أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الأسعد بنرحومة - ليبيا : أحداث طرابلس وحكومة السراج خطوة نحو التقسيم تنفيذ لوصاية دولية















المزيد.....



ليبيا : أحداث طرابلس وحكومة السراج خطوة نحو التقسيم تنفيذ لوصاية دولية


الأسعد بنرحومة
الحوار المتمدن-العدد: 5491 - 2017 / 4 / 14 - 11:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كلّما نتذكّر حجم التهديد والوعيد الذي تعرّضت له حكومة السرّاج في ليبيا قبل دخولها البلاد , و رغم كل تلك التهديدات سواء التي وردت على لسان القوات العسكرية الموالية للمؤتمر الوطني بقيادة نوري بوسهمين بأنها مستعدة لخوض حرب طويلة الأمد مع كل من يحاول إدخال وحماية حكومة "الوفاق" بقيادة فايز السراج، أو مع امتناع البرلمان في طبرق بقيادة عقيلة صالح وحكومته المؤقتة بقيادة عبدالله الثني من التصويت على حكومة الوفاق، ورغم إغلاق حكومة الإنقاذ بقيادة خليفة الغويل للمجال الجوي مرات عديدة لمنع نزول الطائرة التي تقل أعضاء من المجلس الرئاسي القادمين من تونس، رغم كل هذه المعوقات وغيرها "نجح" فايز السراج ومعظم طاقمه الحكومي في الدخول إلى طرابلس عن طريق البحر بتاريخ 30 آذار/مارس 2016.
و أصبح في ليبيا بحكم الأمر الواقع ثلاث حكومات، الأولى تقول إنها تسيطر على طرابلس ومعظم مناطق الغرب، وتعرف باسم "حكومة الإنقاذ" برئاسة خليفة الغويل، والثانية فى طبرق وتدير معظم المناطق الواقعة فى شرق البلاد، وتعرف باسم "الحكومة المؤقتة" برئاسة عبدالله الثنى، والثالثة "حكومة الوفاق الوطنى"، التى انبثقت عن اتفاق الصخيرات في المغرب برعاية الأمم المتحدة، برئاسة فايز السراج، وقد دخلت هذه العاصمة طرابلس وسط رفض من حكومتي "الإنقاذ" و"المؤقتة"، وهي فوق ذلك تحظى بدعم غربي واسع.
وبعد أن دخلت حكومة الوفاق إلى طرابلس كان متوقعاً أن تنفذ حكومة الإنقاذ _المدعومة من قوات فجر ليبيا_ تهديداتها بـ"مواجهة مسلحة شاملة" تقول حكومة الوصاية الدولية بزعامة فايز السراج أنها مستعدة لها، بل وتصرح "أن الفرصة الوحيدة أمام الإنقاذ هى الخروج الآمن بدلًا من معركة ليست في مصلحتها". فكيف نجحت حكومة "الوفاق" في الدخول إلى طرابلس رغم كل التهديدات؟ وما هو مستوى الدعم الغربي لها؟ وكيف كان رد فعل خصومها في غرب وشرق ليبيا؟ وما هي التحديات التي تواجهها حكومة الوصاية الدولية أو ما يسمى بحكومة "الوفاق"؟ وما هي السيناريوهات التي رسمتها دول الكفر الكبرى لمآلات الأوضاع في ليبيا؟ وأخيراً هل هناك من فرص لنجاح حكومة السراج في المهمات الموكولة إليها من بعثة الأمم المتحدة، الناطق الرسمي باسم المصالح والمخططات الغربية؟
لقد حاول فايز السراج وأعضاء من المجلس الرئاسي الدخول إلى طرابلس عن طريق الجو بالطائرة قادمين من تونس لكن حكومة الإنقاذ أغلقت في وجههم المجال الجوي حتى تمنعهم من الهبوط في مطار معيتيقة. وهذا الأمر اضطر صانعي وحماة حكومة الوفاق إلى التغيير في الترتيبات الأمنية لدخول السراج إلى طرابلس. فقامت بارجة إيطالية بحمل السراج وبقية أعضاء الحكومة على متنها تحت حماية مشددة من القطع الحربية لفرنسا وأميركا وبريطانيا. وبهذا الشكل تم ادخال حكومة السراج إلي القاعدة البحرية في أبوستة بطرابلس على متن هذه الفرقاطة الإيطالية في مشهد يشبه كثيراً دخول العملاء إلى بغداد على ظهر الدبابات الأميركية.
ولكن لماذا لم تتحرك "قوات فجر ليبيا" ومن والاها وتقوم بطرد حكومة السراج أو القبض عليها؟
الظاهر أنه عند وصول السراج وحكومته إلى قاعدة بوستة البحرية التي يتخذون منها حالياً مقراً لهم في مباشرة أعمالهم ريثما يتهيأ لهم مقر في مدينة جنزور، كانت هناك آليات عسكرية وجنود حول القاعدة لتأمينها من أى هجوم مضاد. ولكن الأهم من ذلك أن قادة قوات فجر ليبيا قد جاءتهم رسائل نصية على هواتفهم وباللغة العامية تحذرهم من الإقتراب من قاعدة بوستة، وفي حال الرفض فإنهم سوف يتعرضون إلى القصف الجوي الكثيف بطائرات الأباتشي التي كانت راسية على البوارج الغربية القريبة جداً من مسرح الأحداث.
ومع ذلك وقعت اشتباكات بين قوات الردع التابعة لعبد الرحمن الطويل الداعم لحكومة السراج وقوات الصمود لصلاح بادي التابعة لحكومة الغويل في شارع عمر المختار من طرابلس. كما أمّنت كتيبة الردع وكتيبة النواصي الطرق والمناطق القريبة من قاعدة بوستة البحرية مثل طريق الشط وسيطرت على ميدان الشهداء ومقر رئاسة الأركان (كلية البنات سابقاً) وجزيرة سوق الثلاثاء وما حولها. وبعد أن تم تأمين مقر حكومة السراج على الأرض من قبل الكتائب الموالية ومن الجو والبحر من قبل القوات الغربية قام فايز السراج بمؤتمر صحفي يؤكد فيه وصوله ويعطي فيه رؤيته للمرحلة القادمة.
ومن أهم ما حاول السراج تسويقه أنه سيعمل على توحيد مؤسسات الدولة وتنفيذ حزمة من التدابير العاجلة للتخفيف من معاناة المواطنين، كما سيعمل على وقف إطلاق النار، وتوحيد كل الجهود لمحاربة (داعش). وادعى السراج أنه سيلتزم ببنود الاتفاق السياسي وبخاصة فيما يتعلق بتحقيق المصالحة الوطنية وعودة النازحين والمهجرين. وذهب للقول أن حكومته تحمل ضمانات لكل الأطراف، بما في ذلك تطبيق الشريعة وتحقيق أهداف ثورة فبراير.
وبمجرد أن وطئت أقدام حكومة "الوفاق" يوم 30 آذار/مارس الماضي قاعدة بوستة ثم انتهى فايز السراج من مؤتمره الصحفي حتى تسابق الساسة الغربيون وبسرعة وفي نفس اليوم في اطلاق التصريحات المؤيدة للسراج ولحكومته بشكل يؤكد أن هذه الحكومة هي حكومة وصاية دولية بامتياز. فقد بادرت فرنسا، ممثلة في وزير خارجيتها جان مارك أيرو الذي صرَّح بالقول: "أنا سعيد بهذا القرار الشجاع" داعيًا كل المؤسسات الليبية إلى الوقوف وراء السلطات الجديدة. وأضاف: "يمكن لحكومة الوحدة الوطنية الليبية أن تعتمد على دعم فرنسا الكامل في التصدي للتحديات التي تواجهها، وأولها وأهمها الحاجة الملحة لوقف تقدم داعش".
كما أعربت الحكومة الإيطالية، على لسان وزير الخارجية باولو جينتيلوني، عن "الرضا" بشأن وصول مجلس رئاسة حكومة الوفاق الوطني إلى العاصمة طرابلس. ورأى جينتيلوني أنها "خطوة أخرى إلى الأمام لتحقيق الاستقرار في ليبيا"، مشيرًا إلى أنه "بناء على عزم رئيس الوزراء (فايز) السراج ومجلس الرئاسة أصبح من الممكن حدوث تطورات جديدة لصالح الشعب الليبي"، منوهًا بأن "إيطاليا كانت دائمًا في الطليعة عبر مبادرات دبلوماسية عديدة تهدف للاستقرار في ليبيا". وأعرب جينتيلوني عن "الأمل بأن يكفل الشعب الليبي لمجلس الرئاسة الدعم الكامل وأقصى درجات التعاون، وأن تتعاون المؤسسات السياسية والمالية للسماح بنقل فوري وسلمي للسلطة" في ليبيا. ولإثبات مركز القوة الذي أصبحت عليه حكومة السراج، قام وزير الخارجية الإيطالي يوم 2016/4/12 بزيارة إلى طرابلس كأول مسؤول غربي كبير يزور ليبيا منذ وصول الحكومة إلى طرابلس في 30 آذار/مارس. وأعلن باولو جينتيلوني أن مساندة حكومة الوفاق "لا يتقرر في روما أو لندن أو واشنطن بل يتقرر في طرابلس".
أما الممثلة السامية للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، فيدريكا موغيريني، فقد اعتبرت أن "وصول المجلس الرئاسي إلى العاصمة الليبية طرابلس يعد فرصة فريدة لليبيين من جميع الفصائل للتوحيد والتوافق على أساس الاتفاق السياسي الليبي". وأشارت إلى أن "الاتحاد الأوروبي لديه حزمة دعم فوري وكبير بقيمة 100 مليون يورو لإنفاقها في عدد من القطاعات المختلفة، وسيتم تحديد أولويات التنفيذ بناء على طلب من السلطات الليبية".
وقد صرح وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند أن حكومة الوفاق الوطني هي "الشرعية الوحيدة" في ليبيا بمصادقة مجلس الأمن الدولي، مجددًا استعداد بلاده والمجتمع الدولي لمساعدة تلك الحكومة. وأضاف هاموند، في تصريحات صحفية أعقبت محادثة هاتفية أجراها مع رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق: "أكدت لرئيس الحكومة فايز السراج دعم المملكة المتحدة لحكومته"، مشيرًا إلى أن الحكومة بحاجة لبسط سيطرتها على قوات الأمن والمؤسسات المالية في ليبيا لتتمكن من إحلال السلام والاستقرار اللذين يستحقهما الشعب. ثم أكد هاموند على ضرورة أن تبدأ حكومة الوفاق في مهامها من طرابلس "في أسرع وقت ممكن حالما سمح الوضع الأمني بذلك".
وفيما أعلن الناطق باسم الخارجية الأميركية جون كيربي عن ترحيب أميركا بوصول مجلس الرئاسة الليبي إلى طرابلس داعياً المؤسسات الليبية العامة إلى تسهيل الانتقال السلمي للسلطة، حثَّ المبعوث الأميركي لدى ليبيا، جوناثان واينر، كافة الأطراف الليبية على تسليم السلطة بصورة سلمية ومنظمة لحكومة الوفاق. وقال المبعوث الأميركي لدى ليبيا واينر في تغريدة له عبر "تويتر" قبل وصول السراج بيوم أنه "سيكون على المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الانتقال إلى طرابلس بأسرع وقت بموجب الاتفاق السياسي الليبي". وأعرب المبعوث الأميركي عن قلقه بشأن تعمد إغلاق الأجواء في طرابلس لمنع وصول حكومة الوفاق الوطني إلى العاصمة لمباشرة عملها، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لدعم حكومة الوفاق في الجوانب الإنسانية والاقتصادية والدعم الأمني، وكل ما تحتاجه لتجاوز الأزمة الراهنة.
ولكن بعد يوم من وصول السراج إلى طرابلس أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرج، أن الحلف على استعداد، وذلك تمشياً مع قرارات القمة في "ويلز"، لمساعدة ليبيا في مجال بناء الدفاع والمؤسسة الأمنية، إذا طلبت حكومة الوفاق الوطني وبالتنسيق مع الجهود الدولية الأخرى. ورحب أمين عام الحلف بوصول رئيس الوزراء الليبي المكلف فايز السراج وأعضاء المجلس الرئاسي لحكومته إلى العاصمة الليبية طرابلس، معتبراً أن هذا "يمثل خطوة هامة في ليبيا للتحول الديمقراطي ومسار للسلام". وتمنى ينس، "التوفيق للمجلس الرئاسي في تطوير عملية سياسية شاملة وسلمية، تهدف إلى تعزيز المصالحة الوطنية، على أساس من القيم الديمقراطية والحرية الفردية وسيادة القانون".
أما بالنسبة لمواقف خصوم حكومة سرّاج فقد كان في البداية قوياً في عدم القبول بشرعيتها أو حتى بوجودها في طرابلس باعتبار أن ذلك "انقلابا على السلطة". فقد ذكر رئيس حكومة "الإنقاذ الوطني"، خليفة الغويل، في مؤتمر صحفي عقده بطرابلس مساء وصول السراج: "إن دخول المجلس الرئاسي إلى العاصمة طرابلس غير شرعي، ولن نخرج من العاصمة طرابلس حتى نطمئن على الثورة". ووصف الغويل حكومة الوفاق بـ"الحكومة المتسللة غير الشرعية"، ودعا "الثوار في كل ليبيا إلى التصدي" لها. وذكر الغويل في مؤتمره: "نطالب السراج وحكومته بضرورة مغادرة العاصمة ‫‏طـرابلس بشكل فوري، وإلاَ سوف يتم استعمال القوة من قبل الثوار وسيتم اعتقالهم ومحاكمتهم أمام الشعب الليبي لأنهم لا يمتلكون الشرعية، وذلك لعدم خروجهم ببيان واضح وصريح يؤيدون فيه مبادئ ثورة السابع عشر من فبراير، كما أننا نرفض الوصاية الدولية مهما كانت المبررات".
أما المؤتمر الوطني فقد قال النائب الثاني لرئيس المؤتمر عوض عبد الصادق أن المؤتمر "سوف يحاسب ضباط البحرية الذين أدخلوا حكومة الوصاية إلى طرابلس"، مؤكداً بأنه "سوف يصدر قراراً ضد هؤلاء الانقلابيين. ونستغرب من بعض الثوار حماية حكومة الوصاية". وأضاف نائب رئيس المؤتمر الوطني أن المؤتمر "سيتخذ الإجراءات القانونية والاحترازية الملائمة لهذا التسلل غير القانوني. والمؤتمر في حل من التزامات تبرمها هذه الحكومة". أما دار الإفتاء فقد طالب الشيخ الصادق الغرياني في كلمة له عبر قناة التناصح "أنصح المجلس الرئاسي أن يرجع من حيث أتى وأن يجنب البلاد فتنة الاقتتال". وأضاف الغرياني أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق "فُرض بالقوة، والجسم الشرعي الوحيد في ليبيا حتى الآن هو المؤتمر الوطني العام". واشترط الغرياني تعديل مسودة الاتفاق السياسي، حتى يقبل بالحكومة التوافقية التي تأتي بعد التعديل.
وكان رئيس حكومة "الإنقاذ" قد أعلن قبل أسبوع من وصول حكومة السراج إلى طرابلس "حالة الطوارئ القصوى في كافة أنحاء البلاد"، وحذر رئيس وأعضاء المجلس الرئاسي التابعين لحكومة الوفاق الوطني من القدوم إلى طرابلس قائلاً: "إن هذه الخطوة غير قانونية"، مشيرًا إلى إمكانية إلقاء "القبض على أعضائها". ولكن هذا الموقف تغير كلياً بعد أيام من استقرار حكومة السراج في طرابلس وذلك بسبب الدعم الغربي الكبير لها وسط تهديدات متكررة بالغزو لو طلب السراج ذلك حتى يتم ازاحة معارضيه بقوة الحديد والنار. وأوضح خليفة الغويل في بيان صدر منه ليلة الخميس 31 آذار/مارس أن اعتراضه على المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني "سيكون بالطرق السلمية والقانونية، ودون استخدام القوة أو التحريض على القتال والصراع بين أبناء الوطن الواحد".
ثم أعلنت حكومة "الإنقاذ الوطني" في بيان لها مساء الثلاثاء 2016/4/5، مغادرتها للسلطة. وقالت حكومة خليفة الغويل في بيان لها "نعلمكم بتوقفنا عن أعمالنا المكلفين بها كسلطة تنفيذية رئاسة ونوابًا ووزراءً". وأشارت في بيانها إلى أنها "قررت التخلي عن السلطة تأكيدًا على حقن الدماء وسلامة الوطن من الانقسام والتشظي". وقد عدّل رئيس حكومة "الإنقاذ الوطني" خليفة الغويل موقفه بعد أيام من ذلك الموقف المتشدد وذلك حتى يتم إعطاء الفرصة لمن سمّاهم بـ"أبناء الوطن الخيرين"، والثوار والأعيان والعلماء ومؤسسات المجتمع المدني "لإيجاد مخرج من الأزمة التي تمر بها البلاد". ولكن حكومة الإنقاذ عادت يوم 2016/4/6 لتطلب من رؤساء الهيئات والمؤسسات التابعة لها بالإستمرار في المهام الموكولة إليها "نظراً لمتطلبات المصلحة العامة وحساسية الأوضاع التي تمر بها البلاد".
أما المؤتمر الوطني العام فقد قرر يوم الثلاثاء 2016/4/5، إحالة "الاتفاق السياسي" والأجسام المنبثقة عنه إلى القضاء للفصل في شرعيته، داعياً إلى التجاوب مع الدعوى وتمكين القضاء من النظر في الأمر. واعتبر المؤتمر، في بيان له، أن اجتماع أعضاء بالمؤتمر الوطني محسوبين على حكومة فايز السراج وإدعائهم تعديل الإعلان الدستوري وإعطاء الشرعية للمجلس الأعلى للدولة "أمر غير شرعي ومخالف للإعلان الدستوري". وأكد المؤتمر الوطني في بيانه أن أي اجتماع خارج جلسات المؤتمر الوطني يعد "باطلا"، مشيراً إلى أن المؤتمر عقد جلسة رسمية اليوم مكتملة النصاب ناقش فيها جدول أعماله.
أما الحكومة المؤقتة التي تدير غالبية مناطق الشرق الليبي من مقرها في مدينة البيضاء فقد جاء موقفها مماثلاً لموقف حكومة الإنقاذ، هذا بالرغم من خلافهما السياسي المستمر والنزاع المسلح الذي كان بينهما لمدة عام ونصف. فقد تمسك رئيس الحكومة عبدالله الثني، بتسيير الدولة إلى حين منح مجلس النواب الثقة لحكومة الوفاق، معللاً ذلك بأن حكومته جسم منتخب من مجلس النواب، "وسنتمسك بهذه الشرعية". وقال في مؤتمر صحفي، من بنغازي: "لن نعترف بشرعية تملى من خارج البلاد"، معتبراً أن الشرعية تؤخذ من داخل ليبيا، و"أي قرار خارج قبة مجلس النواب لن يعترف به". وقال أيضاً حاتم العريبي، المتحدث باسم حكومة عبدالله الثنى: "لا اعتراف بأى تصريحات لدول خارجية بشأن منح الثقة لحكومة الوفاق"، مشددًا على أن "الحكومة المؤقتة لن تعترف بشرعية تُملى من الخارج، وأن "أى قرار من خارج مجلس النواب لن يعترف به، فالشرعية تؤخذ من داخل ليبيا".
ورغم أن الدول الغربية قد أظهرت دعمها الكامل لحكومة السراج سياسياً وعسكريا وحتى دبلوماسيا بعد أن قامت عدد من الدول بإرسال ممثليها وفتح سفاراتها من جديد، إلا أن كل ذلك لن يمكّن عملياً هذه الحكومة من الإستمرار في البقاء ما لم تعتمد على أدوات الإسناد الداخلي التي تمكنها من تنفيذ الخطة المرسومة لها دولياً.
فما هي أهم تلك الأدوات والوسائل التي تعمل حكومة السراج على توفيرها حتى تقوي حظوظها في البقاء والقبول على المستوى الشعبي وبين النخب السياسية والمثقفة.
1- التحدي الدستوري
كان من المتوقع بعد صياغة الاتفاق السياسي النابع من الصخيرات أن يتم بعد ذلك إجراء تعديل دستوري أو إحداث إعلان دستوري جديد يتم بموجبه إيجاد أرضية دستورية لعمل حكومة الوفاق الوطني. ولكن ذلك لم يحصل بسبب رفض المؤتمر الوطني الذي يصر على أنه لن يعترف بالمجلس الرئاسي ما لم يوافق على شروطه والنقاط التي ذكرها المفتي صادق الغرياني، وكذلك بسبب رفض برلمان طبرق الذي يقوم فيه الأعضاء الموالون لخليفة حفتر بمنع حصول النصاب القانوني لانعقاد الجلسة.
ولتجاوز هذا التحدي الدستوري الأول عقد مجلس الدولة التابع لحكومة الوفاق جلسته الأولى يوم 2016/4/5 وقام خلالها عبر التصويت بالإجماع بتعديل الإعلان الدستوري الخاص بالاتفاق السياسي، بعد أن تعذر اجتماع مجلس النواب لإقرار هذا التعديل، وبعد "اكتمال النصاب" المطلوب للتعديل الدستوري بحضور النائب الثاني لرئيس المؤتمر صالح المخزوم. ثم في اليوم التالي انتخب أعضاء مجلس الدولة في جلسته الثانية عبدالرحمن السويحلي رئيسًا للمجلس. وبهذا التحايل القانوني أصبح المؤتمر الوطني في حكم المعدوم بعد أن أخذ المجلس الأعلى للدولة مكانه.
أما التحدي الدستوري الثاني فهو يتمثل في الإنتهاء من صياغة مشروع الدستور والإستفتاء عليه حتى تخرج البلاد من الحالة الإنتقالية إلى الحالة الدائمة. وبالرغم من أن قانون إنشاء الهيئة التأسيسية للدستور لايبيح نقل جلسات الهيئة إلى خارج ليبيا، إلا أن بعثة الأمم المتحدة قامت بنقل أعمال الهيئة التأسيسية من مدينة البيضاء في ليبيا إلى مدينة صلالة في عُمان حتى تستطيع أن تمرر ما تشاء من فصول الدستور بعد أن عرفت الهيئة مقاطعة من قبل بعض أعضائها ورفضاً لبعض فصول الدستور بسبب املاءات بعثة الأمم المتحدة.
وفعلاً أعلن المبعوث الأممي مارتن كوبلر يوم 2016/4/6 عن اختتام الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور أعمالها التي بدأتها منذ 2016/3/19في صلالة. وقال كوبلر في مؤتمر صحفي أنه "فخور بهذا الإنجاز" مضيفاً كذباً وزرواً: "أتمنى أن تشكل التوافقات التي تم التوصل إليها في صلالة ركيزة أساسية لمسودة الدستور الذي يجتمع حوله جميع الليبيين". والحقيقة أن كوبلر ومن يقف وراءه من دول الكفر استعجلوا في صياغة هذا المشروع للدستور قبل أن تستقر الأوضاع الأمنية حتى يستطيعوا أن يمرروا (كعادة دساتير الكفر) تلك الفصول المتعلقة بـ"حقوق المرأة والأقليات". فوضعوا مثلاً في هذا الدستور فصول متعلقة بانشاء المجلس الأعلى للمرأة وبأن لا تقل الحصة (الكوتة) النسائية في جميع أطر التمثيل السياسي مثل البرلمان والبلديات عن 30% وبأن يتم منح الجنسية الليبية لأبناء كل امرأة ليبية متزوجة من رجل غير ليبي.
ومن أجل تمرير مسودة الدستور غير المتفق عليه تم التلاعب في النصاب القانوني للهيئة بعد أن قاطعها 15 عضواً يمثلون أكثر من نصف الشعب الليبي من ناحية السكان في المنطقة الغربية وهم الأعضاء النائبون عن مدن طرابلس وزليتن والزاوية وصبراتة والجفرة ومرزق ووادي الشاطئ، هذا بالإضافة إلى مقاطعة ممثلين عن قبائل التبو. وهكذا لم يبقَ في الهيئة سوى بعض من أعضاء المنطقة الشرقية وممثلي الجنوب من قبائل الطوارق. وبهذا الشكل تمكنت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا برئاسة الألماني مارتن كوبلر وبدعم من دول الكفر في أوروبا وأميركا من فرض مسودة دستور تزامن تمريره مع وصول حكومة وصاية دولية بقيادة السراج التي سوف تعمل في قادم الأيام على اجراء "استفتاء" عليه.
2- المرجعية الدينية
كان للخطاب الذي ألقاه مفتي ليبيا الصادق الغرياني يوم دخول فايز السراج وحكومته إلى طرابلس متسللين من البحر أثر بالغ في زعزعة شرعيتهم باعتبارهم يمثلون حكومة وصاية واحتلال. فقد هدد الشيخ الغرياني المجلس الرئاسي بالقتال والجهاد محذراً من عواقب قدومهم إلى البلاد حيث قال: "إن السلاح منتشر في كل بيت، والناس قد يرجعون للجهاد ويقاتلون لعشرات السنين ولا يغرنهم الدعم المادي". وفي هذا الخطاب اشترط الصادق الغرياني خمسة شروط تتعلق بتعديل مسودة الاتفاق السياسي من أجل القبول بحكومة الوفاق الوطني، وقال: "قدمنا خمسة ملاحظات لا غير على مسودة الاتفاق السياسي بالصخيرات وقد أرسلناها إلى المؤتمر الوطني العام، إذا تم تعديلها لم يعد لدينا مشكلة مع المسودة".
وذكر الشيخ الغرياني في كلمته المتلفزة تحفظاته على الفقرات والمواد التي تختص بـطريقة تفسير مسودة الاتفاق وتعريف "الإرهاب" وقيام المؤسسة العسكرية بالترتيبات الأمنية والدور الاستشاري لمجلس الدولة دون أن يكون شريكاَ لمجلس النواب في التشريع، ومرجعية القوانين الدولية. وقال الغرياني "أن من يقوم بالترتيبات الأمنية (هي) المؤسسة العسكرية القائمة، مما يعني أنه حفتر ومن معه، قلنا لهم أن الترتيبات الأمنية يجب أن تسند إلى أناس لم يتورطوا في دماء الأبرياء. ومجلس الدولة يستشار فقط، ولا قيمة لقراره أمام البرلمان مما يعني أن بإمكان البرلمان إعادة حفتر حتى لو أقصاه الاتفاق السياسي. ورد في المسودة التحاكم للقوانين الدولية والتي تعارض في عدة نقاط الشريعة الإسلامية".
وحتى تواجه حكومة السراج ومن يقف وراءها خطاب المفتي، تحركت رابطة "علماء ليبيا" التي أصدرت بياناً بتاريخ 31 آذار/مارس فيه اعتراف بحكومة السراج ورد على دعوة الشيخ الغرياني إلى الجهاد عند لزوم رد الصائل. ومما جاء في هذا البيان أنه "جلبًا للمصالح الشرعية العامة، ودفعًا للمفاسد الشاملة، ندعو المجلس الرئاسي لحكومة التوافق إلى تقوى الله تعالى والعمل على ما يرضيه، والسعي للوصول إلى تشكيلة حكومية توافقية تستطيع أن تحظى بثقة مجلس النواب في أقرب وقت، والاهتمام بأحوال البلد ومَن فيه وما يعانيه من مشاكل اجتماعية واقتصادية وفكرية، وما يعمله تنظيم داعش الإرهابي في البلاد، وبذل الوقت والجهد لأجل ذلك، والابتعاد عن التيارات المؤدلجة، والمصالح الخاصة، والأجندات المختلفة".
وطالبت الرابطة أطراف المجتمع بالقول: "فليشارك الجميع في إنقاذ هذا الوطن الذي يعاني، ويقاسي الأمرين أهله ومواطنوه، فيجعلوا حب الوطن في مقدمة أمورهم". ثم توجهت الرابطة في بيانها إلى كلام الغرياني دون ذكر اسمه، فدعت "كل مَن يطلق آراءه الشخصية ويغلفها بغلاف الدين تكفيرًا أو حكمًا بالردة على مَن قام بما يخالف رأيه أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يرجع إليه، وأن يحفظ الدماء، وأن لا يدعو إلى مزيد من السفك، فيكفي البلد والناس معاناة وتعبًا وشدة، فإن دين الله تعالى يراعي مصالح العباد، ويحفظ حقوقهم، ويحقق لهم الأمن والصيانة".
3- التحديات الإقتصادية
لعل من أهم الأدوات التي تعول عليها حكومة السراج في التسويق لنفسها هي أنها سوف تحل المشاكل الإقتصادية التي يعاني منها الناس منذ سنوات وبخاصة فيما يتعلق بتوفير السيولة النقدية والمواد الغذائية واستهلاك الطاقة. ومن أجل أن تنجح في ذلك كان على الدول الغربية أن توفر لها أربع مؤسسات تحت تصرفها. وهذا يدل على أن جل الأزمات الإقتصادية التي كانت تعاني من البلاد تعود في الأساس إلى تآمر هذه المؤسسات مع مشاريع الدول الغربية عبر سياسة التجويع وما يتبعها من دفع الناس إلى القبول بحكومة الوصاية وكأنها الحكومة الوحيدة القادرة على انقاذهم من الجوع والفقر وارتفاع الأسعار وغياب السيولة من البنوك.
فبعد يوم واحد من دخوله إلى طرابلس اجتمع فايز السراج مع الصدّيق الكبير رئيس مصرف ليبيا المركزي كما اجتمع مع مدراء المصارف وبحث معهم مسألة توفير السيولة النقدية داخل البنوك وتخفيض سعر صرف الدولار أمام الدينار الليبي. وصرح السراج إثر لقائه مع محافظ مصرف ليبيا المركزي، الصدّيق الكبير، إن "الاجتماع كان لحل مشكلة السيولة ولتوفير السلع الأساسية والأدوية وما يحتاجه المواطن ليحيا حياة كريمة".
وبتاريخ 2016/4/4 أصدر المجلس الرئاسي التابع للسراج قراراً إلى بنك ليبيا المركزي يطلب فيه تجميد الحسابات المصرفية للوزارات والجهات والهيئات والمصالح العامة الممولة من الخزانة العامة، واستثنى المجلس الرئاسي في قراره حساب الباب الأول "المرتبات والمزايا". وهذا طبعا يراد منه إيقاف التمويل لأعمال المؤسسات التابعة لحكومة الغويل والمؤتمر الوطني بالدرجة الأولى.
أما الإجراء الثاني الذي جاء ليمكن سيطرة حكومة "الوفاق" على الأوضاع الاقتصادية في البلاد فهو إعلان الناطق الرسمي لجهاز حرس المنشآت النفطية، علي الحاسي، بعد يوم واحد من دخول حكومة السراج لطرابلس استعداده للعمل تحت شرعية حكومة الوفاق الوطني وبشكل فوري، متعهدًا بفتح الموانئ كافة ووضعها تحت تصرف الحكومة، كما تعهد بـ"حماية مكتسبات الشعب الليبي من الإرهابين والمغتصبين للسلطة". وهذا يؤكد أن انخفاض مستوى انتاج النفط في ليبيا ليس بسبب الحالة الأمنية في البلاد بل بموجب قرار سياسي دولي عمل إبراهيم الجضران رئيس جهاز حرس المنشآت النفطية على تنفيذه حتى يتم تخفيض مداخيل الدولة وما يعنيه ذلك من وضع ليبيا في الإفلاس وتحت رحمة املاءات الدول الغربية.
كما أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، والتي تملك أكبر الاحتياطات في إفريقيا بمقدار 48 مليار برميل، أنها باتت تتبع سلطة حكومة الوفاق الوطني. وقد كانت هذه المؤسسة في طرابلس تتبع سلطة حكومة الإنقاذ منذ اعلان قيامها في آب/أغسطس 2014. وقال رئيس مجلس إدارة المؤسسة مصطفى صنع الله في بيان نشر على موقع المؤسسة يوم 2016/4/3، "نعمل مع رئيس الحكومة فايز السراج والمجلس الرئاسي على ترك حقبة الانقسامات وراءنا". وأضاف أن الشركة تمارس أنشطتها الآن وفق أطار قانوني دولي. وأوضح صنع الله أن المؤسسة تؤيد بيان مجلس الأمن حول حصر التعامل مع حكومة الوفاق المنبثقة عن اتفاق سلام رعته الأمم المتحدة.
وتتضح المؤامرة الدولية على ليبيا أكثر بعد أن أعلن مجلس الأمن الدولي يوم 2016/4/1، استعداده لدراسة تغيير العقوبات المفروضة على المؤسسة الليبية للاستثمار، في حال تمكن حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج من الإشراف على المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي. وقد جاء هذا بناء على رسالة بعث بها إبراهيم الدباشي "سفير ليبيا" لدى الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي طالباً فيها باستثناء المؤسسة الليبية للاستثمار من العقوبات. فهذا السفير الليبي لم يتحرك أبداً من أجل رفع "التجميد" على المؤسسة الليبية للإستثمار إلا بعد أن وصلت حكومة السراج إلى طرابلس. وللعلم فإن هذه المؤسسة تسمى أيضاً بصندوق الثروة الليبية وهو يحتوى على 67 مليار دولار تم تجميدها من دول الكفر بعد سقوط القذافي.
بقي أن نذكر الحديث عن الأدوات الإقتصادية التي تم توفيرها لحكومة الوصاية بذلك اللقاء الذي عقده المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني يوم 7 نيسان/أبريل مع عدد من رجال الأعمال الليبيين في العاصمة طرابلس حيث تم الحديث عن الأزمة الاقتصادية وكيفية توفير الغذاء والدواء بما يوفر مزيداً من الدعم لحكومة السراج بين فئات الشعب الفقيرة والمتوسطة والتي عانت كثيراً خلال السنوات الماضية من ارتفاع الأسعار وقلة المعروض من السلع الأساسية.
وتعتبر مشكلة رجال الأعمال الليبيين الموقوفين في الإمارات بتهم "تقديم الدعم لجماعات مسلحة" من القضايا التي تشغل الرأي العام في ليبيا. وها هي أميركا تُطالب الإمارات يوم 2016/4/9 بالإفراج الفوري عن رجال الأعمال الليبيين المحتجزين لديها أو اخضاعهم إلى محاكمة عادلة وشفافة في أقرب وقت، وذلك حتى يضاف إطلاق سراحهم إلى "انجازات" حكومة السراج.
4- الترتيبات الأمنية
ما كان للسراج وحكومته أن يدخلوا طرابلس بفضل الدعم الغربي المباشر فقط بل جاءها الدعم أيضاً من بعض الفصائل التي انشقت عن صفوف قوات فجر ليبيا منذ توقيع اتفاقية الصخيرات. وهذا أمر كان متوقعاً؛ لأن قوات فجر ليبيا ليست جسماً عسكرياً واحداً بل هي مجموعة من المسلحين المحسوبين على التيارات الإسلامية والوطنية المختلفة تأسست في أيار/مايو العام 2014 لرد محاولة الكتائب الموالية لحفتر السيطرة على طرابلس والمنطقة الغربية. وبما أن حركة الإخوان المسلمين والجبهة الليببية المقاتلة قد انضم بعض أفرادها إلى اتفاق الصخيرات فكان لا بد أن ينضم جزء من قوات فجر ليبيا إلى دعم حكومة الوفاق أيضاً.
كما نجحت الضغوط الخارجية في احتواء عدد كبير من المعارضين بما في ذلك خليفة حفتر حتى تنجح الترتيبات الأمنية التي تمكن السراج من فرض حكومته في طرابلس. فقد ذكرت مصادر دبلوماسية أن دورًا جزائريًا ـ فرنسيًا ساعد في انتقال المجلس الرئاسي إلى العاصمة طرابلس. جاء ذلك في الموقع الفرنسي "أفريكا انتيليجنس" الذي نقل عن الوزير المنتدب للشؤون المغاربية والإفريقية الجزائري، عبد القادر مساهل، أن الجزائر والمملكة العربية السعودية خاضتا "في المرحلة النهائية حملة دبلوماسية سرية من أجل تسهيل وصول فايز السراج إلى العاصمة الليبية"، حيث سارع قبل أيام من دخول السراج عدد من دبلوماسيي البلدين إلى تونس لتسهيل لقاءات بين رئيس حكومة الوفاق فايز السراج وبعض الأطراف المسيطرة على طرابلس.
هكذا، وكما انقسم السياسيون بخصوص اتفاق الصخيرات ومخرجاته انقسم أيضاً حاملو السلاح في كلا المعسكرين بين مؤيد ومعارض. فقد أيد عدد من الكتائب بما فيها تلك التي كانت تابعة إلى فجر ليبيا حكومة السراج واعتبرته فرصة لتحقيق الإستقرار والمكاسب، في حين عارضت كتائب أخرى الاتفاق ووصمته بالخيانة لدماء الشهداء وتنصيباً لحكومة الوصاية الدولية. ولذلك وبمجرد دخول السراج إلى طرابلس أعلن العديد من الكتائب المسلحة انضواءهم تحت ما سموه "لواء الشرعية الممثل في حكومة الوفاق"، ولهذا السبب لم تشهد طرابلس إلا بعض المناوشات البسيطة في أجزاء منها عندما أطلقت بعض الكتائب الرافضة لحكومة السراج الرصاص في الهواء تعبيراً عن سخطها وغضبها على هذا الوضع الجديد.
ومن الواضح أن هذا التراجع الميداني للكتائب الرافضة لحكومة السراج كان بسبب التهديد الذي وصلهم من القوات الغربية المتأهبة للدفاع عن مخلب القط فايز السراج الذي يدافع عن مشروعهم الإستعماري في ليبيا. ومن المؤكد أن لدى فايز السراج خطة للإستعانة بدول الكفر وحلف شمال الأطلسي في إعادة بناء مختلف المؤسسات الأمنية والعسكرية أو للتصدي لأية تهديدات تأتيه من الكتائب المناوئة له. ولكن مزاج الرأي العام في ليبيا وما جاورها لا يتقبل فكرة قيام قوات غربية وأطلسية بغزو بري أو جوي. ولهذا السبب يكثر الغرب من الحديث عن خطر الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا وخطر تزايد أعداد تنظيم (داعش) في ليبيا للتمهيد لأي أعمال عسكرية ممكنة.
فهذا وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزير يقول يوم 5 نيسان/أبريل أنه يمكن للاتحاد الأوروبي التوصل إلى اتفاقات مقايضة بشأن اللاجئين والمهاجرين مع دول شمال إفريقيا على غرار الاتفاق الذي توصل إليه التكتل مع تركيا. وهذا قائد القوات الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) يقول يوم 7 نيسان/أبريل أن عدد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية تضاعف في ليبيا إلى ما بين 4000 و6000 مسلح خلال فترة تتراوح بين عام وعام ونصف. فهذه التصريحات وغيرها ليست سوى مقدمات ومبررات للغزو والضربات العسكرية في حالة حصول أي تهديد جدي على حكومة السراج وفشل الترتيبات الأمنية التي تم وضعها لحماية حكومته.
فما هي السيناريوهات المطلوب تنفيذها في ليبيا ؟
يبدو أن الأوضاع في طرابلس والمنطقة الغربية في هذه المرحلة تسير نحو خيار التهدئة واسقاط المواجهة العسكرية بين حكومة الوفاق (فايز السراج) وحكومة الإنقاذ الوطني (خليفة الغويل). وهذا لا يعني أن يتنازل أحد الطرفين للآخر، بل سوف تكون هناك "مواجهة سلمية" تتمسك فيها حكومة الغويل بموقفها من حكومة السراج ومحاوِلة اسقاطها بأشكال قانونية وسياسية، فيما يواصل فايز السراج مساعيه للإمساك بزمام الأمور وتثبيت سلطة حكومته على الأرض مدعوماً بالضغط الدولي على خصومه.
ومع كل الدعوات التي أطلقها نوري بوسهمين وخليفة الغويل نحو الحوار ونبذ العنف مع عدم الإعتراف بشرعية حكومة السراج، فإن الأوضاع يمكن أن تنقلب نحو المواجهة المسلحة في أي وقت وبخاصة إذا بدأت حكومة السراج تتوسع ميدانياً في السيطرة الأمنية والعسكرية على حساب المواقع التي يتواجد فيها نفوذ "قوات فجر ليبيا" وكل الكتائب الموالية لحكومة الغويل والمؤتمر الوطني.
والمتوقع في ظل الدعوات التي تطالب بالحوار ورفض الإقتتال بين أفراد الشعب أن تعمل أميركا وحلفاؤها الغربيون على إضعاف النفوذ السياسي والدعم الشعبي لرافضي حكومة السراج من خلال تمكين هذه الحكومة من النجاح في حلحلة بعض المشاكل الإقتصادية التي يعاني منها الناس مثل توفير الغذاء والدواء والسيولة النقدية.
ما بالنسبة للمنطقة الشرقية فإن الخطة التي تسير فيها أميركا ومواليها من الغرب هي ترك زعماء تلك المنطقة (الثني وصالح وحفتر) ومؤسساتهم (الحكومة والبرلمان والجيش) يعملون بمعزل عن عدم اعترافهم بحكومة السراج مع حصولهم على الدعم الإقليمي من مصر والإمارات. أما الغاية من ذلك فهي توفير الظروف الملائمة سياسياً وشعبياً للسير في موضوع الفدرالية والتقسيم. ومما يؤكد على أن أميركا تعمل على تقسيم ليبيا جدياً من خلال المنطقة الشرقية هو ما يلي:
أولاً: لا توجد أية مطالبة جدية أو تهديد حقيقي من قبل الدول الغربية أو الأمم المتحدة بأن تحل حكومة عبدالله الثني نفسها كما تم طلبه بقوة من حكومة خليفة الغويل في طرابلس. ثم إن رئيس برلمان طبرق عقيلة صالح وكل من يدعمه يصرحون بأنهم لن يعترفوا بحكومة السراج ما لم تحظَ بالقبول من قبل البرلمان بشكل قانوني وفي حلسة داخلية، ويصرحون بأن التعديلات الدستورية هي من حق البرلمان دون غيره. وفي نفس الوقت فإن هؤلاء يرحبون بالمجلس الرئاسي وبدور الأمم المتحدة وبالدول الغربية من ورائها فيما يقومون به من تركيز لحكومة "الوفاق" في طرابلس على حساب حكومة "الإنقاذ".
ومن الواضح أن بعض الدول الإقليمية وعلى رأسها مصر والإمارات تقوم بدور كبير في تثبيت وجود حكومة عبدالله الثني في مدينة البيضاء وقائد الجيش خليفة حفتر في بنغازي ورئيس البرلمان عقيلة صالح في طبرق من خلال الزيارات والدعم العسكري المباشر والتأييد السياسي والدبلوماسي. ولم يحصل أن وقعت أية مطالبة جدية لهذه الأجسام الثلاثة ورؤساؤها بالإلتحاق بحكومة الوفاق كما هو الحال في الضغط والتهديد لحكومة الغويل والمؤتمر الوطني والكتائب العسكرية الموالية لهما في طرابلس بأن يحلوا أنفسهم باعتبارهم "أجساماً غير شرعية". ومما يدلل على ما سبق هو:
1- رغم أن مجلس النواب فشل بشكل متعمد من قبل الأعضاء الموالين لعقيلة وحفتر أكثر من مرة في عقد جلسة لمنح الثقة للتشكيلة الحكومية التي قدمها رئيس المجلس الرئاسي المقترح فايز السراج، طلعت علينا وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية لتؤكد على أهمية ما سمته "الاعتماد الدستوري" للحكومة الليبية من قبل مجلس النواب وفقا لمخرجات اتفاق الصخيرات. وقالت الخارجية الإماراتية، في بيان يوم 5 نيسان/أبريل 2016 إن"هذا الاعتماد أساسي في تعزيز المسار السياسي التوافقي ونجاحه". ومع ذلك أعلنت الإمارات ترحيبها بوصول رئيس المجلس الرئاسي المقترح من البعثة الأممية فايز السراج وأعضاء المجلس إلى العاصمة طرابلس، واصفة الأمربـ"الخطوة الإيجابية" باتجاه الحل السياسي للأزمة الليبية.
2- رغم أن تحالف القوى الوطنية مشارك بقوة في حكومة الوفاق من خلال تولي نائبه فايز السراج رئاستها، إلا أن رئيس التحالف محمود جبريل طالب المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر توجيه الدعوة إلى لجنة الحوار السياسي لـ"اجتماع عاجل وطارئ". واعتبر محمود جبريل في رسالة وجهها إلى المبعوث الأممي إلى ليبيا يوم 2016/4/6، أن اجتماع مجلس الدولة وتعديله للإعلان الدستوري، وانتخاب رئيس ونائبين له، يعد "اعتداء على صلاحيات مجلس النواب وخرقاً فاضحاً للاتفاق السياسي"، مشيراً إلى أن "مباشرة بعض أعضاء الحكومة المقترحة قبل نيل ثقة مجلس النواب يمثل هو الآخر استفزازاً واستهتاراً ببنود الاتفاق". وقال جبريل إن هذا "يعد مؤشراً واضحاً على استمرار سياسة فرض الأمر الواقع، والتي إن لم يتم التصدي لها بالسرعة اللازمة قد تمثل سابقة وحافزاً لبقية المؤسسات التي أفرزها الاتفاق السياسي لانتهاج هكذا سياسة".
ثانياً: إن المنطقة الشرقية تتجه نحو خيارين: إما إعلان قائد الجيش في الشرق خليفة حفتر ومواليه مجلساً عسكرياً يكون هو رئيسه ويكون بمثابة مجلس رئاسي مواز للمجلس الرئاسي الذي بترأسه فايز السراج في طرابلس، أو خيار إعلان إقليم برقة الذي يضم كل المنطقة الشرقية. وقد ظهر هذا التوجه في الاجتماع الموسع الذي عقد في مدينة المرج حيث مقر "القيادة العامة للقوات المسلحة" التابعة لحفتر بتاريخ 2/4/2016. وقد جمع هذا اللقاء رئيس البرلمان ونواباً عن المنطقة الشرقية وشيوخ قبائل وأعياناً وقيادات عسكرية، حيث ناقشوا "البدائل المتاحة في حال تأكد خروج المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق عن سلطة البرلمان، وإصراره على البقاء تحت رحمة الميليشيات ورهن دوافعهم، ومن أهم هذه الخيارات هو الإعلان عن تشكيل مجلس عسكري لقيادة البلاد، برئاسة الفريق أول خليفة حفتر القائد العام للقوات المسلحة".
أما الخيار الثاني الذي طرحه المجتمعون في لقاء المرج فهو "إعلان إقليم برقة يضم كامل المنطقة الشرقية، ولديه كافة المقومات لنجاحه، من ثروات نفطية وتماسك اجتماعي وقبلي، وهذا الخيار لا يمثل انفصالاً لكنه يمثل توجهاً فدرالياً، كون السلطة المركزية واصلت تهميشها لشرق ليبيا، والذي عانى في عهد القذافي وعقب ثورة فبراير". ويبدو أن الخيار الأول هو الخيار المطروح بقوة باعتبار أنه لن يثير احتجاجاً كبير من قبل الرأي العام الداخلي ولا يبدو ظاهرياً وكأنه عمل انفصالي، وفوق ذلك فهو خطوة مرحلية نحو الفدرالية ريثما تستقر أوضاع المؤسسات وهياكل الفدرالية في الشرق.
وقد أكد المجتمعون أنه سوف يتم السير في أحد هذه الخيارات، ولكن تقرر التريث ومنح الفرصة لتصحيح أوضاع حكومة الوفاق، قبيل تنفيذ أي انتقال "بديل اضطراري للسلطة". وأكد رئيس البرلمان عقيلة صالح في مؤتمر صحفي عقده ذلك اليوم أن "حكومة تحميها الميليشيات المسلحة" في طرابلس لن يتم الاعتراف بها إطلاقاً، مشدداً على أن قيادات القوات المسلحة الليبية "خط أحمر" ولا يمكن المساس بها أو المساومة عليها.
وقد أكد على هذا المعنى أيضاً خليفة حفتر في حوار مع جريدة "الأهرام" المصرية يوم 2016/4/8، عندما قال:"سندعم أي حكومة وفاق يمنحها البرلمان الثقة ولن نقف متفرجين إذا قادت العملية السياسية البلاد إلى الهاوية". وعن دور مصر السيسي فيما يقوم به من أعمال تخريبية واجرامية أكد حفتر وجود تعاون عسكري واستخباراتي مع مصر، وقال إن هذا التعاون هو في أفضل أحواله. وبهذا الشكل يتأكد لنا أن رفض برلمان طبرق منح الثقة لحكومة السراج داخل المجلس النيابي كان عملاً مقصوداً من أتباع حفتر ومدعوماً من دول الكفر حتى يمكن السير لاحقاً في موضوع المجلس الرئاسي في المنطقة الشرقية وما يتبعه من إعلان الفدرالية في اقليم برقة.
وإذا حدث وأعطى مجلس نواب طبرق الثقة لحكومة السراج أو قام بتعديل الإعلان الدستوري فليس ذلك سوى من أجل تدعيم مشروعية حكومة "الوفاق" في طرابلس واضعاف لإحدى حجج رفض المؤتمر الوطني في قبول حكومة السراج. ولكن الثابت أن السير في مسألة فرض الفدرالية وتقسيم ليبيا أصبح في مراحل متقدمة وفق مشروع الشرق الأوسط الكبير ...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- المناطق الآمنة وخطّة تقسيم سوريا التي حذّرنا منها منذ 2011
- الجسد السّوري تُمزّقه عمالات سائبة : هل تتدخّل الأردن في جنو ...
- أوهام محاربة الفساد في تونس
- فشل الدّيمقراطية , أكثرمن ثلاثة قرون من الفشل المتواصل ...
- - فصل الدّين عن الحياة - دعوة استئصالية بامتياز
- مجزرة أمريكيّة جديدة بحجة الانتصار لخان شيخون في سوريا
- - الهولوكوست - ... بين التضليل والأوهام
- - الديمقراطية - من رجل الدّين الى رجل المال , ومن الكنيسة ال ...
- سوريا ... الى متى يظلّ القتل والتّدمير وسفك الدّماء مستمرّا
- - الدّولة المدنيّة - دولة مستوردة ومنبتّة في المعنى وفي الوا ...
- السّلطة والاتحاد في تونس شريكان في تأجيج الأوضاع من أجل تمري ...
- ظروف وملابسات القرار التركي بوقف العمليّات العسكريّة في شمال ...
- - المساواة بين المرأة والرجل - شعار مضلّل لا واقع له
- وهم الثورة والدّور المشبوه لمنظمات المجتمع المدني
- الجزء الأخير - الارهاب ملفّ يجب أن يفتح-
- الدّيمقراطية تهديد للفرد والجماعة والمجتمع
- الجزء الرابع قبل الأخير : - الارهاب - ملفّ يجب أن يفتح
- الجزء الثّالث من ملفّ - الارهاب - سرّي للغاية ولكنه يجب أن ي ...
- الارهاب : ملفّ يجب أن يُفتح ... الجزء الثّاني
- هل فعلا هناك ارهاب ؟ ملفّ يجب أن يُفتح


المزيد.....




- القوات الإسرائيلية تعتقل طفلا عمره 6 سنوات في مخيم الجلزون
- بارزاني: يجب الذهاب إلى الانتخابات كحل للأزمة السياسية في إق ...
- تركيا.. العثور على نجل رئيس الوزراء الأسبق قتيلا في إسطنبول ...
- قفزة نوعية في تدريبات -الأمن الجوي الفضائي- الروسية الصينية ...
- الوصول إلى المريخ قد يعجل الشيخوخة
- أنقرة: صفقة -إس-400- ستكتمل قريبا
- حميميم: تدهور الوضع في مخيم الركبان بسبب عدم اهتمام الأمريكي ...
- هل هناك أصل تاريخي لهيمنة الذكور؟
- 20 موسيقيا يعزفون على بيانو واحد
- قضية القدس: حركة فتح تدعو لمظاهرات حاشدة خلال زيارة نائب الر ...


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الأسعد بنرحومة - ليبيا : أحداث طرابلس وحكومة السراج خطوة نحو التقسيم تنفيذ لوصاية دولية