أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - عصام الخفاجي - ترمب: جاذبية القومية وأوهامها















المزيد.....

ترمب: جاذبية القومية وأوهامها


عصام الخفاجي
الحوار المتمدن-العدد: 5421 - 2017 / 2 / 3 - 09:33
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    



العمود الفقري الذي ينتظم رؤية ترمب لأمريكا ومشاكلها ودورها في العالم يقوم على أن "أمّتنا ضحية استغلال دول أخرى تنتج بضائع بأسعار أرخص وتغرق أسواقنا مدمّرة بالتالي صناعتنا الوطنية. عمّالنا يعانون من البطالة والفقر لأن غيرنا يغتني على حسابنا. أمريكا تنفق مليارات الدولارات للدفاع عن بلدان أخرى من دون أن تقبض ثمنا في المقابل". في السابق كان من المسلّم به أمريكيا أن الدعم العسكري لبلدان أو مناطق بعيدة ضروري لتأمين مصالح أمريكا و"العالم الحر" لأن تهديد مصادر الطاقة أو الأنظمة الرأسمالية هو تهديد لرأس المال الأمريكي والعالمي. كانت جمهرة غفيرة من شعوب العالم، بما فيه المتقدم، تطالب بإزالة القواعد العسكرية الأمريكية عن أراضيها فترد أمريكا بتنظيم انقلابات عسكرية ضد النظم المؤيدة لمطالب كهذه وتنفق مئات الملايين في أوربا المستعصية على الإنقلابات العسكرية لدعم الأحزاب اليمينية.
مذهل أن يشتكي من المنافسة زعيم العالم الرأسمالي والدولة التي تفتخر بكونها النموذج الأكثر صفاءا للنهوض الإقتصادي ولتحقيق الرفاه اعتمادا على قوانين السوق والحرية الإقتصادية وحريّة انتقال رأس المال بحثا عن تعظيم الأرباح. مذهل أن أمريكا مالكة أكبر نسبة من أسهم صندوق النقد الدولي والمتحكمة فيه فعليا لا توافق على منح قرض لبلد إن لم ينفتح على حرية انتقال رأس المال لكنّها تقرر معاقبة رأسمالييها إن اتّبعوا قوانين السوق وقرروا الإستثمار في المكسيك أو الهند أو غيرها . مذهل أن يصوّت الأمريكان لصالح رئيس ينقض ما تربّوا عليه من أن الحرية السياسية والديمقراطية لاتتحقّقان إلا بتحقّق الحرية الإقتصادية المترادفة وفق هذا الفهم مع حرية انتقال رأس المال والعمل. مذهل أن البلد الذي يفتخر بكونه أمّة من المهاجرين يصوّت لصالح بناء سور مع جاره لمنع الهجرة إليه، بل أنه يطالب الضحية بدفع تكاليف بنائه.
ما يستدعي التأمّل هو أن هذا النزوع إلى الإنغلاق القومي ليس سائدا في أوساط الترومبويين فقط. ترمب كان الأشطر في التلاعب بمزاج شائع سعى كل المرشّحين الجديين للرئاسة إلى دغدغته عارفين أن طريقهم إلى البيت الأبيض لن تقرّره الدراسات بل المزايدة في رفع الرايات القومية. لم يمتلك أيا من هؤلاء الجرأة لدحض الشعار/ السعار المضلل: "ثراؤهم سبب فقرنا وفقرنا سبب ثراؤهم". هذا الشعار/ السعار مضلّل لأنه نجح في تبرأة النظام الرأسمالي الأمريكي من مسؤوليته عن إيصال حال محدودي الدخل الأمريكان إلى ماوصل إليه ملقيا اللوم على بلدان أخرى أغوت بضعة رأسماليين صناعيين أمريكان على نقل نشاطاتهم إليها.
انتقال رأس المال الصناعي والخدمي إلى مختلف بلدان العالم ذات اليد العاملة الرخيصة و/ أو التي تقدم إغراءات ضريبية أحد معالم العولمة التي لايمكن تخيّل النظام الرأسمالي المعاصر من دونها. هو معلم لا يقتصر على رأس المال الأمريكي بل الأوربي والصيني وحتى رؤوس أموال مصدرها بلدان أقل تقدّما. هذه العولمة التي بات الأمريكان يرونها شرّا لابد من محاربته حققت للبشرية، لا لرأس المال فقط، مالم يحققه أي تطور آخر في التاريخ البشري. فخلال أقل من عشرين سنة انخفضت نسبة من يعيشون في حالة فقر مدقع من 35% بالمئة أي أكثر من ثلث سكان الأرض عام 1993 إلى 14% عام 2011.
لكن الحصيلة كانت كارثية بالنسبة للأمريكان والأوربيين. فوفقا لإستطلاع رأي أخير يرى 95% من الأمريكان أن الفقر يتزايد . لم يتزايد الفقر في أمريكا ولا في أوربا في واقع الحال. لكن الإنطباع السائد عن ازدياد الفقر لم يأت من فراغ ولم يكن نتاجا ضروريا للعولمة بل نتاج ترك المجتمعات تحت رحمة حركة السوق المنفلتة. وحين تدخّلت الدول لمجابهة الأزمة الإقتصادية التي عصفت بالغرب بسبب مضاربات البنوك وشركات التأمين عام 2008، قامت بتعويض البنوك لمنع إفلاسها وحمّلت ذوي الدخول المحدودة عبء دفع تلك المكافأة. حركة الإجور سارت سلحفاتية طوال العقود الأربعة الماضية فيما حققت دخول الفئات العليا قفزات لا سابق لها بحيث عادت فجوة الدخل بين الأكثر فقرا والأكثر غنى إلى ماكانت عليه أيام الكساد العالمي الكبير عام 1929. عام 1980، كان متوسط دخل من ينتمي إلى فئة الواحد بالمئة من أغنى الأمريكان يعادل 27 ضعف دخل من ينتمي إلى الخمسين بالمئة الأقل دخلا. أما الآن فإن دخل هؤلاء المحظوظين يعادل 81 ضعف ما يحصل عليه إبن النصف الأدنى منهم. في منتصف سبعينات القرن الماضي كان متوسط الدخل السنوي لمن ينتمي إلى ألواحد بالمئة الأكثر غنى 340 ألف دولار ارتفع الآن إلى مليون دولار، وفي المقابل ارتفع متوسط الدخل الحقيقي للنصف الأدنى من السكان خلال ثلاثة عقود من عشرين ألف دولار إلى خمسة وعشرين ألف فقط.
ليست حال التحوّل من سيادة قطاع اقتصادي إلى آخر فريدة في تاريخ الرأسمالية، بل هي ماجعل الرأسمالية نظاما ثوريا يعجز عن البقاء من دون رفع مستمر للإنتاجية. ارتفعت إنتاجية العمل الزراعي في أوائل القرن العشرين فانخفض عدد العاملين في الزراعة من حوالى 40% من السكان إلى خمسة في المئة فقط في أمريكا وبريطانيا باتوا ينتجون كميات أكبر من المحاصيل. لكن الصناعة المتوسّعة كانت تستوعب من أزيحوا وتوفّر لهم مستويات معيشة أعلى. وهكذا كان الحال مع صعود الصناعة على حساب الحرف. اختلاف المشهد الراهن يكمن في أن قطاعات الإقتصاد الصاعدة في مجالات التكنولوجيا والمعلوماتية تتطلّب قوة عمل عالية الكفاءة. وكان ممكنا وضروريا أن تتحمّل الدولة وأرباب العمل تكاليف عملية إعادة تأهيل من فقدوا وظائفهم بسبب تراجع القطاعات الصناعية. لكن السياسات النيولبرالية التي أرساها ريغان وثاتشر في الثمانينات ليست، ولم تكن، في هذا الوارد. فثمة سوق حرة تغرف منها القطاعات الصاعدة من دون عناء. محدودو الدخل ليسوا عاطلين عن العمل فالبطالة في أدنى مستوياتها منذ عقدين. لكنهم مضطرون إلى القبول بأي وظيفة مهما كان الأجر منخفضا ومن دون ضمانات ضد التسريح الذي لاترافقه تعويضات ضمان اجتماعي أو صحّي. وهذا هو مصدر القلق المستشري في أوساط الأمريكان ذوي الدخل المحدود.
في غياب بدائل تحفظ كرامة العمال المسرّحين، لم يعد ممكنا الإحتفاء بتكامل عالمي ينقل الإنتاج والخدمات إلى حيث تكون الكلفة أقل ويؤمن لأغلبية سكانية في معظم البلدان المنخرطة في شبكة العولمة تحسين أوضاعها المادية. فالبديل يتمثّل في الإعتراف بأن النيولبرالية باتت تقف عائقا أمام التطور وهي، وليست العولمة، المسؤولة عن الإستقطابات الإجتماعية الخطيرة التي يشهدها الغرب. والمحزن أن سياسيا تقدّميا مثل بيرني ساندرز تساوق مع المزاج السائد وساهم في إيهام ذوي الدخل المحدود بأن إغلاق السوق القومية هو ترياق أمراضهم. والخوف من الخارج هو الملازم الضروري للخوف من "الغرباء" في الداخل أي المقيمين الأجانب الذين "يقبلون بإجور أقل ويستولون على وظائفنا".
وهنا تكمن مفارقة عصرنا، الطبقة العاملة الصناعية التي كانت رمزا للثورية باتت قوة رجعية لاترى أن مستقبلها يمر عبر الإندماج في النشاطات الصاعدة ولا ترى أن رأس المال هو من يعيق اندماجها بل تتآكلها نوستالجيا العودة إلى عالم انقضى وترتمي على مزابل اليمين المتطرف في أمريكا وأوربا التي تكرّس هذا الوهم في أذهانها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- احتضرت الثورة، فاحتضر صادق
- سوريا من تخاذل أوباما إلى خذلان ترمب
- مهمّات جديدة تنتظر الحشد الشعبي
- يمين الثورة السورية ويسارها
- السياسة كفعل تراجيدي
- عن تكوّن الدول وصناعة الأمم وتفسّخها
- الطائفة تعلن الحرب على الطائفية
- جلال الماشطة الذي غادر ولم يغادر
- إصلاح ما لايمكن إصلاحه في دولة أمراء الحرب
- في هجاء الجماهير
- عصام الخفاجي - مفكر و باحث اكاديمي يساري - في حوار مفتوح مع ...
- عن العبادي وإغواء الزعامة
- عن غزو الكويت وانحطاط السياسة
- سايكس- بيكو كردياٍ
- إيران خامنئي وإيران روحاني والعرب
- لتعلن بغداد استقلال كردستان
- عشيرة السنّي وطائفة الشيعي
- عبد ربّه منصور العبادي والرئيس المخلوع
- عن أمريكا المتآمرة وإيران الحنون
- لكي لاتنتحر المقاومة السورية


المزيد.....




- أردوغان مهاجما بارزاني: من أين لك الحق بكركوك؟.. نحن أحفاد ا ...
- بكين تدعو واشنطن إلى موقف موضوعي من دور الصين على الساحة الد ...
- موسكو تبحث مع طهران تنسيق الجهود حفاظا على الاتفاق النووي
- جيرينوفسكي: سوبتشاك رقيب وروسيا تحتاج إلى ماريشال
- وزيرة أمريكية تكشف عما تبيته منظمات إرهابية للولايات المتحدة ...
- هل تفرض مدريد الوصاية على إقليم كتالونيا بموجب المادة 155؟
- هل تنضم قوات البيشمركة إلى القوات العراقية؟
- الحكومة الاسبانية ستطلق عملية تعليق انفصال كتالونيا
- معارضة جمهورية لمبادرة تتعلق بأوباما كير
- مدريد ستعلق العمل بالحكم الذاتي في كاتالونيا


المزيد.....

- حق تقرير المصير الاطار السياسي و النظري والقانون الدولي / كاوه محمود
- الصهيونية ٬ الاضطهاد القومي والعنصرية / موشه ماحوفر
- مفهوم المركز والهامش : نظرة نقدية.. / تاج السر عثمان
- التعايش في مجتمعات التنوع / شمخي جبر
- كه ركوك نامه / توفيق التونجي
- فرانز فانون-مفاتيح لفهم الإضطهاد العنصري والثقافي عبر التاري ... / رابح لونيسي
- الجذور التاريخية للتوظيف السياسوي لمسائل الهوية في الجزائر / رابح لونيسي
- المندائيون في جمهورية ايران الاسلامية بلا حقوق!! / عضيد جواد الخميسي
- واقع القبيلة والقومية والامة والطبقات في السودان. / تاج السر عثمان
- حول التعدد الثقافى فى السودان / محمد مهاجر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - عصام الخفاجي - ترمب: جاذبية القومية وأوهامها