أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - محمد مدحت مصطفى - 1-6) تطور حيازة الأراضي في مصر - حيازة الأراضي في مصر الفرعونية















المزيد.....


1-6) تطور حيازة الأراضي في مصر - حيازة الأراضي في مصر الفرعونية


محمد مدحت مصطفى
الحوار المتمدن-العدد: 5496 - 2017 / 4 / 19 - 02:53
المحور: الصناعة والزراعة
    


(1-6) تطور حيازة الأراضي في مصر

حيازة الأراضي في مصر الفرعونية

يعد التنظيم المالي والإداري من أهم سمات الدولة. فاستنادا إلى هذا التنظيم يتم تسيير أمور الإدارة المحلية في كل إقليم، بينما تقوم الإدارة المركزية بتسيير أمور الدولة كلها التي تسرى على جميع الأقاليم. وبدون تنظيم جيد لكل من الإدارة المركزية والإدارة المحلية يستحيل وضع سياسة مالية مستقرة للدولة. هذا ولا توجد دلائل على انقسام المجتمع المصري إلى قبائل في عصر ما قبل التاريخ، بينما تدل أول وثائق مكتوبة على أن مصر كانت مُقسمة إلى مقاطعات معروفة، وأن حدود هذه المقاطعات لم يدخل عليها تغيير كبير طوال فترة الحكم الفرعوني، وأن هناك تغيير طفيف بدأ مع الحكم اليوناني الروماني. وكان المصريون يُطلقون على المقاطعة اسم "سبات" وهو مُشتق من فِعل "سب" أي قسم، وهو ما يُقابل اسم "نوم" التي أطلقها اليونانيون على المقاطعة. ولا توجد أية دلائل على أن تقسيم هذه المقاطعات كان يخضع لأية اعتبارات قبلية، وإنما كان يخضع بالأساس لاعتبارات إدارية وتنظيمية ومالية.

أما قوائم أسماء المقاطعات فكانت تضم بالإضافة إلي اسم المقاطعة، اسم العاصمة، واسم إله المقاطعة وشعارها، أسماء الأعياد المحلية. أما توصيف المقاطعة فكان يتضمن اسم الترعة أو الترع الرئيسية التي تروي المقاطعة، توصيف الأرض الزراعية ونوعية المحاصيل المزروعة وطريقة الري ومدى بعدها عن مصدر الري. ثم توصيف لمناطق الرعي والصيد، وكذلك مناطق صيد الأسماك من البحيرات. كان أول تقسيم إداري عرفته مصر الفرعونية هو التقسيم الثنائي الذي قسمت مصر بمقتضاه إداريا إلى إقليمين رئيسيين هما الوجه البحري والوجه القبلي. وكان الوجه البحري يضم عشرين قسما، والوجه القبلي يضم اثنين وعشرين قسما. وفى مصر البطلمية وبعد تأسيس دولة البطالسة قسمت مصر إلى ثلاثة أقاليم كبيرة هي الوجه البحري ويضم ثلاثة وثلاثون قسما، ومصر الوسطى وتضم سبعة أقسام، ثم مصر العليا وتضم أربعة عشر قسما. وبذلك يبلغ إجمالي عدد الأقسام 54 قسما إداريا وعُرف القسم باسم نوم NOME . أبقى الرومان بعد غزوهم لمصر وتأسيس الدولة الرومانية على التقسيم البطلمى للأقاليم مع تغيير حدود الأقسام فأصبح الوجه البحري يضم اثنين وعشرون قسما ومصر الوسطى ستة أقسام، ومصر العليا ثمانية أقسام. وبذلك يبلغ عدد الأقسام في مصر الرومانية 36 قسما إداريا. بالإضافة للتقسيم السابق ذكره كانت هناك المدن الإغريقية، وهى مجموعة من المدن كان يطبق بها القانون اليوناني ونظم الحياة الإغريقية ويقيم بها عادة اليونانيين الذين استقروا في مصر. وكانت الإسكندرية المدينة الإغريقية الأولى، تلتها مدينة نقراطيس التي أنشأت في عهد الملك بسماتيك الأول عام 650 ق.م بالقرب من مدينة دمنهور حاليا. ثم أنشأت مدينة بطلمية في عهد بطليموس الأول لتكون موطن لليونانيين المقيمين في الصعيد. وفى العصر الروماني أضيفت مدينتان هما براتنيون وهي مرسى مطروح حاليا، وأنطونيو بوليس بالقرب من مدينة ملوي حاليا ليصل جملة عدد المدن الإغريقية إلى خمس مدن.

الإدارة المركزية في مصر الفرعونية
تميزت الإدارة المركزية في مصر القديمة بقدر كبير من الدقة والتنظيم، والذي أصبح إرثا للحكومات المتعاقبة بعد ذك. ففي مصر الفرعونية كان الملك الفرعون يتربع على قمة الإدارة المركزية، ويقبض على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية استنادا إلى صفة الألوهية التي تمتع بها. ويمكن اعتبار القصر الفرعوني بما يضمه من رجال البلاط الملكي قمة الإدارة المركزية بما كان يملكه من حق التدخل في عمل الإدارات الأخرى وكان الوزراء مجرد أدوات لتنفيذ أوامر الفرعون، وهم معينون من قبله، وقابلون للعزل بمحض إرادته. ويتمتع واحد من هؤلاء الوزراء بدرجة أعلـى من الثقـة وهـو الوزيـر الأول ويطلـق علية اسـم "تاتى" أي الرجل الممتاز وهو بمثابة رئيس للوزراء، وغالبا ما يتلقى تفويض من الفرعون لينوب عنه في ممارسة السلطات. ويمارس الوزراء مهامـهم بمساعدة عدد من كبار الموظفـين ذوى الرتـب والألقاب الفخرية، فيقوم بعضهم بوظائف إدارية في القصر من خلال بروتوكول دقيق ومفصل يحدد مكانة كل منهم، بينما يقوم البعض الآخر على أعمال الإدارات المركزية والتي من أهمها إدارة أملاك الفرعون، وإدارة جباية الضرائب، وإدارة مخازن الغلال، وإدارة الري، وإدارة مشروعات التشييد. وتضم هذه الإدارات عدد كبير من الموظفين الذين يشرفون على أنشطتها ويسجلون إيراداتها ومصروفاتها،وقد تزايدت أهمية الكتاب والإدارة البيروقراطية خاصة في عهد الدولة الحديثة.

تحتل "مصر الفرعونية" الفترة الأولي (3197 - 332 ق.م). أما الفترة المتبقية فتُعرف بمصر الهيلينستية وتضم هذه الفترة "مصر البطلمية" وتحتل الفترة (332 – 30 ق.م)، بينما تحتل "مصر الرومانية" الفترة المتبقية (30 ق.م – 640 م) إلا أن هذه الفترة الأخيرة يمكن التمييز داخلها بين "فترة الحكم الروماني" حيث تتبع مصر "روما" عاصمة الدولة الرومانية الموحدة (30 ق.م – 332 م)، وبين "فترة الحكم البيزنطي" حيث تتبع مصر "القسطنطينية" عاصمة الدولة الرومانية الشرقية (332 - 640 م).
حيازة الأراضي في مصر الفرعونية
ابتكر الإنسان المصري الزراعة واستأنس الحيوان لأول مرة في تاريخه منذ حوالي ستة آلاف عام قبل الميلاد، حينما تعرضت مصر لتغيرات مناخية حادة، فازداد الجفاف وزحفت الصحراء ليتراجع أمامها الامتداد الأخضر لوادي النيل، واضطر الإنسان كباقي كائنات ذلك العصر للارتحال والتفكير في طريقة يؤمن بها غذاؤه فكانت الزراعة بما يرافقها من استقرار نسبي على الأرض ومن الحاجة إلي المجهود الجماعي. وقد شهدت مصر محاولات أولية لتكوين الدولة قبل قيام الأسرة الأولي. فقد عرف الإنسان المصري القرية والمدينة فالإقليم، ثم أخذت هذه الأقاليم في الاتحاد مع بعضها، تارة عن طريق الغزو وتارة بدافع المصلحة المشتركة، حتى تكونت أول حكومة شملت مصر كلها حوالي عام 4242 ق.م. ولكن هذا الاتحاد لم يدم طويلا، فما لبثت البلاد أن انقسمت إلى دولتين: إحداهما في الجنوب وعاصمتها "نخب" وشعارها زهرة اللوتس، أما معبودتها فكانت في صورة "أنثى النسر" وحمل ملكها تاج أبيض، والأخرى في الشمال وعاصمتها "دب" وشعارها زهرة البردي، كما اتخذت من "الأفعى" معبودة لها، وحمل ملكها تاج أحمر.

ارتبطت نشأة الدولة في مصر ارتباطا كبيرا بطبيعة الإنتاج الزراعي واعتماده علي الري النهري، والطبيعة الجماعية للإنتاج، ومدي الاحتياج لسلطة مركزية لتنظيم عملية السيطرة على ذلك النهر. كما ظهرت سيطرة الحاكم "الفرعون"، وملكيته المطلقة منذ نشأة الأسرة الأولي، وقد ساعد على ذلك سيطرة فكرة الإله عند المصريين وارتباطها بالفرعون. فقد كان الفرعون منذ بداية التاريخ المصري هو الإله، وكان يعتبر نفسه ويعتبره الناس مبعوثا من لدن الإله ليحكم البشر، فكانت إرادته هي القانون وليست مجرد إرادة لها قوة القانون، ولم يكن هناك مصدر آخر للتشريع إلا مصدر إرادة الملك الإله.

امتد التاريخ الفرعوني المصري قرابة ثلاثة آلاف عام، وتعاقب على حكم مصر خلالها واحد وثلاثون أسرة تعارف علماء التاريخ علي تقسيمها إلى فترات وفقا لمدي قوة سلطة الدولة المركزية. وبصفة عامة استند شكل استغلال الأراضي الزراعية طوال هذه الفترة إلى مجموعة الحقوق والالتزامات المترتبة على حيازة تلك الأراضي، وخاصة حقوق الملكية بما فيها حق الرقبة، وحق الانتفاع، وحق البيع، وحق الرهن، وحق الوقف، وحق الهبة. كما يلاحظ بشكل أن حق الدولة "ممثلة في الفرعون" في ملكية جميع أراضي مصر حق لا ينازع، وكانت الدولة تقوم بتنظيم باقي الحقوق للمواطنين. وعلى ذلك فان أشكال الحيازة كانت تتباين وفقا لمدي ما يتمتع به الحائز من حقوق. وانطلاقا من فكرة الحق الإلهي للفرعون على كل أرض مصر، والتي ترتب عليها قيامه بتخصيص مساحات من الأراضي للأفراد يقومون باستغلالها سواء كحق ملكية كاملة أو كحق انتفاع فقط، فقد ترتب علي ذلك قيام الدولة الممثلة للفرعون بصيانة هذه الحقوق -ملكية كانت أم انتفاع- وإلا انهارت هيبة الفرعون الإلهية. وقد تعددت أشكال المِنَح الفرعونية ومساحات هذه المِنَح فبعضها مؤقت، وبعضها لمدي الحياة، والبعض الآخر يورث. كما كان بعضها يدفع الضرائب بينما يُعفي منها البعض الآخر. وهناك نصوص تؤكد على أن الهبات لا يمكن الرجوع فيها، ومن هنا فان هذه الهبات مصونة، بل وتقوم الدولة بالعمل علي حمايتها، واحترام العقود عن طريق تسجيل كافة التصرفات التي تتم علي العين بعد توقيع الأطراف المتعاقدة والشهود. ومن هنا يمكن القول أن "الملكية الفردية المصونة من قبل الدولة لا تتعارض مطلقا مع فكرة الحق الإلهي للفرعون بل أنها تتفق تماما معها". إلا أن تلك الحقوق كانت تتعرض للخطر في مراحل انهيار سلطة الدولة المركزية، حيث تهتز معها السلطة المعنوية للفرعون لصالح حكام الأقاليم الذين يقومون بمصادرة حقوق الملكية الفردية على الأراضي لصالحهم، سواء لاستغلالها بشكل مباشر أو لإعادة توزيع هذه الحقوق على أنصارهم. وبذلك يمكن القول أن الملكية الخاصة للأراضي الزراعية كانت مقررة في مصر الفرعونية، أما عن مدي اتساع مساحة تلك الملكية بالنسبة للمساحة الكلية فلا توجد نصوص يمكن الاستعانة بها للتدليل، كما يمكن القول أيضا أن الملكية الواسعة للأفراد كانت تظهر في عصور اضمحلال الدولة حيث تقوم هذه الإقطاعيات علي حساب الملكيات الصغيرة. ويمكن رصد تلك العلاقة علي النحو التالي :
- فترات ازدهار الدولة: تميزت هذه الفترات بازدياد اهتمام الحكومة بفلاحة الأرض وما يترافق معها من الاهتمام بتطهير الترع وتقوية الجسور، كما تزداد القوة المعنوية والمادية للفرعون -الحق الإلهي- ويتسع نطاق تمسك الدولة بحق الرقبة، وبالتالي يتسع نطاق مساحات الأراضي التي تدار لحسابها بشكل مباشر. كما يتسع أيضا نطاق الملكيات الصغيرة ويندر وجود الملكيات الكبيرة -الضياع أو الاقطاعات- مع وجود بعض الحيازات الكبيرة كحق انتفاع مؤقت لأفراد مدنيين أو عسكريين، كما كانت تُمنح لصالح المعابد، وقد تمتعت هذه الحقوق بقدر كبير من الاستقرار.

- فترات اضمحلال الدولة: وهي فترات ضعف السلطة المركزية، وما يترافق معها من عدم الاهتمام بشئون الزراعة وتطهير الترع وتقوية الجسور، وفيها تضعف أيضا القوة المعنوية والمادية للفرعون -الحق الإلهي- وتتزايد قوة حكام الأقاليم والقادة العسكريين بوضوح. كما يضيق نطاق تمسك الدولة بحق الرقبة، فتتعرض الملكيات الخاصة وأراضي الدولة للمصادرة لصالح القوي الجديدة التي تتملك الضياع الواسعة وتحشد لصيانتها قوي الإدارة المحلية وكهنة الآلهة المحليين. أما الملكيات الصغيرة فتظهر لأتباع هؤلاء الحكام.

الشكل العام لحيازة الأراضي في عهد الفراعنة
يمكن تصور الشكل العام لحيازة الأراضي في عهد الفراعنة من خلال أربعة أقسام رئيسية هي: أراضي التاج، وأراضي الإقطاع، وأراضي المعابد، بالإضافة إلى المزارع الخاصة. كما يمكن التمييز داخل أراضي الإقطاع بين الضياع الكبيرة، والمزارع الصغيرة. أما أراضي المعابد فيمكن التمييز داخلها بين وقف الدولة ووقف الأفراد. وسنتناول بشيء من التفصيل هذه الأشكال من حيازة الأراضي الزراعية.

أ - أراضي التاج:
وهي مساحات من الأراضي الزراعية كانت تزرع لحساب الدولة بشكل مباشر، ويقوم الموظفون في المقاطعات بالإشراف عليها. وفي هذه الحالة كانت تقدم الدولة البذور وثيران العمل، وتستخدم الأرقاء في العمل الشاق ويطلق عليهم "ناس الملك" أو "عمال الملك"، كما كانت الدولة تستخدم الفلاحين الأجراء في مزارعها مقابل أجور عينية من الحاصلات المزروعة، أو مقابل قطع صغيرة من أراضي تسمح لهم باستغلالها. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تحتفظ الدولة بجميع حقوق الملكية، مع ملاحظة أن مساحات الأراضي التي كانت تُدار بهذه الطريقة كانت تأخذ في التقلص أثناء فترات ضعف الدولة المركزية.
ب - أراضي الإقطاع:
وهي مساحات من الأراضي كانت تُمنح للأفراد بغرض استغلالها مقابل دفع الضرائب للدولة، وفي هذه الحالة تتنازل الدولة عن حق الانتفاع لهؤلاء الأفراد. ويمكن التمييز بين شكلين داخل ذلك النمط، هما : الضياع الكبيرة والمزارع الصغيرة.
- الضياع الكبيرة : هي مساحات كبيرة من الأراضي كانت تمنح للأمراء وكبار الموظفين وقادة الجند. وفي العادة كان هؤلاء الأمراء يقومون باستغلال أراضيهم عن طريق تأجيرها للمزارعين، وهناك عقود إيجار توضح شروط هذا الإيجار. وكانت مساحات هذا النمط من الاستغلال تزاد في عهود قوة الدولة.
- الحيازات الصغيرة : وهي مساحات صغيرة من الأراضي كانت تُمنح للمزارعين من قِبل الدولة مباشرة. وفي العادة كان يتم استغلالها بشكل مباشر من قبل المنتفع وأفراد أسرته، وأحيانا كان المنتفع يستعين بالعمل المأجور إذا احتاج إليه. هذا وتزداد مساحات هذا النمط في عهود ضعف الدولة. وبشكل عام يلاحظ علي هذا النمط أن باقي الحقوق كحق الإرث كانت تُمنح وتُنزع وفقا للمتغيرات السابقة. كما يلاحظ وجود تداخل في الحقوق على هذه الأراضي حيث يعيد أصحاب الضياع منح حق الانتفاع للفلاحين مقابل أجرة. كما كانت حقوق الانتفاع عليها تتوارث لفترات طويلة.
ج – أراضي المعابد:
وهي مساحات من الأراضي كانت تمنحها الدولة للكهنة بغرض إدارتها للإنفاق من عائدها علي المعابد. وغالبا ما تكون هذه الأراضي معفاة من الضرائب. إلا أنه عند الأزمات فان الحكومة كانت لا تكتفي بفرض الضرائب على أراضي المعابد، بل تقوم بمصادرة ثروات هذه المعابد، وتترك للكهنة ما يلزم فقط لأداء الشعائر الدينية. ويمكن التمييز هنا بين شكلين داخل ذلك النمط من الحيازة هما : وقف الدولة ووقف الأفراد.

- وقف الدولة: وهي المساحات التي توقفها الدولة لصالح المعابد، حيث تمتلك الدولة حق الرقبة ويمتلك الكهنة حق الانتفاع. ويتم استغلالها بشكل مباشر باستخدام رقيق المعابد والفلاحين الأجراء، أو بشكل غير مباشر عن طريق تأجير مساحات صغيرة من هذه الأرض للفلاحين. وكانت الدولة تستطيع الرجوع عن هذا الحق ولكنها لم تستخدمه إلا نادرا كما حدث عند التحول من عبادة الإله آمون إلي عبادة الإله آتون. وقد بلغت مساحة الأراضي الزراعية التابعة لمعابد طيبة ومعابد عين شمس ومعابد منف في عهد رمسيس الثالث نحو 1100 ميل مربع تعادل نحو 678.6 ألف فدان، كما رُبط آلاف الفلاحين على خدمتها، بالإضافة إلي تزويدها بالآلاف من أسري الحروب ليعملوا عليها كمزارعين ورعاة. وقد قدر عدد هؤلاء العمال والفلاحين بنحو 307615 فردا، فإذا افترضنا إقامة أسر هؤلاء المزارعين معهم فان ذلك يعني أن هناك أكثر من نصف مليون فرد كانت أرزاقهم ترتبط بأراضي المعابد. وقد بلغت نسبة مساحة تلك الأراضي الزراعية إلي جملة الأراضي المزروعة في مصر نحو 15%.
- وقف الأفراد: وهي المساحات التي يوقفها الأثرياء علي المعابد، أو لضمان إقامة الشعائر الدينية علي مقابرهم بعد الوفاة. وفي جميع الأحوال كان الكهنة يحصلون علي عائد تلك الأرض، ولا يملكون حق التصرف في الأرض ذاتها. وتوجد علي جدران المعابد نصوص توضح حقوق والتزامات كل من الكهنة وأبناء الموقِف الذين يتقاسمون العائد، بينما تبقي وحدة العين كاملة لا تقسم.
د - المزارع الخاصة:
وهي مساحات الأراضي التي امتلك فيها الأفراد حق الرقبة، وصار لهم عليها كافة حقوق الملكية استنادا إلي قوة مركز هذا المانح. ويلاحظ أن نسبة هذه المزارع بوجه عام كانت ترتفع خلال عهود ضعف الدولة وازدياد قوة حكام الأقاليم. كما يلاحظ أيضا أن نسبة المزارع الكبيرة كانت ضئيلة في عهود الدولة القوية وذلك لصالح ارتفاع نسبة المزارع الصغيرة، وعلى العكس من ذلك تماما في عهود ضعف الدولة. أما مصادرة الفرعون لكافة حقوق الملكية والانتفاع فقد ظلت حق أصيل له.

الحيازة في عهود قوة الدولة
شغلت عهود الدولة القوية في مصر الفرعونية نحو 1544عاما تمثل نحو 54% من جملة التاريخ الفرعوني المصري والبالغة نحو 2865 عام. وتتمثل هذه العهود في أربعة فترات هي : فترة العهد الثيني، وعهد الدولة القديمة، وعهد الدولة الوسطي، وعهد الدولة الحديثة التي امتدت وحدها لنحو 490 عاما.

أ - العهد الثيني (3197 - 2778 ق.م)
تمكن الملك مينا من تأسيس أول دولة مصرية موحدة عام 3197 ق.م بتوحيد الشمال والجنوب، وشكلت الأسرة الثانية مع الأسرة الأولي ما يسمي بالعهد الثيني، واستغرق ذلك العهد أربعة قرون تعاقب خلالها علي حكم مصر ثمانية عشر ملكا. وقد شهد ذلك العهد أول عملية مركزية لتهذيب نهر النيل، حيث يذكر هيرودوت عن مينا أنه حول مجري النهر إلي قناة حتى تفيض بين جبلين، وجفف المجري القديم ليتمكن من إقامة ممفيس عاصمة حكمة. وقد أجمعت برديات ذلك العهد على "رد ملكية الأرض وما عليها إلي الفرعون وريث الآلهة وصاحب الحق المقدس في الدنيا والآخرة".

ب - الدولة القديمة (2778- 2423 ق.م)
وتمثل أول عهود الازدهار في مصر القديمة، وتميزت ببناء أهرامات (زوسر، خوفو، خفرع، منقرع) وقد استقرت السلطة المركزية في ذلك العهد حتى ظهر لقب جديد للفرعون سانحت ثاني ملوك الأسرة الثالثة وهو لقب "سيد الأرضين" الذي أطلق على باقي فراعنة مصر. وقد أوردت بردية مثن -وهو أحد موظفي الأسرة الرابعة - أن أمه نبسنة "خصصت له خمسون سثاه من الأرض وفقا لوصية كانت قد عملتها لأولادها وآلت إلى ذمتهم بوثيقة ملكية في كل مكان وزمان". وترادف عبارة وثيقة ملكية الواردة في البردية عبارة وثيقة رسمية. وتؤكد هذه الوثيقة أن حق التوريث كان قائما، ولكنها لا توضح إن كان هذا التوريث لحق الملكية أم لحق الانتفاع، حيث لم يكشف حتى الآن عن عقود بيع للأراضي في الدولة القديمة. وليس من شك في أن استقرار قواعد التمليك والتوريث والإشهار في تلك الأيام يعد دليلا قاطعا علي أنه سبقه تاريخ طويل من التطور التنظيمي والتشريعي، إلا أنه لم تظهر حتى الآن وثائق دالة علي ذلك. وبقيام الأسرة الخامسة ظهرت في مصر مسحة كهنوتية، ذلك لان مؤسسها أوسركاف كان يشغل وظيفة كبير كهنة الإله رع. وبالتالي فقد زادت مساحة الأراضي الزراعية الموقوفة علي المعابد، وصدرت الأوامر لحكام الأقاليم بالمحافظة علي حقوق المعابد وصيانتها، وبعدم تسخير فلاحو الإله في أعمال أخري. ونتيجة لذلك قوي مركز "حكام الأقاليم" حتى اختفي لقب "سيد الأرضين" وحل محله لقب "السيد العظيم.

ج - الدولة الوسطي (2065 - 1785 ق.م)
تمكن منتوحب الثاني أحد ملوك الأسرة الحادية عشر من إعادة توحيد البلاد بعد مرحلة الاضمحلال الأولي، وذلك عن طريق العنف حينا والحيلة أحيانا. واستمر الازدهار في عهد الأسرة الثانية عشر التي أسسها امنمحات الأول. ويتميز ذلك العهد بازدياد قوة سلطة الدولة، وعادت معها كل سلطات الفرعون المقدسة.

ء - الدولة الحديثة (1580 - 1090 ق.م)
عاد أحمس بعد هزيمة الهكسوس في عهد الاضمحلال الثاني ليؤسس الأسرة الثامنة عشر، والتي تعد من أقوي الأسر الفرعونية التي حكمت مصر. وبرز من ملوك تلك الأسرة أمنحتب، إخناتون، حتشبسوت، توت عنخ آمون. وقد أعقب طرد الهكسوس انتعاش القادة العسكريين، فاتجهوا إلى الفتوحات الخارجية. ولم تهتز هذه الأسرة إلا عندما تولي إخناتون الحكم ودعا إلي الإيمان باله واحد فقط هو الإله آتون، وتفرغ لمحاربة كهنة الإله آمون السابقين، بل وصادر ممتلكات معابدهم وضمها لخزينة الدولة. وفي ذلك الوقت تعرضت مصر لغزو الحيثيين حيث تم هزيمتهم علي يد رمسيس الثاني أفضل ملوك الرعامسة من الأسرة التاسعة عشر . وتأكدت سيطرة الفرعون خلال هذه الفترة وحقه في إعادة توزيع حق الانتفاع بالأراضي حيث أشارت بردية فلبور من عصر الرعامسة إلي أن هناك "أراضي مملوكة لمعابد وأفراد آلت إلي الخاصة الملكية، فأعادت تقسيمها حصصا بعضها كبيرة تتراوح مساحاتها بين 100 ، 200 ، 340 سثاه، وبعضها صغيرة لا تتعدى مساحاتها 10 - 20 سثاه ". وكان من أهمية شئون الزراعة في الدولة الحديثة أن جاء عنها في نص مراسيم تنصيب الوزراء "إذا قدم إنسان شكوى إلى الوزير تتعلق بالحقول وجب علي الوزير أن يستدعيه شخصيا، وبعد ذلك يستمع إلي مدير المزارع والمساح. ويمكن أن يمهل الشاكي شهرين إذا كانت أرضه في الصعيد أو في الدلتا. أما إذا وقع حقله قريبا من طيبة أمهله ثلاثة أيام فقط". ويذكر الضابط أحمس بن أبانا في عهـد الفرعون أحمس الأول أن الملـك وهبه ووهب كل رفاقـه الملاحـين في أعـقاب إحـدى المعارك الحربية، أنصبة زراعية تبلغ مساحة كل حصة منها 5 سثاه. ثم تضاعفت حصة ذلك الضابط حتى بلغت 100 سثاه. ويفهم من نصوص رمسيس الثاني أن هبات الدولة للضباط من الأراضي كانت تبقي لأبنائهم وأحيانا تعفي من الضرائب.

الحيازة في عهود ضعف الدولة
شغلت عهود الدولة الضعيفة في مصر الفرعونية نحو 1321 عاما تمثل 46% من جملة التاريخ الفرعوني المصري. وتمثل هذه العهود في فترة الاضمحلال الأولي، وفترة الاضمحلال الثانية، بالإضافة إلي العصور المتأخرة والتي وقعت فيها مصر تحت حكم النوبيين وحكم الليبيين والتي انتهت بسقوط الدولة الفرعونية علي يد الإسكندر الأكبر.
أ - عهد الاضمحلال الأول (2423 - 2065 ق.م): بانتهاء حكم الأسرة السادسة ساد الانحلال السياسي والتفكك وضعفت سلطة الدولة المركزية، مقابل ازدياد قوة حكام الأقاليم. وكاد كل حاكم أن يكون مستقلا تماما بإدارة إقليمه، بل واختفت قدرة الفرعون علي عزل أو نقل هؤلاء الحكام، وشاع نظام توريث المناصب. كما شهدت هذه الفترة انتفاضات جماهير الشعب المصري علي الفساد، حيث سجلت بردية الحكيم المصري ايبور أخبار ثورة عارمة بدأت في العاصمة منف وصحبها في البداية شيء من العنف فنزع الثوار عن الدولة ما بقي لها من قداسة شكلية واستباحوا أملاكها وأملاك أنصارها وقالت كل بلدة "دعونا نقصي العتاة من بيننا". وأدت تلك الثورة إلي بروز ما يمكن أن يطلق عليه طبقة وسطي جديدة حيث تقول البردية "تأمل إن من لم يكن لديه زوج من الثيران أصبح صاحب قطيع. ومن لم يكن يمتلك غلالا أصبح صاحب شون. ومن لم يجرؤ علي استيراد حبوب أصبح يصدرها ... تأمل إن الفرد يعتز بأنه يتكلم بفمه، أي بوحي من نفسه وليس بإيعاز من غيره، ويفخر بأنه يعمل بساعده، ويحرث بمواشيه، وينتقل بقاربه. أي يعتمد في حله وترحاله على ما ملكت يداه وليس على ما يملكه سواه ". وتوضح تلك البردية بروز أهمية الملكية الخاصة خلال تلك الفترة من فترات الاضمحلال.

ب - عهد الاضمحلال الثاني (1785 - 1580 ق.م): بانهيار الأسرة الثانية عشر دخلت مصر مرة أخري في مرحلة ضعف السلطة المركزية وانفراد حكام الأقاليم بسلطات واسعة. وقد عثر على صك طريف يتنازل فيه حاكم إقليم الكاب عن منصبه لرجل يدعي "سبك نخت" مقابل 60 وزن من الذهب، وقد نكبت مصر في عهد الأسرة الرابعة عشر بالاحتلال الأجنبي من قبل الهكسوس الذين غزوها بجيش يقدر بمائتين وأربعون ألف جندي، واستمر احتلالهم لمصر خلال الأسرات 15، 16، 17. إلا أنه في أواخر عهد الأسرة 17 قامت حرب التحرير بقيادة سقننرع الذي قتل في الميدان وخلفه ابنه "كاموسا" الذي حقق انتصارات حتى تمكن أخوه أحمس من طرد الهكسوس. أما شكل استغلال الأرض فكان يماثل شكل الاستغلال في فترة الاضمحلال الأولى، من حيث اتساع نطاق التوريث والاستغلال الفردي للأرض الزراعية.

ج – العصور المتأخرة (1090 – 332 ق.م): بسقوط الدولة الحديثة بدأ الانهيار يأخذ طريقه إلي مصر حتى نهاية الأسرة الحادية والثلاثون. فمع ازدياد قوة الكهنة أمكن إقامة أول دولة ثيوقراطية في التاريخ، وهي التي كونتها الأسرة الحادية والعشرين، وفيها اختلطت فيها أملاك المعابد مع أملاك الدولة. كما تجمعت مساحات كبيرة من الأرض الزراعية تحت أيدي اسر الكهنة. إلا انه مع وقوع مصر تحت حكم الليبيين ضعف شأن الكهنة، وكان ذلك لصالح العسكريين. و يمكن القول أن طبقة العسكريين و طبقة الكهان أصبحتا طبقتين رئيستين من ملاك الأراضي، و قد عثر على عقود تعود لتلك الفترة لرجال و نساء اشتروا بها مساحات من الأراضي الزراعية شراء حرا في مقابل أوزان معلومة من الذهب والفضة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- (10-10)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- التفسير العِلمي لن ...
- (10-9)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- المنهج في الاقتصاد ...
- (10-8)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- اللاحتمية والمنهج ع ...
- (10-7)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد - اللاحتمية والمنهج ...
- (10-6)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- الحتمية والمنهج عند ...
- (10-5)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- المنهج قبل نشأة عِل ...
- (10-4)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد - الاستنباط والاستقر ...
- هل صحيح أن سد النهضة خراب على مصر؟
- (10-3)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد- رحلة العلوم إلى الل ...
- (10-2)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد رحلة العلوم إلى الحت ...
- رواد علم الاقتصاد - روبرت مالتس وأفكاره
- نماذج من العِلم والاستنارة- (4) نيكولاس كوبرنيكوس (1473- 154 ...
- (10-1)الدراسة المنهجية في عِلم الاقتصاد الوحدة والتعدد في ال ...
- نماذج من العِلم والاستنارة- (3) جاليليو جاليلي (1564- 1642م ...
- نماذج من العِلم والاستنارة- (2) جووردانو بونو (1548- 1600م) ...
- نماذج من العلم والاستنارة- (1) جيرولاموسافونا رولا (1452-149 ...
- نقد قانون تناقص الغِلة
- رؤية في مقال لينين حول -حرب الأنصار-.
- هل صحيح أن الاقتصاد المصري اقتصاد ريعي؟
- النمط المصري للإنتاج


المزيد.....




- البرلمان المصري يوافق على "إعلان" الطوارئ 3 أشهر.. ...
- وزير الخارجية القطري: الدوحة ملتزمة بخيار الحوار مع دول الحص ...
- الخارجية السعودية تنفي زيارة أحد مسؤولي المملكة لإسرائيل سرا ...
- العراق.. المفوضية العليا تقترح موعدا للانتخابات البرلمانية
- شرطة مقاطعة وورويكشر في بريطانيا تطوق منطقة منتزه برمودا
- الروهينغا العائدون إلى ميانمار ربما يواجهون مصيرا بائسا
- بالفيديو: تحطم طائرة صغيرة في طريق مزدحم بولاية فلوريدا
- غارات مكثفة للتحالف تستهدف المليشيا جنوبي صنعاء
- أتلتيكو مدريد يستعيد نغمة الانتصارات بالليغا
- توتنهام يقسو على ليفربول برباعية


المزيد.....

- مشروع الجزيرة والرأسمالية الطفيلية الإسلامية الرثة (رطاس) / صديق عبد الهادي
- الديمغرافية التاريخية: دراسة حالة المغرب الوطاسي. / فخرالدين القاسمي
- التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفل ... / فخرالدين القاسمي
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي- الجزء ا ... / محمد مدحت مصطفى
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي-الجزء ال ... / محمد مدحت مصطفى
- مراجعة في بحوث نحل العسل ومنتجاته في العراق / منتصر الحسناوي
- حتمية التصنيع في مصر / إلهامي الميرغني
- تبادل حرّ أم تبادل لا متكافئ : -إتّفاق التّبادل الحرّ الشّام ... / عبدالله بنسعد
- تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الطريقة الرشيدة للتنمية ا ... / احمد موكرياني
- دعم الزراعة فى العالم المعاصر / سمير أمين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - محمد مدحت مصطفى - 1-6) تطور حيازة الأراضي في مصر - حيازة الأراضي في مصر الفرعونية