أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين سليماني - إنه الفن يا كلاب الجحيم















المزيد.....

إنه الفن يا كلاب الجحيم


ياسين سليماني
الحوار المتمدن-العدد: 5467 - 2017 / 3 / 21 - 22:41
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يساورني بشكل موجع أننا نسير بخطى متسارعة نحو الانهيار التام، أو بالأحرى: المزيد من الانهيار كمهووسين بأكثر أشكال التخلف مقتاً وأسوء ضروب الرجعية سوءاً. أخلاقيات الحوار التي ينادي بها الكثيرون طوال عقود لا تزال تلقى آذانا صماء، تصطدم بجدران من القسوة والكراهية والعداء. كل محاولات النهضة، ومواجهة الانحطاط بالجمال، والقذارة بالفن، لم تجد إلاّ الاستخفاف. الإرهاب لا يزال يتوغّل في مجتمعاتنا العربية أكثر فأكثر. والتضييق على الحريات لا يزال يتأخبط (يمد أيديه كالأخطبوط يعني) ويشفط كل ما يقف أمامه. ويظلّ القفز على أبجديات الحقوق الإنسانية السائد. يقول لي خاطر أنّ العالم العربي يسير بشكل متسارع ليكون أضخم "مخرأة" في التاريخ. إننا نخاطر حقا للعودة إلى البدائية البائسة في أسوء أشكالها ظلامية وعَتَها.
في الأسابيع الماضية، كان لي موعد جديد مع شكل بذيء من التطرف، فلم تكن أوّل مرة أواجه فيها هذه المشكلة بشكل مباشر، حدث هذا عندما أنهيتُ قراءة الرواية الجميلة للجزائري "أنور رحماني"، وكنتُ كعادتي أتقاسم مع قراء صفحتي على الفايسبوك من الأصدقاء عناوين قراءاتي، وبعض أفكاري، فنشرتُ فقرة من الرواية في الصفحة وفكّرت في أنّ الأصدقاء من أساتذة وكتاب ومثقفين وحتى طلبة على اختلاف قواعدهم المعرفية وانتماءاتهم الإيديولوجية سيتناقشون معرفيا في المنشور على أساس راقٍ كعادة ما أقرؤه من تعليقات فيها. فوجئت بعد وقت وجيز جدا -لا يكفي لقراءة المنشور كاملا وفهمه واستيعاب مدلولاته -بسب وشتم كبيرين (وقد حدث لي هذا قبل سنوات أربع تقريبا) ولم ينقطع هذا السيل من "التغوّطّ" في التعليقات على المنشور والقدح في شخصي بشكل مباشر إلى الدرجة التي جعلت أصدقاء لي يتصلون بي هاتفيا أو يلتقونني طالبين مني أن أتراجع عن المنشور وما كان لي كمثقف أن أتراجع عن موقف اتخذته ولا عن رأي أعلنته، إلاّ إذا تراءى لي عدم صوابه، وإلاّ فإنّ الفرحة ستكون متعاظمة عند ذوي النفوس المريضة الذين سيعلنون انتصارهم هكذا سيعتقدون ويفسرون ويفخرون.
بعد ذلك بأيام قليلة كنتُ عائدا مساء من مقابلة صديق، ببدلتي الرياضية بعد أن قمتُ برياضة الجري التي تعودتُ عليها، فكّرتُ في أخذ دوش دافئ قبل أن أعود للكتاب النقدي الذي أشرف على ترجمته هذه الفترة. لم أنتبه إلاّ وصوت من سيارة تمرّ عليّ تقذفني بعبارة سريعة: "يا كافر". انتبهتُ، كانت رمادية اللون، حديثة، لا يهم، لكني لم أعرف صاحبها ولا من كان يركب إلى جانبه. الأخير من تجشّأ بتلك العبارة المقيتة. في الواقع لم أندهش، ابتسمتُ وسرتُ، غير أنّني لم أستطع أن أخمّن صاحب الكلمة غير الوديعة. كل ما ارتسم في ذهني، فيما يتعلق بالشخص ليس فماً ينطق ولكن فتحة شرج تتغوّط. هذا بالضبط ما رسمته مخيّلتي (السيئة) عندما تمّ تكفيري بهذه الطريقة السخيفة.
أعادت هذه الحادثة إلى ذهني العديد من حالات الإرهاب التي حدثت ضد حملة الأقلام، الذين ليست لهم جريرة يقترفونها سوى أنهم حملوا الأقلام وسوّدوا الصحائف. ما فعله الإسلام السياسي الكئيب ضد "فرج فودة" وإعدام "محمود طه" من قبل حكومة "جعفر النميري" الفاشي، وماذا يُنتظر من مدبّر انقلاب إلاّ أن يفعل هذا؟ وما دمت أتيتُ على سيرة محمود طه الذي لم يمنع بلوغه أرذل العمر، من إعدامه، دون أن يركع للمطالبات الرجعية الإسلامافوية (المافيا الإسلاموية) بينما لم يجد "سيد القمني" بأسا من أن يمزّق تاريخه الفكري ويعلن "توبته المزعومة" بعد ما يشاع أنها رسالة تهديد مما يُسمى بـ "تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين".
في الجزائر أو في مصر أو السودان أو في غيرها، التطرف نفسه، والنية مبيّتة ضد كل تفكير حر. هذا ما حدث قبل فترة قصيرة في تونس أيضا مع الكاتب السبعيني "أيمن الدبوسي" عندما لم يفرّق زملاؤه في المستشفى أنّ "أخبار الرازي" مجموعة قصصية متخيّلة لا شخصيات حقيقية يقوم الكاتب بسرد قصصها وحاولوا تمرير عريضة ضده بادعاء أنه يسيء للمهنة التي يشاركونه فيها كأطباء نفسانيين. إنه الهوس ضد كل إبداع..يسقط فيه العرب أكثر فأكثر، وما كنا ننتظر أن تونس التي تُؤنسنا، بثقافتها، ورقيّ شعبها، يصدر من بعض نُخبها مثل هذا..ولكن ما العمل في بلاد عربية يبدو أنّها عقدت حلفا حقيقيا مع التخلف والرجعية آلت على نفسها ألا تدع من بنداً يعيد ها إلى الوراء إلاّ ونفّذته.
في رواية "هلوسة جبريل" -التي حاول البعضُ جرّها إلى أروقة المحاكم كما يقول صاحبها والضغط النفسي والعقلي الذي واجهه بعد نشرها -لم يفعل "أنور رحماني" إلا أن مارس حقه كشاب في التعبير عن توليفة من الأفكار جماليا من خلال نصه الأدبي الذي يُظهر مقدرة فنية راقية للشباب على الكتابة الإبداعية التي يمكن أن نتقاطع معها نقديا، من جانب التخييل، الأسلوبية، والصور الجمالية التي تحتكم إليها الرواية. بينما يبقى كاتبها منزها عن الأحكام الأخلاقية. إنه كاتب وفقط. وإذا كانت شخصية من شخوص روايته تنكر وجود الإله، فليس معنى هذا أنّ الكاتب يؤيد هذا الطرح وجوبا، كما لا يعني أنه لا يتبناه إلزاما، ولكن هذا الحكم لا يخدم العمل الروائي من قريب أو بعيد، وعقيدة المبدع لا قيمة لها في مقابل منتجه الإبداعي الذي يهم المتلقي. ولا شأن للقارئ إن آمن الكاتب أم كفر، وإن أحب أو كره، وإن استوى فعله في حياته الخاصة أم شذَّ. فإنّ الشأن الحقيقي يظهر في العمل المنتج والعاقلُ من يأخذ المُنتَج لا المنتِج فيتدارسه ويتحاور معه غير أنّ قِصار العقول من الذين يعانون من أنيميا معرفية قاسية، يخلطون بين النص والناص، وبين الخلق والخالق، فلا يميّزون بينهما. لم يفعل الشابُ إلاّ أنه حاول الإبداع، "بيد أن البعض يقرأ ولا يفهم، والبعض لا يقرأ رغم أنه يفهم، البعض لا يقرأ ولا يفهم" كما يشير فرج فودة نفسه. دون أن نثأَر من المبدع لأنه انحاز لإنسانيته ورفع القلم للتعبير عن أفكاره بينما لا نلتقت إلى غيره ممن يرفع السلاح المادي أو المعنوي في وجه غيره دون رادع يردعه.
وقد تبدو الرغبة في أن نعيش في مجتمع منفتح تتلاقح فيه الأفكار ويختلف فيها أصحاب الرأي دون مشاحنة ولا ازدراء ولا انتقاص وقبل هذا ومعه وبعده: دون التدخل في ضمائر الناس ولعب أدوار ليست أدوارهم أمنية عصية عن التحقيق. على الرغم من أنّ الإسلام دين لا كهنوت فيه، وليس لرجال الدين الذين يأخذون مرتباتهم من أموال الشعب أن يمارسوا دور الرقابة في قلوب الناس وأحلامهم. إنه زمن بشع تتكاتف فيه التنظيمات المتطرفة التي تحمل السلاح في وجه الجميع، مع أصوليين لا يقرؤون الجمال، ولا يفقهون في الأدب، وهكذا هي أخلاق العبيد الذين يحبون القيد مهما حاول الكثيرون فكّهم منه، مثلهم كمثل فرس النهر الذي يجد في الوحل البشع متعة وراحة لا يجدها الطيرُ الشادي في تحليقه في فضاءات الحرية.
قد يكون "أنور رحماني" أصغر الأمثلة التي ذكرتها سنا ولكن متى كان الإبداع يُقاس بسن صاحبه؟ بل إنّ أفضل ما يستفاد من هذه المحاولة في تكميم الأفواه وتكسير قلم الشاب أنها فرصة جيدة لانتباه الناس لما يكتبه في ظل فوضى النشر التي تجعلنا نغفل الكثير من النصوص التي تستحق الإشادة. إننا بحاجة حقيقية للمختلف، للرأي الذي يصدم بحيث يحمسنا على أن نعيد حساباتنا في الوجود والحياة والناس.ولن تزيد هذه الاعتراضات المقيتة المؤمنينَ بالكلمة وقوتها إلاّ رسوخا في إيمانهم بقلمهم. فليفكروا ويبدعوا فإنّ البقاء لعوامل البناء لا لمعاول الهدم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- كاريكاتورية لافتات -أنا محمد-
- انتبهوا...أنهم يسرقون الله
- كلاب الله


المزيد.....




- غندور: امريكا لم تطلب منا ابعاد الاخوان المسلمين
- علماء مسلمون يدعون لمواجهة التطبيع مع إسرائيل
- علماء مسلمون يدعون إلى مواجهة كافة أشكال التطبيع مع إسرائيل ...
- عبد الهادي الحويج لـRT: من حق سيف الإسلام القذافي الترشح للا ...
- جماعة الإخوان المسلمين تصدر بيانا بشأن عملية الواحات وتهاجم ...
- مدير جامعة الإمام السعودية: «الإخوان» مدلسون وأنهينا تعاقد ا ...
- خطيب المسجد الأقصى لـ«الشروق»: رعاية مصر للمصالحة بين «فتح» ...
- سقوط صاروخين بكابل وارتفاع قتلى هجومي المسجدين
- ‎خلافات بين أقباط مصر في الداخل والمهجر حول استفتاء تقرير ال ...
- رابطة العالم الإسلامي: مجمع الملك سلمان للحديث النبوي يحرس ا ...


المزيد.....

- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- الوصاية على الدين الإسلامي و احتكار الحقيقة ... / محمد الحنفي
- لا عدالة و لا تنمية في خطاب العدالة و التنمية / محمد الحنفي
- هل من الدين الإسلامي إزعاج الأطفال، والمرضى، والعجزة، بالمبا ... / محمد الحنفي
- متى نصل فعلا إلى تحقيق: أن الدين شأن فردي... / محمد الحنفي
- الإسلام و التعبير عن الاصطفاف الطبقي بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- كيف يرد المثقفون الدين؟ بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- اليسار الديمقراطية العلمانية بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- بحث في الإشكاليات اللغوية في القرآن / عادل العمري
- النزعة مركزية الإسلامية / عادل العمري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين سليماني - إنه الفن يا كلاب الجحيم