أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ضياء الشكرجي - 35 الدينية واللادينية والإلهية واللاإلهية















المزيد.....

35 الدينية واللادينية والإلهية واللاإلهية


ضياء الشكرجي

الحوار المتمدن-العدد: 5423 - 2017 / 2 / 5 - 23:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


35 الدينية واللادينية والإلهية واللاإلهية
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة الخامسة والثلاثون من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، حيث سنكون مع مقالات الكتاب الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة»، وتشتمل على مقالتين، الأولى «الدينية واللادينية والإلهية واللاإلهية» والثانية «لماذا يستثنى المؤمنون اللادينيون من حوار الأديان؟».

الدينية واللادينية والإلهية واللاإلهية
نشرت باسمي المستعار (تنزيه العقيلي).
ليأذن لي القراء الأعزاء بهذه المقدمة، التي وضعتها لمن لم يقرأ جميع مقالاتي المنشورة حتى الآن.
كإلهي لاديني، ألتقي كما سبق وبينت، مع اللاإلهيين - أي الملحدين -، ومع عقلاء الدينيين، على قاعدة ثنائية العقلانية والإنسانية. هنا كلامي عن الفريقين الذين يمثل كل منهما من جهة ما الضد مما أتبناه، فالديني هو الضد من اللادينية التي أعتمدها من جهة، واللاإلهي (الملحد) هو الضد من الإلهية التي أعتمدها من جهة أخرى.
وقبل أن أسترسل، أحب ان أبين أني سأستخدم [هذه المرة] غالبا مصطح (اللاإلهي) للـ (Atheist) و(اللاإلهية) للـ (Atheism)، بدلا من مصطلحي (الملحد) و(الإلحاد).
وأضيف شيئا هنا، أوحت إلي به بعض الردود. شخصيا أجد قاعدة (اللادينية العقلانية) هي القاعدة التي ألتقي عليها مع فريق من الإلهيين، ومع فريق من اللاإلهيين (الملحدين). وقلت العقلانية ولم أقل العقلية [أو العقليات]، لأن العقلية قضية معرفية نظرية، تمثل منظومة قوانين وقواعد، كما للرياضيات قوانينها، وكما للنحو، وكما للفيزياء، وغيرها من العلوم أو (المعارف)، بما هو أشمل من العلوم. بينما العقلانية هي أقل صرامة في قانونيتها، فهي قواعد يعتمدها عادة العقلانيون، تكون أقل ثباتا من القواعد العقلية. وهنا يجري الكلام عن العقل العملي، مقابل العقل النظري، أو ما يسميه البعض بالحكمة، ولو إن الحكمة استخدمت أيضا أحيانا بمعنى الحكمة النظرية المساوقة للعقلية التي أعنيها. أما العُقلائية فهي الدرجة الأضعف في الثبات، لأن ما يقبله أو يرفضه العقلاء، وما يحبذونه أو يستهجنونه، في زمان ما، هو غير ما يتخذ منه نفس الموقف عقلاء زمان أو مكان مغايرَين. العَقلانية إذن هي الدرجة الوسطى فيما هو الثابت والمتغير، ما بين العقلية والعُقلائية.
أحد الكتاب المحترمين راح يُسفّه ويُسخّف ما كتبته عن العقلية، مستخدما نفس أساليب الدينيين في النهج التكفيري الذي يستخدمونه، فهنا نستطيع أيضا أن نتكلم عن نهج تخطيئي بالمطلق، يقترب من النهج التكفيري.
وهذا الذي جعلني أكتب عن (الدينية) عند الدينيين الإلهيين، والدينيين اللاإلهيين. فكلاهما يستخدم نفس الخطأ في دعوى احتكار الحقيقة المطلقة والنهائية، بينما اللادينيون العقلانيون، سواء كانوا إلهيين، أو لاإلهيين، يلتقون [أو هكذا يفترض] رغم التناقض فيما يتعلق الأمر بوجود الله أو عدم وجوده، بأنهم لادينيون، أي لامطلقيون، بل نسبيون. الدينية عندي التي أقصدها هي مساوقة للمطلقية أو الإطلاقية، واللادينية العقلانية مساوقة للنسبية.
كنت في السابق أتصور أن التفكير المطلق، ومنهج دعوى احتكار الحقيقة هو حصرا من ملامح الدينيين بالمعنى السائد للدينية، أي لأتباع الديانات [بينما كنت حتى في فكري الديني كنت أعتمد النسبية]، وكنت أحسب أن اللادينيين لا يمكن أن يقعوا في دعوى الإطلاق، لكني وجدت مع الوقت بعض اللاإلهيين من اللادينيين يقعون في نفس خطأ الدينيين، لذا سميتهم باللاإلهيين الدينيين، فهم دينيون أيضا، بمعنى أنهم حولوا فكرة اللاإلهية والإلحاد إلى دين، يمتلك وحده الحقيقة المطلقة والنهائية. بينما النسبيون أو ما أسميتهم باللادينيين العقلانيين، سواء كانوا إلهيين أو لاإلهيين، فيرفضون الدين، والمنهج الديني للتفكير والحوار والاستدلال، لأنهم يعتبرون أن الفكر البشري كله نسبي، بما في ذلك ما يتبنون هم من قناعات، فهي نسبية عندهم، ولذا فهم لا يمارسون ما يسميه أتباع الأديان بالدعوة أو التبشير، إلا بمقدار ما هو ترويج لأفكارهم النسبية، دون أن يكونوا حريصين على أن يتبناها الآخرون، كما يفعل الدينيون من الإلهيين واللاإلهيين. فكلاهما يتمنى أن يؤمن جميع الناس بما يؤمنون هم به، ويُسفّهون ويُسخّفون ويُكفّرون من لا يتبنى رؤيتهم. [وهنا يمكن استعارة نص قرآني مع التحوير بالقول «إن المتعصبين من الدينيين لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم فتكون دينيا، وإن المتعصبين من الملحدين لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم فتكون ملحدا». حاشا للعقلاء من كل الفرق، فليس من فرقة مهما ابتعدت عن العقلانية إلا وفيها عقلاء كثروا أو قلوا.]
أقول بكل احترام لذاك الذي استخف بي، وسفّه أفكاري، واعتبرني مبتدئا، وجاهلا بمعرفة ما هو عقلي، لأني لا أتبنى فهمه هو للعقل، إن العقل عندي لا كما تتصوره، أو كما تتصور أني أتصوره. هو ليس جهازا عضويا، كأن يكون الدماغ أو غيره من الأجهزة العضوية، كما إنه ليس بفكرة مجردة، بل هو تعبير عن منظومة من القواعد والقوانين، تشمل الرياضيات والمنطق والفلسفة، مع الفارق بين كل من هذه الميادين الثلاثة في درجة الثبات القانوني، فالرياضيات أعلاها ثباتا، يليها المنطق، ثم الفلسفة. الذي يهمني فيما أستخدمه في التفكير الديني والإلهي، نفيا أو إثباتا، اقترانا أو افتراقا، تلازما أو تفككا، هو الأحكام الثلاثة للعقل تجاه أي مقولة من المقولات، فهي عنده إما واجبة، كوجوب كون الكل أكبر من جزئه هو، وإما ممكنة ككون جزء شيء ما مساويا لجزء آخر من نفس الشيء أو أكبر منه أو أصغر، وإما ممتنعة كدعوى أن الجزء أكبر من الكل من نفس الشيء. وأقصد بـ(العقل) هنا (هذه المنظومة القانونية المعرفية)، وكنت سأقول هذا العلم، إلا إني أخشى أن يفهم منه العلوم التجريبية فحسب، ولكوني أنتمي إلى المدرسة العقلية، التي ترى أن مصدري المعرفة هما العقل والتجربة، وليس التجربة وحسب، كما عند التجريبيين. [أخذت أميل إلى تسمية هذا (العلم) – مع التسامح باستخدام مفردة (العلم) بـ(العقليات) على شاكلة (الرياضيات).]
لماذا أقول أن الدينيين من الإلهيين ومن اللاإلهيين متساوون في طريقة التفكير والتعاطي مع الآخر المغاير، لأن كلا منهما يرفضان المغاير، حتى المغاير النسبي، فالدينيون الإلهيون يرفضون الإلهيين اللادينيين، لأنهم لادينيون، ويغفلون عن المشترك بينهما، ألا هي الإلهية. والدينيون اللاإلهيون (الملحدون) هم أيضا يرفضون اللادينيين الإلهيين، لأنهم إلهيون، ويغفلون عن المشترك بينهما، ألا هي اللادينية والعقلانية. فالديني الإلهي لا يرضى عن الإلهي، حتى يتبع دينه، فيكون إلهيا دينيا، والديني اللاإلهي أيضا لا يرضى عن اللاديني، حتى يتبع دينه، فيكون لادينيا لاإلهيا، أي ملحدا. فنجد الإلهي الديني يرتاح لطرح الإلهي اللاديني، عندما يورد الأدلة العقلية لإثبات وجود الله، ويصطف إلى جانبه، ويمتدحه فيما يعرض من أدلة على وجود الخالق، ولكن بمجرد أن يكتشف أنه لاديني، ينفر منه ويتشجنج تجاهه، ويرفضه ويسفه أفكاره، ويعتبره جاهلا، وكافرا، ونجسا. وهكذا هو الحال مع اللاإلهي الديني، فهو يرتاح لطرح اللاديني الإلهي، عندما يراه يورد الأدلة على عدم صدق الدين، ويمتدحه ويعتبره رائعا وعبقريا فذا، ولكن بمجرد أن يكتشف أنه إلهي، ويسرد الأدلة على وجود الله، ينفر منه ويتشنج تجاهه، ويسفه أفكاره، ويعتبره جاهلا، غير علمي، وغير عارف بالفلسفات، وبمناهج التفكير، ومتخلفا وخرافيا وإلى غير ذلك. [أقول ذلك من غير أن أعمم طبعا.] بينما الإلهي اللاديني، لا يجد عنده أية مشكلة مع اللاديني اللاإلهي، بل ولا مع الديني العقلاني النسبي، إن وجد، مع ندرته، وهكذا اللاديني اللاإلهي (العقلاني النسبي)، لا يجد عنده عقدة تجاه اللاديني الإلهي، لأن اللادينيين سواء كانوا إلهيين أو لاإلهييين، فإنهم نسبيون، ولا يدّعون امتلاك الحقيقة النهائية أو المطلقة.
أقول لمن يخالفني الرأي: بكل تأكيد أنا بالنسبة لك على خطأ، لأن الصواب عندك ما تتبناه وتقتنع أنت به، ولكن عندما تدرك حقيقة نسبية الخطأ والصواب، ستعلم أنك أيضا مخطئ بنسبة ما، ولعلك مخطئ في نفس القاعدة الفكرية الأساس التي تنطلق منها في بناء صرحك الفكري، كما يمكن أن يصدق هذا الافتراض عندي.
الكلام طويل ومفصل، وسيطلع القراء الكرام على هذه التفاصيل مع الوقت. وكما بينت في البداية، إني لست متفرغا الآن [وقت كتابتي للمقالة] للكتابة عن هذا الموضوع، إلا بشكل محدود جدا، بل إني أختار مما كتبته حتى الآن عبر عقد من الزمن أو أكثر، ولم أنشره، بل جعلته مشروع كتاب للمستقبل، ثم رأيت أن أنزل هذه الأفكار الآن، بعد مراجعة سريعة، وإجراء بعض التنقيحات. ليست القضية أن أقنع القارئ بصواب ما أذهب إليه، بل من أجل إثارة طريقة مغايرة للتفكير بشأن قضايا الدين والإيمان والإلحاد، فالقضية ليست محصورة في ثنائية الإيمان الديني والإلحاد، أو بين الإلهية الدينية واللادينية اللاإلهية، بل هناك الإيمان اللاديني، أو الإلهية اللادينية، زاعما أن الإلهية واجب عقلي، مع احترامي للأصدقاء الملحدين الذين لا يرون ما أراه، وأن الدين ممكن عقلي، ثبت عندي عدم صدقه في الواقع، مع اعتذاري لعقلاء الدينيين. فالممكن هو متساوي الطرفين، ممكن الوجود وممكن العدم، أو ممكن الصدق وممكن الكذب، وبالتالي تخضع النتيجة للفحص والدراسة. وحيث إن الدراسة لا يمكن أن تكون خالية من الثغرات مئة بالمئة، يبقى الإثبات كما النفي بالنسبة للمكن ظنيا، بينما الواجب والممتنع العقليان يكونان يقينيين عند من يراهما واجبا أو ممتنعا.

لماذا يستثنى المؤمنون اللادينيون من حوار الأديان؟
مقالة كتبت باسمي المستعار (تنزيه العقيلي).
بقطع عن الموقف من الأديان، لا بد من الإقرار بأن لحوار الأديان، ومن غير شك، دورا إيجابيا في بناء صرح الأخوة الإنسانية، وذلك ما لحوار الأديان [كما حوار المذاهب] من أثر في التقريب ما بين أتباعها، وتعرّف بعضها على البعض الآخر، والبحث عن المشتركات والكلمة السواء فيما بينها. ثم إن الإلهيين من غير الدينيين، ولكونهم ينتمون إلى مساحة أوسع، هي مساحة المنتمين لمبدأي العقلانية والإنسانية، أو قل المنتمين إلى العلمانية السياسية، والعلمانية الفلسفية، لكونهم يؤمنون بحوار الحضارات والثقافات، يجدون أن الحوار والتفاهم على قاعدة الاعتدال، والتسامح، والرغبة في التعايش، من لوازم تحقيق السلم العالمي. فهم في هذا الجانب يؤمنون بضم حتى الملحدين الملتزمين بمبدأي العقلانية والإنسانية إلى هذا الحوار.
ولكن دعونا نتحدث بشكل خاص عن حوار الأديان، حيث لا بد من القول هنا أن حوار الأديان قد اقتصر حتى الآن على ما هو معروف بالأديان الإبراهيمية، أي الإسلام، والمسيحية، واليهودية، وتعدى ذلك أحيانا إلى البوذية، ولعله إلى الصابئية المندائية والزرادشتية وغيرهما، حيث تواجد أتباعها. ولكن هذه الأديان، حتى الآن، لم تنفتح في حواراتها على شريحة واسعة جدا من المؤمنين، ألا هم اللادينيون.
أما إذا قيل إن الأديان تتفق على مشترك بينها، ألا هو أصول العقيدة: التوحيد، والمعاد، والنبوة، فأقول إن اللادينيين، يتفقون معها في اثنين منهما، ألا هما التوحيد و[الحياة ما بعد هذه الحياة التي تلتقي في الجوهر مع مبدأ] المعاد، وإن اختلفوا في التفاصيل، تماما كما يختلف أتباع الأديان في التفاصيل فيما بينهم، بل كما يختلف أتباع كل دين من دياناتهم في داخله في الكثير من التفاصيل، كما هو الحال بين المذاهب والمدارس والتوجهات الإسلامية، أو بين الكنائس المسيحية، أو التيارات اليهودية. ثم إننا الإلهيين اللادينيين إذا ما اختلفنا مع تلك الأديان في إنكار النبوات وإلهية كتبها المقدسة، فهم لا يختلفون في ذلك من حيث المبدأ عن إنكار بعضهم البعض لنبوات البعض الآخر، لأنهم إن اتفقوا على أصل النبوة كمفهوم، أو ما يسمى بالنبوة العامة، اختلفوا في المصاديق فيما هي النبوات الخاصة لكل منهم. فإذا قبل المتحاورون اليهود بإيمان من يؤمن بدين أتى بعد اليهودية، هم لم يؤمنوا به، فلا هم مؤمنون بالمسيح ابنا لله ومخلصا، ولا بمحمد نبيا ورسولا. وهكذا المتحاورون المسيحيون، فهم من حيث المبدأ يقولون بنسخ العهد الجديد للعهد القديم، وبالتالي بحلول المسيحية مكان اليهودية، وكذلك لا يقرون بنبوة محمد، وإن الإسلام [بالنسبة لهم] ليس إلا فكرة بشرية، وليس وحيا إلهيا، وإلا لكان لزاما عليهم ان يتحولوا إلى الإسلام. وأما المتحاورون المسلمون، فهم لا يقرون إلا بيهودية ومسيحية لا وجود لهما في الواقع، إذ إن اليهودية والمسيحية المعاصرتين - حسب عقيدة المسلمين - هما [عندهم] غير اليهودية والمسيحية [ويسمونها النصرانية] اللتين أتى بهما موسى وعيسى، والإسلام عندهم نسخ ما قبله من أديان وحل محلها. ثم إن المسلمين لا يؤمنون بالمسيح ابنا لله، بل يعتبرون القول بذلك كفرا بنص القرآن، وينكرون كذلك صلبه. ثم هناك في إطار حوار الأديان حوار حتى مع البوذية التي تختلف مع الأديان الإبراهيمية بأهم ركيزة لعقيدتهم، ألا هي موضوعة الخالق وتوحيده. إذن من الممكن أن نقبل بفريق حوار يؤمن كما الأديان التوحيدية بالله، ويؤمن وفقا لرؤية فلسفية بالجزاء في حياة ما بعد هذه الحياة كلازم من لوازم العدل الإلهي، ثم هو يقر بالنبوة مفهوما كممكن عقلي، لكنه لا يؤمن بمصاديقها، كما لا يقر أتباع كل دين بالدين الآخر، كمصداق لمفهوم الوحي والدين والنبوة.
وهكذا إذن الإلهيون اللادينيون، يعتقدون بالله الواحد المتفرد المتوحد، وبجزائه، الملازم ملازمة عقلية لعدله، الملازم ملازمة عقلية لكماله، الملازم ملازمة عقلية لكونه واجب الوجود. أما النبوة التي يقول بها الدينيون، فالغاية منها متحققة بالعقل والضمير الإنسانيين، وبالنمو المطرد للتجربة والرشد البشريين. ثم استعداد الأديان الإبراهيمية لضم البوذية للحوار الديني، مع إن البوذية فلسفة أخلاقية وروحية، أكثر من كونها دينا ينسب نفسه إلى الخالق، ينبغي أن يكون مبررا لشمول الإلهيين اللادينيين بحوار الأديان، أو لنقل حوار العقائد، لكون اللادينية الإلهية تلتقي مع الأديان في الإيمان بالله، كما تلتقي مع المدارس الإنسانية والعقلانية المادية، أي القائلة بالإلحاد، مما يعني أن حوار العقائد والمدارس العقائدية ذات المنحى الإنساني والأخلاقي، لا بد أن يشمل، ليس فقط الإلهيين من اللادينيين، بل حتى اللاإلهيين منهم، أو الماديين، أو العلميين التجربيين، أو الملحدين، طالما اعتمدوا البعدين الإنساني والعقلاني. ولكن الذي أحتمله، هو إن أكثر الدينيين يخشون محاورة الإلهيين اللادينيين، أكثر من حذر أكثرهم من محاورة الدينيين المغايرين، بل ربما حتى أكثر من محاورة الملحدين، لأن الإلهيين اللادينيين قادرون على زعزعة أركان النظرية الدينية، بأدواتها هي، أي بأدوات الميتافيزيقا، لكن الميتافيزيقا العقلية الفلسفية، لا الميتافيزيقا الدينية الوحيانية، لاعتمادهم مرجعية العقل، واعتماد الدينيين مرجعية النص المقدس، المقدس عندهم طبعا. [وإذا اعترض بسؤال من يا ترى يمثل الإلهيين اللادينيين، فهم مدارس ورؤى شتى، نقول، وهكذا هي المسيحية مدارس ورؤى شتى، وهكذا هي اليهودية، وكذلك الإسلام هو مدارس ورؤى واجتهادات وتأويلات واستنباطات وأوجه شتى.]
لكن الحوار الذي أدعو له، لا يجب أن يكون حوار التحاجج والجدل والسجال، وهو ليس حوار ليّ الأذرع وإبراز عضلات الحجج، بقدر ما هو حوار التعارف والبحث عن المشتركات، لما للحوار من فوائد للبشرية من أجل تكريس السلام، والاعتدال، والتسامح، والتفاهم، والتعايش. ولو إني أرى أن من الضروري أن نتعلم كيف نتخاصم فكريا، حضاريا؛ فكريا بمعنى خصومة الأفكار فيما بينها، عندما تتقاطع، وحضاريا، بمعنى أن تكون آليات التخاصم حضارية، عقلانية، علمية، سلمية. لأن التعايش في تصوري لا يتحقق بشكل متجذر وحقيقي، ما لم يتعلم المتغايرون فكريا وسياسيا وعقائديا، كيف يتحاورون، كيف يختلفون، كيف يتفقون، كيف يتخاصمون متصالحين، ويتصالحون متخاصمين، إذا ما تقاطعت الأفكار، ما زال الاتفاق والاختلاف يقومان على قاعدتين أساسيتين، هما الإنسانية والعقلانية، إنسانية التوجه والتعامل، وعقلانية التفكير والسلوك والتعايش.
من هنا أدعو دعاة وناشطي حوار الأديان، أن يفكروا جيدا وجديا، بمحاورة الإلهيين الفلسفيين اللادينيين، والملحدين العقلانيين الإنسانيين، ولا يقتصروا على تحاور الأديان فيما بينها، أي أن يتعدوه إلى الآفاق الرحبة لحوار الحضارات، والأفكار، والعقائد، والفلسفات.
كتبت في 19/09/2009





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,016,053
- 34 الله: أبوته للإنسان وتجسده فيه وذكورته
- 33 مرة أخرى مع دعوى النبوة للأديان الإبراهيمية
- 32 الأديان الإبراهيمية ودعوى النبوة
- رؤية في سبل الإصلاح الحقيقي والشامل 4/4
- رؤية في سبل الإصلاح الحقيقي والشامل 3/4
- رؤية في سبل الإصلاح الحقيقي والشامل 2/4
- رؤية في سبل الإصلاح الحقيقي والشامل 1/4
- 31 الإيمان العقلي وموقفه من بعض مقولات الأديان
- 30 ثلاثية العقل مقابل ثنائيته عند محمد أرگون
- 29 التشابه بين تجربة سپينوزا وتجربة لاهوت التنزيه 3/3
- 28 التشابه بين تجربة سپينوزا وتجربة لاهوت التنزيه 2/3
- 27 التشابه بين تجربة سپينوزا وتجربة لاهوت التنزيه 1/3
- 26 مع د. إبراهيم الحيدري في النزعة التنويرية في فكر المعتزلة
- 25 مع توفيق الدبوس في مقالته «ابن رشد وما يجري اليوم»
- 24 الحضارة العالمية وفلسفة إخوان الصفا
- 23 عقيدة التنزيه كإيمان فلسفي لاديني
- 22 العقلانية والروحانية لدى كل من الديني واللاديني والمادي
- 21 كم أفلحت وكم أخفقت الأديان في تنزيه الله؟
- 20 خاتمة ومقدمة وبطاقتي كإلهي لاديني
- لا حل إلا بالعلمانية


المزيد.....




- شيخ الأزهر: التسامح الفقهي لم يكن غريبا أو شاذا في المجتمعات ...
- حفتر يعلق على إعلان سيف الإسلام القذافي الترشح لانتخابات رئا ...
- الاحتلال الإسرائيلي يقرر إغلاق المسجد الابراهيمي غدا وبعد غد ...
- هل يعود تنظيم الدولة الإسلامية بعد التوغل التركي في سوريا؟
- اليهود المغاربة يحتفلون بيوم الغفران في مراكش
- مصر.. تطورات محاكمة قيادات -الإخوان- الهاربين إلى تركيا
- قطر: الإخوان المسلمين قصة تم اختلاقها
- طهران: الروح السائدة بين النخب السعودية قائمة علي إزالة التو ...
- هيومن رايتس ووتش تحذر من نقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية م ...
- هيومن رايتس ووتش تحذر من نقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية م ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ضياء الشكرجي - 35 الدينية واللادينية والإلهية واللاإلهية