أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بير - قراءة في قصيدة (كلما أنَّ الجسدُ من أسره رَفرَفت الروح) للشاعرة اسيا خليل















المزيد.....

قراءة في قصيدة (كلما أنَّ الجسدُ من أسره رَفرَفت الروح) للشاعرة اسيا خليل


عبدالله بير
الحوار المتمدن-العدد: 5495 - 2017 / 4 / 18 - 02:12
المحور: الادب والفن
    


متعبةً من يأسي
أتهادى على فراشٍ وقتٍ بليدٍ
وأتركُ أبوابَ الذاكرةِ
مشرَّعةً على أنينها
وعلى دروبكَ أفتحُ
نوافذَ الخيال.
لماذا كلّما ضاقت بنا الأمكنةُ
اتَّسعَ القلبُ؟
لماذا كلّما أنَّ الجسدُ من أسرِه
رفرفتِ الروح؟
********
يا عصافيرَ روحي رفرفي بعيداً
فلا حياةَ ها هنا.
لا وردَ ينضحُ بالندى
لا شبابيكَ مشرعةً على البحرِ
على الجبلِ
على المدى.
هواءٌ آسنٌ
ينهشُ رئةَ السهوبِ
وآذارُ غائبٌ عن فسحةِ السماءِ
حاضرٌ في نرجس الروحِ
ينتفضُ دماً
ولا تتّسع ُللقلب ِ
هذي الظلماتُ.
فحلّقي يا عصافيرَ روحي
إلى حيث أحبّتي
لأوقنَ أني على قيد الحبِّ لا أزال.
********
أبي أخذَ يدي من بين القضبانِ وقبَّلها
أذابت دموعهُ يدي، فبكيتُ ....
بكيتُ دمعَه النقي كقلب نبيٍّ
بكيتُ زجاجَ قلبي الذي طحنتهُ
رحى الغدرِ ورائحةُ السجونِ.
ما زال دمعهُ يرطِّب كفّي كلّما
استلّني الحنينُ منِّي
وألقى بي على قارعةِ غيابِه
********
صمتٌ .... رهيف ُ النصلِ يجزُّ
ليلَنا الموحش َ
وحنينٌ هادلٌ بالبكاءِ
فتهادَ....
تهادَ اليّ على مهلٍ
فإن الليلَ طويلٌ.
وتهادَ رقيقاً
كما صوتُ أمّي
خدشَته أساورُ الغيابِ
واغمرني بعضَ الوقتِ
بالضوءِ
إنّ القيدَ .... جارحٌ .... جارح.

قراءة في القصيدة .......
القمع في كل حالاته، هو تقييد لحرية الانسان، لأي سبب كان، من هنا كان وما يزال صراع الانسان مع نفسه ومع الطبيعة هو للتخلص من قيوده، والتمتع بحريته كاملة. نجد أن الحرية قد أخذت من الانسان جهداً كبيراً ووقتاً كثيراً في نضاله من اجل التمتع بها. الحرية محور أساسي في جميع المدارس الفلسفية وكل نشاط فكري للإنسان. يشعر الإنسان بخطر كبير جداً إذا ما هُددَت حريته، حيث لم نرَ فيلسوفاً واحداً لم يتناول قضية حرية الانسان كموضوع فلسفي وطُرِحَ أفكاره عن شكل الحرية وحدودها، بل نجد نتشيه وكثيراً من فلاسفة آخرون قد وقفوا ضد قوانين الانسان وقواعده الأخلاقية لأنها مقيدة لحرية الانسان، وحاولوا بكل ما لديهم من قوة الأفكار والآراء دحض كل تلك القوانين والاخلاقيات بحجة إنها تعيق ممارسة الإنسان لحريته.
من اهم وسائل المجتمع التي تشكل الصورة الواضحة لسلب حرية الإنسان هي السجن، باعتبارها وسيلة لضبط سلوك انساني غير مرغوب فيه اجتماعياً. لكن في كثير من الأحيان يصبح السجن وسيلة مهمة للتخلص من انسان غير مرغوب فيه في المجتمع من أساسه بسبب أفكاره أو أراءه. ترى السلطات الحاكمة في كثير من الدول، بأن التخلص من أفراد ذوي أفكار تحررية أو ذوي أفكار إنسانية التي تدعوا الى العدالة والمساواة وحكم القانون وتناضل ضد الظلم والطغيان امراً مهماً، وزجهم في السجون لإسكات أصواتهم يعتبر أحسن وسيلة للتخلص من أفكارهم ومحاولة لعدم انتشار هذه الأفكار بين الناس. من هنا نجد أنه قد تغير دور السجن من مؤسسة إصلاحية كما رآه كثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع إلى مؤسسة قمعية كما صورتها الشاعرة (اسيا خليل) في هذه القصيدة. قصيدة (كلما أنَّ الجسدُ من أسره رَفرَفت الروح)، ضمن مجموعتها الشعرية بعنوان (اهبُ أصابعي لخواتمٍ النور) من منشورات (الغاوون) للشاعرة الكوردية السورية اسيا خليل، وقد كتبت الشاعرة معظم قصائد هذا الديوان في السجن عندما كانت معتقلة سياسية في تسعينات القرن العشرين، وهرّبت تلك القصائد الى خارج السجن.

كُتبَت القصيدة بأسلوب الشعر الحر وذو إيقاع داخلي، بعيداً عن التعقيدات والتفعيلات الشعرية، حاولت الشاعرة وصف أكبر قدر ممكن من مشاعرها بأبسط واقل عدد من الكلمات المتاحة، كأنها عمدت إلى الاقتصاد في استخدام اللغة وهذا مما زاد من جمالية القصيدة واعطتها نعومة ورقة اثناء القراءة، وهذا يدل من جانب اخر على مهارة الشاعرة في ترتيب اقل الكلمات بأوسع المعاني.
يتبين لنا من خلال عنوان القصيدة، التناقض الداخلي الذي تحاول الشاعرة اظهاره للقارئ (السجن / الحرية)، لو اسقطنا هذا التناقض على كل القصيدة نجدها كلها عبارة عن هذا التناقض الذي يمر عبر الكلمات في شتى صورها لتصوير حالة السجن والحنين الى الحرية.
الحرية بقيت وستبقى الهدف الأسمى لدى الانسان، أي انسان كان، لو نظرنا إلى القصيدة نجد أن الشاعرة تطلق العنان لخيالها كي يسرح كيفما شاء دون أن أي حاجز يقيد حريتها، لتعويض حرية جسدها المكبل بالأغلال. ترك الأبواب مشرَّعة، فتح نوافذ، اتساع القلب، رفرفت الروح كلها عبارات تؤيد بأن الشاعرة تعيش بجسدها في ازمة من الحرية. متعبة، يأسى، أنَّ الجسد، تريد ان تعوضها بتحرير فكرها وروحها وخيالها.
يعبر عنوان القصيدة عن الانفصال الواضح في معناه، انفصال ظاهري بين شيئين (السجن / الحرية) وهو في نفس الوقت انفصال داخلي بين (الجسد / الروح)، كذلك هناك انفصال في الكلمات وانفصال في المعاني، انفصال بين انين الجسد ورفرفة الروح. الجسد في حالة العذاب ويأنُّ، الانين هو اعلى مراحل العذاب الداخلي في الجسد، متى أنَّ الجسد ففي ذلك الوقت نشعر بان الجسد متعب ولا يتحمل عذاباته أكثر فيصدر منه تلك الأصوات التي تنبؤنا بأنه في عذاب كبير. هنا بينت الشاعرة سبب انين الجسد وهو الاسر، أي أن الجسد اسير لسبب ما، مقيد غير محرر، يعني فقدان الحرية، اي ان الأسير في ظرف لا يسمح له بممارسة حياته كما يريد، لذا تكون الحرية بالنسبة للأسير أسمي الغايات. الجانب الاخر من عنوان القصيدة (رفرفت الروح) هو مناقض تماماً للجانب الأول ( أنَّ الجسد من أسره ) ، استخدمت الشاعرة كلمة ( رفرفت ) لأنها في اللغة العربية تستخدم لطيران في نطاق محدود أو تحريك الجناحان و الطيران حول شيء معين دون الابتعاد عنه و هي ليست مثل كلمة (طار ، طارت ) أي ترك المكان الذي هو فيه ، هنا رفرفت الروح حول الجسد الاسير و لا يبتعد عنه ، يتبين جمالية الشعر من هذه الزاوية ، فروح الشاعرة ترفرف حول جسدها المتعب و بحرية تامة دون ان يقيدها شيء ، هنا نجد ان عنوان القصيدة نفسها ممكن ان يكون ذلك الصراع المميت الذي تخوضه الشاعرة من اجل ان تنال حريتها .
مقارنة الحياة داخل اسوار السجن بخارج اسواره، سمة أخرى من سمات القصيدة. حيث داخل السجن (لا حياة، لا ورد، لا شبابيك على البحر، الهواء اسن .... الخ) بينما في الخارج هناك (اذار، نرجس، المدى .... الخ) هذه صور شعرية نراها عبر منولوج داخلي بين الشاعرة وروحها تدعو فيها روحها بان تسرح وتنطلق خارج السجن لترى جمال الطبيعة وهو ما يعني التوق الى الحرية. هكذا نجد بان كل الصور الشعرية التي استخدمتها الشاعرة تخدم هذا الغرض، وتحاول الشاعرة استعمال ذكرياتها عن ابيها وامها لتثير روحها كي تقوم بتلك الرحلة خارج السجن، وتم هذا بطريقة رائعة واستخدمت صور شعرية في غاية الروعة (دموع الاب، صوت الام) وجمالية هذه الصور، هي قلب وظائف الكلمات، لان الانسان كل انسان يحن دائماً الى صوت ابيه ودموع امه ولكن الشاعرة استطاعت وببراعة عجيبة ان تقلب هذه المعادلة الى دموع الاب وصوت الام. الشعور بمعاناة الشاعرة، سمة مميزة للقصيدة، فالقراءة الأولى للقصيدة تبين لنا كيف كانت تعاني من الاغلال والجو القاسي التي هي فيه، جو السجن والاعتقال.
في النهاية تبقى قصيدة (كلما أنَّ الجسد من أسرهِ رفرفت الروح) ذلك الصوت الإنساني المعبِر عن حالة كل من يئِن تحت نَير الظلم والاضطهاد، وتخبرنا بأنه لا يوجد سجن ولا أي سلطةٍ مهما كانت قوية من أن تمنع الحرية عن روح الإنسان، لان الحرية في روح الإنسان كما الصلابة في الحديد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- ملائكة في طريق الجحيم
- ميادة
- قراءة في رواية - الجريمة والعقاب - لفيودور دوستويفسكي - .
- الهرمنيوطيقا (فلسفة التأويل).
- قراءة لديوان (نارنج) للشاعرة نارين ديركي
- ماركس وفوكو والصراع أو الحرب
- اليمن و تجسيد أزمة الإسلام


المزيد.....




- الداودي وحامي الدين يتبادلان الاتهامات عبر جريدة «لوموند»
- النعمة ميارة: شباط أناني وسنطالب بالتحقيق في ممتلكات النقابة ...
- فيلم -loveless- قريبا في دور السينما الروسية
- وفاة الممثل البريطاني روجر مور بطل أفلام جيمس بوند
- ثقافة ودين خلال رمضان بمتحف الفن الإسلامي بالدوحة
- العماري : الجوع والفقر لا يجب أن يخضعا للحسابات السياسية
- الخيام:إذا لم تتعامل إسبانيا بحزم مع العائدين من داعش فستعان ...
- توظيف السينما.. 4 أفلام تخدم الصهيونية
- «برودواي مصر».. فيلم يوثق تاريخ شارع عماد الدين الفني
- هذا ماقاله الوزراء خلال زيارتهم للحسيمة


المزيد.....

- عتمة الرؤيا لصنم الكتبة - 08 - / نجيب طلال
- نصوص عابثة / ماهر رزوق
- جسد ضيق / هويدا صالح
- عشق البنات / هويدا صالح
- القرآن كتاب الشيطان الأخير Freedom Ezabel / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- أناشيد كارمنا بورانا - المجموعة الكاملة / ماجد الحيدر
- -في هذه الايام..-، لغابريل غارسيا ماركيز / سعدي عبد اللطيف
- التناقض بين الأدب والفن وبين السياق الاجتماعى فى المجتمع الب ... / رمضان الصباغ
- رواية كاثرين / تامر البطراوي
- التابو المحرم والثقافة المضادة- نوال السعداوي- / يوسف أحمد إسماعيل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بير - قراءة في قصيدة (كلما أنَّ الجسدُ من أسره رَفرَفت الروح) للشاعرة اسيا خليل