أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محمود محمدياسين - محمد أحمد محجوب وإرث عبد الناصر















المزيد.....


محمد أحمد محجوب وإرث عبد الناصر


محمود محمدياسين
الحوار المتمدن-العدد: 5466 - 2017 / 3 / 20 - 03:51
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


توطئة
ينظر هذا المقال فى أراء السياسى والدبلوماسى السودانى محمد أحمد محجوب حول بعض الجوانب الأساسية لسياسات جمال عبد الناصر خلال حكمه لمصر. وقد جاءت هذه الآراء ضمن تقويم مكثف لفترة حكم ناصر فى كتاب محجوب "الديمقراطية فى الميزان-مطبعة العملة،2005". والمقال محاولة تتناول هذه الاراء من وجهة نظر أخرى كما سيجرى شرحه.

بعد أن هجر المسار الوظيفى الذى تدرب عليه فى كلية غردون التذكارية كمهندس مدنى وكقانونى لاحقاً، إنخرط محمد أحمد محجوب فى العمل السياسى حيث لعب دوراً كبيراً فى النشاط السياسى والدبلوماسى الذى قاد إلى جلسة البرلمان فى 19 ديسمبر 1955 التى تم فيها الإعلان عن نهاية الإحتلال البريطانى للسودان وتحوله لدولة مستقلة ذات سيادة تامة. وفى الفترة التى أعقبت السيطرة الإستعمارية المباشرة، ومن منطلق مناصب وزير خارجية ورئيس وزراء السودان خلال السنوات (1956-1969)، كان لمحجوب نشاطاَ دبلوماسياً بارزاً على المستويين العربى والأفريقى فى ظروف إتسمت بالإضطرابات السياسية العاصفة والحروب والإنقلابات العسكرية. ولعل محجوب بلغ بفعالية النشاط الدبلوماسى السودانى )كنشاط إحترافى( ذروة لم يتكرر مثلها فى السودان خلال حقب الحكم المدنى والعسكرى التى أعقبت فترة عمله.

إن محجوب يمثل المثقف الذى، إثر إضمحلال مؤتمر الخريجين العام، تردد فى الإنخراط عضواً فى أحد الحزبين الطائفيين المسيطرين على الساحة السياسية، الأمة والإتحادى، قبل أن ينضم للأول. فكان للمحجوب موقفاً مناوئاً للطائفية، وقد ذكر د. محمد إبراهيم أبو سليم، فى مقال له، أنه في سنة 1950 تبنى محجوب ” فكرة جبهة تحرير السودان لتعمل على اسقاط الطائفية والامبريالية ....... وقد تخوفت الادارة الانجليزية من نجاح المحجوب في هذا المسعى لانها رأته مؤهلاً لقيادة حزب للمثقفين بعيداً عن نفوذ الطائفية. وبالفعل حاول ... المحجوب واحمد يوسف هاشم وصالح عبد القادر ... انشاء هيئة تحرير السودان ونشرت السودان الجديد مقالات (لمحجوب) تدعم هذا الاتجاه مركزاً على الفصل بين السياسة والطائفية. وقد هاجم المحجوب الطائفية فى أول اجتماع للهيئة.“- د. محمد إبراهيم أبو سليم : "محمد أحمد المحجوب حليفاً لحزب الامة".

إنضم محجوب لحزب الأمة فى عام 1956 وكتب فى "الديمقراطية فى الميزان" فى تبرير تلك الخطوة قائلاً لأن ” سياساته تتوافق مع قناعاتى الشخصية"؛ ولم يذكر محجوب ماهية تلك القناعات التى دفعت به للسير فى ركاب الطائفية. ولعل دعوة حزب الأمة الى الإستقلال الكامل عن بريطانيا صادفت قناعة محجوب الراسخة بفكرة السودان المستقل والتى عبر عنها فى مقالات فى مجلة "الفجر" خلال ثلاثينيات القرن الماضى تحدث فيها عن "كيان السودان المستقل". كما نلاحظ أن المنطلق الفكرى البراغماتى البحت حجب نظر كثير من السودانيين، فى الفترة التى إشتد فيها النضال من أجل إستقلال بلادهم، عن جوهر طبيعة الدعوة الإستقلالية لحزب الأمة وأن الديناميات السياسية التي إرتبطت بها تشير الى دوافع أبعد من ظاهرها كدعوة وطنية صرفة.

لكن موقف محجوب المناهض للطائفية فى بدايات نشاطه العام والنزعة البراغماتية التى إتسم بها نشاطه الوزارى الدبلوماسى بعد الإستقلال ظلت تتناقض مع الميول المتعصبة والمنغلقة للجهة الطائفية التى إختار الإنضمام لحزبها. ولهذا وكإدراك متاخر (hindsight) نجد محجوب يكتب فى "الديمقراطية فى الميزان" داعياً "الأجيال الطالعة"، كما سماها، إلى "ضرورة التخلص من الطائفية والقبلية." وربما كانت المشاغبات الصبيانية الرعناء التى مورست ضده بغرض إزاحته من رئاسة الوزارة فى 1966، قبل أن يعود اليها إثر إسقاط حكومة الصادق المهدى 1967 عبر سحب البرلمان الثقة منها، جعلته يدرك عن كثب بدائية عمل الطائفية وتعصبها الأعمى المتمثل فى عدم إستنادها الى أى معايير مبدئية فى المضمارين الفكرى والتنظيمى لحزبها الطائفى.

——————————
المقال
جمعت محجوب كوزير خارجية للسودان صلة قوية بجمال عبد الناصر على المستويين العام والشخصى من خلال ممارسته النشاط الدبلوماسى بإشتراكه فى إجتماعات القمة العربية التى جمعتهما معاً، ولاحقاً عبر إتصاله المباشر، عندما كان رئيساً لمجلس الوزراء، بالقائد المصرى.

أراء محجوب حول ارث عبد الناصر السياسى الواردة فى هذا الجزء من المقال مأخوذة كلها من كتاب "الديمقراطية فى الميزان" السابق ذكره والذى يتناول فيه مذكراته فى فترة إشتغاله بالعمل العام.

ذكر محجوب أن جمال عبد الناصر عندما جاء الى الحكم ” كانت له أربعة أهداف فشل فيها جميعاً هى:
أ- تحرير مصر من الحكم والنفوذ الأجنبيين.
ب_ رفع جاهير المصريين عن مستوى الوجود الذى فرضه عليهم أسياد الزراعة والصناعة والباشوات والأجانب المتعاونون معهم.
ج- تشجيع الوحدة العربية وتحقيقها.
د- تحرير أرض فلسطين الضائعة وإسترجاعها.“

حول الهدفين (أ) و (ج) يذكر محجوب أن عبد الناصر، فيما يخص تحرير مصر من النفوذ الأجنبى، خلص مصر من إحتلال بريطانى دام اربعة وسبعين عام وإستبدله بوضعه فى البلاد عشرين ألف روسى من الخبراء والمستشارين العسكريين، كما " اورث بلده ديناً وطنياً قدره ثلاثة آلاف مليون جنيه"؛ وحول الوحدة العربية فإن عبد الناصر فى يوم وفاته ترك النزاعات بين الدول العربية فى أوجها ما جعل الوحدة بينها " تبدو أبعد من أى وقت مضى."

سيكون تركيزنا هنا على اراء محجوب حول هدف مسعى عبد الناصر رفع المعاناة عن كاهل الشعب المصرى وسياساته المتعلقة بالقضية الفلسطينية (النقطتين ب و د)، بغرض نقل المضامين التى تضمنتها تلك الاراء إلى مرحلة أعلى بقراءتها قراءة مادية.

وستكون القراءة موجزة ومحصورة فى الاساس النظرى (المجرد) للاراء تحت النظر وليس التعرض للاساس الإجتماعى الذى أنبتها ولا التوسع فى النتائج الامبريقية جراء تطبيقها.

إن الدعاية الناصرية إعتبرت أن الإصلاح الزراعى فى مصر ( 1952و 1962) يمثل قمة جهود ناصر فى تحسين اوضاع الشعب المصرى الإقتصادية. وفى هذا الصدد يقول محجوب عن الإصلاح الزراعى إنه قد ” اعطى ملكية الأرض لعدد من المصريين بعد قرون من الإقطاع، ولكنه قسم الأرض الى قسائم صغيرة فأصبح من الصعب إستعمال الوسائل الآلية او الاسمدة الصناعية بصورة فعالة“، ويمضى قائلاً أن مساحة قسيمة الأرض التى أعطيت للفلاح بلغت خمسة أفدنة وأن ” الفلاح الفقير علاوة على فلاحة ارضه وبيع محصوله،...يقوم بمهمة التفاوض الشاقة مع البنوك...من أجل التمويل“ ...وإن ” إفتقاره الى الخبرة بالإدارة الزراعية.. أدى الى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعية وضعف المحصولات.“ ويختتم محجوب قائلاً من الصعب تقدير ” الضرر الذى لحق بالدخل القومى المصرى أو بدخل الفرد فى برنامج الإصلاح الزراعى الغير الصحيح.“

إن االمشاكل الإدارية التى يخلقها تقسيم الأرض الى حيازات صغيرة التى أوردها محجوب هى إشارات صحيحة لطبيعة إصلاح ناصر الزراعى؛ لكن إذا انعمنا النظر فى الإصلاح الزراعى المصرى من منصة أعلى من التحليل العلمى نجد أن الاصلاح لم يكن اجراءً كليا لإخراج مصر من وضعها المتخلف كدولة فرضت عليها التبعية وضع الدولة الزراعية، ولم يكن وليداً لتوجه آيديولوجى معين للضباط الذين صعدوا للسلطة آنذاك. ففى ذلك الوقت ( بعد الحرب العالمية الثانية و إنحسار السيطرة الإستعمارية المباشرة) ساد الرأى فى الدول النامية أن تحقيق النهضة الإقتصادية يكمن فى الإستغلال الأمثل للزراعة وإحلال الواردات لدعم الصناعات الوطنية. وحتى فى زمن الإستعمار المباشر فقد قام اللورد كرومر المندوب السامى البريطانى فى مصر ببعض الإصلاحات فى الريف المصرى فى إطار سياسة إنجلترا االخاصة بالسيطرة على مصر والإحتفاظ بها كمزرعة لها. إن الإصلاح الزراعى المصرى جاء فى هذا المناخ وكان واحداً من الإصلاحات الزراعية التى شهدتها فى تلك الفترة عدة دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان وإيران..

رغم إيجابيته الهائلة فى ازاحة طبقة الإقطاعيين (الباشوات الأرستقراط) من الساحة، الا أن الإصلاح الزراعى المصرى لم يكن معالجة جذرية للمسالة الزراعية بمعناها التاريخى وهو القضاء على الإقطاع والتحول الى نظام الإنتاج الرأسمالى؛ فالمثال الكلاسيكى لهذ التحول هو التجربة الأوربية ومنطقيته هى تعميم نظام الإنتاج السلعى بفصل المنتجين الريفيين عن وسائل الإنتاج و تحويل قوة عملهم الى سلعة.

إن الأرض التى قسمت بحكم قانون الإصلاح الزراعى المصرى مثلت جزءاً يسيراً من المساحة الكلية للأرض؛ وكان عصب الإصلاح الزراعى هيمنة الدولة على الإنتاج الزراعى عن طريق تأسيس جمعيات تعاونية تحتكر مستلزمات الإنتاج الزراعي وتسويق الإنتاج. والجدير ذكره أن أصحاب الملكية العقارية المتوسطة لم تُمس ملكياتهم وهم من سيحل محل الباشوات فى صورة فئة من أغنياء الريف الجدد تدخل فى تناقض عميق مع فقراء المزارعين وتخضع العمال الزراعيين (أغلبية سكان الريف) لإستغلال شبه إقطاعى.

وفى هذا المنحى نشير الى أن الإصلاح الزراعى المصرى لم يكن مجرد إجراء خاطئاً، بل إصلاحاً تم فى إطار علاقات النظام القديم الذى حلت السلطة الجديدة محله، وكما مر فإن فكرته كانت موجودة فى أجندة بعض القيادات السياسية المطاح بها، ولم يكن برنامجاً لحل المسألة الزراعية. كما أن تقسيم الأرض لا يؤدى الى النهضة الإقتصادية فى الدول المتخلفة. الحل لايكون فى تقسم الأرض؛ فمفهوم الإقطاعية نفسه مرتبط بتقسيم الأرض والثورة البرجوازية كان من صميم عملها فى القضاء على الإقطاعية هو كنس نظام تقسيم الأرض الإقطاعى عن طريق تاميمها قبل توزيعها الى ملكيات عقارية راسمالية... ولكن عدم حل المسالة الزراعية، بمعنى الإنتقال للراسمالية هى مسألة مستحيلة فى ظل التبعية التى تعانى منها الدول المتخلفة، فالدول الإستعمارية االكبرى لا تسمح لإقتصاديات الدول الطرفية الا أن تكون على شكل رأسمالية مشوهة (distorted). وهذا الوضع لن يغيره الا تحقيق الطبقات الشعبية لنفسها تمثيلاً فى السلطة السياسية يعكس وزنها ليس كاكبر قوى فى البنية الإجتماعية بل الأقدر على إنجاز التغيير الجذرى. والجدير بالملاحظة أن صراع النظام الناصرى مع االدول الغربية لم يكن موقفاً أصيلاً فى مناهضة التبعية بل أملته ديناميات سياسية محددة جعلت النظام يتجه ليكون تابعاً (satellite) للإتحاد السوفيتى السابق. فالإتحاد السوفيتى مد مصر بقروض مشروطة ومنها ضرورة إتباع الدائن لسياسات التقشف.
——————————

وحول رفع المعاناة عن الشعب روج ناصر لما سُمى بالإشتراكية العربية لتحقيق المساواة والعدالة ، يقول محجوب ” كان ناصر أول من دعا الإشتراكية العربية "علمية" وربما كان آخر من يفعل ذلك. إن الإشتراكية إما علمية –وهى فى هذه الحالة ماركسية – أو يتوبيه، وفى راىّ أن إشتراكية ناصر العربية ليست هذه ولا تلك. بل كانت مجرد ذريعة سيطرت على ناصر فى بحثه عن عقيدة صحيحة منذ السنوات الأولى.“

قبل تقديم قراءتنا لرأى محجوب فى إشتراكية ناصر، نذكر إن الإشتراكية العربية جاءت فى مرحلة لاحقة من تاريخ نظام ناصر. فعند إستلام الضباط الأحرار السلطة عن طريق الإنقلاب العسكرى فى 1952 كان توجههم إجراء إصلاحات وخاصة فى الجيش وعرفت حركتهم فى البداية ب "الحركة المباركة" و"الحركة التصحيحية" وحركة النهضة المصرية". ثم تقلبت حركة الضباط الأحرار فى عدة تنظيمات سياسية: "هيئة التحرير- 1953 و" الاتحاد القومي-1957" و"الإتحاد الإشتراكى العربى-1962." جاء تاسيس الإتحاد الإشتراكى العربى فى الزمن الذى صارت فيه الإشتراكية والماركسية فى العالم "موضة". ففى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت الإشتراكية العربية (عفلق، ناصر..) والإشتراكية الافريقية (نكروما، نايريرى..) وإشتراكية المارهين (marhaenism) فى اندونيسا سوكارنو ولاهوت التحرير ( الماركسى!) فى أمريكا الجنوبية.

وجدت السلطة العسكرية المصرية فى شعار الإشتراكية ضالتها لدغدغة مشاعر جمهور العمال الذين، للمفارقة، كان نظام الحكم فى تناقض عميق معهم أكبر مظاهره حل تنظيماتهم النقابية المستقلة وتحويلها إلى تنظيمات تابعة للدولة. وتبع (إعلان) ناصر للإشتراكية قيامه بإجراءات تاميم بعض المؤسسات الخاصة الاجنبية والوطنية. ولم يتم قرار تاميم الشركات الاجنبية فى إطار خطة وطنية محددة لفك التبعية لراس المال العالمى.

وجدت إشتراكية ناصر دفعاً كبيراً من النخب اليسارية؛ ونشير هنا الى أن رد فعل بقايا الشيوعيين المصريين، الذين نجوا من إعدامات ناصر حتى إعلان إشتراكيته العربية، هو الكتابة من داخل السجون فى تأييد النظام والإشادة بقرارات التاميم بتجاهل تام لطبيعة راس مالية الدولة التى آلت لها الشركات المؤممة. وتماهياً مع هذا الموقف الغير ماركسى نذكر أن السكرتير العام الأسبق لجماعة الحزب الشيوعى السودانى، عبد الخالق محجوب، اجرى دراسة موجزة عن الاشتراكية العربية تضمنها كتيب صغير بعنوان "المدارس الإشتراكية فى أفريقيا“ وهى دراسة تفتقر للتحليل النقدى العلمى وتتوصل لأحكام مبنية على تصورات ذاتية حول ما يسمى بالاشتراكية العربية تصل الى نتيجة أن الثورة المصرية سارت ” فى طريق النظرة العلمية..“ وان ” التجربة الفريدة التى يجب متابعتها هى أن الثورة الإشتراكية فى مصر تاتى من أعلى ودون تنظيم سياسى سابق.“!

لكن ماهى علمية إشتراكية ناصر. الإجابة عند ناصر نفسه الذى عرض مفهومه الخاص عن الاشتراكية كلآتى: ” إن اشتراكيتنا علمية .. قايمة على العلم وليست قايمة على الفوضى .. البنعمل فيه ده مهواش أبدا اشتراكية مادية .. مقلناش ان احنا اشتراكية مادية .. ومقلناش إن احنا اشتراكية ماركسية .. ومقلناش ان احنا خرجنا على الدين .. بل قلنا إن الدين بتاعنا دين اشتراكى.“ أليس هذا كلاماً شعبوياً، طابعه الديماجوجية، يخاطب عاطفة الجمهور ويتملقها، إذ ما معنى إشتراكية قائمة على العلم وليس على الفوضى؛ فهذا الرأى السطحى حول الإشتراكية لا يقدم نقداً أو تفسيراً فكرياً (intellectual) لعلمية الإشتراكية مقابل التفسير الذى يعتبرها مبنية على الضرورة الإقتصادية والقوانين الطبيعية لتطور المجتمع.

نواصل مع محجوب ونشير الى أن وصفه فى مؤلف " الديمقراطية فى الميزان" لإشتراكية ناصر بانها ليست علمية صحيح وإن كان الكاتب قد قدمه بدون التوسع فى شرحه. فالإشتراكية تكتسب علميتها من الاساس المادى الذى تقوم عليه: فمن الناحية الإمبريقية (النشاط السياسى) فهى إنعكاس فى عقول البشر للتناقض الرئيسى فى الراسمالية: التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الانتاج، وبالتالى فهى ليست وليدة الفكر الفلسفي التأملى. وفى جانبها النظرى فهى إمتداد للمادية الجدلية التى إكتشفت أن الإشتراكية تنبثق من العلاقات الواقعية وليس من الرغبات الذاتية كما صورت الافكار الطوبائية الحالمة. فالإشتراكية العلمية تعتبر أن الإنتاج الراسمالى تسيره قوانين موضوعية (قانون القيمة وفائض القيمة) وهو مرحلة تاريخية عابرة يزيل تناقضه الاساسى الصراع الطبقى بين العمل الماجور ورأس المال.

إن مشكلة الإشتراكية العربية (ورصيفاتها من الإشتراكيات التى مر ذكرها) ليست فى عدم طوباويتها كما ذكر محجوب، فهى طوباوية بمعنى تروجيها الى أن حل متناقضات المجتمع يمكن حلها بجعلها تتعايش مع بعضها البعض وليس عن طريق صراعها وبالتالى إنتصار القوى الإجتماعية التى تحمل الجديد. كما أن قدم أخيل فيها ككل الاشتراكية الطوباوية هو إعتبار أن الاستغلال يتم على مستوى التوزيع، واحسن تعبير عن هذا هو رد الاشتراكى الفابى الكاتب برنارد شو على سؤال أحدهم له عن رأيه في الإقتصاد العالمى بقوله: ” الإقتصاد العالمى غزارة في الإنتاج مثل لحيتى الكثيفة، وسوء في التوزيع كرأسى الأصلع“. ولكن القصور الاكبر فى الإشتراكية العربية (وكل إشتراكيات القرن العشرين الطوباوية) هو إعتبارها أن التغيير الاجتماعى يتم مع المحافظة على نظام الدولة وعلاقاته القديمة كما هى، وبهذا فهى تقع فى مستوى ادنى من إشتراكيات القرن التاسع عشر الطوباوية (سان سيمون، فورييه، اوين) االتى ربطت ظهور المجتمع الإشتراكى بزوال الراسمالية؛ ولكن بالطبع كان خطأ هذه الإشتراكية (إشتراكيات القرن التاسع عشر الطوباوية) هو أن تصورات أصحابها للمستقبل كانت ذاتية ولم ينظروا لحدوث المستقبل كامتداد يتناسل موضوعياً من الحاضر وليس مخططاً (blue-print-) يُصمم خارج سياق التاريخ وفوق قوانين تطور المجتمع. وبمزيد من التمعن فى الإشتراكية العربية، فنجد أن ( مخترعيها) لم يدركوا ان التغيير الإشتراكى المنشود فى حالة البلدان العربية لن يتحقق إلا بتهيئة الطريق لتحقيقه بالقضاء على التبعية وإزالة النظام القائم على العلاقات الشبه إقطاعية –الشبه راسمالية. وهكذا لم تكن الإشتراكية العربية الا برنامجا لتكريس الاوضاع القائمة من خلال التوفيق بين التناقضات فى المجتمع.

——————————
ونتحول للعرض المطول الذى كتبه محجوب عن تحركات عبد الناصر فى مجال السياسة العربية، ومنه سنركز على موقف الأخير من القضية الفلسطينية. كمدخل لموقف ناصر من القضية الفلسطينية قدم محجوب تفصيلاً لأحداث مؤتمر القمة العربى الذى عقد فى الدار البيضاء فى أيلول 1965 قائلاً ” بحثنا بصورة وافية فى الدلائل التى تنذر بتجدد الحرب. وفى ذلك المؤتمر إتفقنا على أننا ما زلنا غير مستعدين عسكرياً“، وعليه قرر المؤتمر أن الدول العربية تحتاج الى ثلاث سنوات قبل أن تتعادل مع إسرائيل عسكرياً. واللافت فى عرض محجوب لمجريات مؤتمر الدار البيضاء أن ناصر لم يكن ميالاً لحل خلافاته مع بعض الدول العربية الأخرى على الأقل من منطلق إعطاء الأولية لمواجهة إسرائيل؛ فمحجوب يذكر أن ناصر كان يعمل على إسقاط حكومة عبد السلام عارف فى العراق عبر تدبير إنقلاب عسكرى خلال فترة إنعقاد المؤتمر. كما رفض المحاولات التى جرت آنذاك لإيجاد حل لحرب مصر فى اليمن، بينما كان بعض المؤتمريين يقدمون إقتراحاً بطرد تونس من المؤتمر بحجة يمينيتها. ولكن الأخطر فى تصرفات ناصر هى عدم إلتزامه بقرار مؤتمر الرباط فى ضرورة رفع إمكانات الدول العربية القتالية قبل مواجهة إسرائيل.

ذكر محجوب أن نشوب حرب حزيران 1967 بين مصر وإسرائيل حدث على غير ما إتفق عليه القادة العرب فى مؤتمر الرباط وإن ” إهمال ناصر لذلك الإتفاق فقد كان السبب المباشر لأكبر هزيمة محطمة فى التاريخ العربى الحديث.“

وفى ساعة الخطر كانت قوى الدفاع المصرى مكشوفة، وربع جيشها على الأقل فى الجهة المقابلة من شبه جزيرة العرب يقاتل فى حرب عربية داخلية. دمرت معظم مطارات مصر الحربية وطائراتها العسكرية وهى جاثمة على الأرض؛ واحتلت خمس مساحة مصر واغلقت قناة السويس وخسرالاردن الضفة الغربية وفقدت سوريا مرتفعات الجولان... أما على الصعيد الدبلوماسى الدولي فصدر قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار بدون إدانة إسرائيل كإقرار دولى باحتلال إسرائيل أراضي مصرية. وتوسعت مساحة إسرائيل بما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف مساحتها قبل الحرب مما وفر لها موانع جغرافية طبيعية مثل مرتفعات الجولان ونهر الأردن وقناة السويس وتوسيع قدرتها على المناورات العسكرية .

وأبعاد الهزيمة المنكرة تتضح من ما ذكره ناصر لمحجوب: ” فى 9 حزيران .. لم يكن بين الإسماعيلية وبيتى سوى بضع مئات من الجنود. ولو أرادت القوات الإسرائلية دخول القاهرة لاستطاعت ذلك.“

ويمضى محجوب قائلاً أن عبد الناصر كان يعلم حتمية الحرب و” أيضاً متى وكيف ستقع“!! ولكن وقعت الهزيمة لأن القادة العسكريين لم ينفذوا أوامره بإبقاء ثلث طائراتهم فى الجوء طوال الوقت فى الفترة الى سبقت الحرب، بالإضافة الى أن القوات ” لم تحصل على أكثر من 15 فى المئة من التدريب.“ تلك كانت أسباب الهزيمة بحسب القائد الأعلى كما ذكرها لمحجوب فى أحد لقاءاتهما!!

إن حرب حزيران 1967 تطرح عدة أسئلة...لماذا أهمل ناصر قرار القمة العربية بتجنب الحرب قبل الإستعداد لها؟ لماذا لم يقم بالضربة الأولى كما نصح بذلك القائد العام للقوات المسلحة المصرية ووزير الحربية المشير عبد الحكيم عامر بالضربة الاولى الذى أصر على الهجوم على إسرائيل قبل أن تبدأه هى. وهل كان تحميل عبد الحكيم عامر المسئولية العسكرية والسياسية الكاملة مسألة منطقية؟ فناصر هو الذى أعلن الحرب على إسرائيل بطلبه إخلاء قوات الأمم المتحدة من سيناء وقطاع غزة التى كانت تراقب وقف إطلاق النار بين إسرائيل ومصر منذ 1957، وإعلانه إغلاق مضيق تيران أمام السفن الإسرائيلية. وهكذا إتخذ ناصر كل خطوات إعلان الحرب ما عدا الإحجام عن توجيه الضربة الأولى لإسرائيل. كما كانت قرارات ناصر ذريعة إسرائيل للهجوم على مصر (casus belli).

إذا طرحنا جانباً مسألة أن جهود الدول العربية لحل النزاع مع إسرائيل لن يكتب لها النجاح إذا لم يجرى الإعتراف بان هذا الأمر يتوقف أولاً وأخيراً على الشعب الفلسطينى وأساليب النضال التى يختارها، نجد أن هزيمة حزيران 1967 ترجع لشعبوية ناصر التى عكستها خطبه النارية حول تدمير إسرائيل وإستخفافه بالغرب. فقد ذكر ناصر قبل أيام من وقوع الحرب فى مؤتمر صحفى- على حسب ما جاء فى مذكرات محجوب- أن مصر لا تواجه إسرائيل بل الغرب الذى خلق إسرائيل؛ كما تكلم فى جلسة لمجلس الأمة المصرى قائلاً ” إذا إستخفت البلاد الغربية بنا علمّناها كيف تحترمنا“، ثم محذراً الولايات المتحدة أو أى دولة أخرى بأنه فى حال تدخل بلد فى الحرب بين الدول العربية وإسرائيل فإنه سيغلق قناة السويس. وكشفت الهزيمة عن السمات الغير ديمقراطية للنظام الناصرى، فوراء الديمقراطية الشكلية للحكم (مجلس الأمة) تركزت كل سلطات الدولة فى دائرة صغيرة وسلبت الجماهير الشعبية من التمثيل الحقيقى فى أجهزة الدولة؛ وهكذا غابت الفعالية الديمقراطية التى ما كان لقرار الحرب العبثى، أو الذى تم لأى أهداف أخرى، أن يُتخذ.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- الاشتراكي لينين مورينو يؤدي اليمين رئيسًا للإكوادور
- عضو اللجنة العامة في المؤتمر الشعبي العام في اليمن يزور مقر ...
- الرفيق فريد العليبي : حول إيقاف بعض رجال الأعمال
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية تنعي المرحوم المناضل ناصر عب ...
- الرئيس البرازيلي ينشر الجيش في العاصمة بعد اشتباكات عنيفة بي ...
- القاهرة تفرج بكفالة عن خالد علي وتستمر بمحاكمته
- الرئيس البرازيلي ينشر الجيش بعد اشتباكات بين الشرطة ومتظاهري ...
- #للتحرير_جمول_دربي
- عميد أسرى معتقل الخيام الرفيق سليمان رمضان أثناء تحرير أسرى ...
- مكناس//مرة اخرى القضاء الطبقي يصدر أحكاما جائرة في حق معتقلي ...


المزيد.....

- هل يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد؟ / التيتي الحبيب
- موضوعات حول المادية التاريخية الحلقة الثانية / الشرارة
- حركة التحرر الوطني: طبيعتها وأزمتها / مهدي عامل
- حول الإمبريالية وروسيا الإمبريالية (1-2) / سلامة كيلة
- هل الاشتراكية أوروبية الطابع؟ / نيفديتا ماجومدار
- ربيع أمريكي ضد -الترمبية-: نظرية ما بعد الحقيقة / أحمد جرادات
- شبح الماديّة / تايبور روتار
- مفهوم - الانسان الكامل- لدى ماركس / ثامر الصفار
- مهام منظّمات الحزب القاعدية - الفصل الحادى عشر من كتاب -المع ... / شادي الشماوي
- في أهمية و راهنية عمل لينين عن الدولة / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محمود محمدياسين - محمد أحمد محجوب وإرث عبد الناصر