أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صادق إطيمش - الإحتضار في زمن ألإنتظار القسم الرابع















المزيد.....

الإحتضار في زمن ألإنتظار القسم الرابع


صادق إطيمش
الحوار المتمدن-العدد: 5502 - 2017 / 4 / 25 - 11:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الإحتضار في زمن ألإنتظار ـ القسم الرابع
إحتضار القانون في مضيف العشيرة

في مجتمع الجزيرة العربية قبل الإسلام كانت العصبية القبلية، التي نهى عنها الإسلام، هي السائدة في تنظيم علاقات الناس في ذلك المجتمع. وهذا يعني ان الجزيرة العربية في ذلك الوقت لم تعرف كياناً يسمى بالدولة بالرغم من وجود كيان الدولة هذا على حدودها والمتمثل بالدولة البيزنطية في الغرب والدولة الساسانية في الشرق. وحينما اراد الإسلام استبدال قيادة العشيرة بقيادة الأمة، وهنا ينبغي التأكيد هنا على مفردة الأمة لأن الإسلام رفض الكيان القيصري الذي كان يعكس كيان دولة ايضاً، نقول عندما اراد الإسلام استبدال حكم العشيرة بحكم الأمة نجح في ذلك بعض الشيئ حيث ظلت جذور المنشأ العشائري مغروسة في حياة الناس بعد ان توارثوها جيلاً عن جيل ولم يكن من السهولة التغلب عليها بفترة زمنية تجعل هؤلاء الأعراب يتخلون عن صفاتهم كونهم اشد كفراً ونفاقاً. ويرينا التاريخ بان مفردتي الدولة والعشيرة لم يكونا على وفاق وتلائم بالوجود المشترك، إذ كان لابد من اختفاء الواحدة حين شيوع سيادة الأخرى. ومع التقدم في كيانات الدول التي رافق صيرورتها تبادل العلاقات بين الدولة والعشيرة ودخول عامل الدين كعامل اكتسب اهميته تدريجياً ليبلغ القمة في الدول التي تأسست ارتباطاً به حيث تم ذلك في الشرق من خلال الدولة الأموية والعباسية والعثمانية والفاطمية وغيرها وفي الغرب من خلال دول القرون الوسطى التي قادت الحروب الداخلية ضد مناوئيها وخا رجياً ضد مخالفيها في الدين كالحروب الصليبية مثلاً. وهكذا استمر المد والجزر في العلاقة بين الثلاثي : الدولة ، الدين ، والعشيرة حتى استطاعت بعض المجتمعات رسم طريقها المفضي إلى الدولة المدنية بعد ان حجَّمَت دور العشيرة وركنت الدين في مؤسساته، لتجعل من القانون سيد الموقف في مجتمعات هذه الدول. ومع تأسيس ما يسمى بالدولة الوطنية الحديثة في المجمتمعات التي تخلصت من سيطرة الدولتين الإسلاميتين العثمانية والفارسية ، حاولت الحكومات الجديدة استنساخ نماذج الدول المدنية في تبني العلاقات مع الدين والعشيرة . وهنا تبلور الوضع الخاص الذي افرز دولاً هجينة تجلت فيها مظاهر العوامل الثلاثة : الدولة والدين والعشيرة بنسب تكاد تكون متقاربة مع صعود عامل ما على حساب العاملين الآخرين حسب الظروف التي تسود هذا البلد او ذاك.
وما يتعلق بوطننا العراق بهذا الصدد فإن الدولة العراقية الحديثة التي تأسست على انقاض الدولة العثمانية كانت تمثل هذا الهجين من خلال تعامل المجتمع العراقي مع قوانين الدولة العراقية وتراث وتعاليم العشيرة العراقية وثوابت ونواهي الدين الإسلامي بشكل خاص، والأديان الأخرى عموماً، بمقاييس تكاد تكون متقاربة ، حتى ان الدولة العراقية اضطرت لسن ما يسمى بقانون دعاوى العشائر الذي ظل معمولاً به حتى عام 1958. وقد تحقق بالفعل مبدأ سيادة الدولة بعد الغاء هذا القانون واصبح قانون الدولة هو السائد في حل المشاكل الحضرية والريفية بشكل عام. وحينما اجتمع الرباعي المتآمر على الجمهورية العراقية الأولى والمتمثل بالمخابرات الأمريكية وما حمله قطارها من عصابات البعث بمعاونة بقايا الإقطاع الذي الغت هذه الجمهورية سيادة قوانينه في الريف العراقي مستندين على فتاوى دينية حرمت اراضي الإصلاح الزراعي ، جرى التقرب التدريجي للعشيرة مرة اخرى حتى شكلت في سنين تسلط دكتاتور البعثفاشية مصدراً من مصادر حل النزاعات ليس في الريف فقط. وبعد القضاء على البعثفاشية المقيتة استبشر الناس خيراً بمن اتى بهم الغزو الأمريكي ليستخلفوا دكتاتورية البعث في حكم العراق . إلا ان خيبة الأمل التي بدت تراود جموع الشعب العراقي بمرور السنين تجلت بشكل اكثر وضوحاً حينما رأى الفرد نفسه في مجتمع يقال بانه يعيش في القرن الحادي والعشرين إلا ان كل ما حوله يشير إلى عصر ما قبل الإسلام من حيث عودة حكم العشيرة وتفشي العصبية القبلية التي زادت في ويلات الشعب العراقي الذي سبق وان انتابته ويلات التعصب المذهبية والإلتفاف الطائفي المقيت الذي شكل لأبشع سياسة محاصصات لصوصية عرفها تاريخ العراق الحديث.
المراقب الواعي لما يجري على الشارع العراقي اليوم ينظر بالم وحرقة إلى اختفاء القضاء العراقي في مضايف ودوواين العشيرة العراقية واصبح التراث العشائري ايضاً وليس فقط القانون العشائري المكتوب وغير المكتوب هو الحكم الفصل في المنازعات التي تحدث في المجتمع العراقي. لقد كان من المؤمل ان يشكل الإحتضار البطيئ لقوانين الدولة العراقية في مضايف العشيرة ردة فعل احتجاجية من قِبَل المؤسسة القضائية العراقية التي لم تزل تتمتع كثير من مفاصلها وشخوصها بالإحترام من قبل الكثيرين من اهل العراق والذين لم يزالوا يعولون على هيمنة قوانين الدولة ويتوسمون تحقيق العدالة الإجتماعية وليس حلول المراضاة العشائرية التي تسود المجتمع العراقي اليوم. إنه لمن المخجل جداً ان ينتهي القضاء في العراق الذي اوجد اول قوانين الدنيا إلى ان يكون تابعاً للمجتمع الجاهلي وكل ما يتسم به من العصبيات العشائرية البدائية التي لا تتلائم وتاريخ العراق وإمكانات تطوره نحو الدولة المدنية الديمقراطية بكل الأسس التي تحتاج إليها هذه الدولة، إذ ان العراق ذو امكانيات تؤهله لذلك. الفوضى السائدة اليوم في المجتمع العراقي والتي تجبر المواطن ان يفتش عن الإنتماء العشائري لغرض الحماية او الحصول على حقوق مغتصبة لا تختلف عن فوضى المجمعات قبل الإسلام حيث الخطر الكبير الذي يصاحب كل من لا يثبت انتماءه العشائري .
" روح جيب عمامك " هذه العبارة السمجة التي تتردد على مسامع المواطن حينما تعترضه مشكلة ما هي من اختصاص المؤسسة القضائية اولاً واخيراً. يطلقون هذه العبارة وكأن البلد الذي اوجد اول لائحة قانونية في الدنيا قد توقف عن انجاب رعاة القانون ومنفذي بنوده على الواقع العملي الذي يعيشه المواطن العراقي. إنه الخزي بعينه والخراب الأمني بذاته والتخلف الإجتماعي بكل مفاصله هذا الذي ينتشر على الشارع العراقي اليوم من تجاهل لقوانين الدولة ومؤسسات القضاء التي لا يخفي بعض منتسبيها شيئاً من اللامبالاة في مواجهة هذا الأمر الخطير وكأن احتضار القانون في مضيف العشيرة لا يعنيهم شيئاً.
ماذا نستنتج من كل ذلك؟ النتيجة المنطقية التي تؤكد الفكرة اعلاه والمتضمنة عدم امكانية تواجد سلطتي الدولة والعشيرة في آن واحد ، إذ لابد من تراجع الواحدة امام سيادة الأخرى. وما نراه اليوم من سيادة قانون العشيرة يقودنا إلى النتيجة المنطقية القائلة بغياب سيادة الدولة ومؤسساتها القضائية التي تلعب الدور الهامشي امام دور المضيف العشائري. فإن كان غياب الدولة وقوانينها لم ولن يجرح مشاعر القائمين على امور الدولة وقوانينها فذلك امر يدعو إلى العجب العجاب في بلد كالعراق.
العشيرة العراقية لم تستهتر بالقضاء وقوانين الدولة فقط، بل انها تستهتر بالنظام والأمن الداخلي ايضاً وذلك من خلال بروزها كقوة عسكرية تملك وتستعمل السلاح بكل انواعه وحتى قسماً من الثقيل منه. تستعرض قواها باستعمالات حية للسلاح في شوارع المدن والمناطق الريفية التي تتواجد فيها لأتفه الأسباب مسببة بذلك وقوع ضحايا الرصاص الطائش، وتعلن الحرب على بعضها البعض خارج نطاق سيطرة الدولة وتزج المواطن في معارك طاحنة بالذخيرة الحية.هذا الإستهتار بالدولة وقوانينها يؤكد مرة اخرى ضعف الدولة العراقية امام استفحال قوة العشيرة في تأثيرها على مجرى الحياة اليومية في العراق.
فهل سيطول انتظارنا لثورة القضاء وانتفاضة الدولة لإسترداد الكرامة المفقودة ولنشهد سيادة قانون الدولة واحتضار قانون العشيرة ؟
الدكتور صادق إطيمش





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الإحتضار في زمن الإنتظار القسم الثالث
- الإحتضار في زمن الإنتظار القسم الثاني
- الإحتضار في زمن الإنتظار
- في عيدها الأممي المرأة الكوردية قدوة النضال النسوي
- الإسلام العملي !!!
- إحذروا -- ديمقراطية -- ألإسلاميين
- النزعات الميكافيلية في فلسفة الأحزاب السياسية الإسلامية
- السقوط الأخلاقي لرواد الإسلام السياسي
- آخر ما ابتكرته مختبرات الإسلام السياسي ... تحويل الإنسان إلى ...
- مفردة - الوطن - لا مكان لها بين مصطلحات الإسلام السياسي
- صرخة حرة اخرى ينبغي الإتعاض بها
- طامتا الدولة ... الدين والعشيرة
- قانون الحشد الشعبي ما له وما عليه . . .
- تحية للمؤتمر العاشر للحزب الشيوعي العراقي
- وأعدوا لهم ما استطعتم من النساء . . .
- لا مساومة في حق تقرير المصير . . . القسم الثالث
- لا مساومة في حق تقرير المصير ... القسم الثاني
- لا مساومة في حق تقرير المصير ...
- مسلمون بلا أذان
- سياسة التتريك الجديدة


المزيد.....




- الإعلام على موعد مع بوتين في واحد من أهم مؤتمراته السنوية
- تحطم طائرة ركاب كندية على متنها 25 شخصا
- وفد مصري رفيع المستوى في موسكو لاستئناف الحركة الجوية بين ال ...
- غارات جوية إسرائيلية على مواقع عسكرية في قطاع غزة
- تيريزا ماي تخسر تصويتا حاسما في البرلمان بشأن الخروج من الات ...
- الصحافة البريطانية تبرز هزيمة المرشح الجمهوري في ألاباما
- واشنطن تستعد لإرسال -جنودها الإلكترونيين- إلى ميادين القتال ...
- وسائط دفاع جوي أسقطت -عددا لا يحصى من الطائرات- تبقى في سوري ...
- المتهم بمحاولة تفجير انتحاري يمثل أمام المحكمة في نيويورك
- إسرائيل تقصف 3 مواقع لحماس في غزة


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صادق إطيمش - الإحتضار في زمن ألإنتظار القسم الرابع