أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم مرزة الاسدي - 1 - مَن ذا أصابك يا بغداد بالعين ؟!!















المزيد.....

1 - مَن ذا أصابك يا بغداد بالعين ؟!!


كريم مرزة الاسدي

الحوار المتمدن-العدد: 5469 - 2017 / 3 / 23 - 19:01
المحور: الادب والفن
    


1 - مَن ذا أصابك يا بغداد بالعين ؟!!

الحنين إلى الوطن

كريم مرزة الأسدي




الإنسان كائن اجتماعي بالطبع ، يحاول الاستقرار ، والتشبث بالأرض التي يعيش فيها ، يحرثها ،ويبذرها ، ويستسقي السماء لزرعها ، ويبني فيها مستقراً له ، ويأنس لمن هو حوله ، ومنحه الله العقل ، ومن العقل الذاكرة ، فترتسم الأشياء المادية والمعنوية في ذهنه ، ويربط بينها ربطاً جدلياً ...ثم يسرع بكبح جماح الفوضى من حياته ، ويبذر في كل جانب منها بذورالعلم والمعرفة والغناء حتى يصبح الجو والغلال والحيوان والإنسان أرق حاشيته ، فتتضاعف لديه مشاعرالحب والخير والنفع (1). وما الجو والغلال والحيوان والإنسان إلا هبة الله على الأرض ، والتعلق بها ، وبما حولها ، غريزة طبعٍ ٍ جبلَ عليها هذا الإنسان ، وذلك الحيوان .

والعرب من أقدم الأمم تعلقاً بالأرض ، وحب الديار ،وذكرى حبيب ومنزل ، وأبصر الشاعر البدوي ما حواليه ، فامتزج به امتزاجاً قوياً ، فوصفه وشمل بوصفه البلاد أرضاً وسماء :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ***بسقط اللوى بين الدخول فحومل
وان شفائي عبرة مهراقــــة *** فهل عند رسم دارس من معول

والمنزل ليس له قيمة وجدانية ، إذا لم يرتبط مع من يأنس إليه الإنسان ، فتتشابك الذكريات ، وتتراكب العلاقات ، وتمتزج امتزاجاً وجدانياً يصعب انفكاكها، وإلا فالطبيعة قد جادت بما هو أجمل بكثير من هذا المنزل ، او تلك الأطلال ، فما وجهة امرى القيس غير (فاطم ) ، وما مراده إلا هي :

أفاطم مهلاً بعض هذا التدلّلِ***وإن كنت قد أزمعت هجري فاجملي
أغرك مني ، ان حبك قاتلي*** وأنك مهما تأمري القلب يفعل

ولا أراك تنسى المجنون ، وهو يهيم بدار ليلي وجدرانها ، يلثم الأعتاب ، ويقبل الأطلال ، وما مقصده الحجارة ، وإنما ليلى، وأسراره:

مررت على الديار ديار ليلى ***أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا

ويعيد إلينا أبو تمام هذا الترابط والحنين المتنامي في اللاوعي لكل الأهل والخلان ، فالسكن :

نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى*** ما الحب إلا للحبيب الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى *** وحنينه أبدا لأول منزلِ

ثم يتطور هذا العشق الوجداني من مناجاة الأطلال والمنزل إلى دائرة أوسع , ليشمل حب القرية أو المدينة والسكان معا ، فالترابط الاجتماعي أساس الوجود الإنساني ، وتطوره نحو الأفضل.

أقول يتسع إدراك الفرد من الخاص إلى العام تبعاً لثقافته وحضارته ، فإبان عزّ الحضارة العباسية ، لم ير ابن بغداد أجمل من بغداده مصراً، ولا أبدع من دجلتها نهراً ، ولا أعذل من روحائها جواً ، ولا أروع من ناسها خلقاً ، ولكن الأيام تدور بما لا تروم الأنفس ، والرياح تجري بما لا تشتهي السفن ، فعندما حاصر طاهر بن الحسين ، وهرثمة بن أعين بغداد سنة 197-198هـ ، لنصرة المأمون على أخيه الأمين ، ودكت عاصمة الرشيد دكاً ، وهدمت دورها ، وخربت ساحاتها ، وماتت حدائقها ، وقتل رجالها ، وانتهكت أعراضها ، ورميت عاصمة الخلافة بالنفط والنيران ، والمناجيق والعرادات ، لقتل المقبل والمدبر ، قال أحد فتيان ببغداد ، كما يورد الطبري في تاريخه :

بكيت دماً على بغداد لمّا *** فقدت غضارة العيش الأنيقِ ِ
تبدلنا هموماً عن سرورٍ *** ومن سعة تبدلنا بضيق ِ
أصابتها من الحساد عين ***فأفنت أهلها بالمنجنيقِ
فقوم أحرقوا بالنار قسرا *** ونائحة تنوح على غريق
وصائحة تنادي وا صباحاً ** وباكية لفقدان الشقيق
وقوم أخرجوا من ظل دنيا *** متاعهم يباع بكلّ سوق
ومغترب غريب الدار ملقى ** بلا رأسٍ بقارعة الطريق(2)

الشعر على بساطته يجسد هول المصاب ، وعمق المأساة ، واستمر الحال ، وزادت النكبات ، وتراكمت الهموم ، واغرورقت العيون ، لم تعد بغداد بترفها ، ولا دجلة بخيرها ، ولا الدنيا على حالها ، انقلبت الأمور ، وحلت الدهيماء ، أي عين أصابت بغداد الأمس البعيد ، وحتى بغداد الأمس القريب , فالتاريخ يعيد نفسه , والأيام تدور لتلتقي بداياتها بالنهايات , ولا يدري ابن بغداد أين هو من عمر الزمان؟ إن كان للزمان عمر ، وأصل وفصل !

وقد عبرعمرو بن عبد الملك العتري الوراق عن الحالتين ، بعينين دامعتين قائلاً :

من ذا أصابك يا بغداد بالعين ِ**** ألم تكوني زماناً قرة العين ِ
ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم *** وكان قربهم زين من الزين ِ
صاح الغراب بهم بالبين ,فافترقوا * ماذا لقين بهم من لوعة البين ِ
أستودع الله قوما ما ذكرتهم *** الا تحدر ماء العين من عيني
كانوا ,ففرقهم دهر , فصدعهم ** والدهر يصدع ما بين الفريقين(3)

ترى أن الشاعر يفزع لما أصاب بغداد المنكوبة ، وما بغداد إلا بأهلها وسكانها...وما أشبه الليلة بالبارحة ...يا بغداد يستبيحك السلاطين ، ويهتك حرماتك الأشرار ، ودائماً يعجز الإنسان عن فهم الأسباب ، أو يتناسى ، فيلعن الزمن ، ويغلق المحن ، وأحياناً يدرك الحقائق الموضوعية ، ويفقه أن الصراع المادي ، والنزعة الأنانية ، والجهل المركب ، وراء كل تخريب وفساد ودمار :

أرى درراً تصان على أناسٍ *** وأخلاقاً تداس فلا تصانُ ُ
يقولون الزمان به فسادٌ *وهم فسدوا ، وما فسد الزمانُ

ومهما يكن من أمر ، فما من امرىء بتارك وطنه إلا تحت ظروف قاهرة ، يكون فيها تحت خيار الموت أو الحياة ، فيقول الوراق العتري نفسه بنفس الحصار والدمار :

ولست بتاركٍ بغداد يوماً *** ترحل من ترحل او أقاما
إذا ما العيش ساعدنا فلسنا ** نبالي بعد من كان الإماما

اذاً هو ليس بتارك بغداد ، إذا ما ساعده العيش فيها ، ولا يبالي من يكون الخليفة من بعد ،فالسلطان سلطان بأي زمان ومكان ، فكم يعاني هذا الشعب المغلوب على أمره من جور وظلم الطغاة وقسوتهم جراء الصراع على السلطة حتى لو كانت بين أخوين ، هما المأمون والأمين ، تنكب بغداد ، وتهدم بيوتها على رؤوس ساكنيها ، فلا كأن هارون الرشيد - وهو والدهما - جلس على عرشها متنعما هو وبنوه ، وأمامه المنصور النمري يخاطبه شعراً ، بأمر من السيدة زبيدة ليقول :

ماذا ببغداد من طيب الأفانين *** ومـــــــــــن منازه للدنيا وللدين ِ
تحيي الرياح بها المرضى إذا نسمت*** وجوّشت بين أغصان الرياحين ِ

رحم الله المظلومين ، ولله أمر الظالمين ، وما الحساب ببعيد ، وإن غدا لناظره قريب !!

_____________________
(1)ممثلوا الانسانية : لوالف والدإمرسن
(2) تاريخ الطبري-ج8-ص456-457 المصرية.
(3) المصدر نفسه-ص447
(4) تاريخ بغداد -للخطيب ج1ص 21





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,889,116
- العروض المقطعي،العروض الرقمي،قصيدة النثر،وسرعة الشعر
- والشعرُ ملهمهُ للحبِّ (عشتارُ)
- 6 - أخوانيات وطرائف أشهر شعراء النجف / حقبة العشرة ، هل كانت ...
- ريحُ الحياةِ ولا يَستحكمُ العدمُ
- لغتنا الجميلة بين الشعر والشعراء،والتجديد العظيم،والرفض العق ...
- ابن زيدون بتمامه : ولادته ، حياته ، شعره ، رسائله ، سينيته
- القافية : تنوع ألفاظها ، حروف رويّها ، المقيدة منها والمطلقة
- 8 - هؤلاء بين أيدي هؤلاء : المعري يخشى زئير الأسد..!!
- 5 - بغداد والحلة تنهضان بعد النجف بجيلٍ..،و(البند) يبزغ
- 4 - مساجلات شعرية، ومعركة الخميس الأدبية
- العراق: جذوره اللغوية، شهرته،أمجاده، ودعاوى تقسيمه
- 7 -هؤلاء بين أيدي هؤلاء : كثيّر عزّة يفحم عبد الملك بن مروان
- 3 -مسألة التحكيم :بحرالعلوم حكماً بين النحوي والنواب،والأعسم ...
- ( إنسانٌ وإنسانٌ) :حتّى يُقالَ إلى الإنسان ِ (إنسانُ)
- المسألة الزنبورية ما لها ، وما عليها
- 2 -عصر بحر العلوم وكاشف الغطاء حتى معركة الخميس
- 1 - أشهر شعراء النجف:أخوانيات وطرائف لثلاثة قرون
- بين التواصل الاجتماعي والشّعر الارتجالي : إنّما الإنسانُ دور ...
- أبو نؤاس بتمامه : حياته ، شعره من نشأته حتى وفاته
- أنا ومظفر النواب وأشهر شعراء النجف


المزيد.....




- المغرب ينضم إلى الشبكة الدولية لهيئات مكافحة الفساد
- الفنانة اللبنانية نادين الراسي تنفجر غضبا في شوارع بيروت
- العربية: احتراق مبنى دار الأوبرا في وسط بيروت جراء الاشتباكا ...
- الشوباني يعلق أشغال دورة مجلس جهة درعة بسبب تجدد الخلافات
- الموت يفجع الفنان المصري أحمد مكي
- بالفيديو... لحظة سقوط الليدي غاغا عن المسرح
- أنباء وفاة كاظم الساهر تصدم الجمهور... وفريق العمل ينشر توضي ...
- قائد الطائرة يتلقى “عقوبة رادعة” بسبب الممثل محمد رمضان !
- لبنان...فنانون وإعلاميون يتركون المنصات وينزلون للشارع
- رقصة مثيرة تسقط -ليدي غاغا- من على المسرح


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كريم مرزة الاسدي - 1 - مَن ذا أصابك يا بغداد بالعين ؟!!