هذه الدولة الإسلامية المجرمة قراراً خاصة قضى بتسعير المرأة في النظام الإسلامي الفاشي الجديد، فوضعت أسعاراً محددة للنساء العراقيات الإيزيديات والمسيحيات اللواتي يتم بيعهن في سوق النخاسة الإسلامي كما في الجدول أدناه:

كما تم تمييز دول الخليج بأسعار تفضيلية وأفضلية في الشراء!! وكان البيع لا يتم بدفعة واحدة بل يجري تداول المرأة المباعة من شخص إلى آخر، وهو التعبير الأكثر وحشية وإساءة للمرأة العراقية ولكل نساء العالم، والعالم يعيش في القرن الحادي والعشرين، حيث يتعارض ذلك مع كل اللوائح والمواثيق والعهود الدولة في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة على نحو خاص! وإلى القراء والقارئات الكرام بعض هذه الحالات المشينة:
حالة (1): واحدة من النساء اللواتي عشن هذه الحياة الخانقة في ظل الدولة الإسلامية الفاشية، ذكرت السيدة التي قتل زوجها بذبحه أمام عينها (ع. أ. س) وفقدان طفلها (ه. ع) في شهادتها ما يلي:
"دخل تنظيم داعش الإرهابي إلى مدينة الموصل بتاريخ 9/6/2014 فانتابنا الخوف الشديد والفزع. وبعد ثلاثة أشهر من عدم عودة زوجي إلى المنزل ولكوني كنت حامل لم أخرج لأبحث عنه وبعد ولادة أبنتي (م) خرجت لأبحث عنه فدخلت أحد المكاتب العائد للتنظيم الإرهابي لأسأل عن زوجي المدعو (ع.أ.س) وبعد سين و جيم أبلغني المسؤول بأن زوجي ليس عندهم ولم أحصل على أية معلومة صغيرة عن زوجي بعدها سألني المسؤول عن أسمي وبضعة أسئلة أخرى شاهد وشم الصليب مرسوم على يدي فسألني هل أنت نصرانية، إذن جئتِ لتفجير نفسك هنا؟ قلت له ماذا تقول أنت إنني جئت لأسأل عن زوجي المفقود منذ ثلاثة أشهر. فأجبرني وأخذني إلى مدرسة في الموصل أُسمها اليرموك حيث كان هنالك فتيات أخريات فوضعوا في كل صف (30) فتاةً موزعين على 12 صفاً فكان أكثرهم من الإيزيديات والجرجريات والمسيحيات وكان يتناوب على حراستنا ثلاثة أشخاص وفي كل فترة استراحة يعطونا القليل من الأكل وفي إحدى الليالي المشؤومة دخل علينا ثلاثة من جماعة التنظيم في الأربعين والثلاثين من العمر ليسوا عرباً تحدثوا بلغة لم نفهمها فاختاروا ثلاثة فتيات أنا المتحدثة، و (ل) الإيزيدية أبنة الأحد عشر عاماً و (ع) المسيحية. وأجبرونا على ممارسة الجنس معهم فأبدينا المقاومة وتوسلنا إليهم دون فائدة. أمّا الفتاة القاصر (ل) فقد أصابها نزيف لأنها كانت طفلة بعمر (11) عاماً والتي فقدت أُمها أيضاً.
فتناوب عليَّ (8) إرهابيين في كلِّ مرّة يطلّقني أحدهم ويتزوّجني آخر. فكانت تلك الليلة القذرة المشؤومة أسوء ما شاهدته في حياتي بانتهاك للإنسانية، وعشنا حالة نفسية وهستيرية متردية جدّاً فاستمر اغتصابنا كل يوم ولمرّات عديدة، أتذكر اسم واحد منهم (ف.ش) هذا كان يغتصبني دائماً وكذلك الأخريات واستمر الحال بنا هكذا إلى أن علمت بمقتل زوجي المدعو (ع.أ.س) حيث ذبح ورميت جثته في نهر دجلة.
وصادف أن أحد الحراس على المدرسة كان جيراننا فقال لي ما الذي أتى بك إلى هنا، كان أسمه (أ) من منطقة اليرموك. حيث عرض علّي المساعدة فقلت له بأن مفتاح البيت وطفليَّ الولد الكبير (هـ) عمره (11) عام وبنتي المولودة حديثاً (م) عند جيراننا.
فاتفق معي وقابلته على شباك الصف وأعطاني قصاصة ورقية يطلب فيها مبلغ من المال لإنقاذي وكان ذلك الساعة الثانية بعد منتصف الليل. فأخبرته بمكان الذهب فأخذ المفتاح وذهب إلى البيت وأخذ الذهب.
وفي الصباح وجدنا ثلاثة باصات (28) راكب حيث امتلأت الحافلات وتوجهوا الى مكان غير معروف وكان ذلك ليلاً بعدها علمتُ من كلامهم بأنها الحدود السورية، رفضت العبور الى الجانب السوري وقال للمدعو (أ) جيراني بأني لن أبقى هناك مهما كلّف الأمر أي في سوريا واتفق معي أن يضعني في صندوق إحدى السيارات وبعد أن عبرنا العديد من السيطرات التابعة للإرهابيين وانا في حالة يرثى لها وصلنا الى الموصل فانزلوني في أحد الشوارع فأجرت تكسي وأوصلني الى الدار فوجدت طفليَّ فاحتضنتهم بكل لهفة وبعدها اتفقتُ مع المدعو (أ) مرّة أُخرى ليخرجني الى المناطق الآمنة فأوصلني ليلاً الى مكان لا اعرفه وكان قبل أعياد الميلاد حيث كان الظلام دامس والبرد قارص فحملت ابنتي (م) وأمسكت بيديّ ولدي (هـ) وكنت مع مجموعة كبيرة من العوائل فهربنا باتجاه حدود إقليم وكردستان بعدها سمعنا طلقات نارية لم نعلم مصرها ونتيجة الخوف فقدت السيطرة على مسك يد أبني (هـ) ففلت من يدي ولكثرة الجموع لم أعرف أين بقي وإنني لا أعلم مصيره الى اللحظة، أخيراً وصلنا الى منطقة يسيطر عليها البيشمركة.
إنني أعيش حالة من العصبية والنفسية اليائسة بسبب ضياع كرامتي وشرفي كإنسانة وقعت بين وحوش كاسرة وفقدت كل ما تملك." 7
حالة (2): وجاء في شهادة سيدة اخرى ما يلي:
"فاجئنا 50 مسلح مع سيارات عليها أسلحة متوسطة اوقفونا واتصلوا بقائدهم وبعد 15 دقيقة اعادونا الى قره قوش وفي يوم 8/8/2014 حاولنا الهروب فصادفنا سيارة فيه رجلين مسلحين اخذونا الى كرمليس واخذو مني مبلغ 200 الف دينار واعادونا الى قره قوش وفي يوم 22/8 اخذونا الى بيت قرب اعدادية سارة وفصلوا الرجال عن النساء وفي يوم 23/8 اخذونا و3 اخوات (خ. ف. ج) الى الموصل اسكنونا في دار طابقين الطابق الأول يسكنه افراد التنظيم والثاني فيه 3 غرف نحن 7 في غرفة وفي الغرفة الثانية 30 فتاة إيزيدية أعمارهم ما بين 10- 17 سنة كان افراد التنظيم يغتصبون الفتيات الإيزيديات كل ليلة كنا نسمع صراخهم وبعد 8 أيام قال لي احد افراد التنظيم لماذا لا تقومي على الصلاة فزوجك قد اصبح مسلما وفي اليوم التاسع قالوا لي ان زوجك اسلم، فقلت إن أسلم زوجي فسأسلم لان عليّ اخراج اطفالي الـ 3 وخصاصةً ابنتي التي كان عمرها 11 سنة وكنت أقول لهم انها بعمر 8 سنوات.
وفي يوم 30/9/2014 اخذونا الى المحكمة الشرعية وجعلونا نُسلم وحولونا الي بيت في منطقة (الكبة) وبعد معاناة شديدة والخوف والرعب وقلة الاكل، ساعدنا أحد وكلاء المواد التموينية وبعد الاتصال بأحد الأشخاص تمكنا من الخروج بحجة الذهاب الى المستوصف وعندما وصلنا الى الجسر كان رجلاً بانتظارنا، قال نريد ان نخلصكم عسى الله يرحمنا فأوصلونا الى مكتب خالد بين الحويجة وكركوك ثم الى إقليم كوردستان."8 وهناك المئات من الشهادات التي لا تؤكد ذلك حسب، بل تزيد عليها من ممارسات وأساليب إجرامية وفسق وفجور ونهب وسلب وتشريد وتعذيب وقتل على أيدي المجرمين أبناء هذه الدولة الفاجرة والفاشية في أساليبها وأدواتها وأهدافها الشريرة.
حالة (3): قدم رجل باسم (ي. ي. ب) من مواليد 1963 من قره قوش شهادته وأدلى بما يلي:
"بعد هجوم عصابات داعش يوم 6/8/2014 ودخولهم قره قوش، خرجنا منها ولكن المدعو (ا. ب. ق) رفض الخروج والقى التنظيم المذكور القبض عليه وبقي تحت حكم التنظيم لمدة 10-15 يوم فهددوه بالقتل او اشهار اسلامه فرفض ذلك كرروا ذلك مرة اخرى لكنه تمسك بالرفض الى ان هاجمه 10 افراد من التنظيم فاطلقوا عليه النار فاردوه قتيلا حسب ما ذكره شهود عيان لنا، نتيجة لذلك تدهورت حالتنا النفسية."9
جاء في شهادة المواطن السيد ماجد، نشرت في صحيفة وموقع العرب الصادرة بلندن ما يلي:
“الذين اقتحموا بيوتنا لسرقتنا واغتصاب بناتنا، وضربنا وقتلنا، لم يكونوا عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بل كانوا جيراننا، لهذا كانوا يهجمون وهم يغطون وجوههم، حتى لا نتمكن من التعرف عليهم”، ويؤكد العراقي ماجد وهو ينظر متوجسا من طرف خفي إلى ابنتيه، في سن الثماني والخمس سنوات. كانت ابنتاي صغيرتين جدا ولهذا لم يخطفوهما، لكن الكثير من صديقاتهما لم يحالفهن الحظ، ذات ليلة اقتحم أحد الجيران منزلنا وقال لي: الآن قد حان وقتنا. أبناء هذا الشخص كانوا يلعبون مع أبنائي، ولكنه استولى على منزلي. لن أثق في العرب مرة أخرى ما حييت”، أضاف بنبرة صارمة غاضبة، بينما أبرز بطاقة هوية جاره، قائلا “هذا الشخص أقام في منزلي لمدة عامين، بينما اضطررت للهرب أنا وعائلتي".10
وجاء في نف التقرير ما يؤكد بأن قرى البرطلة، تلكيف والكرمليس وغيرها من القرى المسيحية قد حولتها ميليشيات أبوبكر البغدادي إلى كومة تراب، كما نهبت كنائسها وتم تدمير أيقوناتها، فضلا عن تدنيس مقدساتها.11
وإذ أشير هنا إلى الجانب البشري وما تعرضوا له، والذي يمكن أن يكتب الكثير عن مآسي شعب بكامله كان من أقدم من سكن العراق وساهم في بناء حضارته الإنسانية العتيدة، فأن الخسائر المادية هي الأخرى كانت كبيرة جداً على وفق المعلومات المتوفرة حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2016 كما في الجدول التالي:
المدينة أو البلدة المنازل الآليات المشارع الصناعية المشاريع الزراعية المشاريع التجارية
الموصل 1138 425 302 20 631
بغديدي-قره قوش 2753 1054 201 401 854
برطلة 690 229 91 74 309
كرمليس 454 130 44 124 115
بعشيقة وبحزاني 470 54 44 33 140
تلكيف 269 53 32 37 119
باطنايا 200 97 20 51 32
تلسقف 356 44 29 27 141
بغداد 41 29 26 --- 55
المجموع 5915 1995 745 767 2331
المصدر: تقرير منظمة شلومو للتوثيق في 10 حزيران/يونيو 2016. أربيل، عنكاوا، مجمع كرمليس للنازحين. ص 26.

والحقيقة هي أن هذه الخسائر المادية التي لم تقدر بالأموال، فأنها لا تشمل ما حصل بالعراق كله للعائلات المسيحية، إذ إن ما حصل ببغداد والبصرة ومناطق أخرى، فهي تفوق هذه الأرقام بكثير والتي ستظهر فيما بعد، حين تنجز دراسات ميدانية على العراق كله لمعرفة الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بمسيحيي العراق وبالكوارث التي تعرضوا لها في ظل حكومة أكثريتها من أحزاب إسلامية سياسية، شيعية كانت أم سنية، وبأغلبية شيعية وذات سياسات تمييزية دينية وطائفية.
إن ما حصل للمسيحيين، حصل بشكل مرعب بالنسبة للإيزيديين وبشكل مضاعف إذ اعتبروا الإيزيديين فئة ضالة وكافرة يفترض تصفيتها إن لم تتوب وتتحول إلى الدين الإسلامي. وقد نشر الكاتب الكثير من المعلومات في كتابه الموسوم "الإيزيدية ديانة عراقية شرق أوسطية قديمة" في العام 2017. وهنا يسجل الكاتب شهادة السيد خيري شنگالي، كاتب وصحفي التي سجلها وسلمها بيد الكاتب بتاريخ 08/11/2014، التي تضمنت ما يلي:
الشاهد: خيري شنگالي12
بصفتي شاهد عيان أود أن أوضح لحضراكم ما يلي:
* في يوم 3/8/2914 هاجمت داعش قضاء شنگال مستهدفين أكثر من (350) ألف نسمة معظمهم من الإيزيديين وبدأ النزوح الجماعي لأكثر من 250 ألف إيزيدي إلى كردستان.
* ارتكب داعش جرائم القتل بحق الإنسانية وخير مثال على ذلك جريمة إبادة قرية كوجو في يوم 15/8/2014 حيث قتل كل ذكر يبلغ من العمر (10) سنوات وسبي النساء والأطفال لأهدافهم الدنيئة. حيث بلغ عدد القتلى أكثر من (450) إنسان مدني برئ لا لشيء سوى كونهم إيزيديين. وقبلها تم إعدام (86) رجلاً في قرية قتي وسبي النساء والأطفال وذبح آخرين من ضمنهم المواطن يوسف إبراهيم كارس البالغ من العمر (75) سنة.
* موت مئات الأطفال من الجوع والعطش، كما حدثت حالات رمت الأمهات أطفالهن.
* وصل عدد السبايا الإيزيديات إلى (7000) فتاة وامرأة وقد تم اغتصاب العديد منهن وصلت الحالة إلى عقد النكاح لإحدى الفتيات لـ (7) مرات خلال ساعات معدودة.
* الوضع المأساوي للنازحين في جبل شنگال حيث يقدر (1200) عائلة إيزيدية تعاني من الجوع والبرد القارص وهم داخل طوق من أشرس المجموعات الإرهابية، إذ وصلت الحالة بالعائلات أن يأكلوا الأعشاب .. فلا دواء ولا خدمات..
* تفجير المزارات والأماكن المقدسة وسرقة الأموال الخاصة والعامة وتفجير القرى والمؤسسات الحكومية. لذا أتوجه بندائي إلى مؤتمركم الموقر ومن خلالكم لمنظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي وجميع الجهات المعنية باستغاثة أهلنا من النازحين في جبل شنگال والمخيمات المقامة في كردستان، وشكراً خيري شنگالي، التوقيع، كاتب وصحفي، 18/11/2014"13

الهوامش
أنظر: تعرف على الأسلحة التي استولى عليها "داعش" في الموصل، قناة العربية، 18 تشرين الأول، أكتوبر 2016.
2 أنظر: تقرير "من يقف وراء انسحاب الجيش من الموصل وتسليمها إلى داعش؟" موقع نقاش في 15/06/2014.

3 ملاحظة: لقد وجه الكاتب استفساراً للسيد حميد مراد، رئيس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية عن بعض المعلومات الخاصة بأوضاع المسيحيين بالعراق قبل وبعد اجتياح الموصل، ووصلتني منه المعلومات المدونة في أعلاه مشكوراً، ك. حبيب).
4 أنظر: محمد الغزي، 450 ألف مسيحي بقي في العراق فقط!، لقاء مع أمين عام الإحصائيين العرب، موقع إيلاف في 28/مارس 2017.
5 المصدر السابق نفسه.
6 أنظر: التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان في العراق 2016، الجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية، مصدر سابق. ص 32.
7 أنظر: تقرير منظمة شلومو للتوثيق في 10 حزيران/يونيو 2016. أربيل، عنكاوا، مجمع كرمليس للنازحين. ص 10.
8 أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 25.
9 أنظر: المصدر السابق نفسه، ص 22.
10 أنظر: مسيحيو العراق.. شواهد الوطن المتعدد المهددون بالإبعاد، آلاف المسيحيين لجأوا للفرار الجماعي من العراق إلى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وكندا، مفضلين منفاهم الاختياري على البقاء في وطنهم. صحيفة العرب، لندن في العدد 10531، في 02/02/2017.
11المصدر السابق نفسه.
12 ملاحظة: المقصود بـ (شنگال) مدينة سنجار و"خيري شنگالي" يعني خيري سنجاري. ك. حبيب
13 ملاحظة: الرسالة المكتوبة والموقعة بخط يد السيد خيري شنگال موجودة لدى الكاتب. وقد وضع عنوانه الإلكتروني على الرسالة:
kheripuk@yahoocom





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,820,340,267
- دعوة لاستكمال قائمة بأسماء الشهداء الشيوعيين واليساريين والد ...
- ساعة الحقيقة: مستقبل سوريا بين النظام والمعارضة والصراع الإق ...
- هل هناك ضمانات لانتخابات حرة وديمقراطية بالعراق؟
- الشعب الكردي وحقه في تقرير المصير والوضع الراهن
- هل من معالجة جادة لمشكلات الاتحاد الأوروبي؟
- الصديقات والأصدقاء الأعزاء
- الرفيق العزيز رائد فهمي سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ...
- الجرح النازف: معاناة أهلنا بالموصل!
- نتائج الانتخابات الهولندية واليمين الأوروبي
- رسالة جوابية مفتوحة موجهة إلى الفنان التشكيلي السيد منير الع ...
- سياسات الاستبداد والإرهاب والقسوة تميز نهج الدكتاتور -المسلم ...
- أي جحيم يعيش تحت وطأته شعب مصر، ولاسيما أقباطه!!
- الرفيق الدكتور غام حمدون الغائب الحاضر في قلوب وعقول رفاقه و ...
- ما موقف السلطات الثلاث من فساد المسؤولين بالعراق؟
- ما الموقف من نهج السيد مقتدى الصدر وكتلة الأحرار؟
- مهمات الحركة المدنية الديمقراطية العراقية في المرحلة الراهنة
- عادت حليمة إلى عادتها القديمة، فتباً لها ولعادتها!
- بوابات دخول المسيحية إلى بلاد ما بين النهرين
- ليس هناك من طريق للخلاص غير الشعب وجبهته الديمقراطية!
- نحو جبهة وطنية واسعة لعقلانيي العراق


المزيد.....




- شاهد كيف تصنع شوكولاته -كيت كات- الشهيرة
- روسيا تطور ذخائر منظومة -ديريفاتسيا- المضادة للجو
- دول أوروبية تقاطع القمة المصغرة حول الهجرة
- علماء: السكري علامة مبكرة للسرطان
- -T-72- الروسية ستصبح ماركة مسجلة
- فلسطين تنضم إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية
- عيد الميلاد الـ 70 لأول حاسوب رقمي على وجه الأرض (صورة)
- هجوم تركي وشيك في شمال العراق؟
- أوروبا في مواجهة الخطر الإرهابي..لا حلول جذرية في الأفق
- السعودية تتحالف مع روسيا لمواجهة "التهديد الإيراني" ...


المزيد.....

- نقد مسألة التحالفات من منظور حزب العمال الشيوعى المصرى / سعيد العليمى
- العوامل المؤثرة في الرأي العام / جاسم محمد دايش
- ليون تروتسكي حول المشاكل التنظيمية / فريد زيلر
- اليسار والتغيير الاجتماعي / مصطفى مجدي الجمال
- شروط الثورة الديمقراطية بين ماركس وبن خلدون / رابح لونيسي
- القضية الكردية في الخطاب العربي / بير رستم
- النزاعات في الوطن العربي..بين الجذور الهيكلية والعجز المؤسسي / مجدى عبد الهادى
- مجلة الحرية المغربية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- مفهوم مقاطعة الإنتخابات وأبعادها / رياض السندي
- نظرية ماركس للأزمات الاقتصادية / ستيوارت إيسترلينغ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كاظم حبيب - واقع وعواقب السياسيات الطائفية والشوفينية على هجرة مسيحيي العراق