أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - أمين نور - الثورة الدينية المضادة، حزب البعث، و العداء للكلمة و الحرية















المزيد.....

الثورة الدينية المضادة، حزب البعث، و العداء للكلمة و الحرية


أمين نور
الحوار المتمدن-العدد: 5465 - 2017 / 3 / 19 - 17:32
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


كان حكم البعث دوماً نسخة نموذجية للسلطة القمعية البشرية الحديثة, فألّه الدولة, و أعطى القوة صفة المطلق, و أعطى الفرد الإنساني صفة اللاشيء, و الأهم, أتى بشرعيته من كيان غير موجود, من ميتافيزيقية جديدة ما بعد دينية. حين كان الله هو ما يشرّع السلطة في السابق, بات اليوم المشرّع هو شيء لا يقل ميتافيزيقية: “الشعب”, أو باللهجة البعثية “الجماهير الشعبية” و حتى “العروبة”.

بالطبع, فكل أولئك الذين لم يعجبوا ذوق البعثيين ليسوا محسوبين على “الجماهير الشعبية”, و ليسوا “شعباً”, و يحق للسلطة أن تسحب منهم كل حقوقهم المدنية و الإنسانية و تهينهم و تذلهم و تقتلهم و تنكل بهم و تعلق وجودهم بشكل كامل. و يمكن أيضاً للمرء أن يكون عربياً حتى لو كان كردياً أو تركمانياً أو آشورياً. أنه منطق الطغاة المعروف.

ما هي “الجماهير الشعبية” هذه إذاً؟ أحمق من يظن أن “الجماهير الشعبية” قد وجدت يوماً, إنها لا شيء, لا وجوداً موضوعياً لها, هي فكرة خيالية أساسية في غسيل دماغنا و امتصاصنا للأيديولوجيا البعثية, إنها كلمة تملأ الفراغ و حسب, و لم تكن الكلمة مهمة يوماً, و إنما الفراغ هو المهم. و أما “العروبة” فحدّث بلا حرج, و لا تستحق أن أزهق السطور في تفنيدها. إن “الجماهير الشعبية” و “العروبة” كانت دوماً ما يعطي الحزب قدرته و “مصداقيته” للوصول إلى الحقيقة, إلى الميتافيزيقيا, فهي التي تملي على الحزب المقدار المناسب من الحريات(أو اللاحريات في الحالة السورية), في خطابيات فحواها شيء من قبيل “الحرية عظيمة, لكن ليس عندما تهين الشعور القومي”, “الإسلام دين كامل, لكن ليس عندما يصبح أخوانياً إرهابياً” و ما شابه من الترهات المتناقضة التي لا معنى لها, و التي بكل لامعناها, كانت هي ما يحدد الحريات و السياسة البعثية.

إن شتم الحزب لم يكن يوماً خطراً على الحزب, بل يقال أن الأحزاب هذه تسمح عادة بحيز من الشتائم. ما كان يهين الحزب حقاً هو شتم مصدر شرعيته, و كل مصدر ميتافيزيقيٍ يعطيه وجوداً و يعلل وصوله إلى الحقيقة, و بشكل أقل كل فيلسوفٍ أو مساهمٍ فكريٍ ساهم في بناءه. لم يكن الله أحد المصادر الميتافيزيقية التي تعطي الحزب شرعيته, لذا كان بوسعك أن تشتم الله بصوت عالٍ في نصف شوارع دمشق دون أن تتحارش بك الحكومة أبداً. لكن, حاول أن تشتم الأب و الفيلسوف القائد للحزب “حافظ الأسد” بصوت خفيف في قرية ما و انظر ماذا سيحدث لك. لا تظن للحظة أنك ستُعَاقَبُ لأنك شتمت حافظاً الرئيس, أو حتى حافظاً الشخص, و إنما لأنه حافظ الفيلسوف, حافظ رمز الجماهير الشعبية, حافظ رمز العروبة. لن تعاقب بشتمك “الحكومة” لأنها الممثل السيادي للشعب, و إنما لأنها المطلق, إنها إله, إنها مصدر كلشيء.

الحكمة هنا أنك إن أردت أن تهين الحزب, فاشتم العروبة و استنقصها, و أهن “الشعب” و استحمقه, و كذا للجماهير الشعبية, و “الوحدة و الحرية و الاشتراكية”, و أنبياء الحزب, زكي الأرسوزي مثلاً. أشتم رموزه لا لأنها كلمات مشبعة و تريد أن تشفي غليلك, بل استنقاصاً من مصداقيتها الميتافيزيقية و إنكاراً لصلاحيتها و معانيها و أسباب وجودها.

ولدتْ الثورة السورية من رحم المعاناة مع هذا العبث و التراهة التي لا معنى لها. و كان من قَدَحَ الشرارة الأولى منها, أي الجيل الأول من شباب الربيع العربي, الجيل المدني التعددي—الساذج بتعدديته أحياناً— من قلائل المؤسسات التي تستطيع مس التراهة الميتافيزيقية للحزب على هذا المستوى من التجريد. فرفضت المؤسسة المدنية الثائرة في سوريا كل ما هو ميتافيزيقي, أي كل ما يعطي تبريراً ما ورائياً لممارسة السلطة, مدركة أن الميتافيزيقيا هي العنصر الأهم في الاستبداد و الطغو و التدجين. لم يرد هؤلاء الثوار الأوائل أن يبقوا عبيداً للخرافات الأيديولوجية و الإصطلاحات ذات الوقع الذي يغسل الدماغ, و كان تحررهم من الأيديولوجيا نصراً لهم, باتوا مذ يومها أحراراً حقاً, باتوا ثواراً و ليسوا مجرد معارضين. لكن, لم تكن جميع شرائح المعارضة مثلهم, بات أولئك الأولون شريحة من شرائح كثيرة مع تقدم الزمن, و بدا أن النظام البعثي متغلغل في كل تلفيفة من تلافيف المخ السوري, فلم يستطع الكثيرون التخلي عن تعلقهم بالميتافيزيقيا, لم يثوروا ضدها, و إنما طالبوا بتغيير كلمات “الجماهير الشعبية” و “العروبة” فقط. و اختار الكثيرون أن ينتقلوا من حالة عبيد إلى حالة عبيد أخرى.

تم تهميش أولئك الذين بدأت الثورة بهم, و ما بقي منهم إلا الفتات, و صعد على أكتاف “مؤسساتهم” الكثير من “الوجوه”. و أصبحت في سوريا ميتافيزيقيتان أساسيتان, الدينية, و البعثية. و هيمنت الميتافيزيقية الدينية على الثورة, و حيّدت ثورية أبنائها الحقيقية إلى “ثورية” ثانوية, إلى معارضة لا ثورة, إلى اعتمادية على أفكار بعيدة لا معنى منها, إلى وهم.

أخذت الميتافيزيقية الدينية تحاول أن تلحق بركب الميتافيزيقيا البعثية في البنية و النمو و قوة المصادر. و بدأت تسهر الليالي حرصاً على سلامة “الأمة”, و تقوم على أحوال “الرعية” , و تنافح عن صحة مصادرها المتصلة الموثقة بالـ”السلف الصالح” و غيرهم من التابعين و الصحابة و الأنبياء, و الذين هم بدورهم متصلون مع “الله”, مع المطلق.. المطلق هذا مرة أخرى.

بقي فتات المجتمع المدني الثائر موجوداً بضعف, يتحرك ببطئ, ناشطاً بلا عزم, و حُصِرَ دوره في المساهمة بالتوثيق و الإغاثة, بيد أنه لا يزال يحظى بشيء من الاحترام الثوري من الشرائح المجانبة له. و في خضم الصراع المؤلم بين الشرائح المعارِضَة, وجد “المدنيون” الأولون أنفسهم في مواجهة “المتدينين”, و على خجل و استحياء كان كل احتكاك و عراك بينهم يؤجل إلى “ما بعد النصر”, دون أن يدركوا أن سبب تأخر النصر موجود بينهم. كان المتدينون قد هيمنوا على قوة السلاح في الطرف المعارض, و بات كل تحارش سلوطي و استقوائي يُمَارَسُ من المتدينين حصراً, و جعلوا يمارسون الاستفزاز للمكونات الثورية الأخرى, و كأن وجودهم و قوتهم تعتمد على استضعاف الآخرين. صبر المدنيون, و بسذاجة التزموا بمبدأ تأجيل الخلافات لما بعد النصر—و خسروا الكثير من صفوفهم—إلّا أن بعضهم لم يستطع مقاومة ما في فمه من ماء, فأخذنا نرى بين الفينة و الأخرى تسربلات تلمّح للعداء الميتافيزيقي ضد المتدينين, و تساويهم مع الحزب البعثي.

في العدد 86 من مجلة طلعنا عالحرية الصادرة في 21 شباط 2017, و التي تنشر ورقياً في المناطق المحررة, تحديداً في الغوطة الشرقية, كتبَ الثائر شوكت غرز الدين مقالة يحتج فيها على البنية الميتافيزيقية العبثية لهذا العالم, و عبثية الألم الذي يعاني منه السوريون, و عرج إلى تعسف الدولة و الأبوية الإجتماعية و .. الله. أعِيدُ نشر ما كتبه في نهاية هذه المقالة*.

كان هذا إهانة لكل الأطراف المسلحة في سوريا. فقُضّ مضجع “رعاة” الرعية, و الساهرون على حراسة “الأمّة”, و كلمة الله على الأرض. كيف لا, و قد تمت إهانة ميتافيزيقيتهم! فكانت ردة فعلهم مثل جوهرهم, بعثية تماماً. أخذوا يتباكون كعادتهم, فهم لا يصلحون لشيء كما يصلحون للتباكي, و أتبعوا تباكيهم بالعنف, أيضاً كعادتهم, فأخذوا يدعون إلى الإغارة على مقر المجلة. ثم توصلوا إلى إغلاق المقر, و التشهير بكتّابها و ملاحقتهم كما في العصور البائدة(حيث ألصِقَتْ منشورات و عليها صور الـ”مجرمين” القائمين على الصحيفة), بل و انتقلوا لإغلاق منظمة مدنية غيرها, كأنهم يجمعون زخمهم لحملة كاملة لإنهاء الفتات المدني. و أخذ “رعاة” الرعية يبررون عنجهيتهم, قال أحمقهم: ” الحرية شعار عظيم.. قال عمر متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا..وليس من الحرية أن يتدثر بها من يطعن بالمقدسات ويعتدي على عقيدةالآخرين”.

كأنما البعث نطق بهذه الكلمات!… بل الحرية أن تهين كلشيء, مقدسات و غير مقدسات. ثم و منذ متى باتت كلمات الناس اعتداءاً و بنادق العساكر زهوراً؟. حاولَ المجتمع المدني حل المشكلة بالتوسط, و تهدئة الأحوال, و مسايرة المتعنتين المتعصبين, الذين ما تنازلوا عن ذرة من بدائيتهم إلا عندما نظروا إلى المجتمع المدني الثائر بعين المنيّة و المكرمة, هؤلاء المدنيون الذين لولاهم لما كان هناك ثورة, و لما كان هناك مسلحون متدينون بموقع السلطة.

إن هؤلاء المتدينين يدورون بمنطقهم الدائري اللامتناهي الحماقة, “ليس من الحرية أن .. “, من أين لك أن تعرف ما هي حدود الحرية؟! آه بالطبع يعرفون! فلديهم وصول حصري إلى الميتافيزيقيا التي تدلهم على هذا. إنهم لا يدّعون فقط النطق باسم الله, بل باسم الحرية أيضاً. بالطبع يعرفون الحرية و يدركونها, إنهم يحملون السلاح, إنهم أحرار و قادرون على القمع و السطو و الخطف و اللجم و التعزير و الرجم و الحرق…

كانت الثورة حرباً ضد كل مظاهر العبودية, تحت أي إسم كان, و كان المحارب في هذه الخنادق يحظى بشرف التسمية “ثائر”, كان هذا قبل أن يضيع المعنى و يتشتت, قبل أن يكون هناك “وجوه” و قبل أن يكون هناك “دعاة” أو “رعاة”. بقي بعض “الثوار” اليوم, منهم القائمون على مجلة طلعنا عالحرية, منهم شوكت غرز الدين, فليرفعوا رؤوسهم, و ليشعروا بالفخر, فمنال الحرية صعب و لا يستحقه إلا من يريد تحمله, و طريق الثائر مليء بالحروب و الجروح و الطعنات في الظهر. و إن أردت أن تختبر العبيد, فاسألهم عن الحرية. و كما وصفتُ الإهانة المثلى للبعث, لعلنا الآن بحاجة لإهانةِ ميتافيزيقيةِ المتدينين.

* المقالة المنشورة في مجلة طلعنا عالحرية المكتوبة بقلم شوكت غرز الدين.
https://aminnoorblog.files.wordpress.com/2017/03/photo_2017-03-08_19-06-51.jpg





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الدين و الثورة
- حلب: نهاية حقوق الإنسان
- الاختناق
- -جهاد النكاح- كذبة و تسخيف للقضية و الكفاح العلماني
- الهوية و الماضي
- الهوية و ظاهرة خلع الحجاب
- سوريون و لسنا عرباً
- أين أودت الثورة السورية الجيل الأول من شبابها
- أسوء أجيال مرت على سوريا و العرب
- أخلاقيات المصورين الإغاثيين
- اكتئابات شباب بلا شمس
- قصة وجودية قصيرة تنتقد سوريي المهجر بعنوان -عبد القادر السور ...
- الثورة السورية و استحقاق ثوراها للحضارة بشجاعة أو الجبن و خس ...
- نظرة توفيقية بين التيار الإلحادي و الإسلام العربي
- في تسويق الأمثال العربية و الدينية للكسل و الانحطاط و تغييب ...
- في تسويق الأمثال العربية و الدينية للكسل و الانحطاط و تغييب ...
- في تسويق الأمثال العربية و الدينية للكسل و الانحطاط و تغييب ...
- عن -تأملات في الثورة الفاضلة- كتابٌ قصير لشاب صغير


المزيد.....




- سلامات ابو خلدون.....المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي
- الشبيبة الشيوعية اليونانية تكرس مهرجانها ال43 للذكرى المائة ...
- البروليتاريا والترويج الرأسمالي
- صدامات جديدة بين متظاهرين والأمن المغربي في الحسيمة
- بالفيديو.. صدامات بين قوات الامن ومتظاهرين في الحسيمة شمالي ...
- ستالين وبوتين وبوشكين أبرز شخصيات روسيا
- ناشطون: الأمن المغربي يفرق متظاهرين بقنابل مسيلة للدموع
- النقابي المستقل: لاقرار سلسلة عادلة باعطاء 121% للجميع لتعوي ...
- أية تسوية سياسية الآن ستكون أسوء من اتفاقية أوسلو
- صاروخ من غزة يسقط غربي النقب


المزيد.....

- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 ) / عمرو إمام عمر
- حوار مع نزار بوجلال الناطق الرسمي باسم النقابيون الراديكاليو ... / النقابيون الراديكاليون
- حول مقولة الثورة / النقابيون الراديكاليون
- كتاب الربيع العربي بين نقد الفكرة ونقد المفردة / محمد علي مقلد
- الربيع العربي المزعوم / الحزب الشيوعي الثوري - مصر
- قلب العالم العربى والثورات ومواجهة الإمبريالية / محمد حسن خليل
- أزمة السلطة للأناركي النقابي الروسي الكسندر شابيرو - 1917 / مازن كم الماز
- تقريرعن الأوضاع الحالية لفلاحى الإصلاح الزراعى بمركزى الرحما ... / بشير صقر
- ثورات الشرق الاوسط - الاسباب والنتائج والدروس / رياض السندي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - أمين نور - الثورة الدينية المضادة، حزب البعث، و العداء للكلمة و الحرية