أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - خرافة حلم آخر قصة قصيرة















المزيد.....

خرافة حلم آخر قصة قصيرة


يعقوب زامل الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 5447 - 2017 / 3 / 1 - 19:12
المحور: الادب والفن
    


الى سمعه، وإلى حيث ركنه الأخضر البارد، تناهى رغاء صوتها. كلمات لم تكن دقيقة. لم يشأ أن يصغي إليها. كانت رائحة عاقول براري، وشذى قصيدة كغري في شواطئ الظهيرة، تغريه بالخمول. وكان يكره ان ينفلت من تلك البقعة التي تغريه بالنوم على صوت موسيقى في رأسه.
في ناحية ليست بعيدة، كان قطار طفولته، يصعد متوترا على سكة ماضي بعيد. يسمع ارتطام مجرفة سائق القطار الكهل " ساهي " بقطع الفحم، ثم ما تبرح همهمات جمر مستعرة في جوف موقد الماكنة، تلوك القطع السود الصلبة، فتغدو أكثر توهجا.
شيء غامض يتسلل إلى معدته. تتوتر عضلات بطنه، ثم يطفو غبار العمر، يجر حكمة الشيب خلفه، فيصمت موقد الماكنة.
على ظهر كرسيه الرخو، يسند رأسه. ماذا يقول لتلك التي تتحجر ساعات أمام شاشة التلفزيون، كي تهرب من امراضها المزمنة، ومن طيف نهايات المحطات، وسيول مياه العمر نحو نفق تصريف الأعوام والأيام والدقائق؟!. أو لهذه المتوترة بالوان قوس قزح أنوثنها، وبرغاء جوع تلهيه بطعم قشار الأظافر الدموي. توسد قلقة، بين شفتيها ورخام اسنانها العلوية، ملبس الأصابع المتوهجة فتمضغ بتلذذ، قشار صبغة الأظافر ، وتستطعم حلاوة الدماء؟!!.
يراقب وجهها في المرآة، يضعها أمام وجهه، ويتفرس في ملامحها. يشعر أنه وإياها، في وحدة المحطة، أشبه بهاربين من قوة قاهرة تطاردهما، ينتظران بفارغ الصبر، أن ينقذهما قطار " الشرق" الأسود. ذاك الذي هاجر سكته الى بغداد، منذ أعوام، يوم كان آخر المسافرين ينزل سعيدا بأرض ألف ليلة وليلة، وتسعد محطة غربي بغداد بساعي بريد برلين، المنقب بالسواد وبغبار المدن البعيدة، وبما يحمل من رسائل الود إليها.
الحزن يجفف نضائد شحن الدم إلى وجهيهما، وكان عليهما أن يكتبا رسالة، بالبريد المستعجل لصديق مفترض، أن ينتظرهما في أي محطة من محطات السكك المتشعبة، يقلهما بعد الوصول إلى بيته. يقول هو كلمتين للصديق، وتقول هي كلمة، لذا يكون على الصديق المضيّف ان يقول عشرة كلمات. وحين ينتهي احتضان قصير يمنح لونه للبرتقال، يلقيان برأسيهما على وسادة واحدة ليناما ساعتين حتى شروق شمس نهار جديد.
تذكر، قبل يومين، حين احتضنها، هست باكية بين شراع ذراعيه. ولحظة جنحت نحو عينيه، سمع تقصف حطب روحها. " دعني لحظة واحدة ! " حين ارخى حبل شراعه عن خاصرتيها. ارتخت على سريره، واسدلت ستارة جفنيها الموحشين ونامت. تذكر أنها كانت ما تزال تشعر بما يجهد خاطرها. ما يزال خدر الرحلة المضنية، يدب في لحمها الحي. وكان يحس بأنهما الأثنين شبيهان بناجين من إعصار توسنامي مخيف، وبالصدفة الغريبة وحدها، وجدا نفسيهما على شاطئ لا ينتميان إليه، ولا يعرفهما.
عندما يطالع جسدها في المرآة، يلوح أمام عينيه نهديها اللذين يختبأن كقبرتين، وينموان على برودة القصب. لكنها تخشى أن تنظر بوجهه، كأنها ستعطي نفسها لرجل لا تعرفه. مملوكة يفقدها المولى عذار بكارتها، ثم يدفعها لجناح عشيرة غائيته.
النظر الغريب، أزلي في قلب إنسان، يشعر بالغربة ما دامه حياً.
يأتيه الصوت من التي لا تمل التحديق بشاشة التلفزيون:
ــ تعال هنا!. هم يعرضون جثث الجنود القتلى!!.
يتناهى رغاء المذيع إليه. من ذات الجهة، لكنه لا يصغي.. يبربر نوم قديم في عينيه. منذ يومين لم يذق طعاما، سوى الماء وعشرة اقداح شاي وعشرة علب سجائر من النوع الرخيص. وابنه الجندي المرخص، قبل اسبوع بزيارة البيت، لم يصل بعد.
في الركن البارد، رائحة يود، وخيط من دخان البارود، وريح تحمل رائحة شواء سمك، تغريه بالنوم، ولا ينام.
في ساعة متأخرة من الليل، افاق. لا يعلم كيف سرق النوم جسده وغطاه بسحابة سبات متوجس. هو لا يتذكر الأحلام عادة، لكنه ظل يشعر بأنه تجول برهة في مدينة مفضضة لا تفضي ازقتها إلى ناحية مفتوحة. وفجأة يهدر في ناحية قريبة، صوت قطار، يتشبع الطقس برائحة بخاره، ومن عفونة جمر ينفث السموم. كأن قطاره الأسود السريع ذاك، غدى جثة، مل التنزه بها، ليل نهار.
زوجته تعودت التكاثر في نظر المحطات المتنوعة. وتظل السكك الرمادية، تسافر في جمجمته كل يوم.
السجائر، وبأنفاسه، المثقلة بالغبار الثقيل، وتلك التي تنبعث معطبة من كلمات يتلعثم بها قلبه وقلمه.
تقول زوجته شاكية:
ــ " تبدلت.. "، ثم تولي مكسورة الخاطر.
لم يتعود أن يتلكأ في الرد على سؤال البعض، أو حين يتحدث مع احدهم، لكنه تعود، حين يكون في مغارته، أن لا تلج الزوجة وحدته، ولا ان تدس أنفها بين انفاسه. يتلصص على الأشياء احيانا، واحيانا يعدّ ارقام المفقودين. ثم يندس بمتاع بسيط نحو نفسه، ويغيب زمنا.
قي غرفة الظلال الخضر، تبلى كلمات المجاملة، ويرمي عن جسده غطاء العسر، ويروح يملي عينيه بها. غرفته ممتلئة بوجودها.. بعطرها.. بشغفها.. بسريتها المفترضة. تحاول أن تنزع عنه بدلة حربه الدائمة.. تداعب بخمول متعمد، ما علق على لونها الأسود المترب، من اوسمة ونياشين حصل عليها من حروبه وغزواته، علّه يفرغ إليها، سوية تأخذه للفراش، ويهمسان معا بلغة العصافير.
داخل جيبه، تعقدت هواجس أصابعه، بين خلايا الفراغ بحثا عن علبة الكبريت، ليشعل سيجارة ظل يداعبها بين السبابة والوسطى زمنا، ثم حل القلق. ينفث مع الريح دخانا من الرئة. أما هي فما تزال تلهو بأظفار كالدم في الصبح. تهمس في نعاسها، مواسية:
ــ الدخان يقصر العمر!.
كلماتها تدخل في غمامة الريح والدخان. يبتسم بوجهها من غير تعليق على جملتها الخبرية، وتحس بأنها تهذي كالبلهاء، وربما بسبب الاحباط، تدخل في بهو ابتسامة مرتعشة، ثم تنمحي معالمها. ومرّة أخرى تأتيه موجة الرغبة للتدخين، ثانية. يسعل كمن يتخلص من شائبة، ارتكست في بلعومه قبل قرون. فجأة تقوده عينيه إلى منضدة أمامه مباشرة، ينتر من عليها علبة الكبريت التي تركها قبل دقائق جنب علبة السجائر. يعب الدخان الأزرق، فيرتخي عصب التاريخ، ويخلي تحت المنضدة ساقيه. من جديد، يرتفع مؤشر " الادريناين " من لب الغدة السرمدية، يبتسم من بين الدماء بوجهها. يمتص العقب الأصفر ولا يسعل.
يحلم بغبش السكك، يحمله قطار مطلي بلون الحداد، من محطة غربي بغداد إلى برلين. تستفهم منه " وين؟!". يهمس من لب الغدة الكظرية:
ــ "منذ عقود خلت، انقطع قطار "اكسبريس الشرق". عن سكة بغداد. ما عاد يصيح بليل المحطة عن زوار شمال العالم".
يتطلع بوجه المرآة.. يمسح سطحها براحة كفه، ثم وخلال برهة، يسقط في قاع بعيدة عن ارض غرفته. ثمة صحون ملونة مرصوفة فوق رفوف تتوزع في الأركان. وفي مكان مخصص بعناية امام الصحون، يربض ابريق بحجم الساعد، مطعما بأحجار الفيروز، وبالصدف الصيني اللماع، يشمخ في حضرة اربع كؤوس ملونة ومصدفة كالأبريق. وعلى كرسي، كأنما وضع خصيصا لمن يجلس عليه يستطيع مراقبة الأبريق والأقداح عن كثب. من ناحية الأقداح والأبريق هبت ريح باردة لمتها رئتيه. طافت حياته على شاطئ.
ما يزال يحس بالتنقيط الأسمر على راسب طين الحري. وكان يحسن تنقيط دلالاته على مفازات نهد انثى عربية تعرف مواقيت صلاته، حينها تفرش سجادة عباءتها. ويولجان معا، بسحر الشرق نعاسا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,602,490,138
- ثمة ندم !
- الصحافة العمالية في العراق..
- النص الكامل.. قراءة أولية في سفر نيرودا الخالد.
- الحلم بالوصول..
- الصحافة العراقية بين عهدين...
- بابلو نيرودا.. قد عشت حقاً !
- نص رسالة الروائي عبدالستار ناصر لي...
- الحقيقة بين الواقع والمحتمل المتوقع..
- لستَ نديم المحفل ...
- وداع رائحة...
- حاول إذا !...
- البعد التاسع..
- طقوس ما بعد الوحشة! قصة قصيرة
- عمى الغزارة...
- ليكن البحر أنتَ...
- مبحث في تاريخ السلطة الرابعة...
- سفرٌ لرؤيا أخرى..
- زائر احتراق المراحل !..
- أنتظريني بِرِيق الحضن...
- - لمحات من تاريخ صناعة الحرف في العراق - الحلقة الثانية


المزيد.....




- -بهيمة- بلافريج تثير النواب وتخلق ضجة في البرلمان
- منتدى بطرسبورغ الثقافي الدولي الثامن يبدأ فعالياته اليوم
- الابن الاكبر لديفيد بيكهام يواعد الممثلة نيكولا بيلتز
- رئيس السنغال يتسلم بطنجة الجائزة الكبرى ميدايز 2019
- الطيب البكوش: قمة ستجمع رؤساء دول المغرب العربي قريبا
- فنان تركي يمزج بين الأيقونات الفنية التاريخية والعالم الحديث ...
- افتتاح منتدى بطرسبورغ الثقافي الدولي الثامن ملتقى الفن والثق ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الخميس
- -المصرية اللبنانية- تطرح طبعة ثالثة من -بيت القبطية-
- مجلس الشعب السوري يقر مشروع قانون خاص بنقابة الفنانين


المزيد.....

- في الأرض المسرة / آرام كربيت
- الخطاب الأيديولوجي في رواية سيرة بني بلوط / رياض كامل
- كيفما كنا فنحن ألوف المشاكل... / محمد الحنفي
- ديوان وجدانيات الكفر / السعيد عبدالغني
- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يعقوب زامل الربيعي - خرافة حلم آخر قصة قصيرة