أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد السلام أديب - في ذكرى رحيل كارل ماركس















المزيد.....


في ذكرى رحيل كارل ماركس


عبد السلام أديب
الحوار المتمدن-العدد: 5461 - 2017 / 3 / 15 - 09:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يخلد العالم اليوم الثلاثاء 14 مارس 2017 الذكرى 134 على رحيل العالم والفيلسوف والاقتصادي والسياسي الثوري الرفيق كارل ماركس الذي رحل في مثل هذا اليوم من سنة 1883. لنعيد إذن تركيب رؤيتنا وتقييمنا لأعمال هذا الرجل التي استطاعت تخليد ذكراه.

في ملحق بمقدمة كتابه مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي يقدم كارل ماركس وجهة نظره في الفن عموما وفي الفن الاغريقي على وجه الخصوص، فيقول في هذا الاطار:

" المعروف بالنسبة إلى الفن أن فترات مزدهرة معينة لا تتطابق على الإطلاق مع التطور العام للمجتمع، ومع القاعـدة المادية التي يقوم عليها أو مع هيكل بنيانه إن صح القول. ومثال ذلك الإغريق بمقارنتهم مع المحدثين أو مع شكسبير فبالنسبة إلى أشكال معينة من الفن، الشعر الملحمي مثلا، فإن المسلم به أنها لن تخلق في ظل شكلها الكلاسيكي منذ أن يظهر الخلـق الفني في ذاته؛ ومن ثم ففي ميدان الفن نفسه لا يكون في الإمكان وجود إبداعات كبرى معينة إلا في مستوى يقل عن التطور الفني. فإذ صح هذا بالنسبة إلى الفئات الفنية المختلفة في نفلس ميدان الفن، فلن ندهش كثيرا أن نقرره في العلاقات بين ميـدان الفن في مجموعة وبين التطور العام للمجتمع. وتنحصر الصعوبة فقط في تنظيم هذه التناقضات. فمنـذ أن يجري تحديـدها وتخصيصها فإنها تصبح واضحة. لنأخذ مثلا علاقة الفن الإغريقي ومن بعده بوقت طويل فن شكسبير مع الفن الحالي. فـنحن نعلم أن الميثولوجيا لم تشكل ترسانة الفن الإغريقي فحسب، وإنما كانت تشكل أيضا القاعدة بأسرها التي يقوم عليهـا. فهـل تصور الطبيعة والأحوال الاجتماعية التي ألهمت أجيال الإغريق ومن ثم ألهمت فنهم، نقول هل يتفق هذا التصور مع الآلات الأوتوماتيكية والسكك الحديدية والقاطرات والتلغراف الكهربائي؟ ما الذي يستطيعه فولكان ضد روبرتس وشـركاه، وجـوبيتر ضد مانعة الصواعق، وهرمس ضد الائتمان على المنقول؟ كل ميثولوجيا باطلة تسيطر على قوى الطبيعة في الخيال؛ ومنذ أن يسيطر الإنسان حقيقة على الطبيعة تختفي الميثولوجيا . ماذا تصبح فاما Fama إلى جانب دار الطباعـة؟ إن الفـن الإغريقي يرتكز على الميثولوجيا اليونانية، بمعنى أن الخيال الشعبي، وهو فني بطريقة لا شعورية، (بما في ذلـك جميع العناصر الموضوعية، ومن ثم أيضا المجتمع). فلم يكن في الإمكان أبدا أن تصلح الميثولوجيا المصرية قاعدة يقوم عليها الفن الإغريقي أو أن يستمد منها جذوره. إن أي مجتمع كان يستبعد كل علاقة ميثولوجية مع الطبيعة وبالتالي يتطلب من الفنان خيالا مـستقلا عن الميثولوجيا، هذا المجتمع لم يكن في إمكانه أن يصلح قاعدة يقوم عليها الفن الإغريقي.

ومن جهة أخرى: هل كان في الإمكان أن يظهر أشيل في عصر البارود والرصاص؟ وهل كان في الإمكان أن تظهر الإلياذة في عصر فن الطباعة وآلات الطباعة؟ ألم تكن أغاني الإلهات لتصمت أمام حرص الصحافة؟ ألـم تختـف الـشروط اللازمة للشعر الملحمي؟

غير أن الصعوبة لا تنحصر في أن نفهم أن الفن الإغريقي والشعر الملحمي يعتمدان على أشكال معينة مـن التطور الاجتماعي. إن الصعوبة تنحصر في فهم السبب الذي من أجله لا يزال يزودنا بمتع فنية والسبب الذي من أجله لا نزال نعتبرها إلى درجة معينة، كمعيار ونموذج يستحيل الوصول إليهما.

لا يستطيع الرجل أن يصبح طفلا مرة أخرى، أو على الأقل لا يستطيع العودة إلى الطفولة. ولكن ألا يتـذوق سـذاجة الطفل، وألا يحاول في مستوى أعلى أن يعيد خلق الحقيقة، وألا يرى من جديد في طبيعة الطفل وفي كل عصر، طابعا معينا وحقيقيا بالطبيعة؟ فلماذا لا يكون للطفولة الاجتماعية للبشرية في أجل ازدهارها، سحرها الخالد، كمرحلة انتهت إلى الأبد؟ هناك أطفال أسيئت تربيتهم، وهناك أطفال ناضجون قبل الأوان. وإلى هذه الفئة ينتمي عدد طيب من شعوب العصر القديم. كان الإغريق أطفالا طيبين. ولا يبدو سحر فنهم في نظرنا متناقضا على المستوى البدائي للمجتمع الذي نشأ على أساسه هذا الفـن. إنه بالعكس الثمرة ويوجد مرتبطا ارتباﹰطا لا انفصام له، بحقيقة أن الظروف الاجتماعية التي أستمد – واستطاع هو وحده أن يستمد – منها جذوره، التي انتهت إلى الأبد."

يربط كارل ماركس هنا نشأت التعبيرات الفنية في كل عصر بمحيطها البيئي الذي نشأت وترعرعت فيه الشيء الذي يجعلها تقف على معايير ونماذج يستحيل الوصول اليها نظرا لوقوفهما على جذور انتهت الى الأبد كما هو الشأن بالنسبة للفن الاغريقي القديم. وتنطبق هذه الصورة التي يقدمها كارل ماركس حول التعبيرات الفنية المختلفة على ما قدمه كارل ماركس نفسه طيلة حياته من أعمال فلسفية واجتماعية وتاريخية واقتصادية وسياسية والتي شاركه في انتاجها رفيقه في النضال فردريك انجلز وتأسس على أساس أعمالهما وأطروحاتهما المذهب الماركسي، وهو المذهب الذي سيواصل الرفيق لينين اغناءه انطلاقا من نهاية القرن التاسع عشر والى غاية سنة 1924 بأطروحاته حول الرأسمالية في عهد الامبريالية وبتوظيف نماذجه ومعاييره في المادية الديالكتيكية لبناء وتطوير حزب من نوع جديد استطاع في ظرف 18 سنة أن يحقق الثورة العمالية الأولى. وعلى غرار ما ذكره ماركس في مقولته أعلاه فإن المعايير والنماذج التي استلهم منها مجمل انتاجاته ونعني بها زبدة ما وصلت اليه الحداثة وعصر الانوار من فلسفة وفكر اشتراكي ثوري وعلوم طبيعية واقتصادية أصبحت تتناقض تماما مع سيرورات الرجعية وما بعد الحداثة والابتدال الفلسفي والاقتصادي الذي يخيم على عالم اليوم، بل الخوف هو ان تكون تلك المعايير والنماذج قد انتهت الى الأبد كما أشار ماركس بالنسبة لمعايير ونماذج الفن الاغريقي.

إن فهم محتوى الماركسية وخلفيات تبلورها في سياقها التاريخي بالموازاة مع ما كان يحدث في أوروبا، لا بد من تطبيق المنهج المادي التاريخي على نشأة كارل ماركس نفسه من خلال دراسة السياق التاريخي الذي ظهر فيه.

فكارل ماركس ولد في بداية القرن التاسع عشر وهي فترة كانت لا تزال تشهد ارهاصات ما بعد الثورة الفرنسية لسنة 1789 التي كانت بمثابة ثمرة عصر الانوار الهادف الى التخلص من ظلمات عصر الاقطاع وتحكم الكنيسة وذلك بكل ما كانت تعنيه على المستوى الاقتصادي من انهيار تام لنمط الانتاج الاقطاعي؛ وعلى المستوى السياسي والايديولوجي من انهيار تام لهيمنة الكنيسة وامراء الاقطاع والملكية المطلقة. ولم تكن الأحداث التي عجلت بانهيار نظام الاقطاع في أوروبا يسيرة بعدما عمر هذا النظام ازيد من 14 قرن(من القرن الرابع الى القرن 18). فسقوط نظام اقتصادي وسياسي لا يحدث هكذا بين عشية وضحاها، بل هو نتيجة تراكم صراع طبقي اقتصادي وسياسي وايديولوجي وثقافي لمدى أربعة قرون (القرن 15 – القرن 18).

ولا شك ان انتصار عصر الانوار اقتصاديا وايديولوجيا على المجتمع الاقطاعي العتيق كان له وقع كبير على البيئة التي نشأ فيها كارل ماركس، كما ان انتصار البرجوازية السياسي والاقتصادي والايديولوجي لم يكن دائما حاملا لبوادر التقدم ومبادئ الثورة كالحرية والمساواة والإخاء، وهي شعارات الثورة الفرنسية. فمعلوم ان استعمار الشعوب الاخرى من طرف البرجوازية وابادة بعضها بالكامل والاتجار في ساكنتها على اساس اعتبارهم كعبيد، حيث بيع منهم الملايين، وتم ترحيلهم نحو امريكا للعمل في مزارع القطن او في الوحدات الصناعية. كما ان نمط الانتاج الرأسمالي الناشئ كان يحقق من جهة الارباح الخيالية للبرجوازية التي بدأ نجمها يسطع جراء تراكم الثروات المنهوبة بينما كانت تخلق في المقابل البؤس والفقر وحيث كان يفرض على العمال المبلترين الذين تم حرمانهم من وسائل الانتاج كاقنان ارض سابقين، العمل لساعات طويلة قد تصل الى ثمانية عشرة ساعة في اليوم مقابل أجور زهيدة وفي ظل شروط قاسية لا انسانية. فمثل هذا التناقض العميق الذي ولد مع تطور نمط الانتاج الرأسمالي، كان لا بد أن يثير ردود فعل قوية.

هنا كان ظهور الاشتراكية الطوباوية على يد العديد من المفكرين الاوروبيين بتزامن مع صعود نمط الانتاج الرأسمالي منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بمثابة رد فعل طبيعي على هذا التناقض ومآسي نمط الانتاج الرأسمالي. فالماركسية اذن ظهرت كسيرورة طبيعية للفكر الاشتراكي المناهض للرأسمالية.

عايش كارل ماركس الحياة الفكرية الفلسفية بألمانيا خلال فترة دراسته كما مارس السياسة من خلال مهنة الصحافة في كلونيا، وعندما انتقل الى فرنسا أدى التراكم المعرفي والميداني السابق لدى ماركس الى الانتقال نحو مرحلة نوعية جديدة أعلى تركزت في التطلع الى الدمقرطة الراديكالية والتحرر السياسي والاجتماعي وارساء اسس المادية التاريخية، وتجسدت تلك التطلعات في أهم مؤلفاته الفلسفية: كالمسألة اليهودية 1843 ، العائلة المقدسة 1844 والمخطوطات الباريسية لسنة 1844 والايديولوجية الالمانية 1846 وبؤس الفلسفة 1847 الذي انتقد فلسفة البؤس لجوزيف برودون وقد دفعت هذه الأعمال ماركس الى الاهتمام أكثر بالاقتصاد السياسي.

كما شكل اختلاط كارل ماركس بمفكري فرنسا الاشتراكيين واستيعاب مناهج التأريخ السوسيولوجي الفرنسي مناسبة لتطوير رؤيته الاشتراكية والسياسية للعالم وبالتالي التطلع الى الانتقال من الثورة البرجوازية الى الثورة البروليتارية وبالتالي الاندفاع بكل حيوية نحو تأسيس عصبة الشيوعيين وانتاج مؤلفات ماركس السياسية الرئيسية كالبيان الشيوعي سنة 1848 والعمل المأجور ورأس المال سنة 1849 وبعد حدوث هزات ثورية في كافة عواصم البلدان البرجوازية الاوروبية سنوات 1848 – 1849 نتيجة انتشار الفكر الشيوعي التحرري وخفوتها بعد ذلك نتيجة الثورة المضادة، استطاع ماركس وضع استنتاجات لهذه الصراعات الطبقية والسياسية الثورية من خلال كتبه: الصراع الطبقي في فرنسا سنة 1950 وكتاب 18 برومير لويس بونابارت سنة 1852.

وبعد استقرار كارل ماركس في بريطانيا انكب على دراسة عميقة للاقتصاد السياسي الانجليزي خلال عقد الخمسينات من القرن التاسع عشر عرفت خلالها تعاونا صحافيا بين كارل ماركس ونيويورك ديلي تريبيون (1852 – 1862) وانتاجه لمخطوطة كراندريس (اسس نقد الاقتصاد السياسي، 1857 – 1858) وأيضا نقد الاقتصاد السياسي (1859).

وخلال عقد الستينات من القرن التاسع عشر أكمل ماركس انتاجه الاقتصادي في كتب السيد فوكت 1860 ونظرية فائض القيمة 1862 – 1863 واصدار الكتاب الأول من رأس المال سنة 1867 ومخطوطين للكتابين الثاني والثالث (1869 – 1879) كما عمل في نفس الوقت على تأسيس الأممية الأولى التي قدم كلمتها الافتتاحية سنة 1864.

نستخلص مما سبق أن المصادر الفكرية الثلاثة لكارل ماركس تشكلت من الفلسفة والتاريخ خلال فترة دراسته في ألمانيا ثم من خلال استيعاب الفكر الاشتراكي ومنهج التأريخ السوسيولوجي الفرنسي والممارسة السياسية في كل من فرنسا وبلجيكا ثم من خلال استيعاب عمق الاقتصاد السياسي الانجليزي والعمل على تطويره اثناء استقرار ماركس في لندن.

لكن الاضافات المهمة لكارل ماركس لهذه المنابع الثلاثة تمثلت في نقده للفلسفة الالمانية الكلاسيكية وخاصة نقده لكل من هيغل وفيورباخ اللذان اخذ عنهما كارل ماركس الديالكتيك والمادية الفلسفية بعدما خلصهما من المثالية الهغلية والمادية المثالية عند فيورباخ. ثم تحول نقد كارل ماركس للاشتراكية الفرنسية وللمذهب التأريخي السوسيولوجي الاشتراكي الفرنسي، إلى عملية تطوير للاشتراكية الطوباوية نحو الاشتراكية العلمية. كما عمل ماركس على تحويل التأريخ السوسيولوجي الفرنسي الى المادية التاريخية والتي أقامها على ثلاث أطروحات مركزية رئيسية كما يلي:
1 – تقوم السيرورة التاريخية على أنماط انتاج متعاقبة معينة، نميز داخلها بين بنيات انتاج تحتية، تنبني على اساس علاقات انتاج بين طبقات مستغلة بكسر الغين وأخرى مستغله بفتح الغين. ومن أجل الاستمرار والمحافظة على هذا الشكل من بنيات الانتاج التحتية، تعمل الطبقة المهيمنة على بلورة بنيات فوقية ايديولوجية وسياسية وثقافية وقانونية ودينية ... اخ.

2 – يتبلور محرك التاريخ انطلاقا من حدة التناقض القائم بين الطبقات المتصارعة ويتمثل في سيرورة الصراع الطبقي القائم والذي يشمل مختلف فروع الانشطة الاجتماعية. ويتفجر هذا الصراع بشكل موضوعي مستقل عن ارادة ووعي اطراف الصراع. حيث يصبح الوجود الاجتماعي وموقع الافراد في حلقات الانتاج هو المحدد للوعي الطبقي ولمآل هذا الصراع.

3 – تنشأ الدولة نتيجة لانقسام المجتمع الى طبقات، وتتحول الى أداة لدعم والمحافظة واعادة انتاج نفس الطبقة المهيمنة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. لذلك فان الدولة تضمحل حالما تتحقق الثورة البروليتاريا وتعمل من خلال دكتاتورية البروليتارية على الغاء الانقسام الطبقي القائم.
وعند انتقال كارل ماركس الى بريطانيا عمل على انتقاد الاقتصاد السياسي الانجليزي، خاصة نظريات آدام سميت وريكاردوا، متجاوزا تناقضاتهما وبلور أطروحاته الاقتصادية من خلال أجزاء كتابه رأس المال الثلاثة.

وتجدر الاشارة الى ان كارل ماكس كان يفكر في مشروع وضع كتاب فلسفي للتعريف بالمادية الديالكتيكية وبالمادية التاريخية التي كانت عبارة عن أفكارمبعترة في كافة كتبه، تعالج القضايا الكبرى التي تتناولها، لكنه لم يتمكن من ذلك نظرا لانشغاله بمشاريعه الاخرى ذات الأولوية ككتاب رأس المال. وهنا يجب التنويه بالمجهودات التي قام بها رفيق كارل ماركس، فردريك انجلز للتعريف بهذه الفلسفة والتي لا يمكن الاستغناء عنها ونذكر من بينها: ضد دوهرينغ 1878، وديالكتيك الطبيعة 1878 وهما كتابان وضعا بتعاون وثيق بين انجلز وماركس. ثم كتاب لودفينغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية الذي تم نشره بعد وفاة كارل ماركس سنة 1883.

ولفهم الفلسفة المادية الديالكتيكية الماركسية، في تطبيقاتها التنظيمية والسياسية والثقافية والايكولوجية، يجب بالضرورة على كل دارس، الرجوع بالإضافة الى الأعمال الكاملة لكارل ماركس وفردريك انجلز الغنية بها، الى التجارب التاريخية اللاحقة لهذه الفلسفة عند كل من لينين وستالين وماو تسيتونغ. فلينين عمق الفهم الفلسفي للماركسية في دفاتره الفلسفية لسنة 1915، كما وظف الديالكتيك المادي في ممارساته السياسية بدءا بالتنظيم الحزبي واستراتيجيات الحزب وتاكتيكاته ومرورا عبر أشكال تحليله للصراع الطبقي محليا وعالميا، ووصولا الى كيفية اعتماد ديكتاتورية البروليتاريا بعد نجاح الثورة البلشفية سنة 1917. أما التجربة الاشتراكية التاريخية لستالين فتتيح للباحث أيضا، كما هائلا من التطبيقات النظرية للديالكتيك المادي، خصوصا في مجال بلورة نمط الانتاج الاشتراكي، اقتصاديا، ومن خلال اساليب التخطيط الاشتراكي وأيضا في كيفية مواجهة الحرب ضد العدوان النازي وأيضا في مواجهة عمليات التخريب الداخلية التي كانت تستهدف الاتحاد السوفياتي قبيل الحرب العالمية الثانية. أما تجربة ماو تسيتونغ التاريخية فتتضمن أيضا العديد من الدروس الملموسة في مجال استيعاب وتطبيق الديالكتيك المادي.

ساعدت الفلسفة المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية علماء التاريخ على تجاوز فهمهم السطحي المثالي السابق للسيرورة التاريخية، فلم تعد مجرد تسلسل عشوائي للأحداث كان يقف وراءها أبطال خارقين أو فلاسفة متنورين أو انبياء مبعوثين من وراء الطبيعة، بل أصبح التاريخ عبارة عن سيرورات مادية ملموسة تفاعلية فيما بين معطيات الطبيعة المادية والحاجيات الانسانية الاساسية تؤدي الى بلورة الوعي الجماعي في اطار انساق اجتماعية تشكل ما يسمى بالكائن الاجتماعي، وعلى أساس هذا التفاعل بين الوعي الاجتماعي والواقع المادي الموضوعي أمكن وضع أنساق اجتماعية، تاريخية، تتيح فهم التطور التاريخي للمجتمعات الانسانية.

فقد قامت المادية التاريخية على أساس اساليب انتاج الكائن الاجتماعي للحياة المباشرة واعادة انتاج هذه الحياة(توفير الغذاء والتوالد). كما وضع كارل ماركس بناء على نتائج خلاصاته التاريخية مراحل متمايزة للمجتمعات البشرية تقوم على أساس قوى الانتاج وعلاقات الانتاج التي تسود خلال تلك المراحل. فقد توصل إلى أن المجتمعات البشرية قد مرت أولا من مرحلة المجتمع البدائي، حيث كان الانسان يعيش في تجمعات صغيرة، ويتعاطى للصيد والقطف، وحيث لم توجد خلال هذه المرحلة لا الدولة ولا الفوارق الطبقية، لان انتاج الانسان كان يقتصر على ما هو ضروري للحياة اليومية، وهي مرحلة دامت آلاف القرون.

بعد ذلك ظهر المجتمع العبودي حيث أدى تقسيم العمل وظهور الانتاج الاجتماعي الزائد غير الضروري الى الانقسام الطبقي، وأصبحت أداة الانتاج الرئيسية هي امتلاك العبيد بشتى الوسائل وخاصة الحروب، فبينما تقوم قوى الانتاج على القوى العضلية للعبيد فإن علاقات الانتاج في هذه المرحلة قامت بين العبيد ومالكي العبيد. ويمكن الرجوع الى تاريخ جميع الامبراطوريات السابقة فسنجد أن أمجادها قد بنيت على أساس هذا النمط من الانتاج. فعلى سبيل المثال كان الحافز الأساسي للتوسع الاستعماري للإمبراطورية الرومانية يقوم على جلب المزيد من العبيد للعمل. وستنهار الامبراطورية الرومانية التي دامت حوالي 15 قرن نتيجة تناقضات علاقات الانتاج مع قوى الانتاج. أي عدم قدرة النظام على تأمين استمرار خدمات العبيد وتوفيرهم في ظل نفس علاقات الانتاج. ولا زالت ثورة سبارتاكوس تؤرخ الى ثورة العبيد على الاسياد في روما.

فتح انهيار الامبراطورية الرومانية المجال لظهور مرحلة تاريخية جديدة من نمط الانتاج الاقطاعي الذي قام على كاهل أقنان الارض كقوى انتاج اساسية وعلى علاقات انتاج مختلة بين أمراء الاقطاع والملكيات المطلقة والكنيسة من جهة، وأقنان الارض الفلاحين الفقراء من جهة أخرى. حيث قامت علاقات هيمنة قانونية للطرف الأول على هؤلاء الافلاحين الاقنان، الذين يظلون ملتصقين بالأرض طيلة حياتهم، بل يرث ابناؤهم هذه الوضعية التي يملك فيها أمراء الاقطاع في مواجهتهم حق الموت والحياة.

ثم حينما حلت مرحلة انحطاط نظام الاقطاع نتيجة تفاقم التناقضات الحادة بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج وانفجارها على شكل ثورات للفلاحين بتحريض من القوى البرجوازية الصاعدة، سيفتح المجال أمام ظهور مرحلة جديدة يسود فيها نمط الانتاج الرأسمالي، والذي قام على قوى انتاجية أساسية هو قوة العمل المأجور وعلى علاقات انتاج مختلة بين البرجوازية مالكة وسائل الانتاج وبروليتاريا ليس لها ما تملك سوى بيع قوة عملها، للبرجوازية، لقاء أجور زهيدة لا تضمن سوى امكانية استمرارها على قيد الحياة. وقد ظهر نمط الانتاج الرأسمالي أواخر القرن الخامس عشر وترسخ عبر الثوراث ضد الاقطاع(كالثورتين الانجليزية والفرنسية) وعبر تحكم البرجوازية في السلطة السياسية وتوسعها عبر الحروب (خاصة حروب نابوليون). كما ازدهر نمط الانتاج الرأسمالي مع الثورة الصناعية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبلغ مرحلة الامبريالية مع بداية القرن العشرين. ومنذ بداية القرن العشرين يعيش نمط الانتاج الرأسمالي مرحلة انحطاطه ظهرت مؤشرته من خلال كافة الحروب العالمية والاقليمية وكافة اشكال البربرية الناشئة بل والمتعاظمة. وكل ذلك يؤكد على التناقض العميق القائم بين قوى الانتاج من جهة وعلاقات الانتاج من جهة أخرى.

ان ادراك كارل ماركس لطبيعة السيرورة المادية التاريخية التي يتطور في اطارها نمط الانتاج، جعلته يتنبأ بسقوط نمط الانتاج الرأسمالي حين بلوغ قوى الانتاج وعلاقات الانتاج مرحلة قصوى من التناقض الداخلي. بحيث يؤدي تراكم ردود فعل الطبقات المضطهدة (البروليتاريا) الى قفزة نوعية من خلال الثورة البروليتارية والانتقال نحو المجتمع الشيوعي. لكن بعد المرور من مرحلة اشتراكية انتقالية في ظل ديكتاتورية البروليتاريا كوضع سياسي انتقالي يتم خلاله القضاء على الطبقات الاجتماعية السابقة من خلال التخطيط وتحقيق وفرة في الانتاج المادي الضروري لانتاج واعادة انتاج الحياة المباشرة.

إذن فالمجتمع الشيوعي البديل الذي تنبأ كارل ماركس بحتميته التاريخية بعد صراع طبقي مرير سيشكل اختيارا وحيدا أمام الانسانية من أجل تجاوز تناقضات المجتمع الطبقي الرأسمالي الحالي. ان هذا المنظور الماركسي للعالم ولسيرورته التاريخية أقامه كارل ماركس وفردريك انجلز على الفلسفة المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية. وهما المنهجيتان الماركسيتان اللتان اقام على اساسهما تصورهما للعالم وتنبؤاتهما والتي جاء بعدهما كل من لينين وستالين وماو تسيتونغ في محاولة لتجسيد هذه الفلسفة على أرض الواقع من خلال قيادة الثورتين البلشفية في روسيا سنة 1917 والصينية سنة 1949.

لدينا اليوم عينتان من التجارب الاشتراكية والتي يمكن على ضوئهما تقييم الفكر الماركسي على ارض الواقع، تتمثل الأولى في الاشتراكية التي قامت في الاتحاد السوفياتي خلال حياة ستالين الى غاية 1953، والثانية تجربة الاشتراكية في الصين خلال حياة ماوتسيتونغ الى حين وفاته سنة 1976. وإذا كانت هاتان التجربتان قد انهارتا لأسباب مادية داخلية وخارجية تاريخية موضوعية فتجب دراستهما بنفس المنهج الديالكتيكي المادي، وفي ترابط مع الوضع العالمي والصراع الدائر بين الطبقة الرأسمالية المهيمنة عالميا والتي تعيش مرحلة انحطاطها والحركة العمالية العالمية المتطلعة للتحرر واقامة المجتمع الشيوعي.

نستخلص من كل ما سبق ان الفكر الماركسي هو فكر الحركة العمالية العالمية التي وان فشلت موجاتها الثورية السابقة فإن تطلعاتها نحو التحرر ستظل قائمة الى ان تتمكن من انهاء عهد تحكم البرجوازية في مصير البشرية والمرور نحو شكل اجتماعي اكثر انسانية.

فإذن ماركس والماركسية عبارة عن مشروع سياسي عمالي طبقي ثوري تاريخي، غايته اسقاط نمط الانتاج الرأسمالي الطبقي القائم على الاستغلال واضطهاد الطبقة العاملة. وتقوم الماركسية على المادية الفلسفية والمنهج الديالكتيكي، وتعتبر المادية التاريخية منهجية فهم التطور التاريخي ووسيلة بلورة استراتيجية وتاكتيكات تغيير الواقع الطبقي القائم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- البروليتاريا النسائية وقضايا تحررها وانعتاقها!
- الحرب الأهلية في المغرب
- هجوم أيديولوجي ظلامي طبقي على الشباب المغربي المتعلم
- الصراع الطبقي في سياق أزمة امبريالية متعددة الأطراف
- الأزمة العامة للنظام الامبريالي العالمي
- حول ما ميز الشبكة الديموقراطية لمواكبة كوب 22
- لماذا يحارب التحالف الطبقي الحاكم التعليم العمومي الشعبي في ...
- لا حلول لحماية البيئة من دون اسقاط نمط الإنتاج الرأسمالي
- رسالة إلى السيد يوسف وهبي
- السياسة الفلاحية والاستمطار
- رد على ادعاءات -يوسف وهبي- أحد كوادر حزب -البديل الجذري-
- قراءة سريعة في حجم المقاطعة الجماهيرية لمهزلة انتخابات 7 أكت ...
- التغيير لن يأتي الا عن طريق المقاطعة الجماهيرية الحاسمة لانت ...
- فصل جديد من الصراع الطبقي بين الشغيلة والكومبرادور
- الاعتقال السياسي بالمغرب ومقاطعة الانتخابات التشريعية ل 7 أك ...
- حوار رفاقي حول مقاطعة انتخابات 7 أكتوبر 2016
- الطبقة العاملة والنضال البيئي، أية علاقة؟ (2)
- الطبقة العاملة والنضال البيئي، أية علاقة؟
- الامبريالية والحروب وتفكيك الدول
- فضيحة استيراد النفايات الايطالية لحرقها بالمغرب وردود الفعل ...


المزيد.....




- قائد الحرس الثوري: مؤامرات السعودية وأمريكا وإسرائيل فشلت.. ...
- حماس: 3 مسارات لمواجهة قرار ترامب
- بوتين: دحر الإرهابيين في سوريا يفتح الباب أمام التسوية السيا ...
- بيونغ يانغ: سننظر إلى فرض حصار بحري ضدنا على أنه عمل حربي
- سوريا بانتظار انفجار.. وروسيا هناك
- من ذكريات جنود الهندسة الروس في سوريا
- لبنان يبدأ تحركا للاعتراف بالقدس عاصمة لفلسطين يشمل تبادل ال ...
- الجبير: إدارة ترامب جادة بإحلال السلام بين إسرائيل والعرب
- بوتين: واشنطن لا تلاحق مسلحين لاستخدامهم
- فيديو.. القوات الإسرائيلية تعتدي بوحشية على المعتصمين في باب ...


المزيد.....

- ثورة في الثورة / ريجيە-;- دوبريە-;-
- السودان تاريخ مضطرب و مستقبل غامض / عمرو إمام عمر
- انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي / بدر الدين هوشاتي
- لماذ الهجوم على ستالين... والصمت المطبق عن غورباتشوف ؟ / نجم الدليمي
- التنمية الإدارية وسيكولوجيا الفساد / محمد عبد الكريم يوسف
- كتاب أساطير الدين والسياسة-عبدلجواد سيد / عبدالجواد سيد
- اري الشرق لوسط-تأليف بيتر منسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / بيتر منسفيلد--ترجمة عبدالجواد سيد
- كتالونيا والطبقة والاستقلال / أشرف عمر
- إسرائيل القديمة: حدوتة أم تاريخ؟؟ / محمود الصباغ
- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد السلام أديب - في ذكرى رحيل كارل ماركس