أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - أطرقُ باب بيتٍ لا يعرفُ الحَزَن














المزيد.....

أطرقُ باب بيتٍ لا يعرفُ الحَزَن


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن-العدد: 5457 - 2017 / 3 / 11 - 17:31
المحور: الادب والفن
    




هناك أسطورةٌ صينيةٌ تحكي عن سـيدة كانت تعيش راضيةً قانعةً مع ابنها الوحيد الذي هو قُرّه عين لها ولوحدتِها التي حلّت ببيتها بعدما فقدت الرجل والأهل والسند. وفي يومٍ حزين، جاء الموتُ واختطف روح ابنها دون مقدّمات. رفضتِ الأمُّ تصديق موت وحيدها، ولا سلّمت بأن الموتَ فعلٌ جازمٌ غيرُ قابل للاستئناف أو النقض. ذهبت إلى حكيم القرية وبكت بين يديه ثم طلبت منه أن يدلّها على وصفة سحرية تُعيد ابنها إلي الحياة. وتعهدت بأن تصنعها مهما بلغت صعوبتُها.
أشفق الشيخُ الحكيم على المرأة الثكلى ورقّ قلبُه لحالها. اعتدل في جلسته وأخذ شهيقًا عميقًا، ثم شرد بذهنه بعيدًا، وقال: "حسنًا يا ابنتي. أحضري لي حبّة خردل واحدة. بشرط أن تأتي بها من بيت لم يعرف الحَزَن مطلقًا.”
انتعش قلبُ المرأة برذاذ الأمل والرجاء الوشيك في استعادة نجلها الراحل. فبدأت من فورها تدور على بيوت القرية بيتًا في إثر بيت، وتطرق بابًا من بعد باب، سائلةً عن طريدتها التي طلبها الحكيم الطيب: "حبّة خردل واحدة، من بيت لم يعرف الحزن أبدًا.”
طرقت السيدةُ أحدَ الأبواب. ففتحت لها امرأةٌ شابة، سألتها السيدةُ: "هل عرف هذا البيت حزنا من قبل؟" ابتسمت الشابّةُ في مرارة، وأجابت: “وهل عرف بيتي هذا إلا كل حزن؟" ثم راحت تحكي للمرأة الثكلى أن زوجها مات منذ عام، تاركًا لها أربعة من الأطفال الصغار. لا تعرف كيف تُطعمهم إلا ببيع أثاث الدار الذي لم يتبقَ منه إلا أقلُّ القليل.
فاض الدمعُ من عيني السيدة الثكلى، وراحت تواسي صاحبتها الأرمل أمّ اليتامى. ومع نهاية الزيارة؛ صارتا صديقتين، ولم تفترقا إلا وقد تواعدتا على تكرار اللقاء. قالت الشابة لرفيقتها الحزينة، سأنتظرك، فقد مرّ زمنٌ لم أفتح فيه بابَ بيتي لزائر ولا قلبي لإنسان أبثّه شكواي.
قبيل الغروب، طرقت المرأة الثكلى بابًا جديدًا، ففتحت لها سيدةٌ على وجهها سيماءُ التعب. سألتها إن كان هذا البيتُ لم يعرف الحزن. ملأها الإحباطُ حين علمت من سيدة الدار أن زوجها طريحُ الفراش وليس في البيت طعام لصغارها. قررت المرأةُ الثكلى أن تساعد هذه السيدة الفقيرة. فذهبت إلي السوق واشترت بكل ما معها من مال طعامًا وبقولا ودقيقًا وزيتًا وسكرًا، ثم عادت إلى دار رفيقتها، وساعدتها في طهو وجبة ساخنة، واشتركتا معًا في إطعام الصغار. ثم ودّعتها على وعدٍ بزيارتها في مساء اليوم التالي.
حينما أشرق الصبحُ، جالت المرأة بين أرجاء البلدة، لم تترك بابًا إلا طرقته، ولا بيتًا من بيوت الجوار إلا وددخلته لتسأل أهله إن كان بيتهم لم يعرف الحزن، حتى يأتي السؤال الآخر الذي لم يأت أبدًا: "حبة خردل واحدة"، فقط إن كانت الدار نقيّة بريئة من الفجيعة والدموع. من باب إلى باب أخبرتها الدورُ والأبوابُ أن رجاءها صعبٌ عسير يسكن قرّة المستحيل.
خرجت من كل بيتٍ صفرَ اليدين مما جاءت من أجله، وملأت جرّة ذاكرتها بقصص كثيرة وحواديت ملؤها الحزن والشقاء والموت والقنوط، لكنها حصدت مع القنوط عددًا هائلا من الأصدقاء الذين جعلت مشروع حياتها القادم مساعدتهم وحل مشاكلهم والتخفيف من أحزانهم.
ومرّت الأيام والسيدة لا توقفُ عطاءها وبذلها لفقراء قريتها وحزانى الجوار، حتى صارت صديقة لكل بيت من بيوت القرية. ويومًا بعد يوم، بدأت تنسى طريدتها التي ستُرجع لها ابنها الراحل. نسيت حبّة الخردل من بيت لا يعرف الحزن، لأنها أدركت أن ثمة حزنًا يسكن كل قلب. وحين ذابت في أحزان الناس بدأ حزنُها الشخصي يخفت مع الوقت، وأدركت حكمة حكيم القرية، وعبقرية وصفته السحرية. “الخروج من ال أنا"، نحو "ال هو وال نحن الجمعية". تلك هي حبّة الخردل التي تجعل أحزاننا تذوب مع أحزان الآخرين.
لا أدري لماذا أتذكر تلك القصة الجميلة كلّما طرقتُ بابًا أعرفُ أن وراءه أمًّا ثكلى فقدت شهيدًا من شهدائنا في حربنا الصعبة مع الإرهاب. اللهم نقّ واقعنا من أعداء الحياة خصوم الفرح وكلاء الموت على الأرض.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- المعاصي سرُّ الغلاء .... يقول الإمام
- إنهم يصنعون المستقبل في الإمارات
- المرأةُ العفريت … المرأةُ الصقر
- المعاصي سرُّ الغلاء
- لستُ متسامحة دينيًّا
- الأقباط ليسوا بحاجة إلى بيوتنا بل إلى بلادهم
- امنعوا بناتكم من التعلّم!
- رسالة إلى شيخ الأزهر من مصري مسيحي (6/6)
- فيس بوك من دون زجاج
- رسالة إلى شيخ الأزهر من مصري مسيحي (5)
- إنهم يصنعون المستقبل
- تكفير داعش مسألة أمن قومي
- رسالة إلى شيخ الأزهر من مصري مسيحي (4)
- طارق شوقي … نراهن عليك في رحلة -النكوص-
- ابسطوا قلوبكم مرمى للسهام
- احنا فقرا قوي!
- كاميرا خفية لضبط المعلّم الطائفي
- رسالة إلى شيخ الأزهر من مصري مسيحي (3)
- زغاريدُ وحزامٌ ناسف
- دميانة … الزهرة رقم 29


المزيد.....




- التشكيلي وائل المرعب: إستخدامي الألوان الحارّة يشير لحرائق ب ...
- -الجبل بيننا- في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي
- بالفيديو...هاريسون فورد يثبت أنه ليس مجرد بطلا على شاشة السي ...
- تعرف على الكتب التي تم منعها في معرض الكويت الدولى للكتاب
- جائزة مونديال القاهرة الذهبية للمسلسل الاذاعى العمانى الامبر ...
- متحف القرية من أقدم المتاحف المفتوحة بأوروبا
- وزير الخارجية القطري يفتتح البيت الثقافي العربي ببرلين
- يوسف شريف رزق الله لـCNN: غياب الفيلم المصري عن مهرجان القاه ...
- روبيرت دي نيرو في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي
- غاري أولدمان: تجسيد تشرشل سينمائيا التحدي الأكبر


المزيد.....

- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - أطرقُ باب بيتٍ لا يعرفُ الحَزَن