أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسني إبراهيم عبد العظيم - تطور الوعي الإنساني بالألم من الميثولوجيا إلى السوسيولوجيا 4/2















المزيد.....


تطور الوعي الإنساني بالألم من الميثولوجيا إلى السوسيولوجيا 4/2


حسني إبراهيم عبد العظيم

الحوار المتمدن-العدد: 5423 - 2017 / 2 / 5 - 01:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تطور الوعي الإنساني بالألم من الميثولوجيا إلى السوسيولوجيا 4/2


تناولنا في المقال الأول من هذه السلسلة أهمية دراسة الألم من الناحية الأنثروبولوجية والسوسيولوجية، كما أوضحنا المعني اللغوي – العربي والإنجليزي – لمصطلح الألم، ونتناول في هذا المقال الجوانب الميثولوجية لتفسير الألم، وعملية التحول من التفسير الميثولوجي للتفسير الفسيولوجي.

ثانيا: فهم الألم من التفسير الميثولوجي للتفسير الفسيولوجي:

كان الألم مصدر قلق كبير للبشرية منذ بدء الوجود الإنساني على الأرض، وكان هدفا لجهود متباينة لفهمه والتحكم فيه، والواقع أن الإحســاس بالألم ومحــاولة فهمه وتفســيره موغل في القدم، فالألم متأصل في كل حياة إنســانية واعية. وتؤكد الدلائل والسجلات التاريخية أن المعاناة من الألم وطرق تخفيفه كانت موجــودة لدى كافة الأمم القديـمة. (Loeser2001:49)

فالحقيقة أن تاريخ نضال الإنسان المستمر لتخفيف الألم يرجع إلى قرون طويلة في حيـاة الإنسان الأول. لقد بدأت القصة بخيوط رفيعة من الأساطير والأوهام وبعض الحقائق، شقت طريقها في العصور المبكرة عبر الكتابات الميثولوجية في الثقافات والشعائر الدينية لدى قدماء العبريين والمصريين واليونانيين والرومان، وبقيت تلك الأفكار حية في العصور الوسطى، ثم تطورت في عصر النهضة بصورة علمية، حيث الازدهار العظيم للمسكنات التخليقية، والتخديـر، وتعكس كل تلك التطورات بطبيعة الحال النبوغ الخلاق للإنسان. (Tainter 1948:3)

إن الإنسان في عصور ما قبل التاريخ كان ينظر إلى المرض باعتباره حدثا روحيا بالأساس، وكان يرى أن المريض لديه قصور في الجانب الروحي، وبالتالي تتملكه قوى شيطانية، وكانت مهمة الطب في ذلك الوقت هي إزاحة تلك القوى وتطهير الجسـد (والروح أيضا) منها لتخفيف الألم، وذلك من خلال طقوس دينية وممارسات جسدية. (Mayer2004:2)

وعلى الرغم من أن المجتمعات القديمة لم تكن لديها معرفة دقيقة وصحيحة بالفسيولوجيا وعلم التشريح، إلا أنها لم تجد صعوبة تذكر في فهم الألم المصاحب للإصابة الظاهرية، غير أنها لم تستطع أن تفسر الألم الناتج عن الأمراض والاضطرابات الداخلية. فالجروح والكدمات الخارجية المرئية تم فهمها كأسباب مباشرة للألم، ومن ثم تم مبكرا استخدام أدوات محددة لتخفيف ذلك الألم، كتدليك الجزء المصاب، أو وضعه في ماء بارد بالنهر أو البحيرة، أو تعريضه لحرارة الشمس، وتم في مرحلة لاحقة استخدام النار لعلاج مسبب الألم. (Whitworth2005: 4)

أما الألم الناتج عن الاضطراب الداخلي، فكان يُعتقد أنه يعود إلى أرواح شريرة evil spirits وشياطين demons تسكن الجسد، وتحدد العلاج في بذل الجهد لاسترضاء appease تلك الأرواح أو إخافتها، وذلك من خلال (حِلقان) أو خواتم rings يتم وضعها في الأذن أو الأنف، وتمائم amulets وتعاويذ talismans كمخالب النمر tiger claws وأشكال سحرية أخرى، هذا بالإضافة إلى بعض الطقوس الجسدية كالوشم tattooing والخدش scarification، وشيئا فشيئا حل المشعوذ conjurer والمعالج medicine man والشامان Shaman محل تلك الطقوس، حيث يتمتم هؤلاء بعبارات ورقى سحرية magic incantations ويقاتلون شياطين الألم الخفية ويهزمونها ويخلصون المريض من معاناته. (Tainter 1945:3)

لقد اتسمت تلك المرحلة البدائية من تاريخ التطور الإنساني إذن بالاعتماد على الطقوس الدينية والسحرية، والإجراءات الطبية البدائية – كعمل نقب (أو ثقب) Trephination في الجمجمة لإخراج الأرواح الشريرة - التي تسبب الألم، ومع التطور الحضاري ركز المعالجون على أنماط علاجية، ظنوا أنها تحدث تأثيرا مباشرا، فاستخدموا الأعشاب المتاحة لديهم، وأصبحوا أكثر مهارة في العلاج والجراحة. (Mayer2004:2)

وتمثل الحضارات الشرقية القديمة مرحلة أكثر تطورا، في فهم الألم، والتعامل معه، حيث فرضت بعض المجتمعات القديمة، أنماطا من الضبط لمنع الألم ومضاعفاته، فلقد حددت شريعة حمورابي في بلاد الرافدين قبل نحو أربعة آلاف عام، جزاءات صارمة لســوء الممارسة الطبية في الجراحة، فقد يفقد الجراح إحدى يديه في حالة موت المريض، ولقد تضمنت الرؤى الطبية لتلك الفترة والفترات التي تلتها التعامل مع مختلف أشكال الطاقة التي تمر خلال الجسد، وتستلزم الصحة توازنا لمختلف أشكال الطاقة.(Mayer2004:2)

وأسهم المصريون القدماء إسهاما لافتا في تطور الفهم الإنساني للمرض، وتجلى ذلك فيما يعرف في علم المصريات بالبرديات الطبية التي تعد أقدم مؤلف يضم الوصفات الطبية وطرق تحضيرها، فهي لذلك تعد من أقدم دساتير الأدوية في العالم وفي تاريخ العلم، تعد بردية إيبرس أشهر البرديات قاطبة تعود لعام 1550 ق.م، اكتشفها العالم الألماني إيبرس في الأقصر، وهي الآن في متحف ليبزج، وتحتوي على (811) وصفة طبية، يبلغ طولها 25 مترا، وعرضها 30سنتيمترا، وتحتوي على 2289 سطرا. أما بردية برلين فيرجع تاريخها إلى عام 1333 ق.م، وتم العثور عليها قرب أهرام سقارة بالجيزة، وهي موجودة في متحف برلين منذ عام 1886، ويبلغ طولها 5.16 مترا، وعرضها 20سنتيمترا، وتحتوي على 170 وصفة طبية . (العلمي 1988: 23- 24)

واعتقد المصريون القدماء أن الشـدائد النفسـية المؤلمة - أكثر من الجروح الجســمية – تحدث نتيجة تأثيرات مقدســة من الآلهة وأرواح الموتى، التي تأتي في الظلام، وتخترق الجسد عبر الأنف أو الأذن. وكانت أنماط القـوى الغيبية وأعــدادها في مصر القديمة لا حصر لها، وذكرت برديتا إيبرس وبرلين Ebers and Berlin papyri أن مسارات رحيل الشياطين والأرواح الشريرة من الجسد يمكن أن تتم عن طريق القئ، البول، العطس، أو العرق، ووفقا لما جاء في بردية إيبيرس، فقد اعتقد المصريون أن الشبكة الواسعة من الأوعية الدموية التي سموها (ميتو) Metu تحمل أنفاس الحياة والأحاسيس إلى القلب، وكان ذلك الاعتقاد بمثابة إرهاصات مبكرة لفكرة أن القلب هو مصدر الإحساس، وهي الفكرة التي استمرت لأكثر من ألفي عام بعد ذلك. (Loeser2001:50)

وثمة تصور متقارب من الفهم المصري القديم للألم لدى الهنود والصينيين القدماء، فالأفكار المبكرة للألم والمعارف الطبية الأخرى في الهند القديمة تُعزى للإله (أندرا) Indra كما وردت في الكتابين المقدسين للهندوس، وهما الفيدا Vedas والأبنشاد Upanishads . فعالمية الألم universality of pain ترجع إلى الإخفاق في تحقيق الرغبات، ويرتبط ميلاد الإنسان بالألم، ثم تتدهور حالته الجسدية نتيجة الكبر. فالهَرِم أمر مؤلم، والمرض مؤلم، والموت مؤلم، والتماهي مع الألم أمر مؤلم أيضا، إن الألم هو الانفصال عن المتعة والبهجة. وعلى الرغم من أن الفكرين الهندوسي والبوذي ينظران بشكل عام للألم كإحساس، إلا أنهما يعطيان اهتماما لمستوى العاطفة في التجربة. واعتقد الهنود القدماء، كما اعتقد المصريون من قبلهم، أن الألم خبرة قلبية، ففي نهاية القرن الأول قبل الميلاد قرر (كاراكا) أحد المعلمين العظام للطب في الهند أن القلب هو مصدر الألم والبهجة، كما اعتبره مركزا للوعي أيضاً. (Loeser2001:50)

وتمثل الحضارة اليونانية نقلة نوعية في فهم الألم، حيث بدأ اليونانيون القدماء في تنظيم الطب، وبالتالي مقاربة الألم وفق منهج علمي متحرر من الأسطورة بدرجة كبيرة، وعلى الرغم من قِدم المبادئ الطبية الإيبوقراطية، إلا أن الكثير من رؤاه الطبية والأخلاقية (كالعلاقة بين المريض والطبيب) لا يزال معمولا بها حتى الآن. (Mayer 2004:2)

لقد انشـغل اليونانيون في مرحلة ما قبل سـقراط بشـكل مكثف بطبيعة الإحسـاس في أعضاء الحس بالجسد، ففيثاغورث Pythagoras الذي تنقل بين مصر وبابل والهند لدراسة الحواس، طرح لأول مرة فكرة أن المــخ، وليس القلب، هو مركز الإحساس والفكر . بيد أن هذه الفكرة لم يُكتب لها القبول لدى الثقافة اليونانية القديمة؛ لأنها اصطدمت بعد ذلك مع رؤية أرسطو التي ترى أن القلب هو المهيمن الأعلىheart reigns supreme على الجسد. وقد نحى أناكساجوراس Anaxagoras الذي توفي عام 428 ق.م. منحى فيثاغورث، حيث اعتقد أن كل الأحاسيس مرتبطة بالألم، وكلما تناقض الجانب الذاتي مع الجـانب الموضــوعي لدى الإنسان، كلما زادت قوة الألم الذي يتم إدراكــه في المخ، أما أبوقــراط Hippocrates فقد اعتقد أن الألم يرجع إلى خلل في واحد من الأخلاط الأربعة الرئيسية: الدم، البلغم، الصفراء، السوداء، وكتب عن الثقب أو النقب كوسيلة لتنفيس الألم، كما اســتخدم لحـاء الصفصاف willow bark كمســكن للألم . (Whitworth2005: 5-6)

وفي مرحلة ما بعد سقراط التي انتقل الاهتمام الفلسفي فيها من الطبيعة إلى الإنسان والمجتمع، ظهرت رؤى جديدة ومغايرة للألم تأثرت بشكل خاص بما طرحه أفلاطون وأرســطو، حيث أنهما ظنـّا أن القلب هو مصـدر الإحساس، وليس المخ، وقد سادت هذه الرؤى فترات طويلة بفعل السلطة التي مارسها الفكر الأرسطي على الوعي الإنساني قروناً طويلة.

فلقد اعتقد أفلاطون Plato (427-347) أن الإحسـاس لدى الإنسان ينتج من حركة الذرات المتواصــلة عبر الأوردة إلى القلب والكبد، وهما يمثلان مركزي تقدير الإحساس، كما اعتقد أيضا أن الألم لا يمثل فقط اسـتجابة للمثيرات العضوية، ولكنه يمثل أيضاً خبرة عاطفية مرتبطة بالروح المستقرة في القلب. والحقيقة أن وظيفة المخ في العمليات الحسية لم تكن حاضرة بوضوح في الخطاب الفلسفي الأفلاطوني، فقد اعتبر أفلاطون المخ عضوا فاعلا فقط في صياغة المفاهيم المشتقة من الإحساسات. لقد اعتبر الألم والمتعة عواطف مشتركة بين أعضاء الجسم كله، لقد لاحظ أن المتعة إنما تأتي من تقليل الألم، في محاورة (فيدون) (*) يعرض أفلاطون هذا المفهوم على لسان سقراط، عندما تتحرر قدماه من السلاسل، يلاحظ سقراط اختفاء الألم، وحضور المتعة. ولهذا فقد استنتج أفلاطون أنه على الرغم من أن الألم والمتعة عاطفتان متناقضتان، إلا أنهما مترابطتان؛ لأنهما ينبعان من القلب كمشاعر روحية. (Loeser2001:50)

أما أرسطو (384-322 ق.م) فقدم رؤى للألم متسقة مع رؤى أستاذه أفلاطون، ففصَّل مفاهيم أفلاطون عن الإحساس والألم في كتابيه: الروح، والأخلاق النيقوماخية (وهو كتاب ألفه أرسطو لابنه نيقوماخوس). لقد ميز أرسطو بين خمس حواس، هي البصر والسمع والتذوق، والشم، واللمس، ووفقا لما كان يعتقده أرسطو، ليس للمخ وظيفة مباشرة في العمليات الحسية، فكما بينا فيما سبق، يرى أرسطو أن القلب هو مصدر الإحساس، بل إنه اعتبر القلب هو مركز كل الوظائف الحيوية الأساسية، وهو مستقر الروح. ويرى أرسطو كذلك أن وظيفة المخ هي إنتاج إفرازات باردة تقوم بتبريد الهواء الساخن، وتبريد الدم القادم من القلب. إن الألم هو إحساس متزايد بكل محسوس، ويحدث الألم في أطراف الجسد ثم ينتقل مع الدم إلى القلب. (Loeser2001:50)
وقد تعرضت رؤى أفلاطون وأرسطو لنقد شديد من جانب العديد من تلاميذهما، من أمثال (هيروفيلوس) Herophilus، (335-280ق.م) و(إراسيستراتوس) Erasistratus (310-250ق.م) اللذين أكدا أن المخ وليس القلب هو مصدر الإحساس بالألم، وقدما تحليلا ت عميقة لبنية الجهاز العصبي وارتباطه بالإحساس بالألم، وهذا ما ذهب إليه الطبيب الروماني الشهير (جالينوس) Galin (130-201م) الذي قدم رؤية علمية دقيقة لانتقال الألم عبر الخلايا الحسية والجهاز العصبي للمخ، ولكن لسوء الحظ فقد توارت أفكار جالينوس، خلف سطوة الفكر الأرسطي الذي هيمن على الفكر الإنساني لمدة ألف عام تالية. . (Whitworth2005: 6)

ومع دخول أوربا غياهب العصور الوسطى المظلمة منذ سقوط روما عام 476 ميلادية، سيطرت الطبقات الإقطاعية ورجال الكنيسة على مقدرات الشعوب، فانتشر الفقر، وانخفض مستوى التعليم، الذي انحصر في تعاليم الإنجيل، ومع ذلك الظلام الدامس بزغ ضوء لامـع في الطب في نهاية تلك الفترة، عندما كتب ابن سينا(980 – 1038) الذي عُرف بأمير الأطباء Prince of Physicians سلسلة من الأطروحات الطبية النابهة. كان محور عمله هو كتاب القانون في الطب Canon of medicine الذي دمج فيه رؤاه الطبية الخاصة مع أفكار جالينوس، وبعض معاصريه من العلماء المسلمين، ليصيغ طائفة من النظريات الطبية الحديثة. وقد اعتبر كتاب القانون في الطب الذي يحتوي على مليون كلمة أول دستور متكامل للأدوية pharmacopoeia ، وقدم ابن سينا في الكتاب طرقا كمية وتجريبية لدراســة علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجيا) Physiology، واكتشف الطبيعة المعدية للأمراض السارية، وأدخل نظام الحجر الصحي للحد من انتشار الأمراض السارية، و ابتكر المعرفة الطبية المستندة على الأدلة، والطب التجريبي، والتجارب المنضبطة والعشوائية، والصيدلة السريرية، وعلم النفس الفسيولوجي، Physiological Psychology وتحليل عوامل الخطر، وفكرة المتلازمة الطبية Idea of a syndrome في تشخيص أمراض معينة. إن أهمية ابن سينا لا تكمن فقط في إبداعاته العلمية الكبيرة، وإنما في استمراره كمرجع للطب الأوربي ومدارسه على مدار القرون الستة التالية. (Whitworth2005:8-9& Loeser2001:51)

لقد كان كتاب القانون زاخرا بالمعرفة حول موضوعات تبدو وكأنها خارج سياق الكتب الطبية الدراسية، فتحدث عن نمط الإقامة ومصادر المياه، والمناخ والفصول، والاستحمام والاضطراب العاطفي، والنوم، والأهمية العلاجية للموسيقى. وقدم ابن سينا عدة مأثورات aphorisms أشبه بالقوانين العلمية، من قبيل أن الإنسان لكي يكون بصحة جيدة ينبغي أن يمتلك قلبا دافئا، وأعصابا باردة، وعظاما جافة، وقال أيضا إن الألم المفرط في البطن، مع ارتفاع الحرارة يعد أمرا خطيرا، وخصص الجزء الخامس من كتاب القانون لتخفيف الألم والشفاء من الأمراض، فتحدث عن الأدوية، وطرق تحضيرها، ومفعولها. Douglas 1945:92))

وميز ابن سينا بين خمس حواس خارجية، وخمس أُخَر داخلية، وحدد موقع الحواس الداخلية في فصي الدماغ، ووصف خمسة عشرة نمطا مختلفا للألم، ترجع للأشكال المختلفة من التغيرات الجسمية، واقترح طرقا معينة للتخفيف من الألم مثل التدريبات الرياضية، والتدفئة والتدليك Massage بالإضافة لاســتخدام الأفيون وغيره من العقاقير الطبية للتخفيف من الألم. وكان ابن سينا أول من أدرك أن الألم يعد إحساسا مستقلا ومنفصلا. Whitworth2005:9))

يتضح مما سبق أن ابن سينا قد اسس للفهم الفسيولوجي الدقيق لظاهرة الألم، وصحح الأخطاء التي ورثها الفكر الإنساني من أرسطو التي تتعلق بأن القلب، وليس المخ هو مصدر كل الأحاسيس، والألم واحد منها.

واستنادا لذلك حدث تحول في الفكر الفسيولوجي في أوربا خلال عصر النهضة، ثم عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وارتبط ذلك التحول بالتطورات الهائلة في مجــالات الكيمياء والأحيــاء والفيزياء، والتشريح - وعلى وجه الخصوص تشريح الجهاز العصبي - حيث ظهر العديد من العلماء الذين قدموا نظريات فسيولوجية فسرت الألم بطريقة علمية سليمة، وحددت آلياته على أسس تشريحية دقيقة، من هؤلاء العلماء: ألبرتو ماجنوس Albertus Magnus والعالم والفنان المعروف ليوناردو دافنشي (1452 – 1519)، ثم رينيه ديكارت (1596 – 1650) وتم تتويج كل تلك الجهود بنظرية خصوصية الألمspecificity theory للعالم الألماني جوهانيس موللر Johannes Muller (1801 – 1858) عام 1835 م، والتي صاغها استناداً لفكر ديكارت في كتابه (الإنسان) L, Homme الذي صدر بعد وفاته بأربعة عشر عاما، أي في عام 1664. Whitworth2005:16 - 17))

لقد كانت نظرية خصوصية الألم هي النظرية الفسيولوجية الأكثر حضورا في معظم الكتب الدراسية في علوم الأعصاب neurology وفسيولوجيا الأعصاب neurophysiology وجراحة الأعصابneurosurgery ، وانطلقت من قضية أساسية وهي أن نظاما معينا للألم يحمل رسائل من مستقبلات الألم بالجلد إلى مركز الألم بالمخ، فكل الأعصاب تعد حساسة لنفس المؤثر، لكن ردود أفعالها لذات المؤثر تكون متباينة، وخضعت النظرية لعدة تعديلات حتى مطلع القرن التاسع عشر، مع تطور الفسيولوجيا كعلم تجريبي، ففي عامي 1894، و1895 نشر فون فيري Von Frey سلسلة من المقالات قدم من خلالها نظرية الحواس الجلدية Cutaneous Senses حيث وسع مفهوم (موللر) عن الحاسة الوحيدة الخاصة باللمس إلى أربع حواس جلدية وهي اللمس، والدفء، والبرد، والألم، ولكل منهم مركزه الخاص بالمخ المسئول عن الإحساس الملائم. وتبع ذلك جهود علمية متعددة لتفسير الألم، وبقيت كلها في سياق الخطاب الفسيولوجي. (Bendelow and Williams 1995a:141)

إن السمة الأساسية للنظرية الفسيولوجية هي النظر إلى الألم كعملية عضوية خالصة، آلية الطابع، لا دخل لأي عوامل خارجية فيها، سواء أكانت تلك العوامل نفسية أو اجتماعية أو ثقافية.

ونخلص مما سبق أن الوعي الإنساني بالألم قد قطع شوطا طويلا على مدار التاريخ الإنساني لفهمه وتفسيره، بداية من التفسير الميثولوجي الماورائي إلى التفسير الفسيولوجي العلمي الحديث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه المقالات مأخوذة بشكل أساسي من المرجع التالي:

د. حسني إبراهيم عبد العظيم، الألم: مقاربة سوسيو - أنثروبولوجية، مجلة نقد وتنوير، الصادرة عن مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية، الكويت، العدد الثاني خريف 2015.

(*) تدور محاورة فيدون حول اليوم الأخير من حياة سقراط، وهو اليوم الذي تجرع فيه السم، ولقد صور أفلاطون أحداث ذلك اليوم بأسلوب أدبي غاية في الروعة والتأثير، وفيما يتعلق بقضية اللذة والألم، كتب أفلاطون: أما سقراط فقد جذب، وهو جالس على سريره، ساقه إليه ودلكها بيده، وقال وهو لا يزال يدلكها: لكم يبدو غريبا أيها الأصدقاء ذلك الشيئ الذي يسميه الناس باللذة، ولكم هي عجيبة طبيعة علاقته بما يعتقد الناس أنه نقيضه، الألم ، فلا يرضى أحدمنهما بأن يكون حاضرا في نفس الوقت مع الآخر عند الإنسان، ولكن إذا ما تتبع المرء أحدهما وأمسك به، فإنه يكون من الضروري دائما أو يكاد أن يمسك بالآخر، حتى لكأنهما مقيدان إلى رأس واحدة رغم كونهما اثنين، واعتقد أن أيسوب (وهو أشهر مؤلفي الخرافات في اليونان القديمة) لو كان قد تنبه لهذا، لكان ألف خرافة تبين أن الإله أراد أن يؤلف بين هذين العدوين، فلما لم يستطع ربط بين رأسيهما عند نفس المكان، ولهذا السبب فما إن يحضر واحد منهما، حتى يأتي الآخر على أثره، وهذا فيما أعتقد هو نفس ما يحدث لي أنا نفسي، حيث أنني بعد الألم الذي كان في الساق تحت تاثير القيد، أحس بأن اللذة قد جاءت على أثره. أنظر (أفلاطون 114:2001)







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,998,067
- تطور الوعي الإنساني بالألم من الميثولوجيا إلى السوسيولوجيا 4 ...
- الفكر الاجتماعي في الإسلام 2/2
- بعض جوانب الفكر الاجتماعي في الإسلام 2/1
- ملامح الفكر الاجتماعي في الديانة المسيحية
- الفكر الاجتماعي في الحضارة الرومانية 2/2
- الفكر الاجتماعي في الحضارة الرومانية 2/1
- الشيخوخة النشطة: رؤية أنثروبولوجية 2/2
- الشيخوخة النشطة: رؤية أنثروبولوجية 2/1
- ختان الإناث: رؤية سوسيولوجية موجزة
- الفكر الاجتماعي في الحضارة اليونانية 4/4
- الفكر الاجتماعي في الحضارة اليونانية 4/3
- الفكر الاجتماعي في الحضارة اليونانية 4/2
- الفكر الاجتماعي في الحضارة اليونانية 4/1
- رحيل فاطمة المرنيسي: الآن سكتت شهرزاد السوسيولوجيا العربية
- ماكس فيبر: الأخلاق البروتستناتية وروح الرأسمالية
- الفكر الاجتماعي في الحضارات الشرقية القديمة 2/2
- الفكر الاجتماعي في الحضارات الشرقية القديمة 1/2
- الثقافة والحضارة هل هما مترادفان؟
- إرهاصات الفكر الاجتماعي في عصور ما قبل التاريخ
- في تاريخ الفكر الاجتماعي: مفاهيم أساسية


المزيد.....




- قيس سعيد يؤدي اليمين الدستورية رئيسًا جديدًا لتونس
- ناشط لبناني يوضح لـCNN ماذا يعني -إسقاط النظام- بلبنان
- صور لم تُنشر من قبل للمغنية العالمية ريانا من حياتها الشخصية ...
- إخلاء النقاط العسكرية الكردية قرب الحدود التركية تنفيذا للات ...
- تقرير: الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى خشية من صواريخ مجن ...
- سيناتور أمريكي قلق من الاتفاق الروسي-التركي ويتهم واشنطن بال ...
- بوتين يرحب بالزعماء الأفارقة في سوتشي
- مصدر أمني تركي: أنقرة ستعيد تقييم خطتها لإنشاء مراكز المراقب ...
- وزير الخارجية العراقي: روسيا أبدت مرونة كبيرة في تقديم الدع ...
- موسكو تعتبر أنّ واشنطن "خانت" الأكراد في سوريا


المزيد.....

- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسني إبراهيم عبد العظيم - تطور الوعي الإنساني بالألم من الميثولوجيا إلى السوسيولوجيا 4/2