أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد باليزيد - الأبناك التشاركية (الإسلامية)، أية شراكة؟







الأبناك التشاركية (الإسلامية)، أية شراكة؟


محمد باليزيد

الحوار المتمدن-العدد: 5434 - 2017 / 2 / 16 - 16:03
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لقد تعرضت مجتمعاتنا، العربية الإسلامية، منذ زمن، وما تزال تتعرض ل"التصادم" مع الحضارة الغربية. وحين نقول "الحضارة"، وليس فقط الثقافة أو شيء آخر. فلأن «التصادم" هذا يتم في جل مجالات الحياة إن لم نقل كلها. والتصادم هنا يحمل معنى "التلاقي غير السلس، غير المتحكم فيه وغير المستعَد له على الأقل من جهة طرف واحد".
نظام الأبناك، كجزء من النظام الرأسمالي ككل،هو دخيل على مجتمعاتنا نتيجة هذا "التصادم" غير المهيأ له.
سأناقش في هذا المقال النقط التالية:
*) أولا: جوهر الخلاف: هل عمل الأبناك التقليدية مناف للشريعة الإسلامية؟
**) ثانيا: مناقشة بعض ما جاء في المعايير الصادرة عن "مجلس الخدمات المالية الإسلامية"
انظر الرابط: [http://www.ifsb.org/ar_published.php]
***) ثالثا:هل أتت الأبناك "الإسلامية" بما يختلف جوهريا عن الأبناك التقليدية؟
*) أولا: : جوهر الخلاف: هل عمل الأبناك التقليدية مناف للشريعة الإسلامية؟
بادئ ذي بدء وقبل تقييم، أخلاقيا أو دينيا، ما تقوم به الأبناك علينا أن نعرف بتفصيل ودقة عملها ومعاملاتها تلك. علينا أن نعرف وظيفة الأبناك في الاقتصاد وكيف تقوم بهذه الوظيفة. وكي لا يتشعب الحديث كثيرا سوف لن نتطرق لمسائل مؤسسات التأمين والبورصة وغير ذلك لأنه، جوهريا، إن نحن أبحنا العمل،التقليدي، للأبناك فلن يبق إشكال لأن المسائل الأخرى متفرعة عنه. تقوم الأبناك (مع شيء من التبسيط) بما يلي:
- جمع الادخار.
- استعمال ما جمعته من ادخار في الاستثمار.
- توزيع عوائد الاستثمار على المدخرين.
لقد جاء الدين الإسلامي، ككل الديانات حتى غير السماوية منها، قصد أمرين هامين هما:
أولا فرض العبادات التي الهدف منها اعتراف المخلوق بالخالق.
ثانيا إصلاح أخلاق المجتمع. وفي الباب الثاني هذا، الأخلاق، تدخل كل المسائل كالسرقة والزنى والكذب والنفاق....و الجشع في التجارة. ولقد تكلم القرآن مثلا عن " الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ". كما تكلم عن واجب عدم استغلال فقر الناس وضعفهم وفي هذا الباب يدخل الربا. فالمعاملة الربوية التي تكلم عنها الإسلام لم تكن تتجاوز اقتراض شخص مبلغا من المال ليلبي حاجة أهله الملحة والآنية للقمة العيش. وفي هذه الحالة يستغل الكانز المال، أو المؤن، ضعف الطالب فيفرض عليه شروطه بأن يزده قدرا من المال في مدة معينة. ولنا هنا مثل يخرج عن هذا الإطار لكن الإسلام لم يشر إليه بالتحريم أو حتى يعتبره مكروها: كانت خديجة رضي الله عنها ذات مال وكان محمد(ص)، قبل أن ينزل عليه الوحي فقيرا يعتاش من كده. يأخذ محمد(ص) المال من خديجة ويتاجر به وفي النهاية تأخذ خديجة مالها وزيادة ويأخذ محمد ثمن كده وزيادة(1). مثل هذه المعاملة، والتي قد تكون من دون شك مستمرة زمن نزول الوحي وبعده، لم يحرمها الإسلام ولم يشر لها مجرد الإشارة. لذلك فإننا نضع هنا إطارين منفصلين لقرض المال:
- قرض محتاج قرضا صغيرا من أجل تلبية حاجة ملحة.بحيث هذا المحتاج لا يجني أي ربح من ذلك المال.
- قرض بين طرفين هدفه استثمار المال بما يعود على الطرفين بالفائدة.
وهكذا نرى أن ما تقوم به الأبناك التقليدية من قروض استثمار غير مناف للشريعة البتة. ولأن ما يمنحه البنك من مال لأجل استثماره آت من مدخرات المدخرين، فليس من المعقول أن يحتفظ بكل ما أتاه من ربح لنفسه دون توزيع قسط على المدخرين. البنك هنا(2) مجرد وسيط بين جميع المدخرين وجميع المستثمرين. فإذن ما يأخذه الشخص من فائدة مقابل ما وضعه من مال في البنك هو فقط نصيبه من توظيف كل المجتمع لما ادخره هو. وإذا حرمنا على هذا الشخص من قسطه من الربح زال الحافز وبالتالي أمام المواطن الخيارات التالية:
- أن يستهلك كل دخله كي لا يبقى لديه ما يزعجه.
- أن يترك ما زاد عن استهلاكه في منزله عرضة للسرقة وللتلف. وتصدق عليه الآية " وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ ". فوضع الأموال في البنك، رهن إشارة تنمية المجتمع ككل ليس ببعيد عن "سبيل الله".
- الخيار الثالث هو وضع هذه الأموال في بنوك "إسلامية" والاكتتاب ب"التخلي" عن كل فائدة فإلى جيب من ستذهب تلك الفائدة المتخلى عنها؟
في فتوى من فتاوي الأزهر نجد ما يلي: "أما بعد: فإن البنوك نشأت نشأة يهودية ربوية، أنشأها منذ أكثر من قرنين في أوربا خمسة من آل روتشيلد اليهود، ودخلت بلاد الإسلام بطابعها الربوي دون أي تغيير، واستمرت كذلك ، ولذلك فإن تعريف كلمة بنك في الاقتصاد هو: المنشأة التي تتاجر في الديون عن طرق الاقتراض والإقراض."
[انظر الرابط: https://islamhouse.com/ar/books/415117]
نلاحظ على هذه الفتوى ما يلي:
- أولا إن كون مخترع المصباح الكهربائ أو مخترع آلة الفحص بأشعة إكس يهوديا لا يمكن أن يمنعنا من استعمال هذه الأشياء لأنها وبكل بساطة نتيجة التطور الفكري للبشرية جمعاء بغض النظر عن ديانة صاحب الاختراع.
- ثانيا حتى ولو كان الأصل الأصيل للأبناك ربوي، بالمعنى المرفوض أخلاقيا ودينيا، فإن ما يهمنا اليوم هو ما صارت إليه الأبناك من مهمة في الاقتصاد بعيدا عن المعنى الأصلي الضيق. مثل ذلك أن يكون الأصل في شيء ما أصلا حلالا لكنه مع التطور تغير إلى ما يمكن تحريمه. في الأخير أرى أنه لو أن المجتمعات الإسلامية تطورت حضاريا قبل التصادم مع الغرب، لنتج عن ذلك التطور بشكل طبيعي تشكل الأبناك، كما هي بالذات في المجتمعات الغربية الآن، دون أن يرى المسلم بأن هناك ما يخالف الشريعة.

**) ثانيا: مناقشة بعض ما جاء في المعايير الصادرة عن "مجلس الخدمات المالية الإسلامية"
هذه الفقرة ارتأيت أن أقسمها قسمين:
-القسم الأول يطرح مسائل شكلية لا علاقة لها بجوهر المسألة لكنها بدت لي مهمة لا يجب إغفالها.
- القسم الثاني يناقش ما هو جوهري في المسألة.
-القسم الأول: أ) مسألة اللغة و ب) مسألة الدقة في التعاريف.
أ) مسألة اللغة:
في الصفحة الأولى من المعيار الأول والثاني نجد ما يلي:"تمت ترجمة هذه الوثيقة من اللغة الإنجليزية، وفي حال اختلاف النسخة العربية عن النسخة الإنجليزية فترجح نسخة اللغة الإنجليزية، لأنها اللغة الرسمية لمجلس الخدمات المالية الإسلامية."
لدينا هنا، قبل كل شيء بعض الملاحظات:
*) إن الأخطاء اللغوية المتعلقة بالأسلوب/التعبير أو الإملاء(الكثيرة) لا تبررها مسألة أن الوثيقة الأصلية هي باللغة الإنجليزية.
**) إذا كانت هذه الخدمة، اجتهاد مجموعة من العلماء الأجلاء كي يضعوا المعنيين بالأمر أمام رصيد هام من الأفكار في المجال، إذا كانت هذه الخدمة موجهة لكل العالم الإسلامي فكان يستحسن أن تكون باللغة العربية أصلا. وليس هناك نقص في الكفاءات في العالم الإسلامي لتلبىة هذا المطلب.
***) إذا أخذنا بعين الاعتبار أن اللغة الإنجليزية ليست اللغة الثانية في كل العالم الإسلامي، فهناك مثلا اللغة الفرنسية، فهمنا أن جمهور كبير من العالم الإسلامي لا تعنيه هذه الوثائق. وهذا مبرر، مفهوم ومقصود، لدى العلماء الأجلاء بالمجلس لأننا نقرأ في تعريف " أعضاء الهيئة الشرعية" في المعيار 10 ص44 (3)ما يلي:" ... بل يشمل ذلك معرفتهم وإلمامهم وخبرتهم في فقه المعاملات المعاصرة التي توظف لتقديم المشورة على هيئة أحكام/قرارات شرعية موجهة بوجه خاص لمؤسسات الخدمات المالية الإسلامية. وعادة لا تكون هذه الأحكام/القرارات موجهة للجمهور أو المؤسسات العاملة في مجالات أخرى".
إن أمة تسعى إلى التقدم تود دائما لو أن "الجمهور" يرقى إلى مستوى يؤهله للاطلاع على وفهم كل القوانين. ذلك أنه ليس هناك من قوانين يمكن أن نقول عنها أنها لا تهم الجمهور. فكل القوانين موضوعة لتقنين التعامل بين الجمهور فيما بينه أو بين الجمهور و المؤسسات أو بين المؤسسات فيما بينها، لكن المؤسسات ليست سوى "مجموعة من الجمهور". لكن أمة أمية تفترض دائما أن هذا الجمهور جاهل وعليه أن يستمر كذلك. وأن هذه المسائل فوق مستواه وخارج تخصصه.

****) إن "الأخطاء" التي رصدنا في هذه الوثائق، وكما ستوضح الأمثلة التالية على سبيل المثال، إن هذه "الأخطاء" أجسم من أن تكون ناتجة عن الترجمة وأعتقدها هي نفس ما أتى في النسخة الإنجليزية الأصلية.
ب) مسألة الدقة في التعاريف:
سيعتقد القارئء بأن هذه المعايير المقدمة من طرف "مجلس الخدمات المالية الإسلامية" ترقى، أو يجب أن ترقى إلى تعاريف "قانونية" يمكن أن يلجأ إليها المهتمون من أصحاب الأبناك القائمين بالخدمات أو الزبائن ليحتكموا إليها عند كل نازلة، لكنني وجدت الأمر غير ذلك. لنمر إلى الأمثلة على ما نقول:
&1) يُعرف " هامش الجدية" على التوالي في المعيار 4 ص 64 وكذا في المعيار 7 ص 41 بما يلي:
*) [هامش الجدية هي ورقة مالية قابلة للاسترداد تحتفظ بها (مخمإ)(4) على سبيل الضمان قبل إبرام العقد وتتيح حق رجوع محدود.]
**) [مبلغ مالي تحتفظ به (مخمإ) على سبيل ضمان جدية العميل، بحيث تستوفي المؤسسة منه مقدار الضرر الفعلي عند النكول.]
إنهما تعريفين يسهل قراءتهما وتفسيرهما تفسيرين مختلفين حسب مصلحة كل طرف.
&2) " تقييم التكافل" مُعرف في المعيار 11 ص 52 أما "الاكتتاب" فهو مُعرف في المعيار 14 ص 68. سيعتقد القارئ أنهما مصطلحين ذوي معنيين بعيدين كل البعد عن بعضهما، لكنه سيفاجأ أنهما اسمين لمسمى واحد! وإن اختلفت العبارات قليلا. إليكم التعريفين على التوالي:
[تقييم التكافل هو آلية تقيم تطبيقات جديدة تقوم بها مؤسسة التكافل لحساب المشتركين في التكافل بالاعتماد على مجموعة محددة من المبادئ الإرشادية لتحليل المخاطر ذات الصلة بمقدم الطلب. يمكن لمؤسسة التكافل أن تقبل الطلب أو تعطيه قسم الترتيب الملائم أو تعتذر وترفض طلب عقد التكافل.]
[الاكتتاب هو عملية تقييم الطلبات الجديدة، والتي يقوم بها مشغل التكافل نيابة عن مشاركي التكافل بناء على مجموعة ثابتة من المبادئ التوجيهية لتحديد المخاطر المرتبطة بمقدم الطلب ويجوز لمشغل التكافل قبول الطلب أو التنازل عن فئة التصنيف المناسبة أو رفض الطلب المقدم لإبرام عقد التكافل.]
&3) تُعرف "اتفاقية إعادة التكافل الاختياري" في المعيار 18 ص 80 ب: [اتفاقية إعادة تكافل خاصة بعقد واحد (أو جزء من العقد) الذي اكتتبت فيه شركة التكافل.]
و تُعرف "اتفاقية إعادة التكافل الإلزامي " في المعيار 18 ص 82 ب: [اتفاقية إعادة تكافل خاصة بعقود (أو جزء منها) اكتتبت فيها شركة التكافل ذات طبيعة محددة وفق الاتفاقية.]
هل يتضمن التعريفين ما يبرر احتواء المعرف الأول على مصطلح "اختياري" والمعرف الثاني على مصطلح "إلزامي"؟ هل المرور من "عقد واحد" إلى مجموعة "عقود" يستلزم المرور من "اختياري" إلى "إلزامي"؟ أم هي إضافة عبارة "ذات طبيعة محددة وفق الاتفاقية" التي تبرر ذلك؟
&4) يعرف كل من: "المرابحة للآمر بالشراء" و"الاستصناع" و "الاستصناع الموازي" في المعيار 1 ص 59 على التوالي كما يلي:
[عقد بيع تبيع بموجبه (مخمإ) لعميل موجودات اشترتها تلك المؤسسة بناء على طلب من العميل بشراء الموجودات بسعر التكلفة مضاف إليها هامش ربح متفق عليه(سعر البيع)،بناء على وعد من العميل قد يكون ملزم أو غير ملزم.]
[عقد يتم بموجبه اتفاق على بيع العميل أصلا غير موجود، اشترط صنعه أو بناءه وفق مواصفات المشتري وتسليمه في أجل معلوم، وبسعر بيع يتم تعينه مسبقا.]
[عقد استصناع ثان يلتزم فيه طرف ثالث باستصناع موجود محدد المواصفات ل (مخمإ )، بحيث تماثل مواصفات هذا الموجود مواصفات الموجود الوارد في عقد الاستصناع الأول.]
نلاحظ هنا أن [المرابحة للآمر بالشراء] = [الاستصناع] + [الاستصناع الموازي] إن أن كلا طرفي المتساوية يعني أن الزبون يطلب "سلعة" غير موجودة لدى (مخمإ ) فتطلبها هذه الأخيرة لدى طرف آخر، إلا أن عملية الطلب من طرف آخر، رغم عدم إمكانية الاساغناء عنها، لم يشر إليها في " المرابحة للآمر بالشراء". قد يخطر ببال القارئ أن هناك فرق بين طرفي المتساوية حيث أن عقد "المرابحة للآمر بالشراء " يتكلم عن "موجودات" في حين عقد "الاستصناع" الكلام عن " أصلا". لكننا نفاجأ بأن عقد "الاستصناع الموازي" يتكلم كذلك عن "موجود".
&5) يعرف كل من "الاستصناع" و"الاستصناع الموازي" و"السلم" و"السلم الموازي" في المعيار 1 ص60 على التوالي كما يلي:
[عقد يتم بموجبه اتفاق على بيع العميل أصلا غير موجود، اشترط صنعه أو بناءه وفق مواصفات المشتري وتسليمه في أجل معلوم، وبسعر بيع يتم تعينه مسبقا.]
[عقد استصناع ثان يلتزم فيه طرف ثالث باستصناع موجود محدد المواصفات ل مخمإ ، بحيث تماثل مواصفات هذا الموجود مواصفات الموجود الوارد في عقد الاستصناع الأول.]
[عقد يتم بموجبه اتفاق على شراء نوع معلوم من السلع غير موجود لدى البائع، بسعر محدد مسبقا وبوصف معلوم، وتسليمها في أجل معلوم، وبكيفية ونوعية معلومة. وتدفع (مخمإ) بوصفها مشتريا كامل ثمن شراء السلع عند تنفيذ عقد السلم. وقد يتم أو لا يتم تداول السلع داخل أو خارج السوق الرسمي.]
[هو عقد سلم ثان من طرف ثالث لحيازة نوع معلوم من السلع من (مخمإ)، بحيث تماثل مواصفات هذه السلع مواصفات السلع الواردة في عقد السلم الأول.]
نلاحظ كذلك هنا أن [الاستصناع] + [الاستصناع الموازي] = [السلم] + [السلم الموازي] عدا أن الطرف الأول في المتساوية يتكلم عن "الأصل" و"الموجود" في حي الطرف الثاني يتكلم عن "السلع". كما أنه في الطرف الثاني هناك تسلسل غير منطقي، ذلك أن مواصفات "السلع" يجب أن يكون مصدرها المشتري الذي يرد في العقد الثاني وليس العقد الأول.
- القسم الثاني: ما هو جوهري في المسألة.
في هذا القسم، سنناقش نوعية الخدمات التي تقوم بها البنوك الإسلامية، انطلاقا من مبادئها، وتعاريفها، الواردة في المعايير المذكورة سلفا. لكن، وكما سبق وأن أشرت، سنهتم هنا فقط بالمعاملات مع الزبون العادي، صاحب الادخار العادي أو طالب القرض البسيط. ولن نتطرق إلى معاملة "المؤسسات المالية الإسلامية" مع مؤسسات مالية أخرى أو فيما بينها.
&1) تعرف "الإجارة المنتهية بالتمليك" في المعيار 1 ص 59 بما يلي:" الإجارة المنتهية بالتمليك أو(إجارة واقتناء) هي شكل من عقود الإجارة التي تقدم للمستأجر خيارا بامتلاك الموجود عند نهاية فترة الإجارة إما بشراء الموجود أو مقابل ثمن رمزي أو بدفع القيمة السوقية، أو بموجب عقد هبة." إنه تعامل، على ما يبدو من الوهلة الأولى، واضح وصحيح و لا يخرج عن إطار المباح أخلاقيا ولا المحرم دينيا. كما أنه يبدو للوهلة الأولى بعيد كل البعد عن معاملات الأبناك. أليس الإيجار شكلا من أشكال التعامل بين الناس العاديين؟ لكن حين نستحضر أن الطرف المُستأجِر هنا هو مؤسسة (مخمإ) وليس فردا، يكون واجبا علينا أن نطرح بعض الأسئلة التي أهمها؟ - لماذا الإيجار وليس البيع؟ حين نطرح هذه الأسئلة نجد أن الجواب على السؤال الأول هو أنه: الإيجار بدل البيع لأن المستأجر له يريد فعلا الشراء لكنه ليس بإمكانه دفع الثمن دفعة واحدة. عملية الإيجار المنتهي بالبيع هي إذن ليست سوى ظلا لعملية أخرى حقيقية كما يلي:
العملية الحقيقية:
- يقترض الشخص مبلغا من المال من بنك ليرده بأقساط (مجموع الأقساط يتضمن رأس المال زائد الفائدة. رأس المال يتضمن الثمن الفعلي للمنتوج زائد تكاليف عملية البيع والتسجيل).
- بهذا المال يشتري حاجته (المنتوج أ) ويدفع ثمنها للبائع دفعة واحدة.
- العملية الظل:
- تشتري (مخمإ) (المنتوج أ).
- تسلمه للزبون الذي سيتعهد (عقد) بدفع الأقساط الشهرية. (مجموع الأقساط يتضمن الثمن الفعلي للمنتوج زائد تكاليف عملية البيع والتسجيل مرتين، من المنتج ل(مخمإ) ثم من هذه للزبون زائد الفائدة). الفائدة هنا لا تعرفها (مخمإ) على أساس أنها فائدة ولكن تعرفها كتكاليف عملها كمؤسسة. المعاملات التقليدية للأبناك لا تخلو من هذا الصنف، فلننظر إليه: يعرف (le crédit-bail)(5) كما يلي: "في إطار (le crédit-bail)، تضع مؤسسة مالية،
(le crédit-bailleur)، تضع تجهيزا رهن إشارة مقاولة لفترة محددة. مقابل دفوعات(أقساط) دورية. وفي نهاية العقدة تكون المقاولة مخيرة بين ثلاث صيغ: فإما أن ترجع التجهيز للمؤسسة، وإما أن تقتنيه بثمن محدد في العقد منذ البداية وإما تجدد عقد الكراء لكن بشروط أخف من الأولى." هنا (le crédit-bail) يتعامل به فقط مع المقاولات فكيفته (مخمإ) كي تمنح الزبون، الشخص العادي، قرضا بالفائدة دون تسمية ذلك.
&2) تعرف "المرابحة" في المعيار 1 ص59 بما يلي:" عقد بيع تبيع بموجبه (مخمإ) لعميل نوعا معلوما من الموجودات يكون بحوزتها بسعر التكلفة مضاف إليه هامش ربح متفق عليه (سعر البيع)." هنا لا وجود لقرض ولا لبيع بالسلف. فالزبون قادر على دفع ثمن المنتوج دفعة واحدة. فلماذا تتدخل إذن (مخمإ) ولا يشتري الزبون المنتوج لدى تاجر عادي؟ انطلاقا من هذا التعريف ومن مسائل أخرى نستطيع أن نقول أن (مخمإ) ليست مجرد بنك عادي.
فإذا كانت المؤسسات المالية المعروفة لحد الآن تنحصر مهمتها في نوعين:
* بنك الودائع، (la banque de dépôt -commercial banking, en anglais) والتي تعنى استلام الودائع ومنح القروض من أجل تمويل الاقتصاد والمنعشين الاقتصاديين.
(انظر الرابط https://fr.wikipedia.org/wiki/Banque)
** بنك الاستثمار (la banque d investissement ou banque d affaires -investment banking en anglais) التي تضيف إلى المهام السابقة مهمة المعاملات البورصوية. وإذا كان من الاقتصاديين الغربيين من ينتقد تجميع هتين المهمتين لدى مؤسسة واحدة لما يخلق ذلك من تداخل وتضارب المصالح، إذا كان الأمر هكذا في الغرب فإن (مخمإ) تسعى إلى دمج المزيد من المهام وإدخالها في حوزتها دون الاهتمام بمسألة تضارب المصالح. فتعريف "المرابحة" هنا لا يترك أي مجال للشك في أن (مخمإ) تلعب دور التاجر(بالتقسيط حتى) لا غير.
نفس ما قلناه هنا يمكن قوله عن "المرابحة للآمر بالشراء" المعرفة في المعيار 1 ص 59 كذلك[عقد بيع تبيع بموجبه (مخمإ) لعميل موجودات اشترتها تلك المؤسسة بناء على طلب من العميل بشراء الموجودات بسعر التكلفة مضاف إليها هامش ربح متفق عليه(سعر البيع)،بناء على وعد من العميل قد يكون ملزم أو غير ملزم.]. شيء واحد يميز هته الأخيرة هو أن المنتوج محل البيع يكون غير متوفر لدى (مخمإ) فتطلبه بناء على عقد "وعد بالشراء"، قد لا يكون ملزما إذا كان المنتوج سيباع لا محالة حتى وإن لم يشتريه من طلبه بداية.
&3) يتبين من تعريف "الاستصناع" و"الاستصناع الموازي"، إذا لم يكن هناك قرض، أن الدور الذي تقوم به (مخمإ) هو دور الوسيط، السمسار، لا أقل ولا أكثر. وهذه مهمة إضافية تضيفها (مخمإ) إلى ما تقوم به الأبناك التقليدية.
&4) تعرف "المضاربة" في المعيار 1 ص 59 بما يلي: [عقد بين رب المال (مخمإ) والمضارب يقوم فيه رب المال بالمساهمة برأس المال في نشاط يديره المضارب (أو مقدم العمل) ويتم توزيع الأرباح التي يحققها النشاط أو (مخمإ) وفق شروط عقد المضاربة، ويتحمل رب المال الخسارة وحده، ما لم تكن تلك الخسائر بسبب سوء سلوك المضارب، أو إهماله أو إخلاله بالشروط المتعاقد عليها.] هنا نرى أن (مخمإ) تقرض مقاولا للقيام بمشروع كما تفعل الأبناك التقليدية لكن الفرق طبع واضح بين المعاملتين، لنر ذلك:
- القرض التقليدي: رأسمال البنك وفوائده مضمونة ولا يهمه نجح المشروع أم فشل. كما أن فوائد البنك محدودة ومحددة سلفا سواء كان نجاح المشروع 50% أو 300%.
- قرض (مخمإ) رأسمال البنك غير مضمون [يتحمل رب المال الخسارة وحده] أما فائدة البنك فهي هنا غير محددة سلفا لأنها تمثل نسبة معينة، ليس من رأس المال، ولكن من مردود المشروع. من الوهلة الأولى يمكن أن نرى في هذا التعامل تعاملا أخلاقيا، أقصى ما يمكن أن نسعى إليه في تخليق التعامل البنكي. لكن بقدر من التمعن نرى الأمور غير ذلك. ف [رب المال يتحمل الخسارة وحده] ولكن [ما لم تكن تلك الخسائر بسبب سوء سلوك المضارب، أو إهماله أو إخلاله بالشروط المتعاقد عليها.] ذلك أن الباب الذي يمكن أن تدخلمنه (مخمإ) لتتهم الشريك بأنه أساء السلوك أو أهمل أو أخل بالعقد وعليه تحمل الخسارة، هذا الباب ليس مفتوحا فقط، وإنما مشرع (مفتوح على مصراعيه). وهكذا يكون رأس المال في "القرض الإسلامي" مضمونا كما في القرض التقليدي أم الأرباح فترتفع كلما كان المشروع ناجحا بفعل اجتهاد المقاول.
&5) يعرف "القرض" في المعيار 1 ص60 كما يلي: [هو قرض بدون فائدة يسمح فيه باستخدام الأموال المقترضة لفترة ما بشرط سداد مبالغ الأموال المقترضة نفسها في نهاية تلك الفترة.] إنه "قرض إسلامي" بمعنى الكلمة. لكن واقعيا سيكون هذا القرض هو الغائب الأول عن أعمال (مخمإ)، ذلك أنه لن يعطى لعامة الناس ولا حتى للخاصة، وإنما لخاصة الخاصة.
&6) حسابات الاستثمار على أساس المشاركة في الأرباح: تعرف هذه الحسابات في المعيار 16 ، لم ترد في أي من جداول التعريفات، كما يلي:
[فقرة 70: هي أموال للاستثمار مودعة لدى (مخمإ) على أساس المضاربة. وحيث تدار حسابات الاستثمار بمقتضى عقد وكالة، تكون العلاقة بين المؤسسة والمستثمرين علاقة وكالة بسيطة حيث تتقاضى المؤسسة أتعابا في صورة مبلغ مقطوع وليس حصة من الأرباح.
فقرة 73: تتولى (مخمإ) دور المضارب في توظيف هذه الأموال في موجودات منتجة للدخل أو في أنشطة اقتصادية، وبذلك تستحق حصة، أي ما يعرف بحصة المضارب، في الأرباح(وليس في الخسائر) المكتسبة من إدارتها لأموال أصحاب حسابات لاستثمار، وذلك طبقا لنسبة متفق عليها مسبقا ومحددة في عقد المضاربة.]
هنا الوجه الثاني للعملة التي وجهها الأول هو ما تكلمنا عنه في الفقرة &4) الخاصة ب"المضاربة".
الوجه الأول: (مخمإ) تعطي مالا لمقاول لاستثماره، ويوصف ب"المضارب".
الوجه الثاني: (مخمإ) هي من يأخذ المال لاستثماره،فهي المضارب، أما صاحب المال، الذي يشار إليه هنا ب"صاحب حساب الاستثمار"، فهو المدخر الذي يريد من ماله المدخر أن يدر عليه "ربحا" لا يتناقض مع لشريعة الإسلامية.
العلاقة بين المدخر وبين (مخمإ) هي علاقة "وكالة". أي أن الأول يتخذ الأخيرة، بواسطة عقد، وكيلا عنه لاستغلال ماله في ما هو منتج/مربح. فما هي مستتبعات هذه الوكالة؟ الفقرة 70 تقول أن (مخمإ) "تتقاضى أتعابا في صورة مبلغ مقطوع وليس حصة من الأرباح". وذلك مقابل "أتعاب القيام مقام". بعد هذه الفقرة مباشرة نجد الفقرة 73 تقول:" تتولى (مخمإ) دور المضارب في توظيف هذه الأموال في موجودات منتجة للدخل أو في أنشطة اقتصادية، وبذلك تستحق حصة، أي ما يعرف بحصة المضارب، في الأرباح(وليس في الخسائر) المكتسبة من إدارتها لأموال أصحاب حسابات لاستثمار، وذلك طبقا لنسبة متفق عليها مسبقا ومحددة في عقد المضاربة".
إذا فهمنا من الفقرة 70 أن (مخمإ) هي مجرد وكيل لصاحب المال، أي أن المال يستعمله مقاول/مضارب ما و(مخمإ) تقوم مقام صاحب المال في العلاقة مع المضارب من حيث الخبرة في كتابة العقود وفرض الشروط...إلخ. فإن الفقرة 73 تصرح بأن (مخمإ) هي نفسها المقاول/المضارب وبذلك نفهم أن الوكالة تعني القيام مقام من حيث استغلال المال مباشرة.لا علينا، فلننظر في المهم. نتيجة هذه الوكالة فإن [تستحق حصة، أي ما يعرف بحصة المضارب، في الأرباح(وليس في الخسائر)]. الحالة التي تكون فيها (مخمإ) مشاركة في الخسائر محددة في الفقرة 75 كما يلي:"تتحمل (مخمإ) مسؤولية إزاء الخسائر الناجمة عن تقصيرها أو سوء تصرفها أو خرقها لتفويض الاستثمار الموكل إليها." لكن، وكما أوضحنا حين مناقشة فقرة "المضاربة"، كم هي عدد الحالات التي يستطيع فيها صاحب المال أن يبرهن على أن (مخمإ) "أساءت التصرف" كي يجبرها قانونيا على تحمل الخسائر معه أو بدله؟ خاصة إذا كان صاحب المال هذا مجرد مدخر بسيط وليس من المحترفين في مجال المال. لن يستطيع العلماء الأجلاء طبعا الإجابة على هذا السؤال.

&7) تعرف "الهيئة الشرعية" و "المجلس الإشرافي الشرعي" على التوالي في المعيار 10ص 45 والمعيار16 ص102 كما يلي:
[كيان أو هيئة متخصصة عينتها (مخمإ) أو للقيام بمهام الإشراف على نظم الضوابط الشرعية وتطبيقها.]
[هيئة معينة بالتأسيس أو بالمشاركة من قبل مؤسسة تقدم خدمات مالية إسلامية لتطبيق وتنفيذ نظام الضوابط الشرعية الخاص بها.]
إن هذا النهج ليوضح أن واضعي المعايير هته لم يأخذوا بعين الاعتبار مسألة تلاقي المصالح. فموظف يستفيد من نجاح مؤسسة ما، لن يفتي بعدم جواز الأنشطة التي تؤدي إلى ذلك النجاح. في هذه النقطة نسجل صحة النهج المربي الذي أناط مهمة المصادقة الشرعية على أنواع المعاملات، أناطها بالمجلس العلمي المكون سلفا خارج إطار المؤسسات المالية. انظرمشروع قانون رقم 12.103 يتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها،القسم الثالث ،البنوك التشاركية، الرابط: (https://www.finances.gov.ma/Docs/2014/CA/projet_loi12.103.pdf )
&8) لنرجع إلى الفقرة &1) من القسم الثاني التي تتكلم عن ما يسمى ب"الإجارة المنتهية بالتمليك". لقد تمت الإشارة في الفقرة المذكورة إلى أن هذا"المنتوج البنكي" الذي يحاول مروجو "الأبناك الإسلامية" تقديمه على أنه "نهج إسلامي" في التعامل المالي ليس في الحقيقة سوى قرضا عاديا وسنزيد على ما سلف قوله ما يلي: من شروط قرض الاستهلاك، في فرنسا مثلا والاتحاد الأوربي، أن ما يسمى ب(Le Taux annuel effectif global (TAEG)) النسبة،نسبة الفائدة، الفعلية السنوية الإجمالية يجب أن تتضمن الفائدة على رأس المال مضاف إليها كل المصاريف المباشرة وغير المباشرة التي سوف يؤديها الزبون على إثر قرضه (Article L314-1) (انظر6). بما في ذلك مثلا مصاريف فتح الحساب إن لم يكن مفتوحا، مصاريف ملف القرض، تكلفة الوساطة إن كان هناك وسيط، مصاريف التأمين... إلخ. ما يهم هنا أن نسبة الفائدة على رأس المال، وكذا التكاليف الأخرى التي ستدخل في النسبة الفعلية السنوية الإجمالية، كل هذا، حتى وإن لم يكن موحدا (7) بين جميع المؤسسات المالية، فهو موحد في وجه الزبناء. فمثلا مصاريف تكوين ملف قرض من أجل السكن (30000.00 درهم) قد تصل 1000.00 درهم لدى البنك (أ) و1060.00 درهم عند البنك(ب). لكن هذه المصارف هي 1000.00 درهم عند البنك(ب) بالنسبة لجميع الزبناء وفي كل وقت ومكان ما لم تتغير التسعيرة بالنسبة للجميع. أما في التعامل "الإسلامي" المسمى "الإجارة المنتهية بالتمليك" فلا يستغرب أن نجد شخصان يقومان ب"التأجير المنتهي بالتمليك" لمنزلين إذا عرضا للبيع نقدا سيحدد لهما نفس الثمن، لكن الثمنين الإجماليين الذين سيدفعهما لمشتريين سيكونان مختلفين كثيرا دوم أن يستطيع أخدهما الاحتجاج. كل هذا لأن العملية، "الإجارة المنتهية بالتمليك"، لا يمكن ضبطها لأنها وبكل بساطة تتعامل حالة بحالة.
***) ثالثا:هل أتت الأبناك "الإسلامية" بما يختلف جوهريا عن الأبناك التقليدية؟
ما الجديد إذن الذي أتت به البنوك "الإسلامية"؟
- في مواجهة ما يدعي دعاة الإسلام السياسي (8) أنه "ربا"،(9) تتعامل به البنوك التقليدية من أجل "إبعاد" المسلمين عنه، فإن هذه البنوك لم تستطع التعامل دونه وإنما غيرت الأسماء وتعاملت بالتحايل. انظر الفقرة &1) الخاصة ب"الإجارة المنتهية بالتمليك". فهنا، هدف الزبون وهدف المؤسسة المالية كليهما هو أن يقترض الزبون المبلغ الكافي كي يشتري عقارا معينا للسكن ،مثلا،. فتشتري المؤسسة العقار وتأجره له فيدفع ويدفع إلى أن يكمل رأس المال والفائدة فيتسلم منزله. فيوهم هو نفسه ويوهمه دعاة المؤسسات التي على هذه الشاكلة أنه لم يتسلم بقرض بالفوائد وإنما استأجر والاستئجار حلال حلال. في ثقافتنا الشعبية مثل معروف يقول: "لاحيلة مع الله". وإذا أضفنا لهذا المثل القولة: "إنما الأعمال بالنيات"، فسوف يتضح لنا أن النية من الاستئجار هي الحصول على قرض وحيلة تحويل المسألة استئجارا لن تراوغ الله سبحانه.
- الأكثر من ذلك فداحة أن الأبناك "الإسلامية" ليس فقط تتعامل بالفائدة، وإنما كما بينت في الفقرة &8)، وإنما تتعامل بها وبمنطق كل حالة بحالة. وهذه النقطة بالذات يجب أن يعطيها المهتمون والمسؤولون ما تستحق من اهتمام. فالأبناك التشاركية تطبق مبدأ "لكل حادث حديث"، ذلك أنها في كل قرض مع كل زبون تطبق ما تراه مناسبا من الفائدة/الربح. وبهذا تكون الأبناك الإسلامية قد خطت الخطوة العملاقة بالرأسمالية والتي لم تجرأ الرأسمالية على تخطيها بعد: فإذا كانت الرأسمالية، منذ أن أحست بأنها اللاعب الوحيد، ما فتئت تزيح الدولة من مكانها، هذا المكان الذي هو التواجد بين البرجوازية والمواطن/المستهلك كي تمنع الأولى من تطبيق كل شروطها على الطرف الضعيف/المستهلك. فتحرير أسعار السلع ثم تحرير أسعار الخدمات فتولي الخواص الخدمات الأساسية.... ومع كل هذا لم تفكر البرجوازية في تحرير أسعار الفوائد والخدمات المالية. ولا أعني هنا بالتحرير إعطاء الحق لكل بنك بأن يطبق النسبة التي يريد من الفائدة والتسعيرة التي يريد للخدمات فقط، وإنما أقصد بالتحرير تحريرا مع كل زبون على حدة. فجاءت عبقرية "الإسلاميين" بالحل المعجزة. بدل القرض الاستئجار الذي يعطي الإمكانية للمؤسسة بأن تخفي كل تلاعباتها بنسبة الفائدة أسعار الخدمات وراء "ثمن الإيجار" الشهري. إنها لخدمة جليلة من طرف "؟الإسلام؟" للبرجوازية والرأسمالية العالمية.
- نقطة أخرى هي أن القوانين الخاصة بالأبناك التقليدية تحاول ما أمكن عزل بعض المجالات عن أخرى. فقد نودي وما يزال بعض الاقتصاديين ينادون بالفصل بين المهام بين الأبناك التجارية وأبناك الاستثمار وذلك كي لا يكون هناك تنافي(11). لكن المؤسسات المسماة إسلامية تذهب، في الاتجاه المعاكس، أبعد من هذا بكثير. فهي مهيكلة على أن تقوم بدور البنك والتاجر بالتقسيط والوسيط(السمسار)....
- أما إذا نظرنا إلى المسألة سياسيا فإن الأمر يتجاوز الربح والفائدة وغيرهما. إن الخطر يكمن هنا في شطر المجتمع إلى نصفين: نصف تستغله البرجوازية الملتحية والنصف الأخر تستغله البرجوازية غير الملتحية. لقد عرفت المجتمعات الإنسانية الحديثة الأحزاب واستقطاب هذه الأخيرة للمواطنين وكان ذلك ظاهرة صحية في أغلب الحالات.لكن استقطاب الأحزاب الإسلامية الذي يصل درجة "عزل" أتباعها عن المجتمع ككل بمؤسساتهم حتى البنكية، هذه تجربة جديدة على المجتمع أن يتنبه إليها كي يعرف، قبل فوات الأوان، إلى أين ستؤدي به.
////////////////////////////////////////////////////////////////////
1) يجب أن نشير هنا إلى أن الكلام عن محمد(ص) قبل الوحي كالكلام عنه بعد الوحي لأنه (ص) معصوم من المحرمات حتى قبل نزول الوحي عليه.
2) على البنك أن لا يحتفظ لنفسه بنسبة من الأرباح تفوق كثيرا أتعاب هذه الوساطة. وهذه مسؤولية الدولة التي عليها أن تتدخل لتحديد أسعار الخدمات البنكية.
3) رقم الصفحة الوارد في كل هامش، الذي يشير إلى الوثيقة (بِPDF) هذا الرقم يأخذ في عين الاعتبار كل الصفحات بما فيها صفحات التقديم.
4) في كل ما يلي يشير المختصر (مخمإ) إلى "مؤسسة الخدمات المالية الإسلامية" كيفما كان نوعها.
5) ((Dans le cadre d un crédit-bail, une société financière (le crédit-bailleur) met un bien d équipement à la disposition d une entreprise pour une période déterminée, contre paiement d une redevance périodique. Au terme du contrat, l entreprise bénéficiaire a généralement le choix entre plusieurs options : soit restituer le bien, soit l acquérir pour un montant défini lors de la conclusion du contrat, soit renouveler le contrat à des conditions le plus souvent moins coûteuses. https://fr.wikipedia.org/wiki/Cr%C3%A9dit-bail ))
6) انظر الرابط ( Article L314-1) انظر كذلك الرابط (Article L311-1)
لجأت للقانون الفرنسي فقط لسهولة الحصول على المعلومة بالإضافة إلى أن الأبناك تقريبا متشابهة بين المغرب وأوربا.
7) قلت حتى إن لم يكن موحدا لأنني لم أعثر على الوثيقة التي تثبت تلك الوحدة. فهذه المسائل إما موحدة أو متقاربة.
8) أؤكد هنا أن المسألة ليست مسألة عقيدة وإنما مسألة تيارات سياسية تحاول دائما ابتكار ما يمكن أن يجيش الناس وراءا وعزل جمهورها عن "العامة".
9) وهو كما بينا ليس ربا بالمعنى الذي أعطي للربا في عصر النبي (ص).
10) آباؤنا وأجدادنا رغم بساطتهم يستطيع منطقهم العقلي أن يعلمهم أنه "لاحيلة مع الله". ثم تأتي إيديولوجية الإسلام السياسي لتُضبع شباب القرن 20 و21 إلى أن يصلوا درجة الوهم بأنهم يمكنهم التحايل على الله سبحانه.
11) يُقصد بالتنافي الحالة التي يقوم فيها شخص ما أو هيئة أو مؤسسة ما بمهمتين لا يجب الجمع بينهما. لنعطي مثالا بسيطا هو أن يناقش البرلمان مشروع قانون يحدد تعويضات البرلمانيين. في حالة المؤسسات المالية، على سبيل المثال، لا يجب أن تُسيِر مؤسسة مالية صندوقَ تأمين مخصص لتعويض زبناءها في حالة إفلاسها.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,328,413
- حقوق الإنسان بين المغالطة والمزايدة
- بالجهل نحارب التلوث
- الإنسان والقفص
- معكم الله يا أطباء سوريا
- الديمقراطية أولا، الديمقراطية، الديمقراطية دائما
- ما العلمانية ولماذا الآن؟
- وتستفيق أوربا!
- ظلامية النور في الجامعة المغربية
- صندوق المقاصة، أية حكامة، أية تنمية؟
- يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
- المثلية:فرنسا، البلد الرابع عشر
- المجنونة
- الإباحية، لا شيعية ولا شيوعية
- للبابا تحياتي
- المهووس
- نموذج ليونتييف(ج:1) (Leontief)
- حكومة بن كيران بين ما تنويه وما تفعله
- يالطيف من خلط الأوراق
- تطرف وتطرف، وهو ووهم
- الفقر، الظاهرة والمؤشرات (2)


المزيد.....




- وزير البترول المصري: 2.3 مليار دولار لتحقيق اكتفاء الصعيد من ...
- كيف يرى رؤساء بورصات عربية أداء سوقي السعودية والإمارات؟
- غولدمان: إنهاء إعفاءات عقوبات نفط إيران سيكون محدود الأثر
- طريقة فعالة لرصد ودفع الكويكبات بعيدا عن الأرض
- البرلمان المصري: تحقيق فائض في الموازنة العامة الأخيرة وارتف ...
- نائب رئيس البنك الدولي: معدل البطالة بالشرق الأوسط ضعف المتو ...
- وزير النفط الإيراني: وصول صادراتنا إلى الصفر -حلم-
- لورانس تستعد لدخول القفص الذهبي
- بعد مصفاة بانياس... انطلاق معمل غاز سوري قريبا يزيد الإنتاج ...
- السيسي: اتفقنا على نجدة السودان اقتصاديا والتخفيف العاجل لدي ...


المزيد.....

- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني
- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد باليزيد - الأبناك التشاركية (الإسلامية)، أية شراكة؟