أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سعيد العليمى - بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - بوب جيسوب








المزيد.....



بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - بوب جيسوب


سعيد العليمى

الحوار المتمدن-العدد: 6258 - 2019 / 6 / 12 - 23:52
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


النظريات الماركسية المعاصرة حول القانون والدولة
والأيديولوجيا القانونية السياسية*
بوب جيسوب

أعاد الماركسيون على مدى العشرين عاما الماضية اكتشاف كل من الدولة والقانون بوصفهما مشكلتين نظريتين. وقد أنتج هذا فيضا حقيقيا من الكتابات حول هذين الموضوعين. وقد غطت المناقشة الناجمة عن ذلك مدى شمل الموضوعات المنهجية الأشد تجريداً وصولا إلى المشكلات التاريخية النوعية الصرفة، كما ولدت تنويعة من الفرضيات والرؤى. ومثال ذلك العلاقات بين المجالات الاقتصادية والقانونية –السياسية ، والحدود المؤسساتية للدولة، وهدف الحكومة ودورها، ارتباط الجانبين الإكراهي والمعياري في النظام القانوني، الطابع الطبقي لحكم القانون، تأثيرات وحدود تدخل الدولة عبر مختلف الوسائل، الاختلاف في شكل ووظيفة الدولة العادية والدولة "الاستثنائية"، معنى "الاستقلال النسبي" في علاقته بالقانون و/ أو الدولة، العولمة المتزايدة للإنتاج الرأسمالي وآثارها الضمنية فى القانون والدولة – الأمة. هذه الموضوعات وكثير غيرها نوقشت بحمية. مع ذلك، وعلى الرغم من أن كثيرا من الطاقة قد استثمر في مثل هذه المواجهات النظرية، إنتهاءً إلى إقتراح إجابات متنوعة، إلا أن عدم الاتفاق ما زال سائدا، ويبدو كأن كثيرا من الموضوعات تستعصي على الحل. وينطبق هذا على تحليلات القانون بقدر ما ينطبق على تحليلات الدولة. إنني أركز في التعليقات التالية على وجهات النظر الماركسية حول القانون ولكن سوف تجرى الإشارة أيضا إلى النظريات حول الدولة. وسوف أولى الانتباه في كلتا الحالتين إلى الموضوعات النظرية الأساسية المطروحة أكثر من المشكلات التاريخية النوعية.

بعض المقاربات النظرية الرئيسية
لقد شهدت إعادة الاكتشاف النظرية الراهنة للقانون والدولة تنوعا متزايدا في طريقة المقاربة. وقبل أن أراجع المؤلفات الأحدث في القانون سوف أوجز باختصار المقاربات الرئيسة.
لقد كان التقليد المهيمن لوقت طويل هو التقليد الماركسي اللينيني. وهذا التقليد يعالج الدولة بوصفها أداة قمعية من الناحية الجوهرية التى تُمكن سيطرتها الطبقات السائدة اقتصاديا من أن تمارس دكتاتوريتها على الطبقات المسودة (من أجل مختصر يبدى وجهة نظر متعاطفة، انظر مور 1957، ومن أجل دفاع جرئ انظر باليبار 1976). تضمن تطبيق هذه المقاربة في شكلها النموذجي تكديس الوقائع لتبيان كيف سيطرت الطبقة السائدة على جهاز الدولة أياً ما كان شكله ثم وظفت سلطته لمتابعة السياسات التي تروج مصالحها الطبقية الخاصة. لقد دللت أيضاً على توافق طبيعة الدولة الرأسمالية مع قاعدتها الاقتصادية المتغيرة. وهكذا فبينما كانت الرأسمالية التنافسية الليبرالية مرتبطة بالنظام الديمقراطي البورجوازي، فإن نمو الإمبريالية والقدوم اللاحق لما أسمى "بالأزمة العامة للرأسمالية"، قد أثار الرجعية السياسية وحفز الميول الفاشية والتسلطية في الدولة. عادة ما ترى هذه المقاربة القانون في دائرة القانون الخاص بوصفه انعكاسا آليا أو ملحقا ظاهراً للقاعدة الاقتصادية، وهي تعالج القانون العام بوصفه أداة قمعية للسيادة الطبقية السياسية توظفه الطبقة السائدة أو أحد أقسامها. وقد تُعرض الأيديولوجية القانونية في معظم الحالات بوصفها شكلا رئيسا (إن لم تكن الشكل الرئيس) للتعمية وإسباغ الشرعية على علاقات السلطة الاقتصادية والسياسية. وبالضبط كما تجادل الماركسية اللينينية بأن المراحل المختلفة من التطور الرأسمالي تنعكس على التغيرات التي تعتري طبيعة ووظائف الدولة، فانها تدعى أيضا أن القانون وحكم القانون قد تقوضا بسبب انتشار الامبريالية و"الأزمة العامة للرأسمالية"، (مور 1957، كوسينين 1961، فارجا 1968، نيدبايلو، 1972، مؤلف جماعي 1974 - 6، بوترفيجه 1977، لوين وتومانو 1977، بورلاتسكي 1978).
وقد تعرض هذا الاتجاه لنقد متزايد خلال الستينات حين قطع اليسار الماركسي أواصره مع الستالينية ونفوذ الكتلة السوفيتية. وقد اتخذ رد الفعل أشكالا نظرية متباينة في أقطار مختلفة. وقد كانت أشد الاستجابات مغزى فيما يتعلق بغرضنا هي تطور مدرسة "منطـق الرأسمال"، (أو اشتقاق الدولة Staatsableitung) في ألمانيا الغربية، وظهور البنيوية الألتوسيرية في فرنسا وامتدادها إلى بريطانيا، وبعث جرامشي في إيطاليا وأماكن أخرى. وما دامت هذه المقاربات سوف تشغلنا فيما يلي، فبمقدورنا أن نكون موجزين تماما في عرض ملامحها العامة وبراهينها.
بينما تلهم تحليلات "ستاموكاب" مقاربة لينينية للنظرية الماركسية إلى حد كبير، فإن ما يشكل أساس مدرسة "منطق الرأسمال" هو قراءة هيجلية لمنهج ماركس. والغالب على مؤلف ستاموكاب، تصنيف المادة التاريخية بإدخالها تحت مفاهيم عامة فحسب (مثل "دكتاتورية البورجوازية الاحتكارية" أو "التناقض الأساسي بين قوى الإنتاج الاجتماعية والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج") وكذلك كثير من المراحل الخاصة بالأخيرة. وعلى النقيض من ذلك فإن مقاربة اتجاه "منطق الرأسمال"، تحاول أن تطور تحليلاتها للدولة والقانون من خلال الاشتقاق المنطقي التدريجى لمفاهيم أشد عينية من نقطة انطلاق ملائمة غاية في التجريد نظريا.( ) ومادام يمكن للمرء أن يبدأ من نقاط متعددة داخل نطاق الاقتصاد السياسي الماركسي، وكيفما كان الأمر، فإن مدى الحلول النظرية يتنوع بشكل موافق لذلك. وقد كان من أشد نقاط الانطلاق المفهومية شعبية هو تداول السلع، ومجال علاقات التبادل بين مصادر الدخل المتنافسة، والطبيعة المزدوجة للسلعة بوصفها قيمة استعمالية وقيمة تبادلية، "ورأس المال بشكل عام" في مواجهة "رؤوس الأموال النوعية"، والعلاقة بين رأس المال والعمل المأجور. وقد كان الاهتمام الرئيس في حالة نظرية الدولة هو ضرورة اشتقاق الانفصال المؤسساتي لمجال السيادة السياسية من مجال الإنتاج الاقتصادي وما يترتب على ذلك بالنسبة للأشكال الخاصة للدولة الرأسمالية ولوظائفها. وبالتعارض مع النظريات العامة للسيادة الطبقية السياسية، فقد أكدت الدراسات التى تأخذ بالاشتقاق خصوصية الشكل الرأسمالي للدولة. كما أكدت، بالتعارض مع الأوهام الإصلاحية القائلة: إنه يمكن للدولة أن توظف في ترويض وحتى في إلغاء النظام الرأسمالي، أكدت الحدود الجوهرية لتدخل الدولة الذى يعد شكلها ووظائفها عناصر متكاملة في المسار المتناقض ذاتيا لتراكم رأس المال. كان الاهتمام الرئيس في حالة النظرية القانونية هو اشتقاق الحاجة للأشكال النوعية للقانون وكشف الطابع الطبقي الجوهري للقانون خلف مظهر المساواة، والحياد، والشمول. يدين كثير من هذا الجهد لتحليل باشوكانيس Pashukanis للقانون الخاص، وقد عالجت بعض التحليلات الأخرى القانون العام أيضا على نحو أكثر تفصيلا.
تطورت البنيوية الألتوسيرية فى مواجهة التشويهات الستالينية للماركسية اللينينية ورد الفعل ذى النزعة الإنسانية على النظرية والممارسة السوفيتية (من أجل مراجعات مفيدة انظر بنتون 1984، إيليوت 1988). ومن ثم فقد رفضت بحزم كل اعتقاد في ذات فردية أو طبقية أضفى عليها الوعي، والعقل والإرادة الحرة وكذلك كل أشكال الحتمية الاقتصادية التي عينت القوى الاقتصادية بوصفها المحرك المستقل بذاته للتطور الاجتماعي. بدلا من ذلك فقد أحلت مفهوم الكل المبنين المعقد ونسبت إليه أولوية سببية على أجزاءه الاقتصادية، والسياسية، والأيديولوجية، كما أكدت أيضا أن الأفراد يشتغلون كحملة سلبيين وكدعائم Supportters , Porteurs, Träeger للعلاقات الاجتماعية التي تنتج نفسها بنفسها بصفة جوهرية. وعلى الرغم من أن ألتوسير طور هذه النظرات بداية في العلاقة بالإبستمولوجيا وببعض المشاغل الفلسفية الأخرى، إلا أنها طبقت منذئذ في تحليلات الاقتصاد السياسي، والدولة، والقانون والأيديولوجيا. لقد جرى التدليل في هذه المجالات على أن نمط الإنتاج (وبتوسيع النطاق، المجتمع) هو كل مبنين معقد، يتضمن عدة مستويات مستقلة نسبياً يشرط كل منها الآخر مـع ذلك، وهو يتسم بهيمنة مستوى واحد (اقتصادي، سياسي قانوني، أو أيديولوجي) على المستويات الأخرى، ومن ثم فهو خاضع لحتمية اقتصادية في المطاف الأخير بقدر ما يوكل نمط إعادة إنتاج علاقات الإنتاج الدور المهيمن لواحد، أو آخر من هذه المستويات (انظر خاصة ألتوسير 1969، ألتوسير وآخرون 1970، ولنقده الذاتي اللاحق، انظر ألتوسير 1974، وباليبار 1975). تماثل المقاربة الألتوسيرية مدرسة "منطق الرأسمال" في رفض الحتمية الاقتصادية الفظة وفي اكتشاف الروابط بين الجانبين الاقتصادي والسياسي أو مستويات نمط الإنتاج الرأسمالي. على أية حال بينما يعطي "منطق الرأسمال" أولوية تحليلية وسببية للمقولات الاقتصادية عند اشتقاق شكل ووظيفة الدولة الرأسمالية والقانون، فإن المقاربة الألتوسيرية أكثر ميكانيكية في معالجتها التحدد الاقتصادي في المطاف الأخير وتميل إلى التركيز على الخصائص النوعية للمستويات المتعددة كما لو كانت مستقلة ذاتيا.
هذا التأكيد على الاستقلال الذاتي واضح بشكل خاص في مؤلفات بولانتزاس التى تعود إلى منتصف الستينات وما بعدها. ركز بولانتزاس في البداية على الاستقلال الذاتي للقانون وأوجه فعاليته في نمط الإنتاج الرأسمالي، وسيادة الأيديولوجيا القانونية في المجتمعات البورجوازية. وقد طور فيما بعد هذه المقاربة حتى بلغت تقويما متكاملا للنموذج الرأسمالي للدولة ودورها في تأمين السيادة الطبقية السياسية، والتماسك الاجتماعي. وقد طورت المقاربة الألتوسيرية أيضا في اتجاه أصيل من قبل إدلمان، وكذلك من قبل هيرست وهندس والمشتغلون معهم، وإن يكن من خلال نقد ذاتي مطول ونفور بالغ من المشروع الألتوسيري. وهكذا يعالج إدلمان السبل التي يستدعى بها Interpellated الشخص القانوني بوصفه حاملاTräger للعلاقات القانونية استجابة للشروط الاقتصادية والسياسية المتغيرة في ظل الرأسمالية المتقدمة. لقد رفض كل من هندس وهيرست النزعة الكلية مع مسلماتها حول "التوافق الضروري" بين مستويات مختلفة من المجتمع، ولكنهما مازالا معنيين بالشروط المسبقة الاقتصادية والسياسية لإعادة الإنتاج الاقتصادي وكذلك تكوين الأشخاص القانونية وما يترتب على ذلك بالنسبة للحياة الاجتماعية.
لم يكن جرامشى معنيا بتعيين القوانين المجردة للحركة أو باشتقاق الأشكال والوظائف الضرورية للدولة الرأسمالية. لقد حاول بدلا من ذلك أن يعين العلاقات المعقدة بين القوى الاجتماعية الجماعية المنخرطة في ممارسة سلطة الدولة في وضع معين. ومفتاح مقاربته هو التأكيد على العلاقة العضوية بين الأجهزة الحكومية والمجتمع المدني. وهو يعين في هذا السياق شكلين، أو نمطين من السيادة الطبقية: القوة والهيمنة. تتضمن القوة استعمال جهاز إكراه لإجبار جمهور الناس على الامتثال والإذعان لمتطلبات نمط إنتاج معين. ويمكن للقوة أن تستخدم من قبل جماعات خاصة (ومثالها الفرق الفاشية، وكذلك من قبل أجهزة الدولة التي يعتمد أثرها على العوامل الاقتصادية والأيديولوجية وكذلك على الاعتبارات العسكرية والبوليسية المحضة). وبالمقابل تتضمن الهيمنة حفز وإعادة إنتاج "الرضا الإيجابي" داخل الجماعات المسودة من جانب الطبقات الحاكمة من خلال ممارستها للقيادة السياسية والأخلاقية والثقافية. كما تتضمن ان توضع في الاعتبار بشكل منتظم المصالح والمطالب الشعبية وتغيير الموقف وإجراء التسويات بشأن الموضوعات الثانوية؛ لإبقاء الدعم والتحالفات لنظام من العلاقات السياسية هشاً وغير مستقر في دخيلته (وعلى أي حال ، بدون التضحية بالمصالح الجوهرية)، وتنظيم هذا الدعم لتحقيق الأهداف القومية التي تخدم المصالح الجوهرية بعيدة المدى للطبقة السائدة. فضلاً عن أنها تتضمن أيضا القيادة الثقافية والأخلاقية من خلال تشكيل وإعادة إنتاج إرادة جماعية، ووجهه نظر "قومية-شعبية"، ونظرة عامة عالمية تلائم احتياجات إعادة الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي. أضف إلى ذلك، كما أن جانب القوة ممأسس في نظام أجهزة الإكراه، فإن الهيمنة كذلك تتبلور وتتوسط من خلال نظام معقد للأجهزة الأيديولوجية توجد عبر كامل التكوين الاجتماعي. وبالفعل، وعلى الرغم من أن ممارسات الهيمنة تحدث بالتأكيد داخل النظام الحكومي، إلا أنها تجرى غالبا ما وراء الدولة بمعناها الضيق. وهكذا يطرح جرامشي أنها، تجرى أولا في المجتمع المدني، أو فيما يسمى بمجال الهيئات "الخاصة"، مثل الكنيسة، والاتحادات النقابية، والمدارس، ووسائل الإعلام أو الأحزاب، وهو يبرهن، ثانيا، أنها تتجسد بواسطة المثقفين، الذين يتقوم دورهم في تطوير الأيديولوجيات، وتعليم الشعب، وتنظيم وتوحيد القوى الاجتماعية وتأمين هيمنة المجموعة السائدة (انظر بصفة خاصة جرامشى 1971، ومن أجل تعليق مفيد انظر بوسى – جلوكسمان 1978، موف 1979، ساسون 1980 ).
على الرغم من أن هذه المقاربة تتضمن القليل مما يمكن أن يقال مباشرة حول شكل القانون في المجتمعات البورجوازية فإنها تقدم كثيرا من الرؤى النافذة حول كيف يعمل النظام القانوني ودوره في تأمين السيادة الطبقية.بالإضافة إلى العمل حول المؤسسات العقابية، وأشكال السيطرة الاجتماعية المرتبطة بها (يتعين علينا هنا أن نعترف بأنها تدين بنفس القدر لمؤلفات فوكو)، هناك كم متنام من الدراسات ضمن هذا التقليد عنيت بتطور الدولة القوية وإعادة تنظيم النظام القانوني. إن التحليلات التي قام بها هال Hall ومعاونوه وكذلك جدالات بولانتزاس حول نزعة الدولة التسلطية Authoritarian statism هي أمثلة جيدة على هذه المقاربة. وسوف نعالجها فيما يلي.

حول شكل ووظيفة القانون البورجوازي
إن الاهتمام الرئيس لما يسمى بمدرسة "منطق الرأسمال" هو اشتقاق شكل الدولة الرأسمالية من طبيعة رأس المال و/ أو تأسيس هذه المتطلبات الوظيفية المسبقة للتراكم التي يتعين تلبيتها من خلال توسط نشاط الدولة. هناك اتفاق ضئيل حول أفضل نقاط ابتداء مثل هذا الاشتقاق أو أشد المظاهر مغزى بصدد شكل ووظائف الدولة الرأسمالية. كيفما كان الأمر، فهناك اتفاق عام بين أفضل نماذج هذه المدرسة بأنه لا يتعين الانتقال مباشرة من مستويات التجريد العليا إلى تحليل الأوضاع السياسية النوعية: فمن الجوهري فحص نظام التوسط المعقد الذي يتدخل بين التحددات الأشد تجريداً ومباشرية الوضع العيني. هذا التخصيص هام وينطبق أيضا على " تحليلات شكل " النظام القانوني.

باشوكانيس: حول القانون الرأسمالي والدولة
حاول يفجيني باشوكانيس أن يشتق الشكل التاريخي النوعي للقانون البورجوازي والدولة المرتبطة به من الخصائص الجوهرية للتداول السلعي في ظل الرأسمالية. وقد استندت محاولته على الملاحظات المنهجية التي أوردها كارل ماركس في مقدمة 1857 ومنهج العرض في كتاب رأس المال DAS KAPITAL وبالفعل فقد كانت نقطة ابتداء اشتقاقه هي ملاحظة كارل ماركس في النص الأخير بأنه لا يمكن للسلع أن تذهب إلى السوق وأن تنجز التبادل بذاتها. حيث يتعين عليها أن تُعرض للتبادل من خلال تدخل الأشخاص الذين يدخلون في علاقات تعاقدية طوعية مستندين إلى أهليتهم بوصفهم ملاكا لهذه السلع. وهكذا يخلص ماركس إلى أن العلاقة بين السلع يجب استكمالها بعلاقة قانونية بين الذوات الهادفة (ماركس 178-9)
يرد باشوكانيس أيضا ظهور الشخص القانوني بوصفه حاملاً للحقوق إلى ظهور السلعة بوصفها حاملة للقيمة التبادلية ويبرهن على أن منطق المفاهيم القانونية يتوافق مع منطق العلاقات الاجتماعية في مجتمع منتج للسلع. لأنه مع التطور التام للإنتاج السلعي فحسب يصبح كل شخص إنسانا مجرداً، ويصبح كل عمل نافع اجتماعيا مجردا، وتصبح كل ذات شخصا قانونيا مجردا، وتتخذ القاعدة القانونية الشكل الخالص لقانون عام مجرد. ويجرى هذا لأن تداول السلع لا يتطلب فقط أن تظهر الأشخاص القانونية بوصفها حملة حقوق في كل ضروب الطيبات وإنما أيضا؛ لأن التداول الدائم للسلع يسهل وجود تمييز واضح بين حامل مثل هذه الحقوق والموضوعات التي ترد عليها الحقوق القابلة للتصرف والانتقال. وهكذا، فبينما كان الشخص القانوني ما قبل الرأسمالي فرداً عينيا ذا امتيازات عرفية خصوصية، فإن الشخص القانوني فى المجتمع البورجوازي هو الحامل المجرد الشامل لكل ضروب الدعاوي. إن نواة الشخص القانوني هو مالك السلعة غير أن الخصائص الشكلية للحرية والمساواة المتجذرة في المجال الاقتصادي قد عممت بيسر على النطاقات الأخرى للمجتمع المدني والدولة (باشوكانيس 1978 : 109 –33 ومواضع أخرى).
حاول باشوكانيس في هذا السياق أن يشتق شكل الدولة البورجوازية بوصفها جهازاً لاشخصيا متميزاً للسلطة العامة من المجال الخاص للمجتمع المدني. لقد دلل على أن الشكل القانوني لدولة الحق/ القانون Rechtsstatt (أو الدولة الدستورية المؤسسة على حكم القانون) المميزة للمجتمعات البورجوازية هي أمر مطلوب بحكم طبيعة علاقات السوق بين أفراد أحرار، ومتساوين. وهذه ينبغي أن تُتوسط، وأن تُراقب وتُضمن من قبل ذات جماعية مجردة مفوضة بسلطة إنفاذ الحقوق في صالح كل الأطراف في المعاملات القانونية. مع ذلك، على الرغم من أن سلطة الدولة تدخل الوضوح والاستقرار في بنية القانون وتضمن اشتغال العلاقات القانونية، فإن الأساس المادي للشكل النوعي للقانون البرجوازي والشخصية القانونية لا يزالان متجذرين في علاقات الإنتاج الرأسمالية. ويتضمن هذا بدوره أن القانون سوف يضمحل مع الدولة حين يقضي على أساسهما المشترك في علاقات الإنتاج و/ أو التوزيع البورجوازية (باشوكانيس 1978: 134-50، 63-4، 80،49، 104، 188 ومواضع أخرى).
هذه المحاولة الرائدة منطقيا لاشتقاق الشكل الضروري للقانون البورجوازي قد طورت بطرق متنوعة في الكتابات المعاصرة حول القانون والدولة في المجتمعات الرأسمالية. كما أنها قد تعرضت أيضا لنقد على نطاق واسع. ولكن قبل أن نتجه إلى هذا النقد، سوف نُقوم كيف وظف عمل باشوكانيس في الكتابات الماركسية اللاحقة. يتابع كثير من النظريين باشوكانيس في التأكيد على وجود توافق جوهري بين شكل السلعة والشكل القانوني ولكن القليل منهم يضيف جوهريا لهذه الأطروحة. ومن بين الأخيرين سوف نركز على كتابات توشلينج، ساور، بلانكه وآخرون، وكذلك هيرش وبرويس.

على خطى باشوكانيس
يجادل بوركارد توشلينج بأن القانون ينشأ بوصفه نظاما نوعيا للعلاقات بين الأفراد مع تطور الرأسمالية فقط. وقد كان القانون قبل ذلك منحصرا في فئات معينة من الأفراد وعلاقاتهم في مجالات خصوصية، ولكن الرأسمالية قد أدت إلى إضفاء صبغة قانونية على كل العلاقات الاجتماعية، وإلى ميلاد الشخصية القانونية، ونمو أجهزة قانونية متخصصة، وتعزيز القانون بوصفه مبدأ ناظما للنظام الاجتماعي ككل. والعامل الحاسم في بروز هذا النمط من النظم القانونية ليس نمو الشكل السلعي بوصفه كذلك وانما قابلية تعميمه على تبادل قوة العمل مع رأس المال. يدعى توشلينج أولا: أن مثل هذا "التسليع" لقوة العمل يتيح تأسيس حكم القانون بين المواطنين الأحرار والمتساوين شكليا، وثانيا، أنه يتطلب أيضا مثل هذا النظام القانوني لتبرير، وتنهيج وتنظيم تبادله مع رأس المال. باختصار بينما يربط باشوكانيس الشكل القانوني بتبادل السلع ويتجاهل خصائصها وأصولها النوعية، فإن توشلينج يصر على أن التنظيم الرأسمالي لسوق العمل وعملية العمل هما مفتاح النظام القانوني. ويخلص إلى أن القانون ينبغي أن يفهم بلغة التمفصل الكلي بين الإنتاج، والتوزيع والتبادل.
ثم يتدبر توشلينج بعدئذ كيف تحدد الرأسمالية شكل ووظيفة القانون. وهو يجادل بأن القانون يلعب دورا حاسما في توسط التناقض بين المساواة الشكلية بين الملاك الأفراد لمختلف السلع (بما فيها قوة العمل) وعدم المساواة الواقعية الناجمة عن الاستغلال الطبقي داخل الإنتاج الرأسمالي. إنه من ثم لمن الأساسى بالنسبة للقانون أن يتجرد عن الاختلافات الواقعية بين ملاك السلع في توسط وضمان مجال علاقات التبادل. كيفما كان الأمر، بينما يعطى القانون من ثم ضمانات شكلية عند منح حقوق الملكية واكتسابها في التبادل المشترك بين ملاك السلع الأحرار والمتساوين، فإنه يؤمن أيضا إمكانية الاستيلاء على فائض العمل دون مقابل في عملية العمل الرأسمالي. وفي هذا الصدد فإنه يقدم الإطار القانوني الذي يجرى ضمنه تركز وتمركز رأس المال على حساب البورجوازية الصغيرة ورؤوس الأموال غير الكفؤة وكذلك البرولتياريا.
إن هذه الوظيفة الأخيرة هي التي تفسر لم لا يمكن للقانون أن يكون الشأن الخاص للرأسماليين- حيث يتعين إنفاذه ليس ضد العمل والطبقات المسودة فحسب وانما ضد رؤوس الأموال الفردية أيضا. وهكذا لابد وأن تعهد إدارة القانون إلى جهاز خاص متميز عن الفاعلين الاقتصاديين وتقع هذه المهمة على عاتق دولة القانون Rechtsstaat بوصفها شخصا قانونيا مستقلا مُنح احتكارا رسميا لممارسة العنف وخُول سلطة تطبيق القانون في كل المجالات. يبرهن توشلينج بأن الدولة الرأسمالية هي دولة قانونية Rechtsstaatlich شكلا وهذا يؤثر في كيفية تدخلها في كل المجالات وليس فقط في دورها كضامن للنظام القانوني. لأن التناقضات بين مختلف لحظات دورة رأس المال وبين الفاعلين والطبقات الاقتصادية المختلفة يعاد إنتاجها ضمن النظام القانوني. ولكن لا يتضمن هذا بأي حال ترجمة آلية بسيطة لما هو اقتصادي إلى مقولات قانونية. بدلا من ذلك فإن الشروط المسبقة المتنوعة للتراكم الرأسمالي يجب أن يُعبر عنها وتُتوسط من خلال الأشكال القانونية بدلا من فرض ذاتها مباشرة على انتباه الدولة. ويتضمن هذا بدوره عدم تحدد معين في تدخلات الدولة بالنسبة إلى الواجبات الاقتصادية ويتيح مجالا للصراع السياسي داخل الشكل البورجوازي للقانون. لا يمكن أن تكون هناك ضمانات مطلقة بأن دولة القانون Rechtsstaat سوف تؤمن إعادة إنتاج رأس المال، حيث تعتمد آثار أفعالها إزاء التراكم على كيفية انعكاس انتظامات أو قوانين حركة رأس المال في توازن القوى السياسية.
تتطور هذه الفكرة قدما حين ينكر توشلينج أن الدولة وبأي معنى كان هي رأسمالي جماعي حقيقي أي ذات موحدة قادرة على أن تتحدث وتتصرف نيابة عن كل رءوس الأموال. بدلا من ذلك فهي تتصرف بوصفها " رأسماليا جماعيا مثاليا" غير أن ذلك يكون إلى الحد الذي تتوافق فيه متابعتها للمصالح النوعية المهيمنة حاليا مع الحاجات المنسوبة إلى رأس المال عموما. ويعتمد هذا على نظام معقد من التوسطات ضمن العملية الاقتصادية، والصراع الطبقي السياسي والأنشطة السياسية – القانونية و/أو الاقتصادية للدولة. ثم يلمح توشلينج أيضا إلى أن الأشكال المتميزة للقانون والدولة في المجتمعات الرأسمالية تحبذ تراكم رأس المال، وهو لا يزال يؤكد التطابق الجوهري والأساسي بين الرأسمالية وسيادة نظام قانوني معين (توشلينج 1976: 30 – 9،47 –51 ، 97-113 ومواضع أخرى).
يفحص ديتر ساور أيضا كيف يساعد القانون الدولة على تحقيق بعض الشروط المسبقة لتراكم رأس المال. وهو يعزو شكل الدولة الرأسمالي إلى انفصالها عن رابطة/ سلسلة التبادل. إن وظائفها مرتبطة بدورها بالحاجة إلى حل تناقض أساسى في الإنتاج السلعي الرأسمالي: أى التناقض بين الشكل الاجتماعي الذي ينظم الإنتاج في إطاره، والجوهر المادي لمنتجاته. بينما يوجد جانب واحد لهذا التناقض في سيادة شكل القيمة (مادام فائض القيمة يخلق في عملية العمل ثم يتحقق، على أية حال، خلال التبادل). يكمن الجانب الآخر في حقيقة ان دورة رأس المال تعتمد على إنتاج فائض القيمة. تُعني المفاهيم المركزية التي تتوسط تحليلات "ساور" بمجال المنافسة والتبادل. وإنه لعلى هذا المستوى يعبر تناقص "الشكل-المضمون" عن نفسه في كل من المشكلات التي تواجه رءوس أموال بعينها في انتزاع وتحقيق فائض القيمة (زيادة أو تثبيت أسعار السلع ) وفي المشكلات التي يواجهها ملاك سلع متعددون ( بمن فيهم خاصة العمال المأجورون) في تأمين الشروط المادية المسبقة لإعادة إنتاجهم ( أي فوائض قيمة استعمالية و/أو تلك التي تخص دورة رأس المال ككل. وإنه لعلى على هذا المستوى أيضا يظهر مجال العلاقات القانونية ثم يستلزم التوسط، والتنظيم وتكريس المصالح النوعية لملاك السلع (بوصفهم بشرا hommes) والمصالح العامة لمواطنين (Citoyens) أحرار ومتساوين صوريا، والعلاقات بين المصالح النوعية والمصالح العامة لهؤلاء "المواطنون – البشر" المزدوجين متعددى الأوجه.
يبرهن ساور في هذا السياق أنه لابد وأن تكون الدولة منفصلة مؤسساتيا عن رابطة التبادل. حيث يمكن لها على هذا النحو فقط أن تؤمن الإطار القانوني للمجتمع الرأسمالي وتدعم قوي السوق في سعيها لتجاوز تناقض " الجوهر- القيمة. وأن توجه أنشطتها في هذا الصدد نحو الحاجات المادية لزيادة أو تثبيت أسعار السلع وإعادة الإنتاج كما تتجلى هذه في " مشاكل اجتماعية " متمفصلة في الميدان السياسي، وهي تُتوسط من خلال سيطرة الدولة على النقود والقانون كوسيطين للتدخل الاجتماعي، وهي تعاق باعتماد الدولة على التراكم المتواصل لمواردها الشغالة وكذلك بالتناقضات الباقية للنظام الرأسمالي.
ويميز ساور بين أربعة أنماط أساسية لتدخل الدولة: أ- تغيير الإطار القانوني لعلاقات التبـادل. ب- تغيير الشروط الشكليـة التي تحسم في إطـارها المنازعات حول المصالح، ج- التدخلات المباشرة دعما لإعادة الإنتاج المادي الخاص و د- تدبير الاحتياط العام لمتطلبات إعادة الإنتاج المادي. ثم يناقش بعدئذ النطاق والحدود الفعالة لهذه الأنماط من تدخل الدولة تأسيسا على انعكاساتها المحتملة على إعادة الإنتاج الفردي، والمنافسة بين رءوس الأموال الفردية والتوازن بين المصالح العامة والخاصة. لقد جرى التأكيد بصدد كل حالة بأن النقود والقانون لهما حدود متميزة كوسائط للتدخل. بغرض التجريد، يكفل الشكل العام للنقود والقانون أنهما وسائط غير ملائمة للسيطرة المباشرة على الشروط العينية لزيادة أو تثبيت أسعار السلع و/أو إعادة الإنتاج الفردي. مع ذلك، إذ تحاول الدولة أن تلطف هذا التناقض بالعمل مباشرة لدفع مصالح خصوصية أو بتقديم متطلبات مادية نوعية، فإنها تهدد بتقويص الاستقلال الذاتي لرءوس أموال و/ أو ملاك سلع معينين كما تقوض حكم القانون بقواعده الشاملة ومساواته الشكلية.
وتقوم بعض المشكلات المماثلة ضمن جهاز الدولة ذاته، كما تتبنين من خلال أشكاله النقدية والقانونية وهكذا، فبينما تعتمد وحدة وتنسيق الفروع والأنشطة المتنوعة لجهاز الدولة على مراعاته لنفس المبادئ الشكلية العامة للمسئولية المالية والقانونية، فإن قدرته على التدخل بفعالية يعتمد على الاستجابات المرنة في تدبير الموارد وإدارة السياسات تجاه الظروف المتغيرة. يؤكد ساور بأن الدولة فيما يخص كلا من أنشطتها لحل المشكلات وتنظيمها الداخلي، لا تستجيب للحاجات الاقتصادية بوصفها كذلك وإنما تستجيب لتمثلها ضمن مجال الصراع السياسي، المتبنين قانونيا والمشروط (Rechtsformig)، "حول المشكلات الاجتماعية" ( ساور 1978: 14-36، 60-8 ، 70-6، 122-80 ومواضع أخرى).
الدولة الدستورية وحـدودها
لقد جرى التأكيد على دلالة الشكل القانوني في كل من تنظيم واشتغال الدولة الرأسمالية من جانب بلانكه، ويورجن وكاستنديك أيضا. وقد برهنوا مع بعض منظري الدولة الآخرين بأن دولة القانونRechtsstaat هي شرط جوهري مسبق متضمن في دورة رأس المال. يتعين أن يصاغ القانون بحيث يهيئ الناس كحملة Träger واعين للعلاقات الرأسمالية وعليه أيضا أن يُظاهر بالقوة ليؤمن إكراهات السوق. هاتان المهمتان المزدوجتان تعينان كلا من الانفصال المؤسسي لدولة القانونRechtstaat وشكلها بوصفها سلطة عامة غير شخصية تقف فوق الأشخاص القانونية الخاصة. وينطوى هذا على أن الشكل الأساسي للسياسة هو نزاع على خلق و/أو تطبيق العلاقات القانونية التي تحكم كلا من المجالين العام والخاص للمجتمع البورجوازي. وهو يعني أيضا أن أعمال الدولة التي يجرى توسطها عبر النظام القانوني يمكن أن تؤثر فقط فى دورة رأس المال من خلال إرادة الأشخاص القانونية حال ممارسة حقوقهم المتنوعة. وبالمثل فإن تدخلات الدولة عبر سيطرتها المحدودة على النقود (بما في ذلك الائتمان، والضرائب، والنفقات إلى آخره) يمكن أن تؤثر فقط فى دورة رأس المال من خلال تأثيراتها على أوضاع الفاعلين الاقتصاديين بوصفهم حائزى نقود الذين يبقون أحرار في أن يوظفوها حسب إرادتهم ضمن حدود النظام القانوني. حتى حين تلجأ الدولة إلى الإكراه أو توقف استعمال حقوق معينة في سعيها لإبقاء أو استعادة تراكم رأس المال فإنها تجد نفسها مقيدة باحترام الشكليات القانونية.
وهم يلاحظون أيضا أن المضمون النوعي للقانون العام والخاص يعتمدان على التوازن المتغير للقوى الطبقية وأن مختلف الحقوق التي تحرز عبر نضال الطبقة العاملة يمكن أن تعوق التراكم حتى حينما يتطابق شكلها مع حكم القانون. وهكذا، إضافة إلى الحدود المفروضة على تدخل الدولة عبر خضوعها لقوانين حركة رأس المال بوصفها نظاما، فإنها تخضع أيضا للقيود المنبثقة عن مجموع القوى الطبقية (انظر بلانكه وآخرين، 1975 : 414-44،1978،108-47).

الدولة بوصفها شرعية ولا شرعية
بينما يؤكد النظريون السابقون شكل الدولة القانونية Rechtstaatlich للدولة الرأسمالية، فإن محللون آخرون قد جهدوا لتأكيد أحادية جانب هذه النظرة. وهكذا يوافق هيرش على أن الدولة البورجوازية تقنن قواعد التبادل السلعي والعلاقات النقدية، وتؤمن وضوحها، واستقرارها وقابليتها للحساب. ولكنه يؤكد أيضا أن الدولة تنتهك دوما حكم القانون من خلال لجوئها للإجراءات التنفيذية لتأمين شروط مادية خصوصية يتطلبها تراكم رأس المال. وهي أيضا مستعدة لاستخدام القوة خارج إطار القانون لتأمين الحكم البورجوازي إذا ما هددت البرولتياريا أسس النظام الرأسمالي. إن الحرية ، والمساواة وحكم القانون هي مظهر واحد فقط من الحكم البورجوزاي : مظهره الآخر هو داعي المصلحة العلياraisond’etat والتحيز الطبقي والعنف المكشوف. كلا الجانبان جوهريان لإعادة إنتاج المجتمع البورجوازي ولا يجب إهمال أي منهما (هيرش 1978 : 64-5).
عرض أولريش برويس وجهة نظر مشابهة في محاولته لتطوير نظرية مادية دستورية بالتعارض مع النظريات الليبرالية للقانون والدستور. وهو يبرهن بأن قصر سلطة الدولة حصرا على حكم القانون يمكن تصوره فقط على أساس علاقات إنتاج لا يجرى توسطها عبر التداول فحسب وانما أيضا على أساس علاقات إنتاج غير عدائية، أي على أساس الإنتاج السلعي الصغير.
في مثل هذه الحالات هناك تنسيق متناغم بين العمل والملكية، خلق القيمة وتلبية الحاجات، وهذا يعني أن القوانين العامة يمكن أن تحكم علاقات التبادل وتحمي حقوق الملكية دون أثر معاكس على العملية الكلية لإعادة الإنتاج المادي. ولكن إخضاع العمل الحي للعمل الميت في ظل الرأسمالية وسيادة اعتبارات "القيمة" على الحاجات الجوهرية يعني أن الدولة البورجوازية يجب أن تلجأ أيضا إلى معايير وسياسات ملموسة ما فوق قانونية واستثنائية توجه إلى ترضية أفراد معينين في مواقف عينية.
وهكذا فإن حكم القانون ( مجال القانونية البورجوازية ) يجب أن يستكمل بأنشطة يتعين أن تبرر طبيعتها المتميزة الاستثنائية والهادفة بتأثيرها فى إعادة إنتاج الرأسمالية (مجال الشرعية البورجوازية) (برويس 1973 : 7-195 ومواضع أخرى).

نقـد وتقويـم
إلى أي مدى تساعدنا هذه النظريات على تحليل طبيعة القانون والدولة؟ إنها تمثل بالتأكيد تقدما ذو مغزى على النزعة الاقتصادية الفظة و/أو النزعة الإرادية الساذجة للماركسية اللينينية التي تتجاهل الشكل لحساب المضمون ثم تختزل الأخير بعد ذلك إلى كونه أثرا للقاعدة المادية و/أو الإرادة الطبقية. ولكن إلى أي حد تبدو مثل هذه النظريات ملائمة بوصفها تفسيرا لشكل القانون وكيف تضيء مضمونه؟ ينبغي أن يكون واضحا أنها تتناول تلك الموضوعات على مستوى عال من التجريد – حيث تعالج الأشكال الأساسية للقانون والنظام القانوني ودولة القانونRechtstaat وظائفها المتنوعة على مستوى نمط الإنتاج الخالص. وإذ تفعل ذلك فإنها تتجاهل تكوينها التاريخي وتحقيبها، وكذلك تحددها التضافري الممكن عبر الأشكال و/أو القوى الاجتماعية الأخرى. يتمخض عن هذا عدم تحدد نظري معين على المستويات الأكثر عينية وتعقيدا من التحليل، ويثير أسئلة مهمة حول كيف يتعين على مشروع البحث أن يتوجه نحو المستويات الأدنى الأغنى بالتحديدات بغير إنكار الانتقال/ التغير بتناول هذه المستويات بوصفها محض حالات للمجرد و/ أو بدون تخلٍّ عن التحليلات السابقة لصالح وصف سطحي للظواهر التجريبية. حال غياب حلول منهجية أو مفاهيم فعلية متوسطة علينا أن نعلق النقد هنا ونركز بدلا من ذلك على ملائمة هذه النظريات على مستوى التجريد الذي اختارته.
لطالما انتقد باشوكانيس لاشتقاقه شكل القانون البورجوازي من دائرة تداول السلع بدلاً من الإنتاج الرأسمالي. وهذا النقد وجيه فقط إذا ما كان قد عزي جوهرا بورجوازيا ثابتا للشكل القانوني، وأيا ما كان اعتقاد نقاده أنفسهم فليس هناك من سبب لعزو وجهة النظر هذه إلى باشوكانيس. لامراء في أنه يبرهن على أن الشكل القانوني يصل إلى ذروة تطوره في ظل الرأسمالية. ولامراء فى أنه يفسر هذا بمفهوم انفصال المجال السياسي – القانوني عن المستوى الاقتصادي والتوسط القانوني المرتبط بالاستغلال الاقتصادي عبر تبادل العمل الحر المأجور مع رأس المال. ولكنه يشير أيضا إلى اهتمامه بتتبع تطور الشكل القانوني من أصوله في القوانين البربرية (Leges) المتعلقة بالتعويض والدية وعبر ذلك إلى وظائفه في الانتقال إلى الاشتراكية. (باشوكانيس 1978: 40،42-3، 45،58-62، 67-8، 71-2، 89،94-5،120-1). إن تمييز توشلينج في هذا السياق بين الشكل الخلوي للقانون (الشخص القانوني بوصفه حاملا للحقوق) والنظام القانوني المتطور المميز للمجتمعات البورجوازية ، الذي جرى الإلماح إليه فقط في تحليل باشوكانيس (1978: 40 –1 ، 46 – 71، 120 –1) مفيد نظريا بصفة خاصة ويحتاج إلى انتباه أعمق. أضف إلى ذلك، أنه حتى لو أن باشوكانيس قد قصر انتباهه حقا على التداول السلعي وعلى الشكل الخلوي للقانون، فإن كثيرا من الأعمال اللاحقة قد مدت تحليلاته على دورة رأس المال ككل دون حاجة لأية تعديلات جوهرية.
وهكذا، وعلى الرغم من أنه لا باشوكانيس ولا أي أحد آخر أمكن له أن يفسر الملامح المميزة للقانون البورجوازي بمفهوم التداول السلعي على نحو خالص، فقد لا يزال من الممكن أن نفعل ذلك بأن نأخذ فى الاعتبار تعين الشكل الخلوي تضافريا عبر تسليع قوة العمل والحاجة الناجمة لنظام قانوني يدار من قبل دولة قانون Rechtstaat . وبالمثل بمقدورنا أن نعين بشكل جيد الوظائف المميزة لنظام كهذا بواسطة تحليل كيف يتوسط، ويعتم، ويكرس كل من الاستغلال الاقتصادي والسيادة السياسية لصالح رأس المال. وإن عدم قيام بعض المؤلفين بإنجاز ذلك لا يستتبع إبطال كامل المقاربة.
لقد اتُهم باشوكانيس أيضا بالنزعة الاختزالية استنادا إلى أساس واحد أو إلى أساسين معا. يقال أحيانا إنه يشتق شكل القانون من القاعدة الاقتصادية وهو من ثم مذنب بالنزعة الاقتصادية. وأحيانا يُتهم بفرض وحدة زائفة على النظام القانوني لأنه يعمم بشكل غير شرعي ما هو من المستوى الاقتصادي على كل العلاقات القانونية ومن ثم يهمل لسوء الحظ الشروط المتنوعة للتشريع والقضاء. إجابة على تهم النزعة الاختزالية يمكن لنا أن نلاحظ أنه بينما يعالج باشوكانيس القانون بالفعل بوصفه انعكاسا محتوما للتبادل السلعي ويؤكد التوافق المنطقي بين أشكالهما الخصوصية، فإنه لا يُعدُّ مثل هذا التبادل بوصفه المصدر الوحيد للقانون. بدلا من ذلك فهو يدلل على مناسبة الشكـل القانوني حينما يكون هناك نزاع حول المصالح الخاصة (باشوكانيس 1978: 81-2).
إن النظر إلى التبادل السلعي بوصفه موقع الشكل القانوني بامتياز excellence Par وتقديم الإنتاج السلعي الرأسمالي بوصفه الشرط التاريخي المسبق لتطوره التام نحو نظام قانوني ليس فيه ما يبرهن على انه اختزالي. قد يكون الحال كذلك إذا تساوى التوافق المنطقي مع الضرورة السببية. مع ذلك، حتى وإن صمت باشوكانيس نفسه حول هذه الأطروحة وبقى معرضا للتهمة فإن هؤلاء النظريين الذين يعالجون التمفصل بين العلاقات الاقتصادية والقانونية بوصفها أمراً عرضياً سوف يبدون ساذجين. أضف إلى ذلك، فبينما يفترض باشوكانيس وحدة معينة ضمن العلاقات القانونية بوصفها شرطا مسبقا للنظرية العامة للقانون، فإنه يؤكد أن وحدة القانون العام والخاص تكونت تاريخيا، وهي شكلية إلى حد بعيد، ومتناقضة بشكل كامن، وغير مستقرة بصفة خاصة (باشوكانيس 1978: 47،60، 96، 101 – 6، 137، 167، 176 –7).
ويلاحظ باشوكانيس في هذا السياق أيضا أن هذه الوحدة الهشة تعتمد على اشتغال الجهازين التشريعي والقضائي المنفصلين مؤسساتيا وعلى تطـوير أيديولوجية سياسية قانونية عامة (باشوكانيس :40- 1،42-3،68، 76 –7، 93-4، 139-40، 146، 148-9، 167). ولكن، بما أن تركيزه الرئيس على النظرية العامة للقانون في أشد أشكالها تجريدا، فإن باشوكانيس لا يعين كيف يتأتى أن تصبح هذه الأجهزة والأيديولوجيات فعالة. ينتمي هذا إلى المستويات الأدنى للتجريد حيث تؤخذ في الاعتبار أيضا التحددات التي تكمن ما وراء النطاق المحدود للعلاقات القانونية.
واخيرا، فقد أتهم باشوكانيس أيضا بتجاهل الدور الرئيس الذي يلعبه القمع في النظام القانوني وفي الدولة البورجوازية. وهذه التهمة أيضا غير مبررة. ليس فقط لأن باشوكانيس ملتزم تماما (سواء كان ذلك صوابا أم خطأ) بالنظرة الماركسية اللينينية للدولة بوصفها جهازا للقمع الطبقي ويؤكـد دور داعي المصلحة العليا raison d’etat والذرائع العارية في مجـالات معينة لاشتغالها (خاصة فترات الحرب الطبقية المكشوفة)، بل إنه يقدم أيضا تقويما واضحا للمظهر المتناقض ذاتيا للقانون بوصفه حرية ذاتية مقرونة بتنظيم خارجي وهو يميل بالفعل إلى إعطاء وزن أكبر لدور العنف المنظم أكثر مما يعطيه للإرادة الفردية في مجال القانون العام خاصة في حقل قانون العقوبات (باشوكانيس 1978: 62-3،89،97، 137-8، 162، 167، 173).
على أية حال بالرغم من أنه يقر بدور الإكراه في النظام القانوني ويوافق أيضا على أنه لا يمكن لسلطة الدولة أن تُستغرق كليا في صورة الدولة القانونية، فإن ما يعني به باشوكانيس هو الأشكال النوعية التي يتوسط من خلالها الإكراه ويقترن بالاستقلال الذاتي الخاص. وهكذا فهو يتساءل لم يفترض التنظيم القانوني مسبقا شخصا حائزا لحقوق يقيم على أساسها دعاواه بفعالية، ولم يتخذ جهاز الإكراه الخاص بالدولة شكل جهاز لا شخصى تختص به السلطة العامة منفصلاً عن الطبقة الحاكمة وبقية المجتمع المدني (باشوكانيس 1978: 100 –1 و 139-40). عبر متابعته لهذه الأسئلة الجوهرية أنجز باشوكانيس أكثر إسهاماته مغزى في النظرية القانونية السياسية الماركسية وعلى هذه الأسس قام النظريون الماركسيون اللاحقون بتطوير تحليلات أرحب في الإطار، وأغنى في المضمون.
لا ينبغي أن يقرأ هذا الدفـاع عن باشوكانيس وخلفائه بوصفه دفاعا كليا وقلبيا عن وجهة نظر "منطق الرأسمال". فداخل عمل باشوكانيس نفسه هناك غموض خطير في تحليل القانون العام وكذلك ميول اختزالية واضحة في محاولة تقريب الشكل القانوني إلى شكل السلعة. كما أن الأعمال الأحدث ليست دائما أكثر وضوحا حول التمييز الأساسي بين التكامل المنطقي والتطور التاريخي، وصولا إلى نتيجة أنه غالبا ما يفترض أن تداول السلع هو سبب كاف لتكوين الشكل القانوني. وقد تضاعفت هذه المشكلة بالإهمال المتتالي للتمييز الذي لا يقل أساسية بين أبعاد ومستويات التجريد المختلفة، انتهاء إلى تطبيق هذه التحليلات التجريدية بيسر على الموضوعات العينية المتضمنة نماذج ومستويات متعددة من التحدد. ولكن الاهتمام بأشكال القانون والدولة وآثارها على إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية هو في غاية الفائدة ويسهم في فهمنا للتوسط الاشكالي وغير اليقيني بعمق لإعادة الإنتاج البورجوازية عبر اشتغال مجالات المجتمع المنفصلة مؤسساتيا، والمرتبطة وظيفيا.

حول التشخص الخاص والوحدة العامة
إن المنظر السياسي والقانوني الأكثر شهرة من المدرسة الألتوسيرية هو الراحل نيكوس بولانتزاس، وهو موسوعي الثقافة تلقى إعداده الأولى في القانون ولكن بعد ذلك كتب حول كثير من جوانب المجتمع الرأسمالي. بعد غزوة أولية في نظرية القانون الطبيعي مؤسسة على ومستلهمة من مبادئ إنسانية وسارترية متكيفة مع الممارسة، بدأ بولانتزاس في تطوير ما يدعي بتقويم علمي، وبنيوي وألتوسيري للسياسة والقانون البورجوازيين (عارض بولانتزاس 1965 جـ مع مؤلفه في 1965 ب، و1967 و1968). وهكذا فقد انتقد المؤلفات الماركسية الأبكر لإخفاقها في تعيين موضوع أصيل Sui generis للبحث النظري في هذا المجال معتمدة بدلا من ذلك على اختزال القانون إلى انعكاس للقاعدة الاقتصادية و/ أو المغالاة في تسييس القانون بوصفه الإرادة المتجسدة للطبقة السائدة. وبالتعارض مع وجهات النظر هذه أصر بولانتزاس على ضرورة أن يدرس القانون وفق موضعه ووظيفته النوعيين ضمن الكلية المعقدة للبنى والممارسات المرتبطة بإعادة إنتاج المجتمعات التي يسودها نمط الإنتاج الرأسمالي. وترتب على ذلك أنه ما كان يتعين على الماركسيين أن يدرسوا القانون "بصفة عامة" وإنما أن يدرسوا مختلف النظم القانونية التي تنتمي لأنماط إنتاج مختلفة (انظر بولانتزاس 1964: 275 –8، 1965 أ: 104 –5 ، 1965 جـ: 862 – 71 ، 1966أ: 154 –7، 1967: 145 –9، 150 –5).
طور بولانتزاس في دراساته اللاحقة هذه الملاحظات ببعض التفصيل كما ربطها بالصراع الطبقي السياسي والتغيرات في شكل الدولة البورجوازي. ومن المهم بصفة خاصة في هذا السياق أعماله الرئيسة الأولى حول نظرية الدولة (1968)، وبحثه حول الفاشية بوصفها شكلا استثنائيا للدولة الرأسمالية (1970) ومؤلفه الرئيس الأخير حول الدولة، والسلطة والاشتراكية (1978 أ). لقد أكد في كل هذه النصوص على الدور الحاسم للنظام القانوني والأيديولوجيا السياسية – القانونية في توسط الصراع الطبقي السياسي وكذلك تأمين المصفوفة المؤسساتية اللازمة للتراكم الرأسمالي في المجال الاقتصادي. وقد ركز الانتباه على ما يسمى "تأثير العزلة" الذى يمارسه القانون داخل الطبقات المسودة وحاول أن يبين أيضا كيف تساعد البنية الدستورية الدولة الديمقراطية التمثيلية على تأمين وحدتها الطبقية لصالح رأس المال. كما علق بولانتزاس أيضا على الدور المُقيد للقانون في الدول الفاشية والأنظمة الاستثنائية الأخرى، وتأسى في مؤلفاته الأخيرة على تدهور القانون في الشكل المعاصر للدولة العادية. من المثير للاهتمام في هذا السياق أن نلاحظ أنه بينما تضمنت مؤلفاته الأولى اختزالا شديدا أحادي الجانب للديمقراطية التمثيلية بردها إلى الإطار المؤسساتي الجوهري لإعادة إنتاج ذات السيادة السياسية البورجوازية، فقد أكد فيما بعد دورها الجوهري في صيانة الحريات السياسية والحريات اللازمة من أجل انتقال ديمقراطي نحو الاشتراكية. وهكذا يحفظ القانون موقعا مركزيا نظريا وسياسيا في مؤلفاته وعلينا الآن أن نعني بإلقاء نظرة كلية على فكره الناضج حول مكانة القانون ووظيفته في التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية.

الوظائف الاقتصادية للقانون الرأسمالي

ناقش بولانتزاس آثار النظام السياسي – القانوني في شروطه الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية. وقد لاحظ كيف يصادق القانون على المستوى الاقتصادي على علاقات الإنتاج والاستغلال من خلال تمثلها القانوني بوصفها حقوقا مرتبطة بالملكية الخاصة، وينظم مجال التداول من خلال تقنين التجارة والعقود وينظم تدخل الدولة في الحيز الاقتصادي (1970 : 322، 324 ، انظر 1968 –53 ، 163 ، 214 ، 228، 1974: 39 ، 191). كما أكد أيضا آثاره على صعيد الصراع الطبقي الاقتصادي. لأن النظام القانوني يستدعىinterpellates فاعلى الإنتاج بوصفهم أشخاصا قانونية فردية أكثر منه بوصفهم أعضاء في طبقات متطاحنة. وهذا يعني أن الفاعلين الاقتصاديين لا يعاينون العلاقات الرأسمالية بوصفها علاقات طبقية وإنما كعلاقات تنافس بين أفراد منعزلين بشكل متبادل و/ أو مجموعات متشظية من الرأسماليين والعمال. يمتد "أثر العزلة" هذا إلى كامل علاقات الحقل الاقتصادي في المجتمعات الرأسمالية ويخترق الطبقات التي تنتمي إلى أنماط إنتاج أخرى حيثما تتموقع (1968 : 130 – 1، 213 –14 ، 275 –6 ، 310 ، 1978 أ : 63-7 ، 69 –70، 86 –8). أضف إلى ذلك، ما دام القانون يطور التقنين الذي يتأثر به التفرد/ التشخص الأساسي أو التشظي المتمايز للذوات، فإن "أثر العزلة" يعين أيضا شكل العلاقات الاجتماعية الآخرى (1978 أ : 87).

الوظـائف السياسية للقانون الرأسمالي
بعد أن أسس لأثر القانون والأيديولوجيا السياسية القانونية فى تكوين المجتمع المدني، فحص بولانتزاس بعدئذ أثرهما على تنظيم الدولة والصراع الطبقي السياسي. وهكذا فقد برهن بأن القانون والأيديولوجيا القانونية السياسية لا تؤمنان فقط التفتت الاجتماعي للمجال "الخاص" وإنما تعين أيضا نظيره الضروري في المجال "العام" للمؤسسات السياسية (1968: 132) وعلى الرغم من إصراره على أن التمييز بين "العام" و "الخاص" هو أمر قانوني، وإنه لكذلك، أدخل مؤسسات خاصة معينة ضمن تعريفه الموسع للدولة بوصفها عامل التماسك الاجتماعي (وخاصة في حالة ما يسمى بـ"أجهزة الدولة الأيديولوجية" أو أ د أ [اختصاراً لعبارة أجهزة الدولة الأيديولوجية] ، مثل الكنائس، ووسائل الإعلام) فقد أكد بولانتزاس أيضا أن هذا التمييز له آثار ذات مغزى فى شكل الصراعات السياسية، وزعم وهو ما يمثل مفارقة إلى حد ما في ضوء تعريفه الواسع للدولة، بأنها تقدم وقاية عظيمة ضد نزعتي الدولة الشمولية والاستبدادية (1968: 132،219 – 20 ، 291-5، 1970، 305، 314- 15، 321، 323، 1978أ : 70-5، 238، 253).
وقد برهن في هذا السياق بأن "أثر العزلة" في المجال الخاص له لازمه الضروري الذي يتجلى في " الأثر الموحد " " للمجال العام". لأن الدولة الرأسمالية تعرض ذاتها بوصفها الوحدة العامة السياسية الصارمة للشعب – الأمة منظورا إليها بوصفها مجموعا مجرداً من الأشخاص القانونية الحرة والمتساوية من الناحية الشكلية. وبهذا المعنى فإن البناء الفوقي السياسي يوحد هؤلاء الذين فرقهم فى البداية. أضف إلى ذلك، فإن الدولة لا تجسد فقط الوحدة العامة للأفراد الخاصين في مؤسساتها التمثيلية، من خلال إطارها المراتبي البيروقراطي الممركز المتميز، وإنما تنظم وتضع قواعد العلاقات بين الفئات والأفراد المنطوين فيها على نحو متمايز (1968 : 125، 133-4، 188-9، 215-16، 276-7، 279، 281، 288، 291، 348، 349-50، 1978أ: 49 ، 58 – 63 –5، 86-8).
وهذا يعني أن الدولة الرأسمالية ترتبط بالعلاقات الاقتصادية الاجتماعية عند انكسارها [بمعنى انكسار الضوء- المترجم] من خلال "أثر العزلة"، أي أن العلاقات الطبقية غائبة تكوينيا من تنظيم الدولة الرأسمالية وتهدف أعمالها لتأمين التماسك والوحدة بين المواطنين المتفردين (1968: 133، 188، 213، 223،279، 310). ويعني هذا بالمقابل أن التنظيم والاشتغال الداخلي للدولة يمكن أن يتخذ شكل إدارة قانونية عقلانية تبدو فيها البيروقراطية كأنها مؤسسة لا شخصية، محايدة تجسد الصالح العام وتشتغل بوصفها نظاما متبنينا مراتبيا متناسقا مركزيا من القواعد القانونية العقلانية المقننة الشكلية والعامة والشاملة. وبالفعل، يعتمد شرط وجود إدارة عقلانية من الناحية الشكلية على غياب سيادة طبقية سياسية مكشوفة من تنظيم الدولة وكذلك على [غياب] احتكارها المؤسس اقتصاديا للقمع المادي (1968: 216،226-7،332، 347-50 1974: 186، 1978 أ : 59-65، 76-7، 80-2، 88-9، 91).
مع ذلك وعلى الرغم من أن أفراد المجتمع المدني أحرار ومتساوون شكليا، والدولة هي التجسيد ذو السيادة وغير الطبقي شكليا لوحدتهم، فإن الطريقة التي تُحقق بها هذا التماسك وتلك الوحدة هي بالضرورة محددة تضافريا بسبب الحاجة إلى إعادة إنتاج السيادة الطبقية. ومن ثم يبرهن بولانتزاس على أنه بينما يتعين على الدولة الرأسمالية أن تمنع أي تنظيم سياسي للطبقات المسودة قد يهدد بإنهاء عزلتها الاقتصادية وتفتتها الاجتماعي، فإن عليها أن تشتغل باستمرار على أقسام الطبقة السائدة و/ أو الطبقات حتى تلغى عزلتها الاقتصادية وتؤمن وحدة الكتلة الحاكمة وهيمنتها على الطبقات المسودة (1968: 136-7،140-1، 188-9، 284-5، 287 –9، 1974 : 97-8، 157-8، 1978 أ : 127، 140-1).
تتحقق هذه المهمة السياسية المزدوجة من خلال تنظيم كتلة حاكمة موحدة تحت قيادة طبقة معينة (نموذجيا تكون هي الطبقة السائدة) (أو قسم من الطبقة) والعرض الناجح لمصالحها السياسية كأنها مصالح الأمة – الشعب ككل. يتضمن هذا بالمقابل التفاوض الدائم حول المصالح فى توازن غير مستقر للتسوية كما يتطلب تنازلات لطلبات المتحد corporate الاقتصادي للطبقات المسودة (1968 : 137 ، 190 –1). ويسهل هذا من خلال "أثر العزلة" حتى أن الطبقة المهيمنة (أو قسمها) المهيمن يمكن أن تمفصل مصالحها مع مصالح شعب - أمة متذرر ومفتت، ويمكنها أن تتجنب المخاطر السياسية لحرب طبقية مكشوفة مع الطبقة العاملة وحلفائها المنظمين تحت قيادة حزب ثوري. (1968: 275، 287، 299، 1970 : 308-9، 325 وما يليها 1974: 102، 1978أ: 258-65).

طبيعة الأيديولوجية السياسية القانونية
لقد برهن بولانتزاس بأن الموضع المهيمن على المستوى الأيديولوجي في مجموعة أيديولوجيات المجتمعات البورجوازية تشغله الأيديولوجيات السياسية القانونية. لقد طرح أن الوظيفة الرئيسة لكل الأيديولوجيات هي أن تؤسس خطابا متماسكا نسبيا يصوغ "العلاقات المعاشة" (أو خبرة)، الذوات تجاه العالم الذي تشتغل فيه. أضف إلى ذلك، على الأقل في حالة الأيديولوجية السائدة، فإنها إذ تخدم في تقنيع التناقضات الفعلية والديناميكية الاجتماعية لهذا العالم فإنها تكيف في الوقت نفسه [هذه الذوات] لإنجاز أدوارها المختلفة داخله (1968: 206-10، 1970: 76-8، 1974 : 286-99، 1978 أ : 28). وهكذا بينما كانت الأيديولوجية الفلسفية والأخلاقية سائدة في المجتمعات العبودية، وكانت الأيديولوجية الدينية سائدة في المجتمعات الإقطاعية، فإن الأيديولوجية السياسية القانونية تسود المجموعة الأيديولوجية للمجتمعات الرأسمالية وتخترق أشكالا أخرى من الخطاب الأيديولوجي (1968 : 15، 128، 195، 211-15، 1970 : 76-8، 143-7، 151، 240-3، 302، 306-9، 307 وما يليها 1974 : 286، 99، 1978 أ : 57، 87، 241). وهي تشغل هذا الموقع لأنها تقدم على نحو أفضل المصفوفة الأيديولوجية للتفرد/ التشخص اللازم لتراكم رأس المال وكذلك مصفوفة الشعب - الأمة اللازمة لاشتغال الدولة البورجوازية. وهي تقدم الأساس أيضا لإضفاء الشرعية القانونية العقلانية على السيادة الطبقية السياسية في شكل المشروعية البورجوازية المرتبطة بالموقع المهيمن لسلطة تشريعية منتخبة تُعمل حكم القانون. أضف إلى ذلك فإنه حتى في فترات الأزمات الأيديولوجية، فإن الأيديولوجية السياسية القانونية غالبا ما تحكم الأشكال التي تحيا بها الطبقات المسودة تمردها ضد الاستغلال والقمع (1968 : 195 – 213، 221-3، 310-12، 356-7، 1978 أ: 86، 87-9، 236).
الدولتان العـادية والاستثنائية
إن مغزى القانون والأيديولوجية السياسية القانونية بالنسبة لأشكال الدولة والصراعات الطبقية السياسية يبرز جيداً على نحو خاص في التحليلات التي يقدمها بولانتزاس للدولتين "العادية" و "الاستثنائية"، وأشد التمييزات عمومية بين شكلي الدولة هذين توجد في دعاوى أن الأولى تتوافق مع الأوضاع التي تكون فيها الهيمنة البورجوازية مستقرة وآمنة وتتوافق الأخيرة مع أزمة في الهيمنة (1968: 293، 1970، 11، 57-9، 72، 298، 313، 1976 أ: 92-3) وهكذا فبينما يغلب جانب الإذعان على جانب العنف المقنن دستوريا في الدولة "العادية" فإن الدولة الاستثنائية تتضمن الاستعمال المتزايد للقمـع الجسدي وحربا مكشوفة ضد الطبقات المسودة (1968 : 226، 1970 : 152، 316، 318، 330، 1976 أ: 9، 92، 129).
وينعكس هذا في حقيقة أنه بينما تسم المؤسسات الديمقراطية التمثيلية، وحق الانتخاب العام والأحزاب السياسية المتنافسة الدولة "العادية"، فإن الدول الاستثنائية تعلق المبدأ الانتخابي ( مع استثناء ممكن وهو اللجوء إلى الاستفتاء العام أو الرجوع إلى الشعب) وتقضى على نظام التعدد الحزبي (1968: 123، 230، 246-7، 1970 : 324-7، 1976 أ: 49 ، 91، 114). أضف إلى ذلك ، بينما غالبا ما تكون أجهزة الدولة الأيديولوجية خاصة على الأغلب فى الدولة "العادية " ومن ثم تتمتع بدرجة ذات مغزى من الاستقلال الذاتي عن سيطرتها، فإنها تكون في الدولة " الاستثنائية " خاضعة لأجهزة الدولة القمعية، جزئيا لإضفاء شرعية على الإكراه المتزايد، وجزئيا لتتغلب على الأزمة الأيديولوجية التي تصاحب أزمة الهيمنة (1970 : 314-18). تقترن هذه السيطرة بنزعة بيروقراطية في تنظيم الاشتغال الداخلي لأجهزة الدولة (1968 : 333، 334-49، 1970: 327-8، 330، 1974: 274-6، 1978 أ: 58-60) وبتدهور في فصل السلطات بين فروعها مرتبط بترشيح [بالمعنى الكيميائي للكلمة – المترجم] الفروع الخاضعة من قبل الفرع السائد و/ أو توسع شبكات السلطة الموازية وأحزمة الإرسال التي تقطع وتصل ما بين الفروع المختلفة (1970 : 315-16 ، 328-9، 1976 أ : 50 ، 100- 1). وهذا واضح في التضاد الواقع بين حكم القانون وما يلازمه من حدود دستورية وتنظيم قانوني لنقل السلطة في الدولة "العادية" واللجوء "الاستثنائي" للتحكم (على الأقل في مجال القانون العام) من أجل إعادة تنظيم بنية الهيمنة (1968: 226-7، 311، 1970 : 320-4، 1978 أ : 87-92 وانظر أيضا 1978 أ : 76، 85). بإيجاز؛ إذ تعتمد الدولة العادية على الاشتغال المستقر للمؤسسات الديمقراطية التمثيلية في ظل هيمنة الطبقة (الطبقات) السائدة فإن الدولة الاستثنائية تقضي على المؤسسات الديمقراطية التمثيلية وعلى التنظيمات المستقلة ذاتيا للطبقات المسودة وتعتمد بدلا من ذلك على الإكراه مقترنا ببعض التنازلات المادية وهجوما أيديولوجيا حتى تؤمن حكم الرأسمال.
تسهل المؤسسات الديمقراطية التمثيلية التنظيم العضوي وإعادة تنظيم "التوازن غير المستقر للتسوية" ، داخل الكتلة الحاكمة وكذلك بين هذه الكتلة والجماهير الشعبية. إنها تكبت من ثم الانفجارات الكبرى أو الانقطاعات في إعادة الإنتاج العالمية للمجتمع البورجوازي. بخلاف ذلك، تتطور الدولة "الاستثنائية" لكي تعيد تنظيم الكتلة الحاكمة وعلاقاتها مع الشعب استجابة لأزمة سياسية وأيديولوجية لا يمكن أن تحل من خلال الوسائل الديمقراطية العادية. ولكنها تميل أيضا إلى أن "تجمد" توازن القوى القائم وقت تكوينها وهي تثبت من ثم أنها تفتقر إلى المرونة في مواجهة التناقضات والاضطرابات الجديدة ( 1976 أ : 30، 38، 48 – 50، 90 –2، 93، 106 ، 124).
يمكن لشكل الدولة هذا في أفضل الأحوال أن يحتفظ بقدرة معينة على المناورة حين يلبي ثلاثة شروط هي : الأول ، يتعين أن يوجد جهاز سياسي ليركز ويؤطر الدعم الجماهيري (على سبيل المثال الحزب الفاشي والاتحادات النقابية)، ثانيا، يتعين أن توجد أحزمة الاتصال وشبكات السلطة الموازية لتسهيل التغيرات السريعة في توزيع السلطة استجابة لـ "البرلمانية السوداء" (إذا ما إستخدمنا تعبير جرامشى) التي ترتبط بالصراعات الخفية بين الجماعات أو المصالح المتنافسة، وثالثا، يتعين أن تُطور أيديولوجية يتأتى لها أن تخترق الطبقة (الطبقات) المسودة وكذلك الطبقة (الطبقات) السائدة وهكذا تفعل فعلها بوصفها مادة تماسك/ أسمنت التكوين الاجتماعي (1970 : 105-6، 128 –9 ، 251-6، 329-30، 331، 1976أ: 83-5 ، 124). تكون مثل هذه الأنظمة في أسوأ الأحوال، معزولة عن الجماهير، وتفتقر إلى أي أجهزة سياسية أيديولوجية متخصصة لتؤطر وتسيطر على الدعم الجماهيري، وهي تبدي للعيان توزيعا فظا لسلطة الدولة بين "العشائر" و "الزمر" و"الإقطاعات" وتفتقر إلى أية أيديولوجية قادرة على صنع تلاحم أجهزة الدولة حتى تغدو كتلة قدت من صخرة واحدة. وينجم عن ذلك تشوش السياسات غير المتسقة نحو الجماهير حينما تجهد لتحييد معارضتها وفي التسويات الآلية المحضة، والتحالفات المؤقتة/ وتسوية الحسابات بين مصالح "الجماعة الاقتصادية" داخل الكتلة الحاكمة (1976 أ: 49-50، 55-7،76،79-80، 83-4،94، 120-1، 124-6). بالمقابل فإن هذا يزيد من حدة التناقضات الداخلية لأجهزة الدولة ومن عدم مرونتها تجاه الأزمات السياسية و/أو الاقتصادية. هاتان الحالتان تعرضهما الدول الفاشية والدكتاتوريات العسكرية على التوالي، ولكن لا يزال يتعين علينا أن نؤكد، أنه على الرغم من الاختلافات المهمة بينهما، فلا يمكن لأي منهما أن تؤمن التنظيم العضوي المرن للقوى الاجتماعية وتداول الهيمنة وهو الأمر الممكن في ظل الديمقراطيات البورجوازية ( 1976أ:124).
نزعـة الدولـة التسلطية
لقد أثرت تحليلات بولانتزاس للدول " الاستثنائية" أيضا على مناقشته اللاحقة للدولة "العادية". فقد رأى بأن الشكل الجديد للدولة الرأسمالية يتمثل في "نزعة الدولة التسلطية" Authoritarian statism وعين ميلها التطوري الأساسي بوصفه سيطرة دولة "مكثفة" على كل مجال في الحياة الاقتصادية – الاجتماعية مقترنا بتدهور جذري في مؤسسات الديمقراطية السياسية وتقليص دراكوني متعدد الأوجه للحريات "الشكلية" ( 1978أ: 203-4). وقد برهن على نحو أكثر خصوصية بأن العناصر الرئيسة لـ"نزعة الدولة التسلطية" وما يستتبعها بالنسبة للديمقراطية التمثيلية تتضمن: أولا، انتقالا للسلطة من السلطة التشريعية إلى التنفيذية وتركيزا للسلطة داخل الأخيرة، ثانيا، اندماجا متزايداَ بين فروع الدولة الثلاثة – التشريعية، التنفيذية والقضائية- مقترنة بتدهور حكم القانون، ثالثا، التدهور الوظيفي للأحزاب السياسية بوصفها المُحاور المميز للإدارة والقوى القائدة في تنظيم الهيمنة، وأخيراً، نمو الشبكات الموازية مخترقة التنظيم الشكلي للدولة وممارستها نصيبا واضحا في أنشطته (1979إ: 132، انظر 1978 أ: 217-31). برهن بولانتزاس أيضا على أن ملامح "استثنائية" معينة تتطور إلى جانب العناصر العادية لهذا النظام رداً على عدم الاستقرار الدائم للهيمنة البورجوازية والتكثف العام للميول الكامنة باتجاه أزمة السياسة والدولة. وقد لاحظ بصفة خاصة نمو شبه جهاز دولة قمعي احتياطي يتقوم دوره في الضبط الوقائي للصراعات الشعبية والتهديدات الأخرى التي تواجه الهيمنة البورجوازية (1978 أ: 210، 212، 1979 إ: 129 – 30)، وكذلك نمو حزب "دولة" سائد يتقوم دوره في التصرف كمفوض سياسي في قلب الإدارة ليؤمن خضوعها لقمم السلطة التنفيذية ونقل أيديولوجية الدولة التسلطية للجماهير الشعبية ومن ثم تعزيز الشرعية الاستفتائية على الشكل الجديد للدولة (1978 أ : 233-7).
يفرض هذا التركيب للملامح "العادية" و"الاستثنائية" حدوداً معينة على النضال الديمقراطي. وتماما كما يمكن للدولة الاستثنائية بالمعنى الدقيق أن تثبت كونها فظة وغير مرنة في مواجهة ميول الأزمة المتقلبة باستمرار، والتناقضات والصراعات، هناك أيضا فظاظة نسبية معينة في شكل الدولة الجديد بحيث يغدو هشاً ويميل إلى الضعف وعدم الفعالية.
ركز بولانتزاس عند مناقشة "نزعة الدولة التسلطية" على "الصعود الذي لا يقاوم لإدارة الدولة" وقد ربط هذا بصفة أساسية بالدور الاقتصادي المتنامي للدولة حيث أن ذلك محدد تضافريا بمقتضى الوضع السياسي. حيث يعني تدخل الدولة أنه لا يمكن للقانون أن يقتصر بعد على القواعد القانونية العامة الشكلية الشاملة التي يكون سنها من اختصاص البرلمان بوصفه تجسيداً للإرادة العامة للشعب – الأمة. بدلا من ذلك، فقد أخضعت القواعد القانونية لتخصيص مفصل ما ينفك يتزايد من جانب الإدارة بصدد أوضاع خاصة، وحالات، "ومصالح" حتى خرجت صياغتها الأولية كلية تقريبا من يد البرلمان إلى الإدارة (1978 أ : 218- 19). هذا التحول نحو التقنين الخصوصي على حساب حكم القانون لا يعكس فقط إكراهات التدخل الاقتصادي المفصل، وإنما أيضا مشاكل عدم الاستقرار الدائم لاحتكار الهيمنة داخل الكتلة الحاكمة وعلى الشعب . وهكذا، إضافة إلى آثاره الاقتصادية، فإن تدهور القانون واضح أيضا في الاهتمام المتزايد بالضبط الوقائي ضد من يحتمل أن يكون غير موال أو منحرف أكثر من تطبيق العقوبة القانونية للانتهاكات المحددة بوضوح ضد القانون (1978 أ: 219-20).
تشجع هذه التغيرات اندماج سلطات الدولة الثلاث، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية -التي نعمت على الأقل بانفصال شكلي في الدولة الدستورية الليبرالية (1968 : 303-7، 310-15، 1974: 173 ، 1978 أ: 222-5 ، 227-8، 1979 إ: 132). وهكذا، فبينما باتت المؤسسة البرلمانية مجرد "غرفة تسجيل" ذات سلطات محددة بشدة ، فإن بيروقراطية الدولة تغدو العنصر القائد وكذلك الموقع الرئيسي في تطوير سياسة الدولة تحت رعاية السياسي التنفيذي. تغدو السلطة الفعالة بسرعة مركزة وممركزة في قمم الجهاز الحكومي والإداري، وبالفعل تتركز بشكل متزايد في مكتب الرئيس/ رئيس الوزراء على قمة الهياكل الإدارية المتنوعة يرافقها المظهر الناجم عن نظام شخصي مرتبط بالرئيس أو رئيس الوزراء (1968 : 311 – 14 ، 1978 أ : 221-2، 224، 227-8، 233، 238).
في الوقت نفسه، هناك تغيرات كبرى في النظام الحزبي ودور الأحزاب السياسية. الأشد مغزى في هذا الصدد هو انحلال روابط التمثيل بين أحزاب السلطة والكتلة الحاكمة (التي تجد أنه من الصعب عليها أن تنظم هيمنتها من خلال الأحزاب في البرلمان وتركز بدلا من ذلك على الإدارة) وكذلك انحلال تلك الروابط بين الأحزاب السياسية والجماهير الشعبية (مع نمط من التمثيل يجرى توسطه بشكل متزايد من خلال نظام اللوبى على مستوى اقتصادي فئوى إصلاحي) (1978 أ: 221 –3 ، انظر 1968: 313-14). بدلا من إنجاز وظائفها التقليدية في تطوير العمل السياسى عبر التسوية وإقامة التحالفات حول برنامج حزبي وإضفاء الشرعية على سلطة الدولة من خلال المنافسة الانتخابية، فإن هذه الأحزاب قد تكشفت عن كونها أحزمة توصيل للقرارات التنفيذية بينما أعيد توجيه القنوات الرئيسة لإضفاء الشرعية من خلال تقنيات التلاعب والاستفتاء العام المعتمدة على وسائل الإعلام والتي تهيمن عليها السلطة التنفيذية (1978أ : 229). وينعكس هذا في البقرطة المتزايدة لأحزاب السلطة وكذلك طابعها الانتهازي Catch all المتزايد (1978أ: 229 –30). إن تدهور المؤسسات البرلمانية ، وحكم القانون والأحزاب السياسية في المرحلة الراهنة من تطور الرأسمالية يستتبع تدهورا جذريا في الديمقراطية التمثيلية وحرياتها السياسية والامتداد الملازم للسيطرة التسلطية على كل مجالات العلاقات الاجتماعية.

القانـون والدولـة
أخيرا، يتعين علينا أن نلاحظ بأن بولانتزاس قدم أيضا بعض الملاحظات المهمة حول التمفصل بين القانون والدولة. لقد أدرك أنه بالرغم من العلاقة الوثيقة بين البنية القانونية (القانون) والبنية السياسية (الدولة)، فإنهما متمايزان، ومستويان مستقلان نسبيا، يعتمد تركيبهما العيني على نمط الإنتاج والتكوين الاجتماعي موضع البحث (1968 : 42 وما يليها) لقد ركز على تركيبهما العيني في المجتمعات الرأسمالية وتغيرات تمفصلهما المرتبطة بمختلف مراحل الرأسمالية و/ أو فترات استقرار الهيمنة أو الأزمة. وهذا واضح في نظراته حول تدهور القانون الذي يرافق نشوء الرأسمالية الاحتكارية وتأكيده على التحكم القانونى فى الدول الاستثنائية. وهو يبرهن أيضا بأن أنشطة ، ودور ومكان الدولة في المجتمعات الرأسمالية يمتد بعيدا ما وراء القانون والقمع القانوني. وهكذا، وبالفعل فلا تتملص بعض من أنشطتها فحسب من التنظيم القانوني، إنما أيضا تتجاوز شرعيتها الخاصة وتسمح بدرجة معينة من الانتهاك في حالات أخرى. وحقيقة، فإن احتكار العنف الذي تتمتع به الدولة يعني أنها يمكن أن تُعدل القانون أو أن توقف العمل به عند الضرورة لتأمين السيادة الطبقية. ومن ثم خلص بولانتزاس إلى أن الدولة هي وحدة وظيفية للشرعية واللاشرعية وأنها لا ينبغي أن تختزل إلى بنية قانونية محضة (1978 أ: 83-8).

نقـد وتقويـم بولانتزاس
لقد خصصت مساحة كبيرة لوجهات نظر بولانتزاس حول القانون، والدولة والأيديولوجية السياسية القانونية. ويمكن أن يبرر هذا استنادا إلى أساسين. الأول ، أن التفسير الأرثوذكسي لبولانتزاس بوصفه بنيويا ألتوسيريا يتضمن إهمالا غير مبرر لتأثيرات أخرى في تحليلاته، وثانيا، أنه إذا ما فصلنا "الميتافيزيقيا البنيوية" يمكن لنا أن نبين على نحو أفضل إسهاماته الكبرى في النظرية الماركسية للقانون والدولة (انظر أيضا جيسوب 1985 أ) وليس معنى هذا أن ننكر أن هناك مشاكل حقيقية في أعماله (خاصة في فترتها البنيوية) ولكن لا ينبغي لها أن تقف عائقا أمام تقويم عام لدراساته النظرية ككل. فلنبدأ ببعض هذه المشاكل قبل فحص جوانبها الإيجابية.
إن نقطة انطلاق بولانتزاس هي الانفصال المؤسسي للقانون والدولة عن الاقتصاد. وهذا يقدم الفرصة النظرية لتقصي المستويين السياسي والقانوني للمجتمعات الرأسمالية وفق شروطهما الخاصة ويطرح هذا مباشرة مشكلات حول دور التحدد الاقتصادي في تقويمه للحقل السياسي القانوني. وهذا يشجع على إهمال منهجى للآثار العينية للبنى الاقتصادية والممارسات في تلك المستويات ومن ثم يلائم "المغالاة في تسييس" تحليلاته عن القانون والدولة. وقد انعكس هذا في التركيب المتناقض ظاهريا لتعويذه طقسية غير مُحددة للتحدد الاقتصادي في المطاف الأخير تقترن بها إشكالية مستوى فعالة وجوهرية متضمنة لحظتين بنيوية وجرامشية.
لقد تابع بولانتزاس خطين أساسين للبحث في محاولة تفسير الطابع الطبقي للدولة في المجتمعات الرأسمالية. فمن ناحية، يعالج كيف أن السيادة الطبقية السياسية مطبوعة في الشكل المؤسسي الأساسى للدولة الرأسمالية؟ ومن ناحية أخرى، يقدر كيف أن الطبقة (الطبقات) السائدة تؤسس هيمنتها من خلال ممارسات نوعية سياسية وأيديولوجية؟ والرابطة التي تتوسط هذين الجانبين هي ما تدعى "أثر العزلة" حيث أنها تقدم المصفوفة matrix لكل من التمفصل المؤسسي للدولة والممارسات المعنية بالهيمنة. ولكن بولانتزاس لا يوظف حقا هذه الرابطة حتى حدها الأقصى. فمن ناحية ، على الرغم من إدراكه المتنامي لعدم التماسك الهائل لسياسات الدولة والإمكانية الاجتماعية للحريات "الشكلية" فإنه يهمل عدم التحدد السياسي للبنية المؤسسية للدولة ويؤكد أنها في الجوهر شكل بورجوازي. يغالي بولانتزاس في هذا الصدد في "انتقائيته البنيوية" ويترك حيزا ضئيلا لتأثير الصراع الطبقي فى السيادة الطبقية. من ناحية أخرى، رغم إلحاحه على غياب الطبقة تكوينياً من الدولة البورجوازية وجداله بأن علاقتها بالمجتمع المدني منكسرة [كشعاع الضوء – المترجم] من خلال التفرد [الوجود الفردي] والتفتيت المتمايز للفاعلين الاجتماعيين، فإنه يتغاضى عن تضمينات "أثر العزلة" فى تحقق الهيمنة لحساب تقويم طبقي اختزالي للقوى السياسية والأيديولوجيات. بدلا من اكتشاف العلاقة المشروطة بين الأشكال السياسية و/ أو الأيديولوجية ومتطلبات رأس المال في أوضاع خصوصية، فإن بولانتزاس غالبا ما ينسب وجود توابع ضرورية للأحزاب السياسية والأجهزة الأخرى و/أو إلى أيديولوجيات نوعية ويهمل أيضا دور الحـركات غير الطبقية (النسائية، العرقية، الشبابية ) في النضال من أجل القيادة السياسية والأخلاقية والثقافية. مع ذلك، إذا ما قبلنا الدعاوي المذكورة آنفا فيما يتعلق بدور التفرد [الوجود الفردي] والتشظي الاجتماعي للمجتمع المدني والدولة البورجوازية، لابد من ثم أن يتخذ نفوذ القوى غير الطبقية مكانا مركزيا في التحليل السياسي بالتضافر مع تقدير للآثار النوعية للترتيبات المؤسسية للدولة. على أية حال، يقدم بولانتزاس في جهد واضح لحل عدم التحددات في المستوى الذي اختاره للتجريد النظري، مبدأي السببية البنيوية والتحدد الاقتصادي في نهاية المطاف ومن ثم يعوق الفرص الواقعية لتقصى أكثر تفصيلا لمستويات أدنى في التحليل وأغنى في التحددات. وبهذا المعنى يخان الوعد النظري لعمله بسبب محاولة تفسير كل شىء وفق بعض المبادئ التى تتجلى على مستوى عال من التجريد بدلا من الاعتراف بأن المعتقد الماركسي عن الطبيعة المحددة تضافريا لأوضاع خاصة يتضمن درجة معينة من عدم التحدد على مستويات أقل عينية وتجريداً.
تعرض لنا سلسلة أخـرى من المشكلات بشـأن تقويمه الأصيـل حقا لشكلي الدولة الرأسماليـة "العادية" و"الاستثنائية". يقدم بولانتزاس بالتأكيد تحليلات ملهمة لآثار مختلف الأشكال المؤسساتية والتنظيمية على الصراع الطبقي السياسي وهو يتخلى أيضا بشكل متتابع عن التزامه بالأولوية السببية للبنى لصالح تشديد على الحاجة لتأمين السيادة السياسية عبر الصراع. على أية حال ، ليس ما يواجهنا فقط هو عدم تطور المفهوم الحاسم عن "الهيمنة" قياسا بالوزن التفسيري الذي خصص له، وإنما الحجج على المزايا المدعاة للأشكال "العادية" ، التي جرى التأكيد عليها، وأعتمدت كبرهان على خطأ معالجة الأنظمة الاستثنائية.
لقد تأكدت هذه المشاكل في مناقشة بولانتزاس لـ"نزعة الدولة التسلطية". وهكذا لا يقدم بولانتزاس هذا الشكل للدولة بوصفه هجينا من عناصر عادية واستثنائية فحسب (يفترض تمفصلها تحت هيمنة العناصر العادية)، وإنما يصر أيضا على أن نزعة الدولة التسلطية تقود إلى تدهور في الديمقراطية التمثيلية (الشكل النموذجي أو العادي نظريا للدولة البورجوازية) دون أن يعين كيف تحل أشكال جديدة للمشاركة الديمقراطية لتصون الإطار الديمقراطي. وكل دليل يورده يشير إلى تدهور الديمقراطية وليس إلى تحولها الداخلي. أضف إلى ذلك، بينما تتطلب المبادئ النظرية والمنهجية التى يتبناها بولانتزاس أن يبين كيف يستتبع تطور "نزعة الدولة التسلطية" قطيعة أو انقطاعا في العملية السياسية، فهو يعترف بأنها تتضمن بصفة أساسية إبراز الميول المعاصرة للرأسمالية الاحتكارية ومن ثم فهى سمة للدولة التدخلية وكذلك شكل الدولة الجديد. الاستمرارية نفسها واضحة في تفسيره "لنزعة الدولة التسلطية" تأسيسا على الدور الاقتصادي للدولة وعدم الاستقرار الدائم لهيمنة رأس المال الاحتكاري. وبالفعل فإن تقويم بولانتزاس "لنزعة الدولة التسلطية" هو تقويم وصفي بصفة جوهرية في هذا الصدد: فهو يخفق في تطوير أي من هذين العاملين التفسيريين المحتملين بأي قدر من التفصيل ويتركهما بوصفهما تأكيدين مجردين. يعكس هذا جزئيا الحاجة إلى التجريد من الأوضاع النوعية وصولا لتقويم عام "لنزعة الدولة التسلطية " ولكنه يرجع أيضا إلى التكنيك التعيس في تصنيف ميول متناقضة ومتفاوتة ومتطورة بشكل غير متكافئ فى إطار مفهوم واحد مطلق التحديد. أخيرا، حتى إذا تجاهلنا هذه المشكلات، فإنه من الصعب أن نتغاضى عن إهمال أشكال جديدة للتمثيل لصالح تقويم إنتقائي عن تدهور شكلها البرلماني التقليدي ونمو سيطرة الدولة التسلطية على الشعب.
كان يمكن في هذا السياق لقدر من المناقشة لطبيعة وتأثيرات التمثيل الوظيفي أو (النزعة الجماعية) أن تكون مفيدة. ولكن ، إذ كان عمله الأبكر حول الديمقراطية التمثيلية قد مال إلى رفضها بوصفها شكلا بنيويا محدداً للسيادة السياسية البورجوازية التي تناقض مظاهرها السياسية القانونية جوهرها الطبقي الأساسي، فإن بولانتزاس قد اكتشف لاحقا دورها في النضال السياسي الاشتراكي ثم راح يتأسى على تلاشيها المتسارع لصالح شكل جديد للدولة حول إليه تهمة الإضرار بالسيطرة الديمقراطية الحقيقية وبالثقة العامة.
ولكن يتعين علينا أيضا أن نؤكد أن بولانتزاس قد طور واحدة من أغنى الدراسات النظرية عن القانون، والدولة، والأيديولوجية السياسية القانونية المتاحة في الماركسية المعاصرة. لقد أسس بشكل أكثر نجاحا من النظريين الماركسيين الآخرين التمفصل الوثيق بين هذه الحقول الثلاثة ومترتباتها بالنسبة للرابطة بين المستويين الاقتصادي والقانوني- السياسي. أضف إلى ذلك ، أنه بدلا من أن يقيد نفسه بتحليل ضيق للقانون و/ أو الأيديولوجية القانونية وفق مفهوم الصنمية [الفتشية]، فقد بين كيف أنها تقدم المصفوفة Matrix للإطار المؤسسي للدولة الرأسمالية بوصفها دولة قانونRechtsstaat وللشكل المميز للسياسات البورجوازية بوصفها صراعا من أجل الهيمنة. بهذا المعنى، بينما يدرك أن القانون هو مجال مستقل نسبيا من التكوينات الاجتماعية البورجوازية له أثره الخاص المميز، فهو يقدم أيضا الأدوات لتعيين موضعه ضمن النظام الكلي للسيادة البورجوازية. ويمثل هذا تقدما ذى دلالة على مدرسة "منطق الرأسمال" ، كما يتبين في تقويمه للدولتين "العادية" و"الاستثنائية" الذي يحمل إمكانا نظريا عظيما. ولكن ما يزال هناك جهد كبير ينبغي إنجازه. هناك نطاقات أربعة جديرة بانتباه خاص : الفكرة غير المتطورة بالأحرى عن الهيمنة التي اشتغل بها بولانتزاس ، إهماله للأشكال غير القانونية للذاتية ضمن و/ أو ماوراء الأيديولوجية السياسية القانونية، والمسألة التي اختفت عن ناظريه هى عدم ضرورة واحتمالية الطابع الطبقي للقوى الاجتماعية بغض النظر عما إذا كانت قد تشكلت بوضوح حول الاختلافات الطبقية أم لا ، وميله للتغاضي عن تلك التحددات الاقتصادية للحيز السياسي القانوني المتجذرة في التنظيم الأساسي في النطاق الاقتصادي أكثر من تكوين الطبقات و/ أو الأقسام الطبقية بوصفها قوى اجتماعية منخرطة في صراع. إذا ما قيض معالجة هذه المشكلات بدرجة من النجاح، فإن الوعد النظري والسياسي لبولانتزاس الذي نفتقده بأسى سوف يتحقق.

الاستدعاء والذاتية القانونية
لقد تبنى كل من برنارد إدلمان وبول هيرست المقاربة الألتوسيرية للإيديولوجيات والممارسات الأيديولوجية وانتهيا إلى إنتاج نظريات مختلفة عن المستوى القانوني. وإدلمان مهتم بصفة أولية بالتشكل القانوني للفرد بوصفه شخصية قانونية ويتلمس الطريقة التي تنعكس بها شروط التراكم المتغيرة و/ أو الصراع الطبقي على إعادة تعريف المقولات القانونية. وعلى خلاف ذلك يندد هيرست بالمحاولات التي تطابق بين الذات الإنسانية والشخصية القانونية وينتقد أيضا محاولات اختزال القانون إلى مجال أحادي يتوافق مع حاجات التراكم و/ أو النماذج المتغيرة للصراع بين الطبقات الاجتماعية سابقة التشكيل. سوف نكون موجزين في عرض وجهات نظرهما بسبب طبيعتها البرنامجية ونطاق رؤيتها المحدود نسبيا.
يبرهن إدلمان بأن القانون يشكل الشخصية القانونية من خلال الآلية الأيديولوجية "لعملية الاستدعاء"* interpellation. لأن القانون يخاطب الناس بوصفهم أشخاصا قانونية، وعند قبول هذه الصيغة من الخطاب، يثبت الناس أوضاعهم في نفس الآن بوصفهم أشخاصا قانونية ويؤكدون فعالية الممارسات والمؤسسات القانونية (إدلمان 1973 :22-3، 28-9 ، 32-3، 69-73، 97). على أية حال، بينما يؤكد أن الشخصية القانونية ليست ببساطة معطى مسبقا عبر تداول السلع وينبغي أن تشكل من خلال ممارسات أيديولوجية قانونية نوعية، إلا أنه يستنتج مع ذلك أن المحتوى العيني لهذه الممارسات هو عملية استدعاء الفرد interpellation بوصفه تجسيداً لتحددات القيمة التبادلية (1973: 97).
يتابع إدلمان في هذا السياق بعدئذ ثلاث خطوط من البحث : التشكل القانوني للشخصية القانونية كما انعكست في الفلسفة السياسية البورجوازية، والاشتغال التفصيلي للمؤسسات القانونية في حقول قانون نوعية، والوظائف الأساسية القانونية والإيديولوجية- القانونية في إعادة إنتاج رأس المال. وهو يجادل بأن القانون هو موقع للصراع الطبقي ويحاول أن يبين كيف أن هذا ينعكس في التفكير القانوني، وكذلك في النزاعات بين الأساليب الفنية القانونية وغير القانونية والأيديولوجيات. يطور إدلمان هذه النظرات في العلاقة بمد نطاق القانون على السينما والتصوير الفوتوغرافي بوصفهما حقلان لتراكم رأس المال ، وفى إعادة تعريف / تحديد التمييز القانوني بين "العام" و "الخاص" للحد من نشاطات العمال الجزائريين المهاجرين في لجان الأعمال، وفي زمن أحدث ، التنظيم القانوني لعلاقة رأس المال والعمل من خلال عقد العمل، والقانون المرتبط بلجان الأعمال والضبط القانوني للمنازعات الصناعية (1973: 35-87، 115-41 ، 1980: 50 – 64).
بصفة خاصة، بتبيان كيف يمكن أن تؤدي المقولات القانونية والاستدلال (القانوني) إلى تناقضات في المذهب القانوني و/ أو كيف يمكن للتسجيل القانوني، وتقنين وتشكيل صراعات طبقية عمالية ناجحة أن يطرح مشكلات سياسية واقتصادية للرأسمال، يحاول أن يؤسس الشروط القانونية الدقيقة الضرورية لإعادة الإنتاج الموسعة للرأسمالية وهكذا فهو يتحرك إلى ما وراء العموميات الغامضة عند كثير من الماركسيين الذين يُنظّرون في الحقل القانوني. وقد تكشفت أساسية مثل هذا التقدم في عرضه الخاص لعناصر من أجل نظرية ماركسية في القانون. وبالرغم من إسهامه في الدراسات التجريبية للاقتصاد السياسي للقانون، فإن إدلمان لا يقدم سوى ملاحظات بالية تفيد أن القانون يثبت ويؤمن تحقق مجال التبادل، بوصفه معطى طبيعيا، كما أنه يجعل الإنتاج الرأسمالي ممكنا (1973 : 92 –108). وفي هذا الصدد يبدو عمله فقيرا إذا ما قورن بالحنكة النظرية للدراسات الألمانية الراهنة ضمن تقليد "منطق الرأسمال". وفوق كل شيء ، بينما يبين بوضوح حدود وضع القانون الخاص، فإنه يصمت حول الحدود البنيوية الكامنة للشكل القانوني كما أنه يهمل تمفصل القانون العام والقانون الخاص داخل الشكل الأساسي لدولة الحقRechtsstaat . وهكذا إذا ما كان " مناطقة الرأسمال " سوف يستفيدون من اهتمامه الأعظم بطبيعة وفعالية الخطاب القانوني، فإنه بإمكان إدلمان أن يتعلم شيئا من محاولاتهم لاشتقاق الشكل الأساسي، ووظائف وحدود القانون والدولة. إن هيرست معروف جيداً بنقده المنهجي والأبستمولوجي للماركسية الأرثوذكسية ونفس هذا النقد هو الذي يلهم مقاربته للقانون. وهكذا ، وبالتعارض مع هؤلاء الذين يسعون لأن يضفوا على القانون مضمونا جوهرياً مفردا متجذرا في مقتضيات إعادة الإنتاج الذاتية لنمط الإنتاج، فإنه يؤكد بأنه ليس للقوانين وحدة ضرورية في مضمونها ، وشكلها أو وظيفة خارج سنها/ تشريعها وإنفاذها في العملية التشريعية بأجهزتها القانونية الملازمة (هيرست 1979 ب: 96-7، 101، 111-14 ، 137). وهذا يعني أنه لا ينبغي البحث عن نقطة بدء تحليل القانون في عوامل خارج وما وراء المستوى القانوني (مثل تداول رأس المال أو التناقض بين القيمة الاستعمالية والتبادلية)، بدلا من ذلك ، يتعين البدء بالشروط المسبقة، للعملية التشريعية وطبيعتها وفعاليتها وتعريف/ تحديد القانون وفق الطبيعة النوعية للخطاب القانوني (1979 ب: 111-13).
يعرض هيرست نظراته عبر تقويم لأصول الشكل القانوني الحديث للملكية المشتركة، وقد جرى اختياره بسبب عدم قابليته للاختزال إلى الشكل القانوني للشخصية الفردية ودوره في تأمين واحد من شروط وجود الشركة المساهمة (1979 ب : 136-47). كيفما كان الأمر، وعلى الرغم من أن هذه الحالة مثيرة للاهتمام وتقدم دعما بديهيا لمقاربته، فإنه لا يقدم أية تعريفات واضحة للخطاب القانوني، والشخصية القانونية أو الجهاز التشريعي كما أنه لا يبين كيف يمكن تجنب مقاربة اسميه محضة للنظام القانوني. وبالفعل، يمكن لنا أن نطرح على هيرست السؤال نفسه الذي طرحه على إدلمان،أي ، ما الذي يميز الاستدعاء القانونى من الاستدعاء interpellation بصفة عامة؟ (1979 ب: 10). وبصفة أعم، يمكن لنا أن نستفهم كيف يمكن لنظام قانوني فعال، مستقل، أياً ما كان مغايرا، أن ينبثق ويشتغل بوصفه شرطا مسبقا لخطاب قانوني؟ لا تحتاج هذه المشكلة إلى أن تحل عبر اختزال القانون إلى كونه أثراً آليا لواحد أو أكثر من التحددات الاقتصادية: إنها تتطلب منا بالفعل أن نضع فى اعتبارنا الشروط الاقتصادية لوجود النظام القانوني وكذلك الشروط القانونية لوجود النظام الاقتصادي. بإيجاز، إذا كان هيرست جادا في دعواه أن القانون يمكن أن يدرك على نحو أفضل بوصفه تركيبة لكثرة من التحددات (1979 ب: 113 )، فقد كان يتعين عليه ان يقدر كيفية تمفصله مع أجهزة وممارسات أخرى. وهكذا، بينما لم يولِ بالتأكيد اهتماماً كافياً لأنماط فعالية الخطاب القانوني في تقاليد أخرى، فإن إدلمان وهيرست ذاتهما مذنبان بإهمال الشروط ما فوق القانونية التي تشكل تطور واشتغال نظام قانوني مستقل.

حول "التسلطية الشعبية" و "مجتمع القانون والنظام"
وأخيرا، سوف نعتد بالفترة الجرامشية في النظريات الماركسية المعاصرة للقانون، والدولة والأيديولوجية السياسية القانونية. ينبغي أن يكون واضحا أن هناك عناصر جرامشية مهمة في مدارس أخرى، وبالفعل، هذا واضح بصفة خاصة في مؤلفات بولانتزاس وفي التقليد الألتوسيري وفي مقاربة هيرش في (اشتقاق الدولة) staatsableitung (هيرش 1977 ب). غير أنه من الممكن أيضا أن نعين تقليدا جرامشيا أصيلا sui generis حيث التركيز الرئيس هو قوام /تكوين التبعية في أوضاع متغايرة. إن أفضل الدراسات المعروفة في هذا السياق قد طور من قبل ستيورات هال ورفاقه وسوف نعني بعملهم فيما يلي.
يركز هال والمشتغلون معه على وضع القانون والشرطة، وأجهزة الدولة القانونية إلخ في التمفصل الكلي للهيمنة البورجوازية. وهم يبرهنون أن هذا الوضع يتغير مع اختلاف مراحل تراكم رأس المال ومع اختلاف أشكال الدولة، ويعرضون دعواهم من خلال مقارنة الاستبداد القانوني في الدولة الرأسمالية الزراعية الصاعدة في انجلترا القرن الثامن عشر مع حكم القانون للدولة الليبرالية (في مرحلة) رأس المال الصناعي في القرن التاسع عشر (هال وآخرون. 1978 : 186 – 94 ، 206 –8 ، انظر هال وآخرين 1975، تومبسون، 1975). لقد بحثوا في هذا السياق الدور المتغير لإسباغ الطابع "البوليسي" (بمعنى الكلمة الواسع) على الدولة البريطانية ما بعد الحـرب. رداً على أزمة عـامة للسلطة، والدولة و"الاشتراكية الديمقراطية " (مرتبطة بالأزمة الاقتصادية وليست مختزلة إليها) تطورت سلسلة من "الذعر الإخلاقي" بلغت ذروتها في حملة عامة من أجل "القانون والنظام" في السبعينات عنيت بتعزيز عنصر الإكراه في الهيمنة البورجوازية ليعوض عن التدهور في "الرضا التلقائي"، نجد القانون ، والشرطة، والضبط الإداري والرقابة العامة فى هذه "اللحظة الاستثنائية" فى "دولة عادية" قد وظفت لاحتواء الاضطراب السياسي والمدني والصناعي. أضف إلى ذلك، على الرغم من أن محاولات ضبط قوى العمل من خلال التشريع والعمل القانوني المؤسس على مقاومة الطبقة العاملة قد استبدلت بأشكال تدخل جماعية وتعاقدية، فإن قوى الضبط في هذا المجال قد جرى تقويتها وكان هناك تجريم مستمر و/ أو إسباغ طابع بوليسي وقائي في الحقلين السياسي والمدني (هال وآخرون 1978 : 272 – 97).
في أعقاب فاصل اشتراكي ديمقراطي في ظل حكومة عمالية هشة ازدادت فيها مختلف الأزمات الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية، بدأت مرحلة جديدة كبرى في إعادة تنظيم الهيمنة البورجوازية مع انتخاب حكومة " تسلطية شعبية " من اليمين. حيث، ركزت حملة "القانون والنظام" على "إسباغ طابع بوليسي على الأزمة" ضمن إطار اشتراكي ديمقراطي معدل ، حيث كانت التاتشرية تحاول بشكل جذري إعادة صف القوى الاجتماعية عبر جبهة عريضة من أجل إحداث قطيعة لا رجعة فيها مع الإجماع/ الاتفاق الاشتراكي الديمقراطي لما بعد الحـرب. وهـذا يتضمن تحـريكا شعبيا ضد الشـرور المسئولـة عن أزمـة بريطانيا (الاشتراكية، والبيروقراطية، ودولة الرفاهية، ودكتاتورية النقابات، والعقوبات الضرائبية وارتفاع معدل الجريمة ) وتعد ببعث قومي من خلال تحرير قوى السوق وتطوير دولة قادرة على ضبط هؤلاء الذين عارضوا الحرية في ظل القانون (هال 1979 : 14-20، 1980 أ : 177 – 82 ، 1980 ب : 3 –4) كان أساس مثل هذا المشروع "الشعبي التسلطي" معدا من خلال الصحافة، والمقاولين الاخلاقيين، والدعاية البوليسية وكذلك من خلال الحملة السياسية الخاصة لحزب المحافظينTories ، وأياً ما كانت منظوراته الاقتصادية فقد سرّع الانحراف نحو "مجتمع النظام والقانون" حيث وظفت الأيديولوجيات السياسية القانونية والكلام الأجـوف الشعبي الديمقراطي الـزائف من أجل إمحاء الحريات المدنية وحكم القانون (هال 1980 أ: 177-82 ، 1980 ب).
تتضمن هذه الدراسات افتراضا أن الخطاب القانوني والممارسات غير محددة وأن تطبيقها الفعلي محدد تضافريا بخطابات أيديولوجية وسياسية وممارسات. من خلال تحليلهم لهذه الآثار في سياق أزمة هيمنة ناشئة ، وسع هال ورفاقه تحليلات إدلمان عن الخطاب القانوني وجسدوا التفسير الهيكلي للزوج التراكم/ التبعية الذي تبناه بولانتزاس في تقويمه لطابع "الدولة التسلطية" يضع تقديرهم بشأن " إسباغ طابع بوليسي على الأزمة" القانون بنجاح داخل مركب من الاستراتيجيات المتاحة للدولة في محاولاتها لتعزيز حكم الرأسمال في الجمهورية الديمقراطية البورجوازية. تثير هذه الدراسات أيضا على الرغم من جدارتها الواضحة، مشكلات نظرية معينة على أية حال. وقد نلاحظ بصفة خاصة التأكيد الانحيازي المغالي فيه على الخطاب فى مواجهة شروط فعاليته غير السياقية. (يمكن لنا أن نجد نقدا أكثر توسعا وفق هذه الخطوط عند جيسوب وآخرون، 1988 جـ: 69-74).
وهكذا، على الرغم من أن جدالا قد جرى بأن حملة القانون والنظام لم تكن ناجحة كليا خلال عامي 1970-72 وأن مقاومة الطبقة العاملة قد حدت من قوى الدولة الضبطية، فهناك ميل لافتراض أن تكثف السخط الشعبي الأشمل في الخطاب التـاتشري يمكن أن يحدث قطيعة جوهرية ليس أيديولوجيا فقط وإنما أيضا في الشروط الاقتصادية والسياسية. وهذه مغالاة في تقدير ملاءمة الأشكال النقدية monetary والقانونية للدولة الليبرالية في إعادة هيكلة الاقتصاد وفي ملاءمة إضفاء الطابع البوليسي من خلال دولة قوية عند تأمين إعادة الإنتاج الاجتماعي في المرحلة الراهنة للرأسمالية. ما كان يجب أن يوضع في الاعتبار هو أن هناك مقاومة سوف تجرى. ولكن على الرغم من انتقاداتنا (وهي هادفة فحسب) فإن الوعد الجرامشي يظهر بوضوح في هذه الدراسات.

في شكـل استخـلاص
ليست هناك حاجة بالتأكيد لتكرار انتقاداتنا هنا للمقاربات المختلفة في تحليل القانون، والدولة والإيديولوجية السياسية القانونية. بدلا من ذلك، سوف نركز على ما يترتب عليها بالنسبة لدراسة هذه الظواهر. يجب أن يكون واضحا في النطاق المنهجي أن القانون يمكن أن يفحص على مستويات مختلفة من التجريد وفي العلاقة بمختلف أنماط التحدد. وهكذا فإنه من الجوهري تعيين موضوعنا النظري وفق هذه الشروط وأن نضمن بأن أي تفسير يقدم سيكون ملائما لقاعدة تفسير explicandum. بهذا المعنى فإن أي تفسير سوف يعدّ ملائما، إذا كان يؤسس، على مستوى التجريد ودرجة التعقيد (أو مدى التحددات) وفق اللغة التي تحدد بها المشكلة، مجموعة من الشروط الضرورية و/ أو الكافية لإنتاج التفسيرات المعينة في قاعدة التفسيرexplicandum . أضف إلى ذلك، أنه إذا ما أعيد تعريف/ تحديد هذه الآثار أو تطويرها من خلال التعيين "concretization" بتخفيض مستوى التجـريد و / أو من خـلال ما يمكن أن ننعته بالتعقيد "complexification" (بإضافة أنماط أخرى للتحدد )، عندئذ يكون من الممكن أن نمد أو أن نوسع مثل هذا التفسير دون أن نخل بتماسك البرهان الكلي. وهكذا فسوف يعد التفسير غير ملائم إذا لم يكن بالمستطاع مده إلى مستويات أدنى من التجريد بغير تناقض.
ويتضمن هذا المعيار أيضا أن التفسيرات الملائمة لنطاق ما من التحليل يجب أن تكون قابلة للقياس مع تلك الملائمة لتفسير أنماط أخرى من التحدد (بالرغم من أن هذا لا يمكننا في حد ذاته من أن نفضل طريقة للتفسير على أخرى في حالات عدم القابلية للقياس). وأخيرا يجب أن يلاحظ أنه بينما قد يكون تفسير ما محددا على مستوى معين من التجريد و/أو درجة من التعقد، فإنه قد يثبت على المستويات الأكثر عينية و/أو تعقدا أنه غير محدد وينبغي أن تحدد شروط إضافية لجعله ملائما. لهذا السبب يستتبع مبدأ التحديد التضافري قدرا من نقص في درجة التحدد على مستويات البحث النظري الأبسط والأكثر تجريدا.
تنطبق كل هذه القواعد المنهجية على تحليل القانون، والدولة والأيديولوجية السياسية القانونية ويبقى الآن أن نعتد بما تتضمنه تجاه الدراسات التي راجعناها أعلاه. إن نقطة الانطلاق الملائمة هنا هي شكل القانون إذا أخذناه مجردا من مضمونه النوعي. يتضمن هذا كموضوع نظري أصيل sui generis تشكل ذات أهل للحقوق و/أو الالتزامات القابلة لأن تُقاضِىَ أو تُقاضَى أمام جهاز قانوني عقلاني مفوض بإستخدام الإكراه في تطبيق أحكامه. ويتيح هذا بدوره تحليلا لعملية استدعاءinterpellation الأشخاص القانونية، وطبيعة الخطاب القانوني العقلاني، وشروط وجود الشكل القانوني وفعالية التدخل عبر القانون.
يمكن لنا على هذا الأساس أن نطور مفهوما للنظام القانوني بوصفه شكلا محددا من المجتمعيةsocietalization يتضمن تعميما للشكل القانوني على كل العلاقات الاجتماعية. لا ينبغي أن تتضمن دراسة الشكل الأساسي للقانون ولا النظام القانوني اختزالا لهما إلى ظاهرتين مصاحبتين للمستوى الاقتصادي: يمكن لنا على الأكثر ، أن نستقصى شروط وجودهما الاقتصادية وتأثيرهما المتبادل على المستوى الاقتصادي. لا يتضمن كون تسليع قوة العمل ضروريا كذلك لتطوير نظام قانوني مستقل، أن القانون قابل للاختزال إلى المستوى الاقتصادي أكثر من حقيقة أن أشكالا قانونية معينة ضرورية إذا كانت السلع التي تتداول يعني أن الاقتصاد قابل للاختزال إلى الحقل القانوني. بهذا المعنى يتطلب منا إدخال تحددات اقتصادية في تحليلات القانون أن نعتد بتمفصلها المعقد وأن نتجنب أي اختزال أحادي للواحد إلى الآخر. وينبغي أن نلاحظ أيضا أن التحليلات على هذا المستوى من التجريد (سواء كانت مقصورة على الحيز القانوني أو مدت/ وسعت إلى تمفصله مع مستويات أخرى) سوف تكون حتما غير محددة نسبيا بالنسبة لما يترتب عليها بصدد أوضاع خاصة. عدم التحدد النسبي هذا، أو نقص درجة التحددunderdetermination ، يمكن أن يستبعد بشكل متلاحق من خلال تعيين و/أو تعقيد الموضوع النظري وشروط وجوده وتأثيراته.
ويعني هذا تحولا متلاحقا من أولوية الشكل إلى تأكيد على مضمون القانون والنظام القانوني. لا تحتاج هذه المقاربة إلى أن تتضمن "جوهرة" القانون من خلال الجدال بأن هناك جوهرا محددا، وإن يكن مجردا للقانون، وان الانحرافات عن ذلك على المستويات الأشد تعقيدا وعينية هي غير جوهرية. على النقيض من ذلك فهي تتضمن أن مظهر الخطاب القانوني "المحض" أو النظام "القانوني" هو نتاج التحدد التضافري بقدر ما هو نتاج (الأشكال الهجينة للخطاب و/ أو التنظيم المجتمعي. يمكننا في هذه الشروط فقط أن نبدأ في فهم تدهور القانون أو نمو "الدولة التسلطية". وكذلك الشروط التي هيأت دولة القانون Rechtsstaat الكلاسيكية.
بإيجاز يمكننا، في هذه الشروط فقط أن نتقصى الوحدة الوظيفية للشرعية واللاشرعية في الدولة البورجوازية وأن نبدأ في تفسير مغزاها النسبي في تأمين السيادة البورجوازية في أوضاع مختلفة. تزودنا الدراسات التي راجعناها أعلاه بخطوط إرشاد هامة في هذا المسعى ولكن ينبغي أن يكون واضحا أنه لا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله على كل مستويات التحليل القانوني.
******************************************************

* مصدر المقال : بوب جيسوب , نظرية الدولة -- وضع الدولة الرأسمالية فى مكانها . الطبعة الثانية ص ص 48 -- 78 مطبعة جامعة ولاية بنسيلفانيا . الولايات المتحدة الامريكية 1990 .
1- لقدبرهنت فى مكان اخر ان الاشتقاق المنطقى الدقيق للظواهر العينية من المفاهيم المجردة هو امر مستحيل , وينطبق هذا بشكل اقوى على اشتقاق الظواهر فى نطاق معين من تلك التى فى نطاق اخر . ماتتضمنه المقاربة الاشتقاقية بالفعل هو طبعة اختزالية من منهج التمفصل . انظر جيسوب 1982 .
2 - حسب التوسير فان الايديولوجيا تستدعى الافراد كفاعلين . ( لاتوجد ايديولوجيا الا بواسطة الذات ومن اجل الذات . وذلك يعنى : انه لاوجود لايديولوجيا الا بالنسبة لذات ملموسة , ومصير الايديولوجيا هذا ليس ممكنا الا بواسطة الذات :يعنى بواسطة نوع الذات وسيرها ) انظر فى هذا المعنى كتاب دراسات لاانسانوية , التوسير , ج كانجليم , ص 108 , ترجمة د. سهيل القش , بيروت , 1981 م . ( المترجم )





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,390,013,096
- القانون واستبطان العنف - جاك دريدا
- حدود مفهوم استقلال القضاء فى المجتمع الرأسمالى - بيير بورديو
- فى ضرورة تهيئة الشعب للثورة - تشرنيشفسكى - ترجمة فيتولد ليبو
- فى معنى المقاطعة الايجابية للانتخابات
- العجز والتشوش ف . ا . لينين ( ملاحظات )
- المفاهيم النظرية والسياسية وانعكاس امزجة الثورة المضادة فى ص ...
- التفسخ الايديولوجى والانقسام فى صفوف الاشتراكيين الديموقراطي ...
- من ارشيف حزب العمال الشيوعى المصرى - الكارثة الوطنية فى لحظت ...
- من ارشيف حزب العمال الشيوعى المصرى - ليس كل مايلمع ذهبا ! - ...
- الاخوان المسلمون ومسألة التصنيف الطبقى ( من ارشيف اعوام الثو ...
- رسائل بلاعنوان - الرسالة الاولى - تشيرنيشيفسكى ( كاملة ) ترج ...
- هيدجر والثورة الاجتماعية والفلسفية بقلم: إبراهيم فتحى
- حرب اسرائيل عام 1948 وانحلال الاممية الرابعة - 9 - يوسي شوار ...
- حرب اسرائيل عام 1948 وانحلال الاممية الرابعة -8- يوسي شوارتز ...
- حرب اسرائيل عام 1948 وانحلال الاممية الرابعة -7- يوسي شوارتز ...
- حرب اسرائيل عام 1948 وانحلال الاممية الرابعة -6 يوسي شوارتز ...
- حرب اسرائيل عام 1948 وانحلال الاممية الرابعة -5- يوسي شوارتز ...
- حرب اسرائيل عام 1948 وانحلال الاممية الرابعة -4- يوسي شوارتز ...
- حرب اسرائيل عام 1948 وانحلال الاممية الرابعة -3- يوسي شوارتز ...
- حرب اسرائيل عام 1948 وانحلال الاممية الرابعة -2 - يوسي شوارت ...


المزيد.....




- اعتقال لاجئ سوري خطط لهجمات على كنائس
- خبيرة أممية تدعو إلى تحقيق جنائي في مقتل خاشقجي
- مجلس مكافحة الفساد: إنهاء ملف تدقيق عقارات الدولة
- تركيا تدعو جميع دول الأمم المتحدة للإصرار على تنفيذ توصيات ت ...
- الجزائر... تعذيب رؤوس -العصابة- إشاعة للضغط على المؤسسة العس ...
- تركيا تدعو جميع دول الأمم المتحدة للإصرار على تنفيذ توصيات ت ...
- الأمين العام للأمم المتحدة يؤكد أنه لا يستطيع إصدار أمر بالت ...
- الأمم المتحدة: لا نستطيع التحقيق بمقتل خاشقجي دون قرار مجلس ...
- الأمم المتحدة: توجيه غوتيريش بالتحقيق في مقتل خاشقجي يتطلب ق ...
- الجبير: تقرير الأمم المتحدة بشأن خاشقجي يحوي تناقضات ويشتمل ...


المزيد.....

- بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - ... / سعيد العليمى
- اللينينية ومسائل القانون - يفجينى ب . باشوكانيس / سعيد العليمى
- السياسة النقدية للعراق بناء الاستقرار الاقتصادي الكلي والحفا ... / مظهر محمد صالح
- مبدأ اللامركزية الإدارية وإلغاء المجالس المحلية للنواحي في ض ... / سالم روضان الموسوي
- القانون والإيدلوجيا – موسوعة ستانفورد للفلسفة / / محمد رضا
- متطلبات وشروط المحاكمة العادلة في المادة الجنائية / عبد الرحمن بن عمرو
- مفهوم الخيار التشريعي في ضوء قرارات المحكمة الاتحادية العليا ... / سالم روضان الموسوي
- الحقوق الاقتصادية في المغرب / محسن العربي
- الموجز في شرح أحكام قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 / سمير دويكات
- مفاهيم تنفيذ العقود في سورية بين الإدارة ونظرية الأمير ونظري ... / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - سعيد العليمى - بعض المنظورات الماركسية حول الدولة والايديولوجية القانونية - بوب جيسوب