أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مازن كم الماز - حدث ذات يوم














المزيد.....

حدث ذات يوم


مازن كم الماز
الحوار المتمدن-العدد: 5492 - 2017 / 4 / 15 - 16:08
المحور: الادب والفن
    


حدث ذلك من سنين .. كان ذلك في دمشق , وصلت مبكرا على موعدي فقررت الذهاب إلى الحديقة العامة المجاورة لأضيع وقتي هناك .. في صيف دمشق القائظ أحيانا تكون تلك الحدائق أفضل مكان لقضاء الظهيرة .. جلست على مقعد عند الباب , تحت شجرة كبيرة .. ملأت صدري بما اعتقدت أنه الصعداء , أو ما يسمونه بالهواء العليل , تلك الرطوبة الممتزجة برائحة الأعشاب و أوراق الأشجار .. اكتشفت على مقربة مني فتاة و فتى يرتديان زي المدرسة الثانوية .. ابتسمت , كم هو رائع أن تحب في هذا العمر , ثم تركت نفسي لذكرياتي كي تأخذني إلى أيام خلت .. لكني استجمعت قواي و استعدت وعيي إلى اللحظة الراهنة ... أفقت من أفكاري و نظرت إلى جاريي الشابين , كانت الفتاة تبكي , تمسك يده , تطبق عليها بقوة بكلتا يديها , و كان يجلس متململا , يحاول من وقت للآخر أن يحرر يديه .. قالت له أنه لم يعد يحبها لكنها ما زالت تعبده .. قال لها أنها ستنساه قريبا .. استمرت بالبكاء , قالت أنها لن تنساه أبدا .. شعرت مرة أخرى بالحزن .. فكرت للحظة أنه على حق .. فقط لو تعرفين يا صغيرتي .. ستنسيه فعلا , ربما بعد يوم أو أسبوع أو سنة أو عشرة .. سيكون هناك آخرون بلا شك , و الكثير من كلمات الحب الجديدة , و القبلات , و اكتشاف جسدك و أجساد عشاقك , ثم تكر السبحة , و يأتي الزواج و الأولاد , و عادة يحدث هذا مع عابر سبيل لا نعرفه حقا .. ستنسيه و تنسي من سيأتي بعده , وسط إيقاع الزمن الرتيب الذي يستمر دون توقف , دون أن ينتظرنا حتى لثانية .. انتظري قليلا فقط يا صغيرتي .. كان واضحا في هذه اللحظة أن عالمها كله ينحصر في هذا الفتى الوسيم الذي يحاول انتزاع نفسه بعيدا عنها و تحاول هي أن تبقيه قربها أطول فترة ممكنة , ربما لآخر مرة .. أطرقت قليلا .. قادتني ذكرياتي إلى أماكن أخرى ودع فيه العشاق بعضهم , تلك اللمسات الأخيرة , النظرات الأخيرة , القبلات الأخيرة , الجنس الأخير , و الدموع التي لا تنتهي .. استغربت أني شعرت بشيء من الألم , كنت قد اعتقدت أني قد شفيت من ذكرياتي , منها و منهن .. زاد حزني و اقتربت من درجة الاكتئاب .. حاولت أن أستيقظ , لا أريد أن أحزن , لكن ذكرياتي كانت قد استبدت بي و أصبحت عاجزا عن مقاومتها , كأني أسوي حسابي الأخير معها , أحزن ربما للمرة الأخيرة , كي أنسى .. لكن , هل سأنسى ؟ .. قررت أن أقف , أن أبتعد عنهما .. شاهدته يقف , بقيت هي جالسة , اشتد بكاؤها .. لأقاوم حزني كان علي أن أبتعد , أن أتجاهل دموعها ... أتمشى بين المقاعد و الأشجار , أحاول البحث عن شيء "يستحق" أن أراه , عن فتى و فتاة يتبادلان كلمات الحب بفرح , عن صوت قبلة أو ضحكة ما يتسلل من بين الأشجار , لكني لا أجد سوى المقاعد الخاوية .. أستعيد نفسي مرة أخرى , أنظر في الساعة , لم يقترب الموعد بعد .. تبا ! .. أنظر باتجاه الفتى و الفتاة , لقد وقفا أخيرا .. بعد جهد بدأ يبتعد عنها , تسمرت مكانها لبعض الوقت .. رفعت عيني إلى السماء فشاهدت بعض الطيور و هي تطير بملل أو بكسل أو بحزن , ربما كان ذلك بسبب الحر , ربما كنت أتوهم , ربما كانت سعيدة .. فكرت أني أكبر , و أني أصبحت لذلك شخصا كئيبا .. أشعر فجأة برغبة في أن أهرب بعيدا , أن أغادر هذا المكان فورا ... تتسارع خطواتي بشكل آلي , و تبحث عيناي بقلق عن مخرج .. أجده أخيرا .. أندفع نحوه , هذا هو الشارع , سأهدأ قريبا .. قريبا سيعود كل شيء كما كان .. لعينة أنت أيتها الذكريات , كم أود أن تموتي , أن تختفي , إلى الأبد .. أبدأ بالمشي بهدوء أكثر , أجتاز الشارع .. فجأة أسمع صوتا مرتفعا , و آهة قوية .. نظرت جهة الصوت , رأيت سيارة واقفة أمام جسد صغير .. يركض الناس نحو السيارة و ذلك الجسد , الذي كان ممددا على اسفلت الشارع بلا حراك .. أتعرف أخيرا على صاحبته , كنت قد حفظت تفاصيله في الدقائق الماضية .. ماذا فعلت ؟ لماذا يا ابنتي ؟ أيتها الغبية .. كنت ستنسيه بكل تأكيد .. هل أذهب إليها .. هل ستنجو .. هل أساعدهم في إنقاذها .. لقد تأخرت كثيرا .. كثيرا .. أنظر إليهم و هم يحشرونها في سيارة أخرى , ثم تختفي عن ناظري .. آه يا فتاتي , أقسم أنك كنت ستنسيه , كما نسيت أنا , كما نسينا جميعا .. ثم أحاول أن أسير ...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الثورة الروسية و الحكومة السوفييتية , لبيتر كروبوتكين ترجمة ...
- ترامب و الإسلاميون و أطياف الثورة السورية
- القيامة الآن , أو نهاية العالم
- الموسوعة الجنسية - غشاء البكارة
- نصوص سوريالية
- الشهيدان
- السعيد
- المرأة العربية : جسد مهدد , إنسان مسجون – ماجدة سلمان
- حب ... إلى الأبد
- اعتقال هيربيرتو باديلا و بلقيس كوزا مالي
- كان سان : الثورة البروليتارية الثقافية العظمى
- مسألة التكتيكات – إيريكو مالاتيستا
- الماركيز دي ساد و التنوير
- حفيد غيفارا الأناركي
- الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في ...
- التوليتارية و الأدب – جورج أورويل
- هل يمكننا تغيير العالم من دون الاستيلاء على السلطة ؟ جون هول ...
- 1نيتشه و الأناركية – شاهين
- تأسيس الأممية الأولى
- الدكتور فيصل القاسم و الدواعش و العلمانجيون


المزيد.....




- -آباء غير شرعيين- للروائي محمد باجنيد
- أردوغان يشكر بوتين باللغة الروسية
- وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يصفعون نتنياهو !
- -Motor-Roller- الكازاخستانية تغني كلمات روغوزين
- صفقة العصر وثقافة الإعتذار – عبد الحسين شعبان
- همس الرمال  فيلم مستوحى من حكايات العرب يتألق في مهرجان دبي ...
- مؤسسة الفكر للثقافة والاعلام تصدر كتابا الكترونيا لنبيل عودة
- -الثقافة الجديدة-.. عدد جديد وموضوعات متنوعة
- في مقر شيوعيي كربلاء... احتفاء بالشاعر الشعبي محمد الكعبي و ...
- جائزة باسم -نجيب محفوظ- في ذكرى ميلاده الـ 106


المزيد.....

- المدونة الشعرية الشخصية معتز نادر / معتز نادر
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - القسم الثانى والاخير / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسى المقاوم للنازية - الفسم الأول / سعيد العليمى
- من الأدب الفرنسي المقاوم للنازية - مقدمة / سعيد العليمى
- تطور مفهوم الشعر / رمضان الصباغ
- البخاري الإنسان... / محمد الحنفي
- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مازن كم الماز - حدث ذات يوم