أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم مشارة - كار بوكامل والحافلة الزرقاء/قصة الصراع بين القديم والجديد














المزيد.....

كار بوكامل والحافلة الزرقاء/قصة الصراع بين القديم والجديد


إبراهيم مشارة

الحوار المتمدن-العدد: 5415 - 2017 / 1 / 28 - 12:22
المحور: الادب والفن
    


ريض ماتمشيش راكب لزرق

سهرة وحدة ماتدزينيش يابوي راكب لزرق

عرفنا كار بوكامل حين جئنا إلى الدنيا وكانت وسيلتنا في التنقل إلى البرج والعودة منه إلى زمورة فالدنيا تنتهي عند الكثيرين عند البرج ولا تتعداه: التسوق ،زيارة الطبيب ، زيارة الأهل موقفها أمام بيت بن عبيد وسائقها خالي عمر –رحمه الله- شاش أصفر يلف الرأس سروال عربي ابتسامة يوزعها بالمجان وسيجارة بدون فلتر لا تفارقه والكل يسعى إلى الجلوس بجانبه فلحديثه حلاوة وفي وجهه سر خفي الطيبة والإخلاص والحيوية وخدمة الناس بلا كلل أو ملل هذا يطلب منه جلب الدواء وذاك شراء بضاعة والآخر تبليغ رسالة، كان بابا الطاهر يرسلني إلى والدي أثناء العطلة إلى البرج ويوصي بي خالي عمر لينزلني أمام حانوت أحد معرف والدي ليأخذني بعد الفراغ من التدريس.
كار بوكامل المطلية بالأبيض والأخضر شريان البلدة الذي يزودها بكل احتياجاتها كانت وسيلتنا الوحيدة إلى الاتصال بالمدينة وفي المساء كنا ننتظرها ولانتظارها متعة تظهر من بعيد تزحف رويدا رويدا دخانها يملأ الأجواء تقف في كل مكان بلا محطة فالراكب هو الذي يحدد الموقف بل تجد العجوز يخرج من بيته ويقف بجانب الطريق يلوح بعصاه فيقف خالي عمر ويصعد العجوز! حين تنطلق من زمورة في الصباح الباكر لا تصل إلى البرج إلا بعد مدة طويلة بطيئة وتقف في كل مكان بداخلها خليط عجيب شيخ يسعل ويتمخط، وعجوز تريد أن تقيئ وتخرج قارورة عطر صغيرة تتشهد وتكبر :
آآما دخت يا ربي سترك مصيبة رائحة المازوت الله لا تربح الرومي، شيخي كان يركب البغلة ويتسوق يخي زمان
وشباب ذاهبون إلى الدراسة ومتسوقون وفلاحون ودجاج وديوك تصيح وسلال مملوءة بالبيض والخضر ، بل يقف الرجل بجانب الطريق معه حماره يريد أن يبيعه في سوق زمورة فيتوقف خالي عمر لكن القابض يرفض ركوب الحمار:
ربحت سيدي تركب أنت والحمار!
ولم لا.؟إنه جحش وليس حمارا وهو عاقل ولا يأخذ مكانا كبيرا هو كغيره من الركاب وأدفع ثمن ركوبه ما لفرق بينه وبين الجدي والديك والدجاجة؟ المال العقون كله
حين تطل علينا في المساء من الخريزة نصيح نستبشر نصفق جاءت الزلابية إن كان رمضان ،جاء الأب بالحلوى إن كان متسوقا جاء الدواء، جاء أقاربنا الذين لم نرهم منذ زمن كأن البرج في قارة أخرى نراقبها تسير الهوينى مر السحابة لا ريث ولاعجل وحين تصل إلى الدهسة تتمهل تكاد تتوقف كصوت المذياع حين تبدأ البطاريات في النفاد وتقاوم الكار المنعرجات تقول للجميع ما زلت لم أشخ سأصل إلى زمورة مهما كانت المنعرجات والعقبة قوية ، ويخرج الركاب حامدين الله على السلامة ونصيح نحن الأطفال ويخرج خالي عمر ببسمته المعهودة وشاشه الأصفر وسرواله العربي وسيجارته التي لا تفارقه لا يكف عن التدخين ولا يكف عن العطاء والنشاط والحديث مع الركاب.
في الشتاء وحين يبرد الجو قبل الانطلاق يشعل الحطب تحت الحافلة لتسخن فينطلق المحرك في العمل وبغير هذه الحيلة لا يشتغل المحرك وينحشر فيها الناس ببرانسهم وقشاشبهم والنساء حتى بالأغطية على الحايك فالجو شديد البرودة ورائحة المازوت قوية والكراسي قديمة مهترئة لكن الحميمية والأحاديث بين الركاب والنكت تجعل الرحلة متعة بل يفرح من كان له سفر إلى البرج بتلك الرحلة وربما خطط لها.
وجاءت المنافسة غيداء هيفاء مياسة القد زرقاء العين ذهبية الشعر في العشرين بالكاد الحافلة الزرقاء وسائقها سي عبد الحميد رجل مكتهل حيوي أنيق الثوب يضع على عينيه نظارة شمسية وناب ذهبي وحافلته زرقاء اللون عصرية محرك قوي ونظافة ظاهرة ومقاعد مريحة وسرعة كبيرة بالقياس إلى كار بوكامل ، وتهافت الناس على الركوب فيها والسفر إلى البرج أو الخريزة أو حسناوة فالرحلة بالحافلة الزرقاء صارت حلما وسعيد الحظ من وفق إلى امتطاء صهوتها !
جئت من البرج في الكار الزرقاء يا سلام كأنني في طائرة تمنيت لو أن الرحلة ما انتهت هكذا يقول أحدهم
وظل خالي عمر وفيا لحافلته يعمل بجد ولا يلقي بالا للحافلة الزرقاء يوزع البسمة بالمجان يدخن سيجارته كالعادة يتحدث يقهقه فيبدو صوته ظاهرا بين السعال ،الكلام الآخر وأنين المريض ودعاء العوز بستر الله أثناء الرحلة ، صياح الديكة، مأماة الجدي، حتى تصل الرحلة كالعادة إلى زمورة ليصل بعدها مباشرة القطيع من المرعى حين تنهي الشمس الدوام ويفرك النهار يديه اشتهاء للحكايا والأحاجي أو إذاعة الجزائر وحصصها المحببة مغرب الشعوب وصوت فلسطين، أو الأسطوانات ذات الثلاث والثلاثين دورة وأغاني درياسة وخليفي أحمد.
صارعت كار بوكامل قانون الحياة فالبقاء للأقوى وهزمها ذاك القانون كما هزم بعدها الحافلة الزرقاء وتقاعد خالي عمر ولكنه لم يلبث بعدها طويلا آثر أن ينسحب من الحياة كما انسحبت كار بوكامل . ليبدأ عصر الكهراء مكان القناديل والشموع والتلفزيون مكان الأحاجي .
غابت ابتسامة خالي عمر إلى الأبد لكن حلاوتها لا تفارق الواحد منا يستشعرها كلما ذكره وذكر ذاك الزمن الذي ولى تاركا مكانه لعصر جديد.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,330,213,343
- عمر المداح
- بيدي لا بيدك عمرو حول ظاهرة الانتحار عند بعض أدبائنا
- حكاية جدي من مطرقة الاستعمار إلى سندان الحنين إلى الوطن
- رقصة زوربا في حضرة راعي السويقة
- مسحوق الديب
- يا أيها الفرح زرنا مرة في السنة
- سلطة اللغة
- فتنة باريس/دفاعا عن ثقافة الأنوار
- مي زيادة وصالونها الأدبي(تحية لكل امرأة واقفة صامدة كالشجرة)
- فى حب مصر: عتاب بين يدى إيزيس
- الجواهري شاعر الرفض والإباء) نحو مجتمع مدني ديموقراطي عادل و ...
- خابية الأوهام -حاجينا وجينا-
- تأملات في عالم حنا مينة الروائي (المقال مهدى لروح صادق جلال ...
- في وداع جدي
- بروميثيوس عربيا
- كلمة عن العلم
- حلم
- أشراف و..........
- عذابات مثقف غير عضوي
- سيدة لبنان وجارة القمر في عيد ميلادها:


المزيد.....




- الكدش تنسحب من حفل توقيع اتفاق الحوار الإجتماعي
- عاجل.. العثماني يقدم تفاصيل الاتفاق الذي تم توقيعه مع النقاب ...
- اشتهر بعد إلقائه قصيدة أمام صدام.. الموت يغيّب الشاعر العراق ...
- الضوء: وسيلة الرسم المغرقة في القدم
- فنانو روسيا يعدون -الصرخة- لمسابقة -يوروفيجن-
- رامي مالك يواجه -جيمس بوند- في أحدث أفلامه
- بالصور.. تشييع جثمان الشاعر الشعبي خضير هادي إلى مثواه الأخي ...
- تأكيد انضمام رامي مالك إلى سلسلة -جيمس بوند-!
- أمزازي: رقمنة التعليم والتكوين «أولوية» يرعاها الملك محمد ال ...
- بيت نيمه.. ملتقى قطري للثقافة والفنون


المزيد.....

- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم مشارة - كار بوكامل والحافلة الزرقاء/قصة الصراع بين القديم والجديد